المقدمة
التعليقة القاضي أبو محمد الحسين بن محمد بن أحمد المروروذي
تحقيق/ الشيخ/ علي محمد معوض والشيخ/ عادل أحمد عبد الموجود
مكتبة نزار مصطفى الباز مكة المكرمة
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه أستعين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله أجمعين.
قال- رضي الله عنه وعن والديه -: ليس شيء أفضل عند الله تعالى من طلب العلم، والله تعالى إنما فضل آدم صلوات الله عليه لأجل العلم.
قال الله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها).
الآية
قيل: أراد به اسم جميع الأشياء حتى الفأس والقدر، وغيرهما.
وقال الله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم).
فجعل العلماء في الدرجة الثالثة في الشهادة على وحدانيته
وقد روي في هذا الباب أخبار كثيرة:
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «من أحب العلم والعلماء لم تكتب عليه خطيئة أيام حياته».
الجزء: 1 - الصفحة: 79
وروي أنه قال عليه السلام: «من أكرم عالما فكأنما أكرم سبعين نبيا، ومن أكرم متعلما فكأنما أكرم سبعين شهيدًا».
وروي أنه قال عليه السلام: «من صلى خلف عالم فكأنما صلى خلف نبي، ومن صلى خلف نبي فقد غفر له من ذنوبه ما تقدم».
وروي أنه قال عليه السلام: «من تعلم بابًا من العلم ليعمل لنفسه، أو ليعلم غيره كان أفضل من ألف ركعة».
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العلماء أمناء الرسل ما لم يخالطوا السلاطين، فإذا خالطوهم فاجتنبوهم، ومن تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو يأتي باب الملوك ويستجلب دنانيرهم، ودراهمهم لقي الله
الجزء: 1 - الصفحة: 80
تعالى وهو عليه غضبان، ويأتي ذلك العلم وشقه مائل ولعابه سائل، يقذره الخلائق».
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، سأل جبريل -عليه السلام-: أي الجهاد أفضل؟ قال: طلب العلم، قال: ثم بعد؟ قال: النظر إلى وجه العالم، قال: ثم بعد؟ قال زيارة العلماء)
الجزء: 1 - الصفحة: 81
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى المتعلمين.
ما من طالب علم يختلف إلى باب العالم إلا كتب الله تعالى له بكل قدم عبادة سنة، وبني له بيتا في الجنة، ويمشى على الأرض، والأرض تستغفر له، ويصبح ويمسى مغفورًا له، وشهدت الملائكة بأن هؤلاء عتقاء الله من النار.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: النوم على العلم أفضل من الصلاة على الجهل.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي الدرداء: أغد عالمًا أو متعلمًا، ولا
الجزء: 1 - الصفحة: 82
تكن الثالث فتهلك.
وروى أنه قال عليه السلام: اغد عالمًا أو متعلمًا أو مستمعًا أو محبًا، ولا تكن الخامس فتهلك.
وروى أنه قال عليه السلام: الناس اثنان: عالم، ومتعلم، وسائر الناس همج لا خير فيهم.
والهمج: دويبة تطير على رأس الحش.
وروى أنه عليه السلام، قال: اطلبوا العلم ولو بالصين.
الجزء: 1 - الصفحة: 83
وروي عن كثير بن قيس أنه قال: كنت في مجلس أبي الدرداء، إذ دخل من ناحية دمشق، فقال له: من أين جئت؟ فقال: جئت من ناحية دمشق، فقال: لماذا جئت؟ فقال: جئت لتروي لي خبرًا عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أبو الدرداء: أما جئت إلا لهذاا؟ فقال: والله ما جئتك لحاجة في دينار ولا درهم، وإنما جئتك لتروي لي خبرًا عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سلك طريقا في طلب العلم سلك به طريق من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العلماء يستغفر لهم من في السموات، ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب،
الجزء: 1 - الصفحة: 84
وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ شيئا منه، فقد أخذ بحظ وافر.
قوله: تضع أجنحتها، قيل: تواضعًا وتقربًا إليهم.
كقوله تعالى (واخفض جناحك للمؤمنين).
وقيل: إنها تبسط أجنحتها حتى يمشوا عليها.
وروى أن عبد الله بن المبارك قيل له: لو أوحي الله تعالى إليك، أنه لم يبق من عمرك إلا هذه العشر، ما كنت صانعًا فيه؟ قال: كنت أطلب العلم.
وحكي عن سفيان الثوري أنه قال: ليس شيئا أفضل عند الله تعالى من طلب العلم إذا صحت النية.
الجزء: 1 - الصفحة: 85
فقيل: وما صحة النية؟ فقال: أن يراد به وجه الله تعالى، والدار الآخرة.
وروى عنه أيضا أنه قال: تعلمنا العلم لغير الله، فأبي العلم أن لا يكون إلا لله.
وسفيان رجل كثير العلم حتى أنه قيل: إنه جلس بين يديه أربعة آلاف محبرة يكتبون الحديث منه.
وقال الشافعي رحمه الله، وأنار برهانه، وجعل الجنة مثواه ومضجعه، طلب العلم أفضل من صلاة النافلة.
الجزء: 1 - الصفحة: 86
وقال أيضا: طالب العلم عبد، والعلم حر، فمن خدمه ملكه، ومن تجبر عليه هجره، والعلم أشد تجبرًا من أن يخضع لمن لا يخضع له.
فصلٌ: العلم علمان: علم التوحيد، وعلم الشريعة.
الجزء: 1 - الصفحة: 87
فأما علم التوحيد: فيجب علي كل مكلف أن يعرف الله تعالى بالصفات التي وصف بها نفسه، ولا يجوز التقليد في علم التوحيد، فإذا عرف الله
الجزء: 1 - الصفحة: 88
تعالى ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويؤمن بالبعث والقيامة، وما يليق به فيكون مؤمنا، والمتكلمون من أصحابنا تعمقوا فيه، فقالوا: ينبغي أن يعرف الله تعالى بالدليل، فإن لم يعرفه بالدليل، فلا يكون مؤمنًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 89
والأصح: أنه يحكم بإيمانه إذا كان مقرًا بمعرفة الله تعالى وبأوامره ونواهيه، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى.
والدليل على أن معرفة الله تعالى ممكن من غير لحاق مشقة: أن الله تعالى إذا أتم خلقه الإنسان، وسوى حواسه الخمس، فإذا نظر إلى السماوات وما فيها، وإلى الأرضين وما فيها من أنواع الخلائق، وإلى نفسه علم أن له صانعًا مدبرًا حكيمًا.
قال الله تعالى: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون).
وهذا العلم يفترض على من كان بالغًا عاقلاً.
والعلم الثاني: علم الشريعة:
وذلك قسمان: قسم يجب على من كان بالغًا عاقلا أن يتعلم ذلك، وقسم يكون فرضًا على الكفاية.
فأما ما هو فرض عين: فإنه علم ما يتوصل به إلى عبادة الله تعالى لأن
الجزء: 1 - الصفحة: 90
الله تعالى، قال (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين) الاية، وقال: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).
فمن كان بالغًا، يجب عليه أن يتعلم علم الصلاة: الفرائض، والسنن، والتمييز بين فريضة وفريضة، وبين السنن والفرائض، ويجب عليه أن يتعلم ما تكون السنن من الصلاة والأركان، فلو أتي بالصلاة بأركانها، وسنتها على اعتقاد أن الكل يكون سنة لا تصح صلاته قولا واحدًا.
ولو أنه أدى الكل على ظن أن الكل فرض، فالمذهب الصحيح، أنه لا تصح صلاته.
ومن أصحابنا من قال: تصح صلاته.
وكذلك إذا ابتلي بالزكاة، فيجب عليه أن يتعلم علم الزكاة، في أي جنس تجب الزكاة، ومن أي جنس تخرج الزكاة، ومتى تخرج؟، وإلى من تصرف؟
الجزء: 1 - الصفحة: 91
وإذا ابتلي بالصوم، فعليه أن يتعلم كيفية النية، والمفطرات للصوم.
وإذا ابتلي بالحج، فعليه أن يعرف أركان الحج، والمفسدات للحج.
الجزء: 1 - الصفحة: 92
وإذا ابتلي بالبيع والتجارة، فعليه أن يتعلم من علم البيع كيفية المعاملة، وما يجري فيه الربا.
الجزء: 1 - الصفحة: 93
وما لا ربا فيه، وكيفية الإيجاب والقبول وإذا ابتليى بالنكاح، فينبغ أن يعرف الوقت الذي يحرم فيه إتيان
الجزء: 1 - الصفحة: 94
النساء، والدليل على هذا قوله عليه السلام، بني الإسلام على خمس.
الحديث.
وقال عليه السلام: طلب العلم فريضة على كل مسلم، الحديث
الجزء: 1 - الصفحة: 95
أراد به: ما ذكرنا مما هو فرض على كل بالغ عاقل.
قال الشافعي رحمه الله: ويجب على كل امريء أن يتعلم من العربية ما يؤدي به فرائص الله تعالى.
والعلم الثاني: مثل دقائق المسائل في الصلاة، وفي الشركة.
الجزء: 1 - الصفحة: 96
وفي القراض، والديات، وهذا فرض على الكفاية.
الجزء: 1 - الصفحة: 97
فإذا قام به بعض الناس سقط عن الباقين.
فإذا كان بلد، فلو واحدًا من أهل ذلك البلد، تعلم من العلم ما يحتاجون إليه، فقد أسقط الفرض عن الباقين.
وإن لم يقم به أحد، فإن الكل عاصون لله تعالى.
كما نقول في الجهاد، فإن ذلك فرض على
الجزء: 1 - الصفحة: 98
الكفاية، فيجب على الإمام أن يغزو في كل سنة إما بنفسه، وإما
الجزء: 1 - الصفحة: 99
بسراياه، حتى [لا] يكون النفير معطلا في عام، وأن تكون كلمة الإسلام عالية، وكلمة الشرك مقهورة.
وكذلك نقول في رد السلام، ودفن الموتى، فإن هذه فروض على الكفايات، فإذا قام به البعض، سقط الحرج عن الباقين، وإن لم يقم به أحد، حرج الكل.
والدليل على أنه إذا قام به البعض، سقط على الحرج عن الباقين، قوله تعالى: (وما كان المؤمنين لينفروا كافة).
منهم من قال: إنما نزل هذا في الجهاد لما نزل قوله تعالى: (انفروا خفافًا وثقالاً).
الجزء: 1 - الصفحة: 101
خرج جميع الصحابة إلى الغزو، فأنزل الله تعالى هذه الأية، فقالوا هلا خرج من كل قوم طائفة، وبقيت طائفة ليتعلموا علم الشريعة؟
ومنهم من قال: إنما نزل هذا في شأن حي من أحياء بني أسد وبني خزيمة، جاءوا بقضهم وقضيضهم إلى المدينة لطلب العلم حتى أفسدوا الطريق على الناس بالعذرة.
فقال الله تعالى: (فولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين) الآية، يعني: أحد.
والمراد بـ (الطائفة): الواحد، فهذا دليل على أنه لا يجب على كافتهم أن يتعلموا الشرع.
قال رضي الله عنه: استنبط من هذا: أنه إذا تفقه في الدين، ورجع إلى قومه أن يذكر قومه وينذرهم لأن الله تعالى قال (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) الاية.
وفي العلوم كثرة، فيجب على العاقل اللبيب أن يتعلم أولى العلوم، وأولى العلوم علم الشريعة، حتى يتوصل بذلك إلى عبادة الله تعالى.
وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد.
الحديث.
الجزء: 1 - الصفحة: 102
وقال عليه السلام: من تفقه في دين الله، كفاه الله هم دينه ودنياه ... الحديث.
وقال أبو الفتح البستي:
مدة العمر لا تفي بجميع المطالب ... فدع النفل جانبًا واشتغل بالواجب
ويجب على المرء أن يختار مذهبًا، وأصح المذاهب، مذهب الشافعي رحمه الله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الأئمة من قريش.
وقال عليه السلام: قدموا قريشًا ولا تقدموها، وتعلموا من قريش ولا تعلموها، وروى: ولا تعاطوها.
الجزء: 1 - الصفحة: 103
والشافعي رحمه الله عليه كان من صميم قريش، وحرمت عليه الصدقة المفروضة، كما حرم عليهم، ويستحق منهم [سهم] ذوي القربى، كما أنهم يستحقونه.
وروى أن المزني رحمه الله عليه رأي النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فسأله عن محمد بن إدريس الشافعي، فقال صلى الله عليه وسلم: من أحب محبتي وسنتي فعليه بمحمد بن إدريس الشافعي، فإنه منى وأنا منه.
الجزء: 1 - الصفحة: 104
والمتبحرون في العلم ثلاثة: مالك،
الجزء: 1 - الصفحة: 105
أبو حنيفة، والشافعي.
فأما مالك: فكان قويا في الأخبار، ضعيفا في الرأي، والاستنباط.
وأبو حنيفة: كان قويًا في الرأي والاستنباط، ضعيفًا في الأخبار.
والشافعي: كان قويًا فيهما جميعًا.
فلهذا اخترنا مذهبه على سائر المذاهب.
الجزء: 1 - الصفحة: 106
فإذا انتحلت مذهب رجل فلا أقل من أن تعرف اسمه، ونسبه.
واسم الشافعي: أبو عبد الله، محمد بن إدريس بن عباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن المطلب بن عبد مناف.
والمطلب كان أخا هاشم جد أبي النبي صلى الله عليه وسلم وكان اسم النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
فجد الشافعي رضي الله عنه الأعلى المطلب، وجد النبي صلى الله عليه وسلم الأعلى هاشم، وهما ابنا عبد مناف.
وكان الشافعي رضي الله عنه من جملة بني أعمام النبي صلى الله عليه وسلم فهاشم الذي هو جد أبي النبي صلى الله عليه وسلم كان عم هاشم، الذي هو جد الشافعي، رحمه الله الأعلى، وهو هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف، والمطلب الذي هو جد الشافعي الأعلى، هو عم عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم وكان لعبد مناف أربعة بنين، المطلب وهاشم، وعبد شمس، ونوفل.
والشافعي إنما ولد بـ (غزة) قرية من قرى الشام، قريبة من بيت
الجزء: 1 - الصفحة: 107
المقدس، ونشأ بـ (مكة) و (المدينة) وتعلم العلم هناك، وولد في خمسين ومائة من الهجرة، وتوفي في خمس ومائتين، وكان سنه خمسًا وخمسين.
فلما تعلم العلم بـ (مكة) و (المدينة) انتقل إلى (انتقل) في سنة سبع وسبعين، وصنف هناك كتبه القديمة، وكان من رواته أحمد بن حنبل، وأبو
الجزء: 1 - الصفحة: 108
علي الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، وأبو ثور، والحسين بن علي الكرابيسي، ثم انتقل إلى مكة، وأقام هناك إلى تسع وتسعين ثم انتقل إلى بغداد، وأقام هناك مدة يسيرة، ثم انتقل إلى مصر، وأقام هناك إلى أن قبض إلى رحمه الله تعالى وصنف هناك كتبه الجديدة، وكان رواة كتبه الجديدة أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، والربيع بن سليمان المرادي،
الجزء: 1 - الصفحة: 109
والربيع بن سليمان الجيزي، وأبو يعقوب البويطي، وحرملة بن يحيى التجيبي.
وقيل: إنه صنف مائة وثلاثة عشر كتابًا في علم القرآن، وفي علم الأخبار، وفي علم الشريعة.
والمزني: كان رجلا بليدًا، فقال له الشافعي رحمه الله كنت بليدًا، فخرجتك المواظبة.
ثم المزني لما رأي كثرة تفريعات الشافعي، وكثرة كتبه استكثره، فاختصر منه كتابًا سماه جامع الكبير، وكان كتابًا حسنا بالغًا، ولم يوجد ذلك
الجزء: 1 - الصفحة: 110
الكتاب في ديار خراسان بالتمام، ثم استكثره فاختصر منه هذا المختصر، الذي تداوله الفقهاء، ثم استكثر هذا المختصر فصنف كتابًا في جزئيات.
والربيع بن سليمان المرادي صنف كتبًا كثيرة، ولكن لكثرة ورع المزني، وفقره بارك الله تعالى في كتابه، وكان يدرس هذا المختصر، وكان الفقهاء يتداولونه إلى قيام الساعة.
قال الشيخ أبو زيد - رحمه الله - من تأمل في المختصر حق تأمله، تطلع على جميع الفروع والأصول، فإنه ما من مسألة أوردها إلا ورمز هناك إلى شيء من أصول الشافعي رحمة الله عليه، والله تعالى أعلم بالصواب.
واعترض أبو طالب المعري، وأبو بكر محمد بن داود الأصفهاني على المزني، بدأ النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل أمر ذي بال لم يبدأ بحمد الله فهو أبتر.
وروى: فهو أقطع.
الحديث.
الجزء: 1 - الصفحة: 111
وهذا الكتاب لا يخلو، إما أن يكون له بال، أو لم يكن له بال، فإن لم يكن له بال، فالاشتغال به محال، وإن كان له بال، فلم ترك التحميد في أول الكتاب؟
الجواب عن هذا أن تقول:
هذا السؤال يرد عليك، فإن كلامك لا يخلو، إما أن يكون له بال أو لم يكن له بال، إلا أن هذا يؤدي إلى ما لا نهاية له، ولكن نجيب عن هذا فنقول: هذا الخبر قد روي بروايات: كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله ... ، وروى: لم يبدأ فيه بذكر الله.
وإن صح صار منسوخًا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما كتب كتاب الصلح مع أهل مكة، كتب: هذا ما صالح محمد بن عبد الله، ولم يأت بالتحميد.
وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم، من أشرف الكتب.
وقيل: بأن هذا الخبر موقوف على أبي هريرة.
الجزء: 1 - الصفحة: 112
وجواب آخر نقول: ليس من الشرط أن نكتب التحميد في أول الكتاب، ولكن المراد به أن يحمد الله تعالى - اللسان، فلا يظن بـ (المزني) مع كثرة ورعه أنه ترك التحميد في ابتداء الكتاب.
وقيل: إنه ما جمع بين مسألتين، وما اختار قولا على قول إلا وصلى ركعتين، واستخار الله تعالى، وتصدق بما يملك.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: حق المؤمن على أخيه ستة: أن يسلم عليه إذا لقيه، وأن يجيبه إذا دعاه، وأن يشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويشيع جنازته وألا يظن به إلا خيرًا.
الحديث.
وجواب ثالث: المزني نقل ما هو أعلى الأذكار، وهو بسم الله الرحمن الرحيم، فإن هذا من أعلى الأذكار وأعظمها، قال الله تعالى (هل تعلم له سميًا).
معناه: هل تعلمون أحدًا تسمى الله غير الله.
وهذه الأذكار ينوب بعضها عن البعض كما قال عليه السلام: أفضل ما دعوته أنا والنبيون قبلي عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحد وهو على كل شيء قدير.
الجزء: 1 - الصفحة: 113
فقيل لسفيان بن عيينة، هذا ثناء، وليس بدعاء، فقال: أما أنشدك قول أمية بن أبي الصلت، في شأن عبد الله بن جدعان،
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء؟
إذا أثني عليك المرء يومًا ... كفاه من تعرضه الثناء.
فقال سفيان: هذا في وصف المخلوق، فكيف برب العالمين؟
الجزء: 1 - الصفحة: 114
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى، من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، الحديث.
وجواب آخر: إن المزني لم يكن مصنفا، وإنما كان ناقلا،، وليس من عادة النقلة أن يأتوا بالتحميد، كما نقول في نقلة الأخبار.
والمصنف كان الشافعي رحمه الله وهو ذكر التحميد في صدر كتاب الرسالة، وهو كتاب في الأصول والفروع.
والتحميد فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله الذي لا يؤدي شكر نعمه من نعمه، إلا بنعمة حادثة يوجب على مؤدي شكر ماضى نعمه بأدائها نعمة حادثة يجب عليه شكرها، ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته، وهو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه الواصفون من
الجزء: 1 - الصفحة: 115
خلقه: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)، وصلى الله على محمد كلما ذكره الذاكرون وسها عن ذكره الغافلون.
وحكي أن الشافعي رحمه الله رآه واحد في المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟
فقال: غفر لي.
فقيل: بماذا غفر الله لك؟
فقال: بالتحميد الذي صدرت به كتاب الرسالة والصلاة التي صليت على النبي صلى الله عليه وسلم فيه.
ولعل الشافعي رحمه الله أخذ هذا من داود النبي صلى الله عليه وسلم وذلك ما روى أن الله تعالى أوحى إلى داود النبي عليه السلام فقال له: يا داود اشكرني.
فقال: كيف أشكرك، وشكري لك يوجب علي شكرا آخر؟
فقال الله تعالى: الآن شكرتني حين أقررت بالعجز عن شكري.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: حسبي من عبدي أن يعلم أن ما به من نعمة فمني، الحديث.
وقد نظم محمود الوراق، بيتين في هذا المعنى، فقال:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... على له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغي الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام وانفتل العمر؟
قال المزني: اختصرت.
الجزء: 1 - الصفحة: 116
الاختصار: اشتقاقه من الخصر، وهو خلاصة الشيء، واختلف عبارات أصحابنا في معنى الاختصار.
منهم من قال: الاختصار: إقلال اللفظ مع توفير المعنى.
وقيل: الاختصار: إقلال من غير إخلال.
وقيل: هو القاء المباني، وإبقاء المعاني.
وقيل: هو قبض البسيط من الكلام، ورده إلى وجيزه.
وقيل: هو رد الكثير إلى القليل، وفي القليل معنى الكثير
ومعناه: اختصر مسائل متفرقة في لفظ وجيز.
وقيل: الاختصار، الجمع، ومن هذا سمى العصا الذي يتوكأ عليها بجميع بدنه (مخصرة)، وسمي: الخاصرة، لأنها مجمع البدن من الأعلى ومن الأسفل.
اعترضوا عليه بأنه لم يقل، اختصرت، ولم يختصر بعد؟
الجواب عنه: يحتمل أنه فرغ من تصنيف الكتاب، ثم جاء وذكر ترجمة الكتاب، وهذه عادة المصنفين، أنهم يثبتون ترجمة الكتاب بعد فراغهم من تصنيف الكتاب.
وجواب آخر: معناه سأختصر، كما قال الله تعالى (أتي أمر الله) الاية.
معناه: سيأتي.
وكقوله تعالى: (ونفخ في الصور).
وقوله: (ونادي أصحاب الأعراف).
الجزء: 1 - الصفحة: 117
ومعناه: سينفخ، وسينادي
فإن قيل: لماذا اختصر والكلام إذا كان بسيطا، فيكون أقرب من الوجيز؟
قلنا: الكلام الوجيز يستفصح.
كقوله تعالى (ولكم في القصاص حياة) الاية.
وقال عليه السلام: الماء من الماء.
القطع في ربع دينار، والعمد قود
وقال عليه السلام: أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارًا.
الحديث.
وقال (علي)، كرم الله وجهه، خير الكلام ما قل ودل، ولم يطل فيمل.
الجزء: 1 - الصفحة: 118
قوله هذا.
قال القاضي حسين، اعترض عليه، فقيل له: قال: هذا، ولم يصنف الكتاب بعد والهاء إشارة إلى الموجود.
جوابه: ما ذكرت قبله.
وجواب آخر، نقول: لما سهل عليه تصنيف الكتاب، جعله كالموجود لأن (هذا) قد يشار إلى الشيء الحاضر، ويشار إلى شيء قرب وجوده.
كقوله تعالى (هذا يوم الفصل)، الاية
وقوله: (هذا يوم لا ينطقون) الاية.
وقال الشاعر:
هذا ابن عمي في دمشق خليفة ... لو شاء ساقكم إلى قطينا
أي جميعا
وهذا اسم، تارة يشار إلى العين الحاضرة، وتارة يضاف إلى الذكر الحاضر، قوله من علم الشافعي.
قال القاضي حسين: فإن قيل: علم الإنسان يكون في صفات ذاته، فلا يمتاز عنه، كالبياض والسواد.
قلت: معناه من معلوم الشافعي، وذلك أن المزني، سمع منه المسائل، ولم ينسخ ذلك، ثم صنف من ذلك العلم الذي سمع منه
ويجوز مثل هذا، كما نقول: هذا من ضرب الإمام.
يعني: من مضروبه.
وكما يقال: اللهم أريتنا قدرتك، فأرنا رحمتك.
الجزء: 1 - الصفحة: 119
معناه: أريتنا مقدورك، فأرنا مرحومك، فإن قدرة الله تعالى لا تكون مرئية.
أو تقول: معناه من كتاب الشافعي.
كما قال تعالى هل عندكم من علم.
يعني من كتاب.
وكما روي عن ابن عباس أنه قال: يشتري لي علما بدرهمين.
يعني كتابًا.
وقوله: (ومن معنى قوله)
قال القاضي الحسين: فإن قيل: المعنى إذا اختصر اختل، فما معنى هذا؟ قلنا معناه أن الشافعي رحمه الله تعالى، ذكر في المسائل معاني، واللفظ لفظ الوحدان، والمراد به الجمع، كما قال تعالى (والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات)، الآيات.
فلما استثني منه جماعة علمنا أن المراد منه الناس، لأن الجماعة لا يستثني من الواحد.
والمزني، لما رأي المعاني نقل أصحها، وأجود ما عنده، ويجوز أن يكون في المسألة معان، كما يقال: كل امرأة منكوحة مرتدة فنكاحها حرام لمعان.
الجزء: 1 - الصفحة: 120
وجواب آخر: معني قوله: (من معنى قوله)
يعني: على معنى قول الشافعي
وذلك أن المزني نقل مسائل كثيرة تخريجًا على معنى قول الشافعي كما نقول في الشركة والضمان والحوالة، ويجوز أن يكون من مكان على كما قال تعالى: ونصرناه من القوم الذي كذبوا بآياتنا.
الاية.
الجزء: 1 - الصفحة: 121
يعني: على الذين.
وكقوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) الآية.
يعني: مع أموالكم.
وقال الله تعالى (في جذوع النخل) الآية.
معناه: على جذوع النخل.
وكما يقال: الذود إلى الذود إبل.
معناه: مع الذود إبل
قوله: لأقربه على من أراده.
قال القاضي حسين: التقريب المراد به التسهيل والتيسير، وقد يكون المراد به الإدناء.
فإذا كان المراد به التقريب من الإدناء، فتكون صلته إلى.
كما قال الله تعالى فقربه إليهم، الآية.
وإن كان المراد به التسهيل والتيسير، فتكون صلته على.
الجزء: 1 - الصفحة: 122
كما يقال: قرب الله عليك الخطا
معناه: سهل الله عليك السفر.
ومعناه: لأسهل هذا الكتاب على من يريد هذا الكتاب.
وقوله: مع إعلامية نهيه عن تقليده.
قال القاضي حسين: لا خلاف في أن قوله: إعلامي، الياء راجع إلى المزني.
وأما الإعلام إلى من يرجع، منهم من قال: يرجع إلى (المزني).
معناه: مع إعلامية المتعلم نهي (الشافعي) عن التقليد.
والهاء الأولى ترجع إلى المريد، والهاء الثانية في نهيه راجعة إلى المريد.
معناه: أن المتعلم منهي عن التقليد.
وقيل: كلا الهائين يرجع إلى (الشافعي) رحمه الله
والأظهر أن الهاء الأولى ترجع إلى المتعلم، والهاء الثانية راجعة إلى الشافعي.
والإعلام، مصدر تارة يضاف إلى الفعل، وتارة يضاف إلى المفعول، فإذا أضفت إلى الفاعل، فالمزني يكون معلما.
يعني مع إعلامي المتعلم أنه نهي عن التقليد، وإذا أضفناه إلى المفعول فالمزني يكون معلما.
ومنهم من قال: معناه، مع إعلام الشافعي إياي النهي عن التقليد
وقوله: نهيه يكون مصدرًا على ما ذكرت، ومعناه، مع إعلام الشافعي نهيه.
يعني: منهيه عن التقليد
فإن قيل: قد قلتم: إن المزني، رحمه الله قصد بذلك التسهيل والتيسير، وأي تيسير في هذا التدقيق الذي قلتم؟
قلنا: العرب تستحسن أن تذكر اللفظ الوجيز يتضمن معاني كثيرة:
الجزء: 1 - الصفحة: 123
كقول الشاعر:
بكرت على عواذلي ... يلحينني وألومهنه
ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنه
يحتمل انه ليس كما قلن، ويحتمل أن معناه: كما يقلن، ويحتمل أن ذلك إنما يكون لزيادة قوة في.
ونهي الشافعي عن أن يقلد.
فإن قلتم: انتم قلدتم الشافعي رحمه الله
قلنا: نحن ما قلدناه، وإنما أخذنا ذلك بالدليل.
والتقليد: قبول قوله من غير حجة.
فإن قيل: الشافعي نهي عن التقليد، وقلد زيد بن ثابت في
الجزء: 1 - الصفحة: 124
الفرائض، فقال: وعنه قبلنا أكثر الفرائض، وكذلك قلد عثمان، رضي الله عنه في مسألة بيع الحيوان بشرط البراءة عن العيوب
قال: فالذي أذهب إليه: قضاء عثمان أنه يبرأ من كل عيب لم يعلمه، ولا يبرأ من عيب علمه، ولم يسمه له، ويقفه عليه، تقليدًا لعثمان.
قلنا: هو ما قلد زيدًا، وإنما قبل قول النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قال: أفرضكم زيد، أقضاكم على، أقرؤكم أبي، أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ثم قال: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر.
وأما حديث عثمان فإن معه قياسا خفيا، وذلك لأن الشافعي قال: ولأن الحيوان يفارق ما سواه، لأنه يغتدي بالصحة والسقم، وتحول طبائعه، وقل ما يبرأ من عيب يخفي أو يظهر.
قوله: لينظر فيه لدينه.
قال القاضي حسين: معناه: أن الشافعي نهي عن التقليد، ولكن يأخذ المسائل بالحجة حتى لا تزل قدمه عن ذلك، فإنه لو أخذ من غير الدليل، فربما تزل قدمه عن قريب.
قوله: ويحتاط لنفسه.
الجزء: 1 - الصفحة: 125
قال القاضي حسين: معناه، أنه يأخذ منه المذهب بالحجة والبيان، والعنى، دون الأخذ بالتقليد، ومن غير الدليل، فإنه يوبق نفسه بالنار.
قوله: وبالله التوفيق.
ومعناه التوفيق من جهة الله تعالى والتوفيق ماذا؟
منهم من قال: التوفيق: تسهيل سبيل الخير، وسد سبيل الشر
والخذلان تسهيل الشر، وسد سبيل الخير.
يقال: وفقك الله.
معناه جعل الله تعالى فعلك وقولك وفق رضاه
وقيل: التوفيق درك الأسباب ومعرفة الصواب
وقيل التوفيق الوقوع على الخير من غير استعداد له.
وإنما قصد بذلك المزني حتى لا يزل إلى الاعتزال، فإن المعتزلة.
الجزء: 1 - الصفحة: 126
يقولون: الخير من الله، والشر إنما يكون من جهتك، وليس من جهة الله تعالى وهذا خطأ، بلا كلاهما من جهة الله تعالى وبإرادته، إلا أنه لا يرضى بالشر.
وقد قيل: توفيق المتعلم في أربعة أشياء: في ذكاء القريحة، واستواء الطبيعة، ومعلم ذي نصيحة، وشدة العناية.
وقيل ليزدجمهر: بم أدركت ما أدركت، قال: ببكور كبكور الغراب، وصبر كصبر الحمار، وحرص كحرص الخنزير، وتملق كتملق الهرة.
وقال الشيخ الإمام سهل، رحمه الله عليه: عليك بالهمة، فإن الهمة مستتبعة للجد، والجد لا يتأخر عن الجد، والله أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 127
فصل في التقليد
قال رضي الله عنه: التقليد اشتقاقه من القلادة، فإن قبلت قول المجتهد من غير دليل ولا حجة، فإنك قلدته خيره وشره، ولا خلاف أن ما يؤخذ من الله تعالى لا يسمى تقليدًا.
ولا خلاف أن ما يؤخذ من غير النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة والتابعين، يسمى تقليدًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 128
لأن الشافعي قال في كتاب أدب القاضي، فإما أن يقلده، فلم يجعل الله ذلك لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما ما يؤخذ من جهة النبي عليه السلام هل يسمى تقليدًا أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: يسمى تقليدًا.
والوجه الثاني: أن ذلك لا يكون تقليدًا، لأن التقليد إنما يكون قبول قول من يخبر عن الصدق وعن الكذب، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يخبر إلا عن صدق.
وهذا بناء على أصل: وذلك أن التقليد ماذا؟
منهم من قال: التقليد: قبول قول من لا يجب عليك قبول قوله.
فعلى هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم، لا يكون تقليدًا، لأنه وجب علينا قبول قوله.
وقيل: هو قبول قول الغير من غير حجة، وهو ممن يجوز عليه الغلط والغفلة ويقر على الخطأ، فعلى هذا أيضا قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون تقليدًا، لأنه عليه السلام لا يقر على الخطأ.
ومنهم من قال: التقليد: قبول قول من لا يدري من أي موضع يقول:
فعلى قول هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم يكون تقليدًا لأنا لا ندري أنه عليه
الجزء: 1 - الصفحة: 132
السلام، كان يخبر عن وحي من جهة الله تعالى أو من إلهام ألهم، أو من جهة قياس استنبطه من جهة نفسه.
والناس في التقليد قسمان: عالم، وعامي
أما العالم، نعني بذلك، من بلغ رتبة الاجتهاد، وإن شذ أشياء من العلم لا اعتبار له.
فأما العامي، فرضه التقليد بدليل الكتاب والسنة.
أما الكتاب قوله تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) الآية.
فأمر بالسؤال إذا كان الرجل جاهلا.
والخبر ما روي جابر بن عبد الله، أن رجلا من الصحابة كان في بعض الغزوات، فأصابته شجة، فاحتلم تلك الليلة، فسأل الصحابة، هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: لا نجد لك رخصة في التيمم، فاغتسل فدخل الماء في جرحه، ثم سى إلى النفس، ومات فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال عليه السلام: قلتوه قتلهم الله، هلا سألوا إذ جهلوا، إن شفاء
الجزء: 1 - الصفحة: 133
العي السؤال فإنه يكفيه أن يعصب عصابة على رأسه ويمسح عليه، ويغسل ما قدر عليه ويتيمم لأجل ما تحت العصابة.
فأما العامي يجب عليه أن يجتهد حتى يميز بين الفقهاء وبين العوام، ويميز بين الأفقه والأورع، فإنه يمكنه ذلك.
فإن لم يجتهد وسأل فلا يجوز له أن يعمل بقول المفتي.
والدليل على ذلك قصة الشيخ (القفال) رضي الله عنه، وذلك أنه مر بصف الحدادين بـ (مرو) فاستبله رجل فسأله عن مسألة، فقال له من أنا، فقال: لا أدري، فقال لا يجوز ذلك أن تعمل بقولي ما لم تعلم أني أفقه أهل بلد مرو، وأني ذلك القفال الذي يقول أهل بلد مرو إنه أفقه أهل بلد مرو.
ومنهم من قال: لا يجب على العامي الاجتهاد، ولأنه ليس له آلة الاجتهاد،
الجزء: 1 - الصفحة: 134
فإذا سأل أي فقيه كان، جاز له أن يعمل بقوله، فلو كان في البلد فقيهان: فقيه أفقه ورع، وفقيه اورع.
فالأفقه الورع أولى في الفتوي من الأروع الفقيه، وفي باب الإمامة للصلاة الأورع الفقيه أولى من الأفقه الورع.
والفرق بينهما أن الإمامة سفارة بينه وبين الله تعالى - إنما يرشح للسفارة من كان اوجه، وأعلى مرتبة عند الله تعالى ودرجة الأورع والأتقي أعظم عند الله تعالى لقوله تعالى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) والأفقه الورع أولى في الفتوى من الأورع الفقيه، وذلك لأنه يحتاج إلى استنبط المعاني، فلو كان في البلد فقهاء، وواحد منهم مجتهد، فيتعين على المجتهد الفتوي، ولا يجوز للغير أن يفتن، لأن المجتهد يكون كالنص، ولا يتعين على المجتهد أن يجيب على مذهب، بل يفتي بما بلوح عنده من الدليل، ولو كان في البلد فقيهان يستويان في الفقه وفي الورع، هل يجب عليه أن يجتهد نوع اجتهاد حتى يطلع على أفههما وأورعهما أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب عليه أن يجتهد، وله أن يسأل أيهما شاء.
والثاني: يجتهد؛ لأن ذلك يصير معلومًا بالتسامع فيما بين الناس أيهما أفقه، وأيهما أورع.
الجزء: 1 - الصفحة: 135
ولو كان في البلد فقيهان، وسأل أحدهما، فله أن يعمل بقوله: ولا يجب عليه أن يسأل الآخر، فلو أنه سأل الآخر ينظر أن اتفقا فنعما، وإن اختلفا، فيه وجهان:
أحدهما: أن يأخذ بقول أيهما شاء.
والوجه الثاني: يأخذ بالأحوط والحظر.
فلو كان في البلد فقيه ثالث لا يجب عليه أن يسأله، فلو أنه سأله، إن اتفق قول اثنين فيقبل قولهما، ويقع به الترجيح، وإن اختلف قول الكل، فيه وجهان كما ذكرنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 136
مسألة: [العامي هل له مذهب أم لا]
العامي هل له مذهب أم لا؟ اختلفوا فيه، منهم من قال: العامي لا مذهب له، لأنه لا يعرف الدلائل في المسألة، ففرضه التقليد، فعلى هذا له أن يسأل أي فقيه كان سواء كان شفعويا أو حنفيا.
وقال الشيخ القفال رحمه الله عليه، العامي له مذهب، فإن كان شافعيا فليس له أن يقبل قول الحنفي، لأنه لما ميز بين مذهب ومذهب، واختار مذهبا على مذهب تبين عنده بالدليل أن له مذهبا، حتى لو كان في البلد شفعوي، وذاك حنفي ليس له أن يقبل قول الشفعوي، وعلى عكسه عكسه.
الجزء: 1 - الصفحة: 137
بل يجب عليه أن يسأل حنفيا إن كان ببلد آخر حتى يفتي له على مذهبه.
العامي إذا سأل مسألة لفقيه، فإذا وقع له تلك الحادثة، مرة أخرى، هل يحتاج إلى أن يجدد السؤال عنه كل مرة أم لا.
ينظر إن كان المفتي أفتى وأخبره بأني أفتي عن نص من جهة الله تعالى ومن جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماع أو قياس جلي، فلا يجب عليه أن يجدد السؤال عند كل حادثة، وإن لم يخبره بأني أفتى عن نص، أو أفتاه بقياس من جهة نفسه، فليس له أن يعمل بذلك ما لم يسأله ثانيا، بل يجب عليه أن يجدد السؤال عند كل مرة، لأن المفتى إذا سأله رجل عن هذه المسألة يجب عليه أن يجدد الاجتهاد عند كل مرة.
ولو كان العامي الذي سمع مسألة من مفتى يخبر الغير بذلك، هل يجوز لذلك الرجل أن يعمل بقوله؟
ينظر إن أخبره القاضي، أو المفتي من نص من جهة الله تعالى أو من جهة النبي صلى الله عليه وسلم جلي، يجوز لذلك الرجل أن يعمل بقوله ويكون مقلدًا للمفتي، وإن لم يخبره عن نص من جهة الله تعالى، أو من جهة النبي صلى الله عليه وسلم أو قياس جلي، فليس لذلك الرجل أن يعمل بقوله، بل عليه أن يسأل الفقيه هذا كما نقول في الأعمي، فإن عليه أن يقلد البصير في القبلة، فإن كان أعمي في مسجد، وكان هناك محراب دله على القبلة فعند كل صلاة لا يحتاج إلى أن يجدد السؤال عن القبلة، فإما إذا كان على مفازة، يجب عليه أن يجدد تقليد البصير في القبلة عند كل صلاة، لأن البصير يجدد الاجتهاد عند كل صلاة إذا كان في المفازة.
الجزء: 1 - الصفحة: 138
مسألة: العامي عند تقليد المفتي هل يسمى مقلدًا؟
العامي إذا قلد المفتي، هل يسمى هذا مقلدًا أم لا؟
قال الشيخ رضي الله عنه وأرضاه، عامة أصحابنا على أنه يكون مقلدًا، وحكي عن الأستاذ أبي القاسم الإمام، ولعله حكي عن الأستاذ الإمام أبي إسحاق الإسفرايني رحمه الله عليهما أن العامي إذا سأل فقيها عن مسألة فلا نسميه مقلدًا، لأنه اجتهد حتى ميز بين مذهب وبين مذهب، وميز بين الفقهاء والجهال، وميز ين الأفقه والأورع، فإنه بذل جهده، وطاقة وسعه بما أمكنه ذلك، فيكون هذا كالعالم إذا عرف المسائل بالدلائل، فلا يكون مقلدًا، كذلك هذا مثله.
فأما العالم فرضه أن يعمل بعلم نفسه، ولا يجوز له أن يعمل بقول الغير ويقلده، لأن العالم له آلة الدرك والاجتهاد.
ونعني بالعالم: أن يكون عالما بالكتاب والسنة، وأقاويل الصحابة، وآثار التابعين، وإجماع المسلمين، واختلافهم، ووجوه القياس، ولسان العرب.
الجزء: 1 - الصفحة: 139
فأما الكتاب: ينبغي ان يعرف ناسخه ومنسوخه،
الجزء: 1 - الصفحة: 140
وخاصه،
الجزء: 1 - الصفحة: 145
وعامه،
الجزء: 1 - الصفحة: 146
ومطلقه،
الجزء: 1 - الصفحة: 148
ومقيده،
الجزء: 1 - الصفحة: 149
ومجمله ومفسره، وأقاويل الصحابة والأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويعرف كيفية ترتيب الكتاب على السنة، والسنة على الكتاب، ويعرف وجوه القياس، ولكن إنما يشترط هذه الشرائط أن يعلم جُلَّ هذه الأشياء ومعظمها، ولا يتصوَّر في زماننا أن يكون شخص يتعلم هذه العلوم.
فإذا بلغ الرجل محل الاجتهاد، فله أن يجتهد في المسائل، ويفتي على ما أدى اجتهاده إليه من جهة نفسه، وليس للعالم أن يقلد الغير ليفتي الغير قولاً واحدًا، فلو وقعت له حادثة ينظر إن كان في الوقت سعة، فليس له أن يقلد الغير قولا واحدًا، فأما إذا كان في الوقت ضيق، وخاف فوته، وأشكل عليه ذلك، هل يجوز له أن يقلد العالم أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: يجوز له أن يقلد الغير.
وحكي عن ابن سريج، أنه قال: لو نزلت بي نازلة، وضاق وقتها،
الجزء: 1 - الصفحة: 150
وخفت فوت الواجب علي فيها، فلي أن أقلد من هو في مثل حالي، ولأنه إذا لم يتفرغ إلى معرفته بالدليل، ويفوت الفريضة عن وقتها يجعله كالعامي في هذه الحادثة، فجاز له التقليد، فإذا قلت له التقليد فإنه يقلده.
ولا يجب عليه القضاء بعد ذلك، وإن بان من بعد أنه كان مخطئًا، لأن الاجتهاد لا ينقض بالإجتهاد.
وحكي أن ابن سريج كان يقلد الملاحين في القبلة.
والوجه الثاني: ليس له أن يقلد الغير؛ لأن له آلة الدرك والاجتهاد، وبخلاف العامي، فعلى هذا يصلي على التخمين، وعليه القضاء، كمن اشتبه عليه جهة القبلة، وصلى إلى جهة من غير دليل، فيجب عليه القضاء، وإن بان من بعد أنه كان مصيبًا.
وكذلك الأعمى إذا لم يجد من يدله على القِبلة، وصلى إلى جهة عليه القضاء كيف ما كان.
الجزء: 1 - الصفحة: 151
مسألة
إذا كان رجل في بلد وكان عاميًا، وكان هناك فقيهان، شفعوي وحنيفي، فعلى مذهب بعض الناس، ليس للعامي مذهب، له ان يسأل أيهما شاء، وعلى مذهب القفال، وهو الأصح أن له مذهبًا، فعلى هذا إن كان الرجل شفعويا يجب عليه أن يسأل الإمام الشفعوي، وليس له أن يسأل الحنيفي، وعلى عكسه عكسه، فإذا سأل الإمام الشفعوي يجب عليه أن يفتي على مذهب الإمام الشافعي، وليس له أن يفتي على مذهب أبي حنيفة، لأنه إنما تعمق في معاني مذهب الشافعي، وتبحر فيه، وما تعمق في معاني مذهب أبي حنيفة، وعلى عكسه عكسه.
وقال رضي الله عنه: عندي أنه إذا كان في البلد فقيهان فإنه يسألهما، ويأخذ الأحوط، وما فيه الاحتياط أكثر والله تعالى أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 152
فصل في الإجماع
يجب أن يعلم أن إجماع المسلمين يكون حجة مقطوعًا بها عند عامة
الجزء: 1 - الصفحة: 153
المسلمين، إلا ما حكي عن بعض الزنادقة أن الإجماع لا يكون حجة،
الجزء: 1 - الصفحة: 154
والدليل عليه قوله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدي ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم).
فدل على أن الإجماع حجة، وقوله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا)
وقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف).
الجزء: 1 - الصفحة: 155
فالله تعالى مدح هذه الأمة بأنهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فدل على أنهم لا يجتمعون على الضلالة.
يدل عليه قوله عليه السلام: لا تجتمع أمتي على ضلالة، الحديث
وروى أنه عليه السلام قال: إن الله تعالى لا يجمع أمتي على الضلالة.
وروى أنه قال: المسلمون شهداء الله في الأرض فما رآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا، فهو عند الله قبيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 156
ولأن المسلمين مع اختلافهم هممهم، وتفاوت عقولهم، وتباين آرائهم لا يجتمعون على شيء، إلا ويكون الحق معهم لا محالة.
فلو أنهم أجمعوا على شيء إلا واحدًا منهم.
قال الشيخ: لا يكون الإجماع منعقدًا.
وقال أهل الأصول: إن ذلك يكون إجماعًا، لأن الاعتبار بالأكثر.
وقال عليه السلام: (عليكم بالسواد الأعظم).
وهكذا لو خالفهم اثنان أو ثلاثة.
ثم الإجماع على قسمين:
إجماع من يعرفه الخاص والعام، وإجماع صدر عن شيء يعرفه الخاص دون العام.
فأما ما يعرفه الخاص والعام كما نقول في فرائض الصلاة، وسنن الرابتة وصلاة العيدين، فمن خالف هذا الإجماع يكفر.
والإجماع الذي يعرفه الخاص دون العام مثل مسألة العول، ونكاح المتعة، وبيع الدرهم بالدرهمين، فمن خالفه فإنه يفسق ويخطأ، ولا يكفر.
الجزء: 1 - الصفحة: 157
والإجماع تارة يكون إجماعا اتفقوا عليه ابتداء، كما نقول في الصلاة.
وتارة يكون في الابتداء كان مختلفا فيه، ثم أجمعوا عليه، كما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبض إلى رحمة الله تعالى، اختلفوا في موضع دفنه،
الجزء: 1 - الصفحة: 163
صلوات الله وسلامه عليه حتى روى أبو بكر خبرًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الأنبياء إنما يدفنون حيث يموتون، فرجعوا إلى قول أبي بكر، رضي الله عنه.
وكذلك اختلفوا في توريث النبي صلى الله عليه وسلم حتى روى الصديق رضي الله عنه خبرًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنا معاشر الأنبياء لا نورث، فرجعوا إلى قوله، وكذلك اختلفوا في قتال مانعي الزكاة، حتى روى الصديق رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا، لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها.
فقال: أبو بكر، هذا من حقها، فرجعوا إلى قوله.
ونعني بالإجماع، إجماع من كان من أهل الحل والعقد.
الجزء: 1 - الصفحة: 164
فأما أن يتوهم أن بأقصى الصين ففيها لا اعتبار بهذا التوهم، حتى إن المسلمين لو اجتمعوا على شيء، ثم بلغوا إجماعهم فقيهًا بأقصى الصين، فلا يجوز له مخالفهم.
والإجماع على نوعين: إجماع صادر عن نص من جهة الله تعالى أو من جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن قياس جلي، فمن خالف هذا الإجماع يكفر.
الجزء: 1 - الصفحة: 165
فمن اعتقد أن عائشة رضي الله عنها زنت يكن كافرًا بالله سبحانه، لأن الله تعالى، أنزل الآية في براءة ساحتها عن الإفك.
وإجماع صدر عن قياس خفي، كما نقول في خلافة أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، لما توفي اختلفوا فيه، فقالت الأنصار- منا أمير ومنكم أمير، فقال المهاجرون الأمير منا.
حتى اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: لما ارتضى النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا؟
فقاسوا إمامة الدنيا على إمامة الدين، وهذا قياس خفي.
الجزء: 1 - الصفحة: 166
وهل هذا يكون حجة مقطوعًا بها؟ فوجهان:
أحدهما: لا، لأن الأصل الذي قيس هذا عليه لم يكن مقطوعًا، به، كذا هذا.
والوجه الثاني: الأصح أنه يكون حجة مقطوعًا بها.
الجزء: 1 - الصفحة: 167
فإذا قلنا: يكون حجة مقطوعًا بها، فمن خالفها يكون كافرًا.
فصل
الصحابة إذا قالوا قولا لا يخلوا إما أن ينتشر فيما بين الصحابة، أو لم
الجزء: 1 - الصفحة: 168
ينتشر فإن لم ينتشر فيما بينهم ينظر إن كان معه قياس خفي، فيقدم ذلك على القياس الجلي قولا واحدًا.
وكذلك إذا كان معه خبر مرسل، فأما إذا كان قول الصحابي متجردًا عن القياس، هل يقدم القياس الجلي، على ذلك أم لا؟
فيه قولان:
فعلى قوله الجديد: يقدم القياس الجلي عليه.
وعلى قوله القديم: يقدم قول الصحابي على القياس الجلي، وعلى هذا يفسر به المجمل، ويخص به العموم، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم).
الجزء: 1 - الصفحة: 171
وقال عليه الصلاة والسلام: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ).
الجزء: 1 - الصفحة: 172
وروي أنه قال عليه السلام: (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)
ولأن لهم فضيلة مشاهدة الوحي، وفضيلة مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الله تعالى: (رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا) الآية.
فأما وجه قوله الجديد: أن القياس يكون حجة من حجج الله تعالى، لاح لنا وجهه وأما قول الصحابي لم يلح لنا وجهه.
ولأن الصحابي ممن يجري عليه الخطأ والسهو، ويقر على الخطأ، فلا يجوز أن نترك القياس الذي لاح لنا وجه بقول من لم يلح لنا وجهه.
فأما إذا انتشر فيما بين الصحابة لا يخلو إما أن يكون ذلك من طريق الفتوي، أو من طريق القضاء.
فإن كان ذلك من طريق الفتوي، فإن ذلك يكون حجة مقطوعًا بها.
وهل يسمى ذلك إجماعًا أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى، لأن الظاهر أنه لو كان ذلك القول خلاف الكتاب أو السنة أو القياس الجلي، فإنهم يظهرون المخالفة، ولا يكتمون ولكن إنما يشترط انقراض العصر على ذلك قولا واحدًا.
والوجه الثاني: لا يكون ذلك إجماعًا، لأنه يحتمل أن واحدًا منهم كان يعتقد بخلاف ذلك، ولكن لا يظهر ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 173
ولأن الشافعي قال: ولا ينسب إلى ساكت قول.
وإنما يعني بالإجماع: إجماع من كان من أهل الحل والعقد في زمانهم، ولا اعتبار بإجماع العوام، وإنما يشترط إجماع من تيقنا، أنه موجد في دار الإسلام، ولا اعتبار بالتوهم كما بينا.
فأما الصحابي إذا قال قولاً، وانتشر ذلك فيما بين الصحابة، ولكن صدر على طريق القضاء، فما حكمه؟
من أصحابنا من قال: فيه وجهان، كما ذكرنا في القسم الأول.
أحدهما: يكون حجة.
والثاني: لا يكون حجة.
ومن أصحابنا من قال: إن هذا لا يكون حجة قولا واحدًا، لأن القاضي لا سطوة يهاب من سطوته.
والدليل عليه أن ابن عباس أظهر الخلاف في مسألة القول بعد وفاة عمر، فقيل له: هلا أظهرت الخلاف في زمانه؟
الجزء: 1 - الصفحة: 174
فقال: لأن الرجل كان مهيبًا فهبته.
الجزء: 1 - الصفحة: 175
وروي أنه قال: هبته، وقد كان والله مهيبًا رضي الله عنه.
فدل على أن هذا لا يكون إجماعًا، بخلاف القسم الأول.
فأما الصحابة لو اختلفوا في مسألة على قولين، ينظر؛ فلو أن واحدًا منهم رجع إلى قوله صاحبه، لا خلاف أن ذلك صار إجماعًا.
فلو ماتوا على ذلك، لا خلاف أنه يجوز إحداث قول ثالث.
فلو أن أهل العصر الثاني اتفقوا على قول أحدهما، فهل يكون إجماعاً مقطوعًا به أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: أن هذا يكون إجماعًا، كما لو رجع أحدهما إلى قول الآخر.
والثاني: لا يكون إجماعًا، لأن الصحابة بينوا أن هذا لا يكون مقطوعًا به، فلو أرادوا أن يجعلوا غير المقطوع به مقطوعًا به لا يجوز.
كما لو أرادوا ان يجعلوا المقطوع به غير مقطوع به، لا يجوز.
الجزء: 1 - الصفحة: 177
فلو أن الصحابة اتفقوا على شيء، وأجمعوا عليه نطقا، فهل يشترط انقراض العصر على ذلك أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى
والثاني: لا.
فلو أن واحدًا منهم رجع عن ذلك، هل يعد خلافه خلافًا أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يكون خلافا، لأن قولهم صار حجة على غيرهم، فلو أن أهل العصر الثاني خالفوهم، لا يقبل قولهم، كذلك إذا رجع واحد منهم لا يعد خلافه خلافاً.
والثاني: انه يعد خلافاً، وهذا بناء على ما ذكرنا، إن قلنا: إنه يشترط انقراض العصر في ذلك، فيعد ذلك خلافًا، وإلا فلا.
يدل عليه ما روي أن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه كان بـ (الكوفة) يخطب فقال في خطبته: اجتمع رأي ورأي أمير المؤمنين (عمر) رضي الله عنه ألا تباع أمهات الأولاد، وأنا أرى الآن أن يبعن، فقام عبيدة السلماني،
الجزء: 1 - الصفحة: 178
وقال له: رأيك مع أمير المؤمنين أحب إلينا من رأيك وحدك، فأطرق رأسه ساعة ثم قال: اقضوا فيه ما أنتم تقضون، فإني أكره أن أخالف الجماعة، فأراد أن يرجع عن ذلك ولم يرجع.
مسألة
فلو أجمعوا على شيء إلا واحدًا، لا يكون إجماعًا، فإذا مات ذلك الواحد، وهم استداموا على ذلك، فالآن بعد موته صار إجماعًا، فأما إذا كان في زماني عامي، ثم صار فقيهًا، أو كان صبيًا ترعرع، وتفقه في الدين، فإذا بلغ وخالف، هل يعد خلافه خلافا أم لا؟
فيه وجهان: بناء على الأصل الذي ذكرنا، هل يشترط انقراض العصر أم لا؟
والدليل عليه ما روى أن ابن عباس كان تلميذ زيد بن ثابت، فلما تعلم الفرائض، وبلغ وصار من أهل الاجتهاد أخذ زمام بغلة زيد بن ثابت في بعض الأوقات، وقال له أنزل أبا هلك، فإن الذي احصى رمل عالج لم يجعل في المال نصفا وثلاثين.
فقاله له زيد: خل زمام بغلتي، ما أجرأك على الله
فأما إذا ولد ولد بعد إجماعهم وتفقه هل يعد خلافه خلافًا؟
يترتب على ما لو كان صبيا موجودًا، ثم تفقه إن قلنا هناك: لا يعد خلافه خلافا، فها هنا أولى، وإلا فوجهان.
الجزء: 1 - الصفحة: 179
فصل
قال القاضي: قد ذكرنا ان الإجماع يكون حجة، وقد ذكرنا اختلاف الصحابة في مسألة.
فلو أنهم اختلفوا في مسألة وصاروا فرقتين، ينظر فإن كانوا سواء في العدد، فلا يرجح أحدهما على صاحبه.
ولو كان في إحدى الفرقتين كثرة، هل يرجح بذلك على الآخر؟
فعلى قوله القديم: يقع به الاحتجاج، ويقدم على الآخر.
ولو كان في إحدى الفرقتين أبو بكر، وعمر وعثمان.
قال الشافعي تقدم تلك الفرقة على الفرقة التي لم يكن فيها واحد، من هؤلاء الخلفاء، وسكت عن قول علي.
فمن أصحابنا من قال: إنما سكت عن قول علي، لأنه ذكر الأكثر فاكتفي به عن ذكر الأقل، ويجوز أن يذكر معظم الشيء، ويكون ذلك قائمًا مقام الكل.
كما قال تعالى: (فك رقبة) الآية.
والرقبة: اسم لعضو مخصوص، ثم عبر بها عن الكل.
وكما روى أنه عليه السلام قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تختلفوا عليه.
الحديث، ولم يذكر جميع أفعال الصلاة كذا ها هنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 180
وجواب آخر: نقول: إنما سكت عن قول علي رضي الله عنه، لأنه يزن إلى الشيعة والتشيع فينفي التهمة عن نفسه حتى لا تأثم الناس بسببه والدليل على هذا قوله رحمة الله عليه:
إن كان رفضًا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي
ومقدمة هذا البيت:
يا راكبًا قف بالمحصب من منى .. واهتف بقاعد خيفها والناهضِ
سحرا إذا فاض الحجيج إلى مني ... فيضا كملتطم الفرات الفائض
إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي
والجواب الثالث: إنما ذكر قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، رضي الله عنهم، على وجه الاحتجاج، لأن قول هؤلاء صدر عن إجماع المسلمين، فإن المسلمين كانوا مجتمعين في الآراء والهمم، وكانوا متفقين على كلمة واحدة، فالاحتجاج إنما وقع بكثرة المسلمين الذين وافقوهم.
وأما قول علي رضي الله عنه لم يصدر عن جماعة المسلمين، لأنه لما آل الأمر إليه خرج من دار الهجرة إلى الكوفة، وخالفوه، ونابذوه، وقاتله أكثرهم، فلم يصدر قوله عن جماعة المسلمين، فلم يقع الاحتجاج بقوله لهذا المعنى، لا لأنه لم يكن من الخفاء الراشدين.
فإذا الترجيح بماذا يقع.؟
الجزء: 1 - الصفحة: 181
إن قلنا: الترجيح يقع بقول الخليفة، فقول علي يكون حجة كقول أبي بكر، وعمر.
وإن قلنا: الترجيح يقع بكثرة الجماعة من المسلمين، فلا يقع الترجيح بقول علي، فلو كان في إحدي الفرقتين أبو بكر، والأخرى عمر، تقدم الطائفة التي فيهم ابو بكر على عمر، ثم عمر على عثمان ثم عثمان على علي، على الترتيب الذي كانوا في الاستخلاف
فإن كان في إحدى الفرقتين خليفة، وفي الأخرى كثرة.
قال رضي الله عنه في الدرس العام، قول الخليفة يقدم على الكثرة، وقد قال في الدرس: التلخيص فيه وجهان.
هذا كله في قول الصحابي.
فأما الكلام في قول التابعين، فيجب أن تعلم أن إجماع كل عصر من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة يكون حجة مقطوعًا بها على مذهب عامة العلماء.
وقال بعض الناس/ إجماع الصحابة يكون حجة، وأما إجماع غيرهم لا يكون حجة، لأن لهم فضيلة المشاهدة للوحي، وفضيلة مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم
قال الله تعالى: (محمد رسول الله والذين معه) الآية.
وهذا لا يصح لقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) الآية.
مدح هذه الأمة بهذا، فلو كان بهم مخالفة لما أخفوا ذلك الشيء الذي يخالف النص، ويدل عليه قوله عليه السلام: إن الله لا يجمع أمتي على الضلالة.
الجزء: 1 - الصفحة: 182
وما روينا من الأخبار قبل ذلك.
هذا دليل على صحة ما قلناه، فأما التابعي إذا قال قولاً، وانتشر فيما بينهم، وانقرضوا وماتوا على ذلك، هل ذلك حجة كالصحابي أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: يكون حجة كقول الصحابي.
والثاني: لا يكون حجة.
فأما التابعي إذا قال قولاً، ولم يكن معه قياس خفي، فالمذهب: أن القياس الجلي مقدم على قوله بخلاف الصحابي، والله أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 183
بسم الله الرحمن الرحيم مختصر المزني قال حدثنا الحسن بن محمد بن يزيد، قال حدثنا إبراهيم بن محمد، قال: أخبرنا أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، قال: الحسن بن محمد بن عاصم قال المزني: اختصرت هذا الكتاب من علم محمد بن إدريس الشافعي، رحمه الله ومن معنى قوله، لأقربه على من أراده مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه ويحتاط فيه لنفسه، وبالله التوفيق.
الجزء: 1 - الصفحة: 185
باب الطهارة
قال الشافعي: قال الله عز وجل: (وأنزلنا من السماء ماء طهورًا).
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته.
قال رضي الله عنه: فإن قيل: فلم قال: باب الطهارة، ثم اشتغل بذكر أحكام المياه؟
قلنا: قال الشافعي: رحمه الله في جامع الكبير، باب الماء الذي يتطهر به أو نقول معناه أن الشافعي ذكر الكتاب على ترتيب حسن، فإنه اشتغل بذكر الطهارة، ثم بالصلاة وبالزكاة، كما قال عليه السلام: بني الإسلام على خمس، الحديث.
الجزء: 1 - الصفحة: 187
ولأنه لما افترض على المسلم الصلاة أولاً، فالصلاة لا تصح إلا بالطهارة، والطهارة لا تصح إلا بالماء، فلهذا اشتغل بذكر أحكام المياه.
وكما قال الرسول عليه السلام: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم.
فإن قيل: فلم أسند المزني كتاب الله تعالى إلى الشافعي فقال: قال الشافعي: قال الله تعالى: وأنزلنا من السماء ماء طهورًا.
الاية.
وكتاب الله تعالى، أشهر من أن يسند إلى أحد؟
قلنا إنما فعل ذلك، لأن الشافعي رحمه الله كانت عادته أنه إذا اراد أن يصدر بابًا، فإن كان في ذلك الباب آية تلاها، وإن كان هناك سنة رواها، وإن كان أثر حكاه، ثم رتب عليه مسائل الباب.
فلهذا المعنى فعل ذلك حتى يعلم أن الشافعي هو المحتج بالآية لا هو.
فإن قيل: فلم قال وأنزلنا، وهذا لفظ الجمع، والله تعالى واحد لا شريك له.
قلنا إنما ذكر ذلك، لأن عادة الملوك والجبابرة أنهم يقولون، فعلنا كذا وصنعنا كذا والله تعالى أجبر الجبابرة والجبروت، والعظمة لا تكون على الحقيقة إلا لله تعالى.
الجزء: 1 - الصفحة: 188
قال: (من السماء)، والسماء: اسم لواحد من السموات السبع.
قال الله تعالى: (سبع سموات طباقًا) وقال: (خلق السموات).
وقيل: غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وما بين سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، والسماء اسم للسحاب، والسماء: اسم للمطر، واحدها سماء، كما قال الشاعر:
فلو سقط السماء بأرض قوم ... رعيناها وإن كانوا غضابا
والسماء: اسم للسقف.
﴿ماء طهورًا﴾، اختلفوا فيه:
قال (مالك) الطهور: الماء الذي يتكرر منه التطهير، كما يقال: صبور وشكور، وقبول للذي يقبل كثيرًا، ويصبر كثيرًا، ويشكر كثيرًا.
ولهذا قال: الماء المستعمل يكون طهورا، وهذا قول قديم للشافعي.
وعلى أصل أبي حنيفة الطهور، اسم للطاهر، وعدي هذا إلى جميع الطاهرات فقال كل مائع طاهر يجوز إزالة النجاسة به.
وقال: إنه سمي طهورًا، لأنه اسم للمبالغة في الطهارة، كما قال الله تعالى: (وسقاهم ربهم شرابًا طهورًا) الآية.
وعلى أصل (الشافعي) رحمه الله: الطهور، ماء هو طاهر في نفسه، مطهر لغيره،
ومنهم من قال: الطهور: اسم لما يتطهر به، كما يقال: سحور، وفطور،
الجزء: 1 - الصفحة: 189
فإن هذا اسم لما يتسحر به، ويفطر به، ويدل على صحة قولنا: قوله تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) الآية.
فالله تعالى سمي الماء مطهرًا.
وروى أنه قال عليه السلام: (جعلت لي الأرض مسجدًا وترابها لي طهورًا) يعني: مطهرًا.
فصل
روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) الحديث.
قال: ماء البحر يكون مطهرًا عند عامة العلماء.
الجزء: 1 - الصفحة: 190
وحكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال [في] البحر نار ثم نار بحر ثم نار حتى عد سبعة أبحر وسبعة أنور.
وروى عن ابن عمر أنه قال: التيمم أعجب إلى من التوضؤ بماء البحر.
والدليل على أن ماء البحر يكون طهورًا قوله تعالى (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) الآية.
وقال سبحانه: (فأسكناه في الأرض) الآية.
وقال تعالى: (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر) الآية، وقال في قصة نوح عليه عليه السلام: (يا أرض أبلعي ماءك ويا سماء أقلعي).
وقيل: إن الأرض بلعت ماءها، وبقي ماء السماء.
فقيل: بقية ماء البحر هو الماء الذي أنزل من السماء، والدليل عليه ما روى أن جماعة من الصحابة جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إنا نركب أرماثًا لنا في البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر، فقال عليه السلام، (البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته).
الجزء: 1 - الصفحة: 191
الأرماث: جمع الرمث، وهو خشبات يربط بعضها ببعض، فيركب عليها في البحر، والرمث: الخشب الذي توقد به النار.
وأما حديث عبد الله بن عمرو، إنما قال ذلك لهوله ولصعوبته.
والدليل عليه أنه قال عليه السلام: (من ركب البحر فقد برئت منه الذمة).
وقال الله تعالى في قصة المشركين: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) الآية.
فأما ركوب البحر، إن كان الغالب منه السلامة والأمن فيجوز ركوب البحر، وإن كان الغالب منه الغرق والهلاك، فلا يجوز ذلك.
وأما حديث عبد الله بن عمر معناه، لأن أسافر برًا، وأعوزني الماء وأتيمم أحب إلي من أن أسافر بحرًا، وأتوضأ بماء البحر لصعوبته.
فإن قيل: لماذا قال: هو الطهور ماؤه، وما هذا التطويل؟ ويمكنه أن يقول: نعم؟
قلنا: إنما قال ذلك، لأنه صاحب الشرع له أن يبين الأشياء، لقوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس) الآية.
ولأنه إنما قال ذلك حتى لا يظن ظان أنه إذا كان معه ماء البئر لا يجوز التوضؤ بماء البحر.
الجزء: 1 - الصفحة: 192
فإن قيل: لماذا أجاب عنه وعن غير؟
قلنا: لأنه بعث مبينا للخلق ما يحتاجون إليه، لا يجوز له تأخير البيان، عن وقت الحاجة، ولأنه لما علم جهلهم بأن ماء البحر يكون طهورًا مع ما قال الله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهورًا).
فعلم أن جهلهم عن حيوانات البحر، مع قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتتة) يكون أكثر، فلهذا بين حكم ذلك، أو نقول: هذا بيان حكم البحر.
أيضًا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، بين أن حيوانات البحر تكون حلالا، ولو ماتت في الماء، لا يفسد الماء بذلك.
فصل في [لحوم حيوانات البحر]
في لحوم حيوانات البحر.
الحيوان على ثلاثة أقسام:
ما لا يعيش في الماء إلا عيش المذبوح، فإذا وقع في الماء، فإنه يكون حرامًا، إلاالجرادة.
وما لا يعيش إلا في البحر، ولا يعيش في البر إلا عيش المذبوح.
الجزء: 1 - الصفحة: 193
منهم من قال: يحل الكل.
ومنهم من قال: لا يحل إلا السمك المتعارف فيما بين الناس.
ومنهم من قال: ما كان يشبه حيوانًا في البر، فإن كان ذلك الجنس من حيوانات البر يكون حلالاً، فإن ذلك يكون حلالا لو مات في الماء، وعلى عكسه عكسه.
وإذا قلنا: لا يحل إلا السمك فما يشبه حيوانات البر الذي يكون مأكولاً، فإذا ذبح ذلك الجنس من البحر يكون حلالاً، ولو مات لا يكون حلالاً، قد ذكرنا هذه المسألة في موضعها.
وما يعيش فيهما جميعًا لا يحل إلا السرطان على طريقة الحليمي.
قال القاضي رحمه الله: ولكن لابد أن يذبح حتى يحل.
وأما دم الحوت قالوا في دمه وروثه: هل يكون طاهرًا أم لا؟
فيه وجهان:
ولو ذبح هل يحل أم لا؟
فيه وجهان.
وابتلاع صغار الحي منه، هل يحلُّ أم لا؟
فيه وجهان:
سواء كان طافيًا أو رأسه في الماء يكون حلالاً.
وقال (أبو حنيفة): السمك الطافي يكون حرامًا.
قالوا: ما علم أنه مات بسبب يكون حلالاً، وما علم أنه مات من غير سبب لا يخل، واستدل بقوله عليه السلام: «ما انحسر عنه البحر فكلوه، وما طفا على الماء فلا تأكلوه ...» الحديث.
الجزء: 1 - الصفحة: 194
قلنا: إنما قال ذلك استقذارًا وعيافة، بدليل ما روي أن أبا أيوب، أكل سمكًا طافيًا.
فصل
قال الشافعي: فكل ماء من بحر عذب أو مالح أو بئر أو سماء أو برد أو ثلج مسخن وغير مسخن فسواء، والتطهر به جائز، ولا أكره [الماء] المشمس، إلا من جهة الطب، لكراهية عمر لذلك، وقوله: إنه يورث البرص.
قال رضي الله عنه: كل ما يكون طهورًا يجوز التوضؤ به سواء كان عذبًا أو مالحًا.
فإن قيل: قال الله تعالى ﴿ملج أجاج﴾ الآية.
فلم قال (الشافعي): (ملح)؟
قلنا: إنما قال (الشافعي): (أو أجاج).
والخلل إنما وقع من جهة (المزني)، ثم نقول: يجوز أن يقال: مالح،
الجزء: 1 - الصفحة: 195
كما قال (خالد بن يزيد بن معاوية) يمدح امرأة:
تجول خلاخيل النساء ولا أرى ... لرملة خلخالا يجول ولا قلبا
فلو أنها للمشركين تعرضت ... إذن لدعوها دون أصنامهم ربا
فلو تفلت في البحر والبحر مالح ... لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا
قوله: (أو سماء) قال القاضي حسين: ماء السماء يجوز التوضأ به.
قوله: (أو بئر) قال القاضي حسين: ماء البئر يجوز التوضؤ به.
روى أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من بئر كان ماؤها نقاعة الحناء.
(أو برد) قال القاضي حسين: ماء البرد أو الثلج يجوز التوضؤ به إذا أذيبا.
الجزء: 1 - الصفحة: 196
فأما استعمال الثلج والبرد ينظر، فإن كان في وقت شدة الجو، بحيث إنه لو أصاب العضو يذوب، يجوز استعماله، ويصح التوضؤ به، وإن كان لو أصاب العضو لا يذوب، لا يجوز التوضؤ به، فيحصل المسح بذلك، ولا يخصل الغسل.
وقال الشافعي: أو ثلج أذيب
والمزني أخل في النقل
قوله: (مسخن).
الماء المسخن يجوز التوضؤ به، لأنه ينفع البدن.
وأما الماء المشمس، يجوز التوضوء به.
قال الشافعي: (ولا أكره الماء المشمس) وقد كرهه كاره من جهة الطب، لأن الشيء لا يقال، يكره في الشريعة من جهة الطب.
والدليل على هذا ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه دخل على عائشة، رضي الله عنها، وقد شمست الماء، فقال لها: (يا حميراء لا تفعلي هذا؛ فإنه يورث البرص).
الجزء: 1 - الصفحة: 197
وروى (لا تشمسي الماء فإنه يورث البرص ...) الحديث
وروى عن عمر (أنه يكره ذلك).
قال أصحابنا: إنما يكره التوضؤ بالماء المشمس إذا كان في البلاد الحارة في الصيف الصائف في الأواني الصفرية، ويكون مغطى الرأس، لأن قوة الماء تستخرج منه أشياء، وتقف على رأس الماء كالهباء المنثور، فيكون ذلك يؤدي إلى البرص.
فأما في البلاد الباردة في الأواني الصفرية غير مغطي الرأس لا يكره.
الجزء: 1 - الصفحة: 198
فصل: في الطب
واعلم أن الطب يكون حقًا، والدليل عليه ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما خلق الله داءً إلا خلق له دواء إلا السام.
وروى أنه قال عليه السلام: (خير ما تداويتم به الحجامة والمشي).
يعني: شرب شيء يمشي بطنه أي: يسهله.
وروى أنه قال عليه السلام: (لا عدوى ولا هامة ولا صفر).
(لا عدوى): يعني، لا تتعدي العلة من شخص إلى شخص، وقد يتعدي إلى العضو من العضو.
الجزء: 1 - الصفحة: 200
وكذلك يتعدى البرص، والجذام من النسل إلى النسل.
وروى أن رجلا قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بعيرًا جربًا دخل على إبلي، فأجرب إبلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أجرب الأول).
(ولا هامة): الهامة: الطير الذي يكون في الخربة، ويصيح في الليل، وكانوا يتشائمون بذلك، فقال عليه السلام: (ولا هامة).
يعني: لا تتشائموا به، وكان النبي صلى الله عليه وسلم: يجب الفأل الحسن، ويكره الطيرة.
(ولا صفر):
منهم من قال: لا تتشائموا بدخول صفر.
ومنهم من قال: صفر: دويبة تقع في المعدة، وتهيج الجوع، والجوع يحصل من خواء المعدة.
والله تعالى، يهيج الجوع في المعدة على الحقيقة.
فصل
وما عدا ذلك من ماء ورد أو شجر أو عرق ماء أو زعفران أو عصفر أو نبيذ أو ماء بل فيه خبز، أو غير ذلك، مما لا يقع عليه اسم ماء مطلق، حتى يضاف إلى ما خالطه أو خرج منه، فلا يجوز التطهير به.
قال القاضي حسين: جعل الماء ثلاثة أقسام:
قسم: يجوز التوضؤ به بلا كراهية، كماء البحر وماء السماء، وأشباههما.
الجزء: 1 - الصفحة: 201
وقسم: يجوز التوضؤ به، ولكن يكره مثل الماء المشمس.
وقسم: لا يجوز التوضؤ به؛ كهذه الأقسام التي نذكرها.
أما الماء إذا طرح فيه الورد، وكان يسيرًا بحيث لا يغير طعم الماء، ولا لونه، ولا ريحه فلا يضر، وإن كان متفتتا، ويتغير الماء به لم يجز، وما الشجر الذي عصر من العروق، ويخرج منه الماء، فلا يجوز التوضؤ به.
فأما إذا صب ماء الورد في الماء، ينظر إن كان قدرًا لو كان له لون يظهر لونه في الماء، لا يجوز التوضؤ به.
وإن كان لو كان له لون لا يظهر، يجوز التوضؤ به، وهكذا نقول في الماء، المستعمل إذا صب في الماء المطلق.
قوله: (أو عرق) وقريء: (أو عرق) بالكسر.
قال القاضي حسين: فأما العرق فلا يجوز التوضؤ به.
ويتصور أن يحصل العرق كثيرًا، كما في الحجيج في وقت الموسم، فغنهم يدخلون بيت الله الحرام، ويسيل منهم العرق كثيرًا، وكذلك الدابة إذا عدت يسيل منها العرق كثيرًا.
وأما العرق: ماء الكرش لا يجوز التوضؤ منه
قال الشافعي: في المبسوط، من نحر جزورًا، وأخذ كرشه، واعتصر منه ماء لم يكن طهورًا، وذلك في العرب العرباء أنهم كانوا إذا أرادوا التلصص
الجزء: 1 - الصفحة: 202
فإنهم يعطشون الإبل، ثم يوردونها الماء ويروونها، ويسدون فمها ومبالها، فإذا احتاجوا إلى الماء، فإنهم يفتحون عرقا على جانب اليسار يخرج منه الماء الصافي، ويشربون، وهذا الماء لا يجوز شربه إلا عند الضرورة.
قوله: (وما الزعفران):
قال القاضي حسين: أما ماء الزعفران لا يجوز التوضؤ به، ثم ينظر، فإن كان الزعفران يسيرًا، بحيث إنه لا يتغير الماء به، فيجوز التوضؤ به، فأما إذا تغير الماء به، إما طعمه أو لونه أو ريحه لا يجوز التوضؤ به.
وقال أبو حنيفة: يجوز التوضؤ به ما دام رقته باقية، ويجري على أعضائه ولم يكن عن أبي حنيفة نص في هذا، ولكن حكى عن أبي يوسف هذا.
ولا يجوز التوضؤ بالعصفر إذا استخرج منه الماء، أو يكون العصفر طرح في الماء حتى يتغير الماء بذلك.
ولا يجوز التوضؤ بالنبيذ مسكرًا كان أو غير مسكر، وسواء كان متخذًا من التمر أو غيره.
وقال الأوزاعي: يجوز التوضؤ بجميع الأنبذة.
الجزء: 1 - الصفحة: 203
وقال: أبو يوسف: لا يجوز التوضء بنيذ التمر.
وعن أبي حنيفة فيه ثلاث روايات:
في رواية: يجمع بين التوضؤ بنبيذ التمر، وبين التيمم
روى نوح بن مريم، هذا عنه.
ورواية أخرى: لا يجوز التوضؤ بنيذ الخمر، وهذا روايه أبي يوسف.
والرواية المشهور في الكتاب رواية محمد بن الحسن.
أنه يجوز التوضؤ بنبيذ التمر، ولا يجمع بين التيمم، وبين ذلك.
وقالوا: إنما يجوز التوضؤ بنبيذ التمر، دون سائر الأنبذة، وإنما يجوز إذا لم يكن مسكرا، فأما إذا كان مسكرا لا يجوز التوضؤ به، وإنما يجوز إذا كان مطبوخا لا نيئا، وإنما يجوز إذا كان مسافرا عادمًا للماء هكذا.
وحكي عن المتأخرين منهم، قال: يجوز التوضؤ به إذا كان على حوالي البلد وقال أيضا: إذا كان نيئا يجوز التوضوء به.
الجزء: 1 - الصفحة: 204
قلنا: المسألة مبنية على أن النبيذ يكون نجسًا بدليل ما روي عن (عمر) وابن عمر، أنهما قالا: النبيذ يكون نجسًا.
قوله: (أو ماء بُلَّ فيه خبز).
قال القاضي حسين: أما الماء الذي بل فيه الخبز، ينظر إن كان الخبز يسيرًا طرح فيه، يجوز التوضؤ به، وإن كان كثيرًا بحيث يغير طعمه أو لونه أو ريحه، لا يجوز التوضؤ به.
وكذلك الدقيق لو طرح في الماء ينظر، فإن كان الماء صافيًا يجوز التوضؤ به.
وإن كان الماء كدرًا لا يجوز التوضؤ به.
وكذلك لو طرح الرَّقادُ أو النُّخالة في القمقمة.
فإن كان الماء صافيًا يجوز التوضؤ فيه، وإن كان الماء كدرًا لا يجوز التوضؤ به،
فأمَّا إذا كان أسفل الماء كدرًا، وأعلاه صافيًا يجوز التوضؤ بالماء الصافي دون الكدر.
قوله: «أو غير مما لا يقع عليه اسم ماء مطلق حتى يضاف إلى ما خالطه، فلا يجوز التوضؤ به».
قال القاضي حسين: معناه كل ما يضاف إلى ما استخرج منه، أو يضاف إلى ما خالطه، فلا يجوز التوضؤ به.
الجزء: 1 - الصفحة: 205
وقال الشافعي: كل ماء خلق الله تعالى على هيئته لم تدخله صنعة آدمي، يجوز التوضؤ به.
فأما الماء الذي يكون متغيرًا بالتراب من منبعه، لا خلاف أنه يجوز التوضؤ به، لأنه لا يمكن صون الماء عنه غالبًا.
وكذلك إن تغير بأن ينبت فيه طحلب يجوز التوضؤ به.
هذا كله إذا كان الماء صافيًا أو كدرًا، ولكن يجري الماء على أعضاء الطهارة.
فأما إذا كان ثخينًا، بحيث إنه لا يجري على أعضائه لا يجوز التوضؤ به.
فأما إذا ألقي التراب في الماء، وتغير الماء به.
هل يجوز التوضؤ به أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز التوضؤ به، لأنه يمكن صون الماء عنه غالبًا.
والثاني: يجوز ذلك.
فأما الماء إذا جرى على حجر النورة، والزرنيخ، وكان متغيرًا يجوز التوضؤ به.
وكذلك لو كان الماء متغير لطول المكث في مقره، يجوز التوضؤ به، لأن الماء لابد له من مكان يستقر فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 206
فأما إذا ألقى النورة والزرنيخ في الماء، وتغير الماء، ينظر فإن كانت النورة طبخت ثم طرحت في الماء، وتغير الماء به، لا يجوز التوضؤ به بلا خلاف.
فأما إذا لم يكن مطبوخًا ترتب على المسألة الأولى، وهو تغير الماء بالتراب الذي ألقي فيه، وها هنا أولى ألا يجوز التوضؤ به، والفرق أن التراب يكون طهورًا بخلاف النورة.
وهكذا نقول في الماء الذي خرج من معدن الطيب، وكان الماء أسود أو أحمر، يجوز التوضؤ به.
فأما إذا ألقي الكافور في الماء وتغير الماء به، فإن كان لا ينماع في الماء، يجوز التوضؤ به، وإن تغير الماء به، لأن ذلك تغير مجاورة، لا تغير مخالطة، كما لو تغير الماء بأن تطرح جيفة على شط نهر، وتروح الماء به، يجوز التوضؤ به، فأما إذا كان الكافور يتفتت في الماء، فإن تغير الماء به لا يجوز التوضؤ به، فأما القطران على نوعين:
نوع ينماع في الماء، ويتغير الماء به، فلا يجوز التوضؤ به، وإن كان لا ينماع في الماء بحيث أن فيه دسومة تعلو الماء ولا تمازجه، يجوز التوضؤ به.
فأما إذا طرح فيه الملح، وتغير الماء به.
قال صاحب (التلخيص): إن كان الملح مائيًا، يجوز الوضؤ به، وإن كان جبليًا لا يجوز التوضؤ به.
الجزء: 1 - الصفحة: 207
وقال الشيخ القفال: لا يجوز التوضؤ به.
فأما ماء الملاحة، هل يجوز التوضؤ به أم لا؟
قال صاب التلخيص: يجوز التوضؤ به.
وقال الشيخ القفال، لا يجوز؛ لأن هذا لا يكون ماء، بل يكون عينًا، خلق الله تعالى، فيها منفعة للخلق، وليس كالماء بدليل أن طبعه يخالف الماء، لأن الماء يتجمد في الشتاء، ويذوب في الصيف، وأما ماء الملاحة يذوب في الشتاء، ويتجمد في الصيف، فلهذا فرقنا بينهما.
فأما إذا تغير بأوراق الأشجار، فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يجوز التوضؤ به، لأنه لا يمكن صون الماء عنه غالبًا كالتراب.
والثاني: لا يجوز التوضؤ به، لأنه يمكن صون الماء عنه غالبًا بخلاف التراب.
والثالث: أنه يفصل، فإذا كان خريفيا، يجوز التوضؤ به، وإذا كان ربيعيا لا يجوز التوضؤ به، لأن له رطوبة تمازج الماء، بخلاف ما إذا كان خريفيا، فلو وقعت الثمار في الماء، وتغير الماء، لأجل ذلك لا يجوز التوضؤ به قولا واحدًا، لأنه يمكن صون الماء عن الثمار غالبًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 208
وقل ما يوجد أن تكون الأشجار المثمرة مغروسة على حافات الأنهار.
فصل: الما ماءان
:
ماء طاهر، وماء نجس.
أما الماء النجس، لا يجوز التوضؤ به كيف ما كان، وأما الماء الطاهر على قسمين:
ماء مطلق، وماء مضاف.
أما الماء المطلق: يجوز التوضؤ به.
وأما الماء المضاف على أربعة أقسام:
قسم يضاف إلى محله ومقره، كما يقال: ماء السماء، وماء البئر والبحر والحوض، وماء الكوز، ونحوه يجوز التوضؤ به.
وقسم يضاف إلى المجاور، مثل ما تغير الماء به برائحته، ويكون ذلك التغير تغير مجاورة يجوز التوضؤ به، كما لو تغير الماء بجيفة وقعت على شرط النهر، وتروح الماء بذلك.
والقسم الثالث: الماء المضاف إلى مخالط، لا إلى مجاور، مثل ماء الزعفران، وماء الدقيق، وما أشبه ذلك، وقد ذكرناه.
والقسم الرابع: إذا كان ذلك التغير يكون بما يضاف إلى ما استخرج منه، مثل ماء الزعفران، وماء الورد، وماء الشجر والعرق، فلا يجوز التوضؤ به، وكل ما لا يجوز التوضؤ به، لا تجوز إزالة النجاسة به.
الجزء: 1 - الصفحة: 209
وقال أبو حنيفة: كل مائع طاهر يزيل العين والأثر يجوز إزالة النجاسة به إلا الدهن، واللبن.
وقال المتأخرون منهم: إن كان الدهن واللبن يزيل العين والأثر، يجوز أيضا إزالة النجاسات بهما، وإلا فلا.
قال (أبو يوسف): إن كانت النجاسة على البدن لا يجوز إزالتها إلا بالماء، وإن كانت على محل آخر تجوز إزالتها بجميع المائعات، كما قال (أبو حنيفة) لنا أن نقول: خروج الحدث من مخرج الحدث يقتضي طهرين: طهرا يختص بمحل حدوثه، وطهرا لا يختص بمحل حدوثه.
ثم اجتمعنا على أن الطهر الذي لا يختص بمحل حدوثه، وهو الطهارة الحكمية تختص بالماء، فهذا أولى، لأن هذا نجاسة عينية، وتلك حكمية، وحكم النجاسة العينية أقوي من الحكمية، لأن هذه عين، وتلك حكم.
وايضا الماء المزال به النجاسة يكون نجسًا بالاتفاق، والماء المزال به الحدث لا يكون نجسًا بالإجماع.
وأيضا لو تيمم لأجل النجاسة يجب عليه قضاء الصلاة.
ولو تيمم لأجل عدم الماء لا يجب عليه قضاء الصلاة.
وكذلك لو كان معه من الماء ما يكفي لطهارته، وكان على بدنه نجاسة، ويكفي أيضا ذلك الماء لإزالتها، فإنه يستعمل الماء في إزالتها، ويتيمم.
كذلك الشرع ورد في الطهارة الحكمية بالمسح، ولم يرد بمثله في العينية، أعني: عن النجاسة العينية بالمسح.
وكذلك ورد الشرع في الطهارة العينية بالجمع بين طهورين، وهو ولوغ الكلب، ولم يرد الشرع في الطهارة الحكمية بالجمع بين طهورين.
الجزء: 1 - الصفحة: 210
وكذلك النجاسة العينية تتعدي من البدن إلى غير البدن وأما النجاسة الحكمية لا تتعدي من البدن إلى غير البدن.
فلما كانت النجاسة العينية أقوى من النجاسة الحكمية، ثم إنا أجمعنا على أن في النجاسة الحكمية لا تجوز إزالتها إلا بالماء، فالنجاسة العينية أولى ألا تجوز إزالتها إلا بالماء، والله أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 211
باب الآنية
قال الشافعي - رحمه الله - ويتوضأ في جلود الميتة إذا دبغت، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: أيما إهاب دبغ فقد طهر.
قال رضي الله عنه: الأواني على قسمين:
قسم يتخذ من الجلود، وقسم يتخذ من غير الجلود.
فأما ما يتخذ من الجلود، ينظر، فإن كان من مأكول اللحم، وكان زكيا فيكون طاهرا، إلا أن يكون متضمخا بالدم، فإن ذلك يكون نجسًا، فيجب غسله، وإن كان ميتًا فإن الجلد ينجس بالموت على مذهب عامة العلماء،
وقال الزهري: الجلد لا ينجس بالموت.
الجزء: 1 - الصفحة: 212
لنا ما روي أنه عليه السلام مر بشاة ميتة لميمونة، ملقاة على مزبلة، فقال هلا أخذتم إهابها فنتفعتم بها؟
فقالوا يا رسول الله، إنها ميتة، فقال عليه السلام: دباغها طهورها، وروي أنه قال: إنما يحرم من الميتة أكلها.
ويدل عليه قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة.
قالوا: لو كان ينجس بالموت لما يطهر بالدباغ كاللحم.
قلنا: إنما يطهر بالدباغ ما كان يؤثر فيه الدباغ.
والدباغ إنما يؤثر في الجلد دون اللحم.
وقال أحمد بن حنبل: جلد الميتة لا يطهر بالدباغ.
الجزء: 1 - الصفحة: 213
دليلنا ما روينا من حديث شاة ميمونة، وبقوله عليه السلام: أيما إهاب دبغ فقد طهر.
والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب حتى لا يختص بمأكول اللحم لا غير، وقال أبو ثور والأوزاعي: إن كان جلد حيوان مأكول اللح يطهر بالدباغ إذا مات، وإن كان غير مأكول اللحم، فلا يطهر جلده بالدباغ إذا مات.
دليلنا: الخبر الذي روينا، ولأنه جلد ميتة يكون طاهرًا في حالة الحياة، فوجب أن يطهر بالدباغ.
دليلة: جلد ما يؤكل لحمه.
وهذا؛ لأن الدباغ يرد الجلد إلى حاله الأولى، وفي الابتداء الجلد يكون طاهرًا كيف ما كان، كذا بعد الدباغ وجب أن يكون مثله.
فالواحد مطهري الجلد، فوجب أن يؤثر في مأكول اللحم لا غير، كالزكاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 214
قلنا: الدباغ أقوي في التطهير من الزكاة، لأن الزكاة تمنع حلول النجاسة، والدباغ يرفع النجاسة اللازمة فيه، والرافع يكون أقوى من المانع، كالعدة مع الردة والرضاع، فإن الردة والرضاع أقوي من العدة.
وقال مالك يطهر الجلد ظاهرًا، ولا يطهر باطنًا، لأن العفص الذي ينثر عليه إنما يؤثر في الظاهر دون الباطن.
وهذا لا يصح، لأن الدباغ يؤثر في الظاهر والباطن جميعًا، بدليل أنه يستخرج منه الفضول التي في باطنه، ويصيره إلى حالة لو أصابه الماء لا يفسده.
مسألة
قال الشافعي: وكذلك جلود ما لا يؤكل لحمه من السباع، إذا دبغت إلا جلد كلب أو خنزير، لأنهما نجسان وهما حيان.
وقال أبو حنيفة: جلد الكلب يطهر بالدباغ.
وجلد الخنزير لهم فيه ثلاث روايات:
في رواية قالوا: لا جلد له يتسلخ.
وفي رواية قالوا: يطهر بالدباغ.
وفي رواية قالوا: لا يطهر بالدباغ.
ونحن ندل على أصل وهو: أن الكلب نجس العين، بدليل حديث أبي قتادة، كنت أسكب الوضوء ... الخبر.
الجزء: 1 - الصفحة: 215
مسألة
قال الشافعي: وإنما يدبغ الجلد بما تدبغ به العرب، والعرب إنما تدبغ بالقرظ والشب، وكذلك كل ما كان في معناه، مثل: العفص المسحوق وقشور الرمان، والبروق.
فيحصل الدباغ بذلك، ولا يختص بما تدبغ به العرب، كما في الاستنجاء.
الجزء: 1 - الصفحة: 216
قوله: ويتوضأ في جلود الميتة إذا دبغت.
قال رضي الله عنه: اعترض على الشافعي، فإنه ذكر جميع الجلود في أول الباب، ثم قال: وكذلك جلد ما لا يؤكل لحمه، ولا يحسن أن يعطف البعض على الجملة، وإنما يعطف على البعض.
قلنا: الشافعي: رحمه الله، إنما عطف هذا على معنى الخبر، وذلك أن الخبر إنما ورد في شاة ميمونة، فأراد أن يبين أن جميع الجلود تطهر بالدباغ حتى لا يظن ظان أن كل جلد لا يؤكل لحمه لا يطهر بالدباغ، خلافاً لما قال أبو ثور والأوزاعي، فقال الشافعي، كل جلد حيوان يدبغ فيطهر ذلك الجلد بالدباغ، إلا جلد الكلب والخنزير، فإن الكلب والخنزير نجسان في حال الحياة، والدباغ إنما يرد الجلد إل حاله الأولى.
قال الشافعي: ولا يطهر بالدباغ إلا الإهاب وحده، ولو كان الصوف والشعر والريش لا يموت بموت ذوات الروح، أو كان يطهر بالدباغ، كان ذلك في قرن الميتة وسنها، وجاز في عظمها، لأنه قبل الدباغ وبعده سواء.
قال القاضي حسين: إنما يطهر بالدباغ الإهاب وحده، فأما الشعر والظفر والسن لا يطهر بالدباغ.
وفي رواية المزني والربيع بن سليمان المرادي، أن الشعر فيه الروح والحياة، ويموت بموت ذات الروح.
وقال الشيخ أحمد البيهقي: قال الشافعي في الجامع: إن الشعر لا روح فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 217
وقال في كتاب الديات: إن الشعر لا روح فيه.
وحكي إبراهيم البلدي، عن المزني أن الشافعي رجع عن تنجس شعر بني آدم.
وفي رواية: رجع عن تنجس الشعور، فقد حصل فيها قولان
فعلى القول الجديد: إن الشعر فيه الروح، يموت بموت ذات الروح، وينجس بالموت، ولا يطهر بالدباغ، وكذلك الظفر والسن والقرن.
والقول الثاني: إن الشعر لا روح فيه، فعلى هذا جميع الشعور يكون طاهرا، لا روح فيها، سواء أخذ منه في حال الحياة، أو بعد الوفاة إلا شعر الكلب والخنزير، فإذا قلنا بقول الجديد: إن الشعر فيه الحياة.
الجزء: 1 - الصفحة: 218
فعلى هذا لا يخلو، إما أن يكون الحيوان مأكول اللحم، أو لا يكون مأكول اللحم.
فإن كان مأكول اللحم، فإذا جز شعره في حال الحياة يكون طاهرًا، وكذلك لو أخذ منه بعد الذكاة يكون طاهرًا، وأما ما نتف منه في حال الحياة، فهل يكون طاهرًا أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: يكون طاهرًا، وهو الأصح، كما لو أخذ منه على وجه الجز.
والثاني: لا يكون طاهرًأ، لأنه لم يؤخذ منه بطريقة
والنتف يكون كالوقذ والجز يكون كالذبح.
فأما ما انتتف بنفسه، فإنه يكون طاهرًا.
فأما الريش، ينظر إن قلع الجناح، وعليه ريش، فإن ذلك يكون نجسًا، وإن أخذ منه على وجه النتف، هل يكون طاهرًا أم لا؟
ينظر، إن كان على رأس الجناح قطعة لحم أو دم، فإنه يغسل، ويكون طاهرًا وإن لم يكن عليه دم ولا لحم، وكان عليه بلة، فإنه يكون طاهرًا، لأن تلك البلة تكون كالعرق، والعرق يكون طاهرًا.
فأما شعر ما لا يؤكل لحمه، هل يكون طاهرًا أم لا؟
لا خلاف على قوله الجديد: إنه لا يكون طاهرًا، سواء أخذ منه في حال الحياة، أو بعد الممات، ولا خلاف أنه ما دام متصلا بالحيوان يكون طاهرًا، حتى لو أصاب ثوب إنسان، لا ينجس ثوبه، كعرقه سواء، فأما إذا ركب حمارًا
الجزء: 1 - الصفحة: 219
وانتتف شعر منه، والتصق بثيابه، لا تجوز الصلاة معه إلا أن يكون يسيرًا، فيكون معفوًا.
قال رضي الله عنه: عندي أنه إن أخذ منه في حال الحياة، وجز منه، فها هنا فيه شيء، لأن عرقه يكون طاهرًا، ولكن المذهب ألا يكون طاهرًا.
فأما الظفر والسن والقرن، لا خلاف أن فيه الحياة، ولا يجوز الانتفاع به إذا مات بخلاف الشعر.
والفرق بينهما أن الظفر لا يكون مخلفا، والشعر يكون مخلفا.
وكذلك الظفر لا يمكن الانتفاع به غالبًا، بخلاف الشعر.
قال الله تعالى: (وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين) الآية.
وسواء أخذ منه السن أو الظفر في حال الحياة، أو سقط منه في حال الحياة، فإنه يكون نجسًا.
وكذلك القرن الذي يسقط عنه في حال الحياة، لا يكون طاهرًا، فأما شعر بني آدم، هل يكون طاهرًا أم لا؟
فيه وجهان: بناء على أصل.
وذلك أن الآدمي إذا مات، هل ينجس بدنه بالموت أم لا؟
فيه قولان:
فإذا قلنا ينجس بدنه بالموت، فشعره يكون نجسًا.
وإذا قلنا: إنه لا ينجس بالموت، شعره يكون طاهرًا في حال الحياة.
فأما شعر النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يرتب على شعر الأمة.
الجزء: 1 - الصفحة: 220
إن قلنا: إن شعر سائر الخلق يكون طاهرًا، فشعر النبي صلى الله عليه وسلم أولى، وإلا فوجهان:
والأصح أن ذلك يكون طاهرًا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم شعره بين أصحابه.
وأصحابنا ذكروا وجهين في بوله ودمه، هل هو طاهر أو نجس؟
فعلى وجهين.
الجزء: 1 - الصفحة: 221
وقال أبو حنيفة، الشعر لا روح فيه، ولا ينجس بالموت، وهكذا يقول في الظفر والسن والقرن.
فرع
لو نتف ريش طائر مأكول اللحم، واتخذ منه منشفة، يكون طاهرًا على ظاهر المذهب.
فصل
الجلود الميتة إذا دبغت، وكان عليها شعور، فعلى مذهبه الصحيح، ورواية المزني والمرادي: أنه لا يطهر بالدباغ.
وحكي الربيع بن سليمان الجيزي، قولا آخر عن الشافعي.
أن الشعر يكون تابعًا للجلد، يطهر بطهارته، وينجس بنجاسته، فعلى هذا القول شعر الثعلب إذا مات، ودبغ جلده يكون طاهرًا، وكذلك شعر الهرة الإنسي، فاما الهرة الوحشي، لو قلنا: يحل أكله فيكون طاهرًا.
وإن قلنا: لا يحل أكلهن فحكمه حكم الإنسي.
الجزء: 1 - الصفحة: 222
فصل في الدباغ
قال الشافعي رحمه الله: إنما يدبغ بما تدبغ به العرب: القرظ والشب، وكذلك ما يقوم مقامه يحصل به الدباغ.
قال الشافعي: وأقل الدباغ أن ينشف فضوله، وذهب رسومته وزهومته، ويطيب رائحته، ويصيره إلى حاله لو أصابه المائع لا ينتن.
فأما بالتتريب والشمس لا يحصل الدباغ.
وقال أبو حنيفة: يطهر بها الجلد.
فأما إذا دبغ الجلد: فعلى قوله الجديد يكون طاهرًا ظاهره وباطنه، وعلى قوله القديم إنما يطهر ظاهرًا ولا يطهر باطنًا، فعلى قوله الجديد يجوز معه، وتجوز الصلاة عليه ومعه، ويجوز أكله إن كان جلد حيوان مأكول اللحم، وإن كان جلد حيوان غير مأكول اللحم، لا يجوز أكله، وعلى قوله القديم، لا يجوز أكله،
الجزء: 1 - الصفحة: 223
ولا تجوز الصلاة معه، ولا يجوز بيعه، ولا استعماله في الأشياء الرطبة، وهل يحتاج إلى غسله أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى لأنه إذا أصابه ما يدبغ به صار نجسًا.
والثاني: لا بل انقلب الكل طاهرًا، كما نقول في العصير إذا صار خمرًا، ثم صار خلا، فإن أجزاء الدن تطهر بانقلاب الخل خمرًا، كذلك ها هنا.
وأما الفتات الذي يتناثر منه، هل يكون ظاهرًا أم لا؟
فيه وجهان، كما ذكرنا.
فإما إذا دبغ بماء نجس، أو بدواء نجس، هل يندبغ أم لا؟
فيه وجهان: فإن قلنا يندبغ فيجب غسله قولاً وحدًا.
قال الشافعي رحمه الله عليه، ولو كان الصوف والشعر والريش لا يموت بموت ذات الروح، أو كان يطهر بالدباغ، كان ذلك في قرن الميتة وسنها، وجاز في عظمها؛ لأنه قبل الدباغ.
قال رضي الله عنه عند مالك، رحمه الله، الظفر والقرن والسن فيه الحياة، وينجس بالموت ولا يطهر بالدباغ، وأما الشعر والصوف والريش، منهم من قال: لا روح فيه، ولا ينجس بالموت.
الجزء: 1 - الصفحة: 224
وتارة يقولون فيه الحياة، وكذلك يطهر بالدباغ.
فتردد الشافعي في مذهبه، فألزمه بالطرفين، فقال: لو كان الصوف والشعر لا يموت بموت ذات الروح، أو كان يموت، ولكن يطهر بالدباغ يلزمك أن تقول مثل هذا في العظم والقرن، لأنه قبل الدباغ وبعده سواء.
ومنهم من قال:
الشافعي قصد بهذا الرد على أبي حنيفة ومالك، فقال:
ولو كان الصوف والشعر والريش لا يموت بموت ذات الروح، يا أبا حنيفة أو كان يطهر بالدباغ يا مالك، كان ذلك في قرن الميتة وسنها.
فأجاب عن قول مالك، ولم يجب عن قول أبي حنيفة، لأن عند أبي حنيفة حكم العظم حكم الصوف.
ومنهم من قال: الجواب رجع إلى أبي حنيفة، ولكن إنما أراد أن يقيس غير المنصوص عليه على المنصوص عليه، ليكون كلامه أظهر، والله أعلم بالصواب.
قال الشافعي: ولا يدهن من عظم فيل، واحتج بكراهية ابن عمر لذلك.
قال القاضي حسين: وقد قريء بقراءتين: لا يدهن على وزن التفعيل.
يعني: لا يمسح رأسه وبدنه بالدعن الذي كان في عظم الفيل
وقريء على وزن الأفعال معناه، لا يستعمل ذلك الدهن، فينجس الموضع الذي أصابه الدهن.
ولو اتخذ منه مشطًا، وسرح به لحيته، فإن كان رطبًا ينجس لحيته، وإن يابسًا، فلا ينجس لحيته
ولو اتخذ منه مشطًا، وسرح به لحيته، فإن كان رطبًا ينجس لحيته، وإن كان يابسًا، فلا ينجس لحيته.
وكره ابن عمر ذلك، والكراهية كراهية التحريم.
قال الشافعي في موضع آخر، ولا تدهن السفن بشحوم الخنازير، وقال: ولا تصل ما انكسر بعظمه إلا بعظم ما يؤكل لحمه زكيا، فإن رفعه بعظم ميت أجبره السلطان على قلعه، وإن مات صار ميتًا كله.
الجزء: 1 - الصفحة: 225
هذه النصوص كلها تدل على أنه لا يجوز استعمال الشيء النجس.
وقال في موضع آخر: ويستصبح بالدهن النجس.
وقال في موضع آخر، ويلبس فرسه ودوابه كل جلد ما سوي الكلب والخنزير من جلد قرد وقيل وأسد، لأنه جنة للفرس، ولا يعبد على الفرس
وقال في موضع آخر: ولا بأس أن يزبل الأرض بالسماد.
وقال: ولا بأس أن يسجر التنور بعظام الميتة.
وقال: إذا عجن بماء نجس أطعم فهوده وبراذينه ونواضحه.
فقد اضطربت النصوص كما ترى.
من أصحابنا من قال: في الكل قولان: أحدهما: لا يجوز استعماله؛ لا في البدن، ولا في غيره.
والثاني: يجوز استعماله فيهما.
وقال أبو بكر الفارسي، النجاسات على قسمين:
مغلظة ومخففة.
فأما المغلظة مثل نجاسة الكلب والخنزير، ولا يجوز استعماله لا في البدن ولا في غير البدن، والنص مخرج على هذا.
وأما النجاسة المخففة لا يجوز استعماله في البدن، ويجوز استعماله في غير البدن.
وتخرج النصوص على هذا صحيحة.
الجزء: 1 - الصفحة: 226
والنجاسة لا يجوز استعمالها في غير البدن، ولا في البدن إلا عند الضرورة، مثل ان يكون يخاف الهلاك من شدة الحر والبر يجوز له أن يبتدفأ بجلد الكلب والخنزير.
قال الشافعي: فأما جلد كل ذي يؤكل لحمه، فلا بأس بالوضوء فيه وإن لم يدبغ.
قال القاضي حسين: كل جلد يكون ذكيًا، ويؤكل لحمه يكون ذلك طاهرًا، فأما كل حيوان لا يؤكل لحمه، فلا يطهر جلده بالذكاة.
وقال أبو حنيفة: كل حيوان لا يؤكل لحمه يطهر جلده بالدباغ أو بالذكاة.
قال الشافعي: ولا أكره من الآنية إلا الذهب والفضة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم الذي يشرب في آنية الفضة، إنما يجرجر في جوفه نار جهنم،
قال القاضي حسين: قريء هذا اللفظ بقراءتين: نارُ، نارَ.
فإذا قريء بالرفع معناه: نار جهنم في بطنه.
وإذا قرئ بالنصب معناه: يجر النار إلى جوفه، كما قال تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامي ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا) الآية.
قد ذكرنا: أن الأواني على قسمين:
قسم متخذ من الجلود، وقد ذكرنا الجلود.
فأما ما يكون من غير الجلود، فإن ذلك يكون على قسمين:
الجزء: 1 - الصفحة: 227
متخذ من جوهر خسيس، ومتخذ من جوهر نفيس.
فأما ما يكون متخذًا من جوهر خسيس، مثل: الخزفيات، والصفريات والنحاس، وما أشبه ذلك، فيجوز اتخاذه.
فأما ما كان متخذًا من جوهر نفيس، فعلى قسمين، الدراهم والدنانير وغيرهما.
فأما ما يكون متخذا من الدراهم والدنانير، فعلى قوله الجديد، يحرم استعماله وعلى قوله القديم: يكره استعماله، ولا يحرم.
بدليل ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم، سئل عن الإناء الذهب والفضة، فقال إنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة، الحديث.
الجزء: 1 - الصفحة: 228
ووجه القول الأول ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم، وبيده قطعة من الذهب، وبيده الأخرى قطعة من الحرير، فقال: هذان حرام على ذكور أمتي حلال لإناثها، الحديث.
ولأي معنى يجوز اتخاذه؟ فيه معنياه:
أحدهما: يحرم استعماله لعين الذهب والفضة، ولما كان فيه من كسر نفس، الفقير، الذي لا يجد درهما ينفقه على نفسه، والمعنى الثاني: إنما يحرج للكبر والخيلاء، فعلى هذا لو اتخذ إناء من ذهب وموهمه بالنحاس، فهل يحرم ذلك أم لا؟
إن قلنا: إنما يحرم لعين الذهب والفضة، فها هنا يحرم اتخاذه.
وإن قلنا: إنما يحرم للكبر والخيلاء، فها هنا لا يحرم، وعلى عكسه عكسه، وعلى هذا هل يجوز اتخاذه أم لا؟
فيه وجهان.
الجزء: 1 - الصفحة: 229
وكذلك الصائغ الذي يتخذ هذا، هل يستحق الأجرة على صنعته أم لا؟ فيه وجهان.
وكذلك لو جاء إنسان وكسره، هل يجب عليه قيمة الكسر أم لا، فيه وجهان.
وللشافعي ما يدل على أن له قيمة في موضعين.
قال في كتاب الزكاة: الحلي إذا كان وزنه ألفًا، وقيمته مصوغًا ألفين، فإنما زكاته على وزنه، لا على قيمته.
وقال في موضع آخر: ولو أصدق امرأته إناءين من ذهب، أو فضة وكسر أحدهما، ثم طلقها قبل الدخول.
فإن في المسألة قولين:
أحدهما: أن الزوج يأخذ نصف قيمة الإناء المنكسر، ويأخذ نصف الإناء الصحيح، ونصف قيمة الإناء المنكسر، وإن شاء يأخذ نصف قيمة الإناءين ويترك الإناء في يدها.
قال الشافعي: فإن كان من ذهب فيقوم بالفضة، وإن كان من فضلة فيقوم بالذهب.
فهذا دليل على أن له قيمة.
الجزء: 1 - الصفحة: 230
فأما القسم الثاني الذي يكون متخذا من جوهر نفيس غير الدراهم والدنانير، مثل البلور والجزع وأشباههما، فعلى قوله القديم يكره استعماله، وعلى قوله الجديد، هل يحرم استعماله أم لا؟
فيه وجهان بناء على المعنيين:
إن قلنا: المعنى فيه عين الذهب والفضة، فها هنا لا يحرم.
وإن قلنا: المعنى فيه الكبر والخيلاء، فها هنا يحرم اتخاذه.
فلو أنه توضأ في إناء من ذهب أو فضة يصح وضوؤه، ولكن يكره.
وقال داود وأصحاب الظاهر: لا يصح وضوؤه.
وهكذا نقول في الدار المغصوبة: وفي الثوب المغصوب، لأن النهي إنما ورد عن استعماله، ولم يرد النهي في عين ما وقع به التوضؤ، فلو صب الدراهم في الكوز، وشرب منه الماء يجوز، ولا يكره، وكذلك لو كان بيده خاتم، فغرف من الماء غرفة، وشرب لا يكره، وكذلك لو اتخذ لنفسه أصبعا من فضة أو ذهب، أو يدا من فضة، أو ذهب، أو أنفا من ذهب يجوز، وكذلك لو اتخذ سنا من فضة يجوز.
الجزء: 1 - الصفحة: 231
فأما ما اتخذ لنفسه حليا من حلي الرجال، مثل الخاتم والمنطقة، وحلية، السيف يجوز.
وكذلك لجام الدابة مثله، ولا يجوز أن يتخذ لنفسه خاتمًا من فضة، ويجعل أسنان خاتمه من ذهب، ولو اتخذ لنفسه خلخالا أو سوارا لا يجوز، لأن هذا ليس من حلي الرجال.
وكذلك لا يجوز للرجل أن يلبس الثوب الإبريسم.
وكذلك لا يجوز أن يلبس الثوب الملحم، والثوب الذي يكون جميعه من الإبريسم.
ولا يجوز أن يجلس على البساط الحرير، ولو غطاه بثوب، ثم جلس عليه يجوز حتى أفرط بعض أصحابنا، فقالوا: شهود النكاح لو جلسوا على الثوب الإبريسم صاروا فسقة، ولا ينعقد النكاح بشهادتهم، وهذا لا يصح، لأنه ليس كل ما يكون معصية يصير به فاسقًا ويكون مردود الشهادة، ولو اتخذ لنفسه مجمرًا من ذهب، أو فضة يكون حرامًا، فلو أن الرجل أراد أن يطيب ثيابه من مجمر من ذهب أو فضة ينظر، فإن طرح ثيابه عليه لا يجوز قولا واحدًا، وإن كان من بعيد، ويشتم رائحته لا يكون مكروهًا، ولو أنه استعمل ماء الورد من إناء من ذهب أو فضة لا يجوز.
والحيلة فيه أن يصيب ماء الورد على يساره ثم يصيب من اليسار على اليمين
الجزء: 1 - الصفحة: 232
ويستعمله، ولو اتخذ مسمارًا، أو معلقة من فضة لا يجوز، ولو كان له قدح، وكان عليه سلسلة من فضة يجوز، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له قدح فيه سلسلة من فضة.
فأما لبس الحرير قد ذكرنا أنه حرام.
فأما لبس الخز، هل يحرم أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: وهو الأصح أنه حرام، لأنه كان من الإبريسم، ولكن هو غزل غليظ، فأما لبس الخز والعتابي والمصمت، فإن كان السدي من القطن يجوز لبسه، وإن كان السدي من الإبريسم لا يجوز لبسه.
والحد فيه أنه إن كان الغالب منه من الإبريسم لا يجوز لبسه، وإن كان الغالب منه القطن، يجوز لبسه.
الجزء: 1 - الصفحة: 233
فأما الثوب الذي عليه طراز، فإن كان قدر أصبعين، أو ثلاثة أصابع يجوز، وإن اكن أكثر من ذلك فلا يجوز.
والفرق بين هذا، وبين القليل من الذهب أنه لا يجوز أن يجعل أسنان خاتمه من الذهب، لأن الذهب شيء نفيس يعرفه الخاص والعام، وأما الحرير لا يعرفه إلا الخاص، هذا كله في حلي الرجال.
فأما النساء: يجوز لهن أن يتحلين بحلي الذهب والفضة، ويلبس الحرير ولكن إنما يتحلين بما كان من حلي النساء غالبًا.
فأما ما لا يكون من حلي النساء، مثل المنطقة وحلية السيف، فليس لهن ان يفعلن ذلك، وإنما يجوز لعن التحلي، بخواتيم الذهب، واتخاذ الخلخال، والسوار، ولبس الديباج، ولكن لا يجوز لهن أن يجلسن على الحرير، وعلى الديباج كالرجال.
وقال أبو يوسف، يجوز لهن أن يجلسن على الديباج.
وكذلك لا يجوز لهن أن يتخذن إناء من ذهب أو فضة كالرجال، قال الشافعي: وأكره ما ضبب بالفضة، لئلا يكون شاربًا على فضة، قال القاضي حسين: الإناء المنكسر إذا ضبب من فضة ينظر:
الجزء: 1 - الصفحة: 234
فإن كان ذلك مما يمس الفم لا خلاف أنه لا يجوز، وإن كان لا يمس الفم، فإن كان قليلا للحاجة، يجوز قولاً واحدًا.
وكثيرًا لغير الحاجة لا يجوز قولاً واحدًا، وكثيرًا للحاجة، وقليلاً للزينة، فعلى وجهين:
الجزء: 1 - الصفحة: 235
أحدهما: يجوز هذا.
والثاني: لا يجوز.
قال الشافعي: ولا بأس بالوضوء من ماء مشرك، وبفضل وضوئه، ما لم يعلم نجاسته، توضأ عمر، رضي الله عنه، من ماء في جرة نصرانية.
قال القاضي حسين: الكفار، على قسمين:
قسم لا يتدينون باستعمال النجاسات، ولا يتناولونها، مثل اليهود والنصارى، فإن تحقق نجاسة على ثيابهم، أو على أوانيهم لا يجوز استعماله، وإن لم تتحقق النجاسة على ذلك يجوز استعماله.
والدليل على هذا ما روى أن عمر، رضي الله عنه، توضأ من ماء في جر نصرانية، ولكن الأولى أن يحترز عن ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 236
وقسم يتدينون باستعمال النجاسات مثل المجوس، فهل يجوز استعمال ثيابهم في الصلاة، وأن يتوضأ في أوانيهم أم لا؟
فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن الظاهر أنه يكون نجسًا، والدليل على هذا ما روى في حديث (أبي ثعلبة الخشني)، أنه قال: يا رسول الله، إنا ننزل بلاد المشركين، ونطبخ في قدورهم، أنه قال: يا رسول الله، إنا ننزل بلاد المشركين، ونطبخ في قدورهم، ونشرب من أوانيهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، استغنوا عنها ما استطتعم، فإن لم تجدوا عنها بدا فادخضوها بالماء، فإن الماء طهورها.
والقول الثاني: يجوز أن يصلي في ثيابهم، لأن الأصل طهارة الثوب، والإناء، وها هنا أصل، وذلك أنه إذا اجتمع الأصل والظاهر، فأيهما يغلب؟
الجزء: 1 - الصفحة: 237
فيه قولان، كما نقول في المقابر المنبوشة، فإنه لو تحقق أنها منبوشة قديمة لا تجوز الصلاة فيها، إلا أن يفرش ثوبًا فيصلي عليه، وإن كانت جديدة، وتتحقق أنها لم تكن منبوشة تجوز الصلاة هناك قولاً واحدًا.
فأما إذا كان بعضها منبوشة، ولكن لا يتحقق، يتحمل هذا ويحتمل ذاك، فإن فيها قولين:
أحدهما: يجوز له أن يصلي؛ لأن الأصل طهارة المكان، وأنها لم تكن منبوشة.
والقول الثاني: أنه لا تصح الصلاة؛ لأن الظاهر أنه لا يكون إلا نجسًا.
وهكذا القول في وحل الطريق إذا كان يحتمل هذا ويحتمل ذاك، فهل يكون طاهرًا أم لا؟
الجزء: 1 - الصفحة: 238
فيه قولان.
وقال المراوزة، لو قال قائل إذا كان على ثوبك طين الطريق، فلو قال لك: نجس ثوبك، يجب عليه غسله، ولو قال: وحل ثوبك من الطرين، لا يجب غسله.
فأما الصلاة في ثياب الصبيان الذين لا يميزون، هل يجوز أم لا؟
فيه قولان:
أحدهما لا يصح، لأن الظاهر أن ذلك يكون نجسًا.
والثاني: يجوز، لأن الأصل طهارة الثوب، وكذلك الصلاة في ثياب القصابين، والأساكفة الذين يستعملون الهلب، ولا يحترزون عنه.
والله أعلم، بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 239
باب السواك
قال الشافعي: وأحب السواك للصلوات، وعند كل حال تغير فيه الفم، عند الاستيقاظ من النوم، والأزم، وكل ما يغير الفم، لأن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة.
قال رضي الله عنه: السواك والمسواك اسم للخشب الذي يوضع على الأسنان حتى يقلع الوضر.
والسواك يكون سنة مستحبة، والفعل يكون من هذا: الاستياك ويقوي في السواك الإتيان بالسنة، والمقصود يحصل من ضمنه، وهو تطهير الفم، كما أن الرجل يقصد بالجماع النسب، قال الله تعالى (وابتغوا ما كتب الله لكم).
أراد به: الولد.
والمقصود يحصل في ضمنه، وهو اقتضاء الشهوة.
الجزء: 1 - الصفحة: 240
ومضاجعة الرجل مع امرأته سنة.
ولهذا أمر الله تعالى في النشوز بالمفارقة فقال تعالى (واهجروهن في المضاجع) الآية.
والأصل في السواك ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلاة بسواك أفضل عند الله من سبعين صلاة بغير سواك.
الجزء: 1 - الصفحة: 241
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: طهروا أفواهكم لقراءة القرآن.
وروى العباس بن عبد المطلب، أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم قلح، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم، مالي أراكم تدخلون على قلحا؟ استاكوا؟
وروى عن عائشة، رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا كان قام من الليل يشوص فاه.
يعني: يستاك.
وروى عنها أيضًا أنها قالت: كان السواك من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلة القلم من أذن الكاتب، ثم روت ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما يزال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه وما زال يوصيني بالمرأة حتى ظننت أنه سيحرم طلاقها، وما يزال يوصيني بالعبد حتى ظننت أنه يضرب له مدة فإن بلغها عتق، وما يزال يوصيني بالسواك حتى حسبت أن تدردر أسناني.
الجزء: 1 - الصفحة: 242
وروي: حتى يدردر أسناني.
ويستحب السواك عند القيام إلى الصلاة، وعند كل حال تغير فيه الفم.
مثل: الاستيقاظ من النوم، والأزم، وأكل ما يغير ما يغير الفم من الثوم والبصل والكراث، وكذلك لو سكت ساعة طويلة فيستحب له السواك، لأنه إذا انضمت شفتاه، وانطبقت فيتغير الفم بذلك.
قال المزني: وأحب السواك للصلوات عند كل حال تغير فيه الفم، وهذا النص يدل على أنه إنما يستحب السواك إذا اجتمع شيئان: الصلاة، وتغير الفم.
وليس كذلك، لأنه إذا وجد أحدهما يستحب له السواك، فلو أنه نقل: وعند كل حال، لما وقع الإشكال.
قال وكل ما يغير الفم، قال القاضي حسين: وقريء وكلما تغير الفم.
والأصح أن يقال: وأكل ما يغير الفم، لأنه نقل أولاً: وعند كل حال تغير
الجزء: 1 - الصفحة: 243
فيه الفم، ثم قال: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة.
صدر الباب بأن السواك يكون مستحبًا.
ونقل هذا الخبر على وجه الاحتجاج، وهذا الخبر دليل على نفي الوجوب، ونفي الوجوب لا يدل على أنه يكون مستحبًا.
قال الشافعي: ولو كان واجبًا لأمرهم به، شق أو لم يشق.
وعندنا يكون سنة مستحبة، وليس بواجب
وقال أصحاب الظاهر، يكون واجبًا.
دليلنا هذا الخبر.
والسواك يكون عبادة بدليل ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: صلاة بسواك أفضل عند الله من سبعين صلاة بغير سواك.
الجزء: 1 - الصفحة: 244
والسنة أن يستاك عرضًا، ولا يستاك طولا.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: استاكوا عرضا ولا تستاكوا طولا.
والسنة أن يستاك بخشب وسط، لا يكون حديدًا بحيث إنه يقرح اللثة، ولا يكون لينا بحيث إنه لا يقلع الوضر.
قال الشافعي: ويستاك بخشب حريف.
معناه: فيها حدة ولسع، حتى يقلع النكهة.
كما يقال: خلف ثقيف، وبقل حريف، وخبز نظيف، ولحم مشوي، ما عابه أحد.
ولو استاك بخرفة خشنة أو بالأصبع يحصل الاستياك بهذا.
والسواك هل هو من سنن الوضوء أم لا؟
فيه وجهان.
الجزء: 1 - الصفحة: 245
وإنما يستحب السواك في جميع الأوقات، إلا أن يكون صائمًا، يكره له السواك بالعشي، ولا يكره له ذلك بالغداة.
وقال أبو حنيفة: لا يكره له السواك في زمن ما.
واستدل بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: خير خصال الصائم السواك.
وقال مالك: إن كان صوم فرض، فهو كما ذكرنا، وإن كان نفلاً يستحب السواك في جميع الأحوال، حتى لا يتهم بأنه كان صائمًا، ليكون أبعد عن الرياء والسمعة، وإن كان فرضًا فيستحب إظهاره.
قال الله تعالى (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم).
دليلنا أن نقول: إن هذا أثر العبادة إذا كان بعد العشي.
فأما إذا كان قبل الزوال تغير الفم، إنما يكون من امتلاء المعدة، فيستحب إزالته، وأما إذا كان بعد الزوال، فإن ذلك يكون من الخواء، ويكون ذلك أثر العبادة.
وأثر العبادة تكره إزالته، كما نقول في دم الشهيد.
الجزء: 1 - الصفحة: 246
والدليل على هذا، ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك).
ولأن هذا أثر عبادة مستحبة ورد الشرع بها على لسان صاحب الشرع، فكره إزالته، وما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شهداء أحد: (زملوهم بكلومهم، فإنهم يبعثون يوم القيامة، وأوداجهم تشخب دمًا اللون لون الدم، والريح ريح المسك).
فدل على أنه يكره إزالة دم الشهيد، كذلك الخلوف يكون أثر العبادة، فتكره إزالته.
قال رضي الله عنه: قد ذكرنا أن المزني، صدر الباب بأن السواك يكون مستحبًا، ثم نقل خبرًا يدل على على نفي الوجوب، وقال: (وعندي أن هذا إنما يعلم ذلك زيادة وتأكيدًا في الاستحبا، إلا أن الشافعي قال بعد هذا: ولو كان واجبًا لأمرهم به شق أو لم يشعق).
وهذا دليل على نفي الوجوب - والله أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 247
باب نية الوضوء
قال الشافعي: ولا يجزئ طهارة من غسل ولا وضوء ولا تيمم إلا بنية، واحتج على من أجاز الوضوء بغير نية، بقوله صلى الله عليه وسلم: (الأعمال بالنيات).
ولا يجوز التيمم بغير نية، وهما طهارتان، فكيف يفترقان؟
قال القاضي حسين: الطهارة على نوعين: عينية، وحكمية.
فالعينية، ما اختص وجوبها بمحل حلول موجبها، وذلك لا يحتاج إلى النية عند عامة أصحابنا.
وقال ابن سريج، وسهل الصعلوكي، إنها تحتاج إلى النية.
الجزء: 1 - الصفحة: 248
والحكمية: ما يتعدى وجوبها عن محل حلول موجبها، مثل الوضوء والاغتسال والتيمم، والكل يحتاج إلى النية، سواء كانت بالمائع أو بالجامد.
وقال أبو حنيفة: ما كان بالمائع لا يحتاج إلى النية، وما كان بالجامد يحتاج إلى النية.
وقال زفر: الطهارة بالجامد لا تحتاج إلى النية.
إذا ثبت هذا، فالكلام في النية يقع في أربعة مواضع:
في أصل النية، ومحلها، ووقتها، وكيفيتها.
أما أصل النية، فإنه واجب لقوله عليه السلام: (إنما الأعمال بالنيات) الخبر.
وأما محل النية.
اعلم أن محل النية الجنان، ولو نوي بالجنان، وتلفظ باللسان فهوا الأكمل، والأولى.
ولو نوى بالجنان، ولم يتلفظ باللسان جاز.
ولو تلفظ باللسان ولم ينو بالجنان لا يجوز.
الجزء: 1 - الصفحة: 249
لأن الشافعي رحه الله قال في كتاب الزكاة.
لو قال عند الأداء: هذا عطاء الفرض جاز.
من أصحابنا من قال: إنما جاز هناك أيضاً إذا نوى معه بالقلب.
ومن أصحابنا من قال: يجوز هناك بمجرد التلفظ باللسان، والفرق بينهما وبين سائر العبادات، أن في الزكاة أداء الغير ينوب عن أداء من وجب عليه مع قدرته على الأداء.
فكذا التلفظ باللسان جاز أن ينوب عن النية بالجنان، بخلاف سائر العبادات فأما وقت النية:
اعلم أن للنية وقتين:
وقت استحباب، ووقت إيجاب.
فوقت الاستحباب: أن ينوي عند غسل اليدين، فلو نوي عند غسل اليدين، واستصحب النية إلى أن غسل جزءا من الوجه، أو عزبت نيته، ثم نوي عند أول غسل جزء من أجزاء الوجه، جاز.
ولو عزبت نيته، ولم ينو عند أول غسل جزء من الوجه لا يجوز.
ولو نوي عند المضمضة والاستنشاق، واستصحب النية إلى غسل أول جزء من الوجه جاز.
وإن عزبت نيته، ولم ينو عند أول غسل جزء من الوجه اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: يجوز، لأنه نوي عند افتتاح الطهارة، والشروع فيها، فصار كما لو نوي عند تكبيرة الافتتاح للصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 250
ومنهم من قال: لا يصح؛ لأنه لم ينو عند غسل أول فرض من فرائض الوضوء.
ومنهم من قال: ينظر، إن انغسل في المضمضة والاستنشاق شيء من ظاهر الفم والأنف يجوز، وإلا فلا.
وأما وجه الوجوب هو أن ينوي عند غسل أول جزء من الوجه، إلا أنه لا يحصل له فضيلة المضمضة والاستنشاق، فلو نوي عند غسل الوجه، واستصحب النية إلى آخر الوضوء، فهو المستحب.
الجزء: 1 - الصفحة: 251
وإن عزبت نيته بعد ذلك لا يضر لما فيه من التعذر والمشقة، فيعفي عنه كما في سائر العبادات، [حيث] تكفي النية إلى آخر جزء.
فأما كيفية النية:
الطهارة على قسمين:
بالجامد مرة، وبالمائع أخرى.
فما كان بالجامد كالتيمم، فإنه ينوي فيه استباحة الصلاة، لأن التيمم لا يرفع الحدث، بل يبيح الصلاة، بدليل انتفاضه بدون الحدث.
والطهارة بالماء قسمان:
طهارة رفاهية، وطهارة ضرورة.
فالرفاهية: أن يتطهر الصحيح المقيم، فيتخير بين أن ينوي رفع الحدث واستباحة الصلاة.
أو ينوي أداء أوامر الله تعالى وفرائضه.
فلو نوي الطهارة فحسب.
قال القاضي: عندي أنه لا يجوز، لأن الطهارة هي التنظيف ولو نوي التنظيف لا تصح طهارته، كذا هذا.
فأما طهارة الضرورة، كطهارة المستحاضة، ومن به سلس البول، فإنه ينوي استباحة الصلاة عند عامة أصحابنا.
وقال (القفال) و (الخضري): إنه يجمع بين نية رفع الحدث،
الجزء: 1 - الصفحة: 252
واستباحة الصلاة، لأن طهارته ترفع الحدث السابق، وتبيح الصلاة مع الحدث اللاحق.
قال الشافعي: وإذا توضأ لنافلة أو لقراءة مصحب أو لجنازة أو لسجود قرآن أجزأ، وإن صلى به فريضة.
قال القاضي حسين: جملة ما يتوضأ ويغتسل له ثلاثة أقسام:
منها: ما تجب الطهارة له أو الغسل، كصلوات الفرض والنفل، وسجود التلاوة، والطواف والخطبة، ومس المصحف للمحدث وغيره.
فلو توضأ بنية أحد هذه الأمور صحت طهارته، ويؤدي بها ما شاء من الصلوات.
ومنها: ما لا تجب له الطهارة ولا تسن، كعيادة المريض، وتشييع الجنازة، وزيارة الوالدين، والسلام على الناس.
فلو توضأ بنية أحد هذه الأمور لا تصح طهارته.
ومنها: ما تسن له الطهارة أو الغسل ولا تجب؛ مثل قراءة القرآن عن ظهر القلب، والمكث في المسجد في حق المحدث، أو العبور فيه في حق الجنب، والغسل للجمعة والأعياد، أو تجديد الطهارة.
فلو نوي أحد هذه الأمور في الطهارة، فهل تصح أم لا؟
فيه ثلاثة أوجه:
الجزء: 1 - الصفحة: 253
أحدهما: لا تصح؛ لأنه لا يجب له الوضوء.
والثاني: تصح؛ لأنه مما تندب له الطهارة.
والثالث: ينظر إن كان تندب له الطهارة لأجل الحدث والجنابة، مثل قراءة القرآن عن ظهر القلب، والمكث في المسجد، والعبور فيه؛ فتنعقد الطهارة بتلك، وإن كان تندب له الطهارة، لا لأجل الحدث، ولكن لأجل زيادة الثواب والدرجة، مثل الاغتسال للجمعة، والاغتسال للعيد، لا تصح الطهارة بتلك النية.
فرع
لو ترك لمعة من أعضاء طهارته في المرة الأولى، ثم غسلها في المرة الأخرى، ينظر، فإن كان ذاكرا لنية الفرض، جاز، وإن غسلها بنية النفل، هل تقع عن الفرض أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يقع؛ لأن النفل لا يقوم مقام الفرض، كما لو ترك سجدة في صلب الجمعة، ثم سجد للسهو أو للتلاوة، فإنها لا تقوم مقام الفرض، كذا ها هنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 254
والثاني: تقع عن الفرض.
والفرق بينه وبين الصلاة: أن نية الطهارة تشتمل على الغسل مرة ومرتين، وثلاث مرات، ونية الصلاة لا تشتمل على سجدة التلاوة والسهو قطعًا ويقينًا، لأنها تطرأ عليها أحيانا، وأيضًا فإن الغسل عن النفل إنما يقع بعد فراغ المحل عن الفرض.
فإذا ترك لمعة، ثم غسلها في المرة الثانية، فذاك المحل لم يفرع عن الفرض، فوقع عن الفرض في تلك المرة، لا عن النفل.
فعلى هذا: المحدث إذا توضأ بنية تجديد الطهارة، فظن أنه لم يكن محدثًا ينبني على المسألة الأولى.
إن قلنا هناك: لا يحسب عن الفرض، فها هنا أولى.
وإن قلنا هناك: يحسب عن الفرض، فها هنا وجهان.
والفرق أن نية الطهارة تشتمل على الغسل مرة ومرتين وثلاثًا، يعني: نفلاً وفرضًا.
فإذا غسلها في المرة الثانية صار مغسولاً بنية توجد من قبل.
وها هنا نية رفع الحدث لا تشتمل على تجديد الوضوء، حتى لو أراد أن يجدد الوضوء بتلك النية لا يجوز، فإذا نوى تجديد الوضوء، فقد نوي ما لا يشتمل عليه نية في الابتداء، فلا يصح.
فرغٌ
هل تجب النية في غسل الميت أم لا؟
فيه وجهان مستنبطان من كلام الشافعي حيث قال:
(لو غسل ثم خرج منه نجاسة أعاد عليه غسله)، وقريء غسله.
الجزء: 1 - الصفحة: 255
فمن قرأ غسله قال: أراد به غسل جميع أعضائه.
ومن قرأ غسله اختلفوا فيه:
فمنهم من قال: أراد به غسل أعضاء طهارته.
ومنهم من قال: أراد به محل النجاسة فحسب.
إن قلنا: إن الواجب فيه جميع الأعضاء، أو غسل الأعضاء الأربعة جعل فيه النية، لأنه جعل تعبدًا وطهارة حكمية.
وإن قلنا: الواجب فيه غسل محل النجاسة، فلا تجب فيه النية كالطهارة العينية.
فعلى هذا: لو مات ميت في الماء، هل يعاد غسله أم لا؟
إن قلنا: تجب فيه النية يعاد، وإلا فلا.
وكذلك المجوسي لو غسل مسلمًا، هل يعاد غسله أم لا؟
فيه وجهان ينبنيان على هذا.
قال الشافعي: وإن نوي فتوضأ، ثم عزبت نيته، أجزأته نية واحدة، ما لم يحدث نية أن يتبرد، أو يتنظف بالماء فيعيد ما كان غسله لتبرد أو تنظف.
قال القاضي حسين: قد ذكرنا أنه إذا عزبت نيته لا يضره.
فأما إذا نوى في أثناء الطهارة التبرد والتنظف، فإن كان ذاكرًا لنية الفرض لا يضر، وإن كان ناسيًا لها، ولم يكن رافضًا لها، فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، لأن الشافعي قال: (ما لم يحدث نية أن يتبرد أو يتنظف).
والثاني: يجوز؛ لأنه لو جمع بينهما في الابتداء جاز، فكذا ها هنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 256
وأول قوله أنه أراد به: إذا رفض نية الفرض، ثم أحدث نية التبرد والتنظف.
إن قلنا: يجوز، فلا كلام.
وإن قلنا: لا يجوز، فهل يستأنف الوضوء، أو يبني عليه، أم لا؟
فيه وجهان بناء على أصل، وهو أنه إذا فرق النية على أعضاء الطهارة، هل يجوز أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، كما لو فرق النية في الصلاة على أركان الصلاة.
والثاني: يجوز.
والفرق بينهما: أن الطهارة يجزئ فيها التفريق من حيث الزمان، فكذا من حيث النية بخلاف الصلاة.
التفريع: إن قلنا: يجوز تفريق النية على أعضاء الطهارة، فها هنا يبني، وإن قلنا: لا يجوز، فها هنا يستأنف.
فأما إذا رفض نية الفرض لا خلاف أنه لا يحسب ما غسل بعده عن الفرض، وإذا جدد نية الفرض، فهل يبني على الأول أو يستأنف؟
يخرج على ما ذكرنا من وجهين.
الجزء: 1 - الصفحة: 257
فرع
إذا كان على أعضاء طهارته نجاسة، فيجب عليه غسله عن النجاسة، حتى يذهب عينها وأثرها، ثم يجب عليه غسله لأجل الطهارة
فأما إذا أصاب دم الكلب محلاً، فغسل به مرة أو مرتين، أو ثلاثًا حتى ذهبت عين الدم، فهل تحسب هذه الغسلات عن السبع أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: يحتسب له ذلك، كما في الاستنجاء لو حصل الإنقاء بالثلاث لا يجب عليه التكرار بعده، فعلى هذا لو ذهبت عين الدم في الكرة السابعة لا يجب عليه شيء.
والثاني: أنه لا يحتسب له عن السبع، بل يجب عليه أن يغسله سبع مرات والتعفير، كما إذا كان على أعضاء طهارته نجاسة يجب عليسه غسل لأجل الخبث ثم لأجل الحدث.
وهكذا لو أصاب أعضاء طهارته ولوغ الكلب، يغسله عشر مرات، سبع مرات لأجل الخبث، وثلاثا لأجل الحدث.
فأما إذا كان على بدنه عجين أو طين، فغسله حتى زال عنه لا يحسب ذلك الغسل عن الطهارة.
وكذا لو سال عن ذلك المحل إلى محل آخر، لأنه صار مستعملا، فلا يحصل به التطهير.
فرع
لو غسل وجهه ويديه ومسح رأسه، ثم زلت رجلاه، ووقع في الماء
الجزء: 1 - الصفحة: 258
فغسل رجليه، هل يحسب له عن الطهارة، أو يجب عليه غسل الرجلين، ثانيًا.
المذهب أنه لا يجب عليه.
وفيه وجه آخر: أنه يجب عليه ثانيًا، لأنه لم يقصد غسلهما، فجعل كما لم يوجد منه الغسل والله تعالى أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 259
باب سنة الوضوء
.
قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء، حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده.
قال المزني: أشك في ثلاث.
قال الشافعي: فإذا قام الرجل إلى الصلاة من نوم، أو كان غير متوضيء، فأحب أن يسمي الله، ثم يغرق من إنائه على يديه، ويغسلهما ثلاثًا، ثم يدخل يده اليمني في الإناء، فيغرف غرفة لفيه وأنفه، ويتمضمض ويستنشق ثلاثًا، ويبلغ خياشيمه الماء إلا أن يكون صائمًا، فيرفق، ثم يغرف الثانية بيديه، فيغسل وجهه ثلاثًا، من منابت شعر رأسه، إلى أصول أذنيه، ومنتهى اللحية إلى ما أقبل من وجهه وذقنه، فإن كان أمردًا، غسل بشرة وجهه كلها، وإن نبتت لحيته، وعارضاه، أفاض الماء على لحيته وعارضيه، وإن لم يصل الماء إلى بشرة وجهه التي تحت الشعر أجزأه، إذا كان شعره كثيرًا، ثم يغسل ذراعه اليمني إلى المرفق، ثم اليسرى مثل ذلك، ويدخل المرفقين في الوضوء في الغسل ثلاثًا ثلاثًا، وإن كان أقطع اليدين، غسل ما بقي منهما إلى المرفقين، وإن كان أقطعهما من المرفقين، فلا فرض عليه فيهما، وأحب (زأن) لو مس موضعه الماء، ثم يمسح رأسه ثلاثًا، وأحب أن يتحرى جميع رأسه وصدغيه، يبدأ بمقدم رأسه، ثم يذهب بهما إلى قفاه، ثم يردهما، إلى المكان الذي بدأ منه، ويمسح أذنيه ظاهرهما، وباطنهما بماء جديد، ويدخل إصبعيه في صماخي أذنيه، ثم يغسل رجليه ثلاثًا إلى الكعبين، والكعبان هما الناتئان، وهما مجتمع مفصل الساق والقدم وعليهما الغسل كالمرفقين،
الجزء: 1 - الصفحة: 260
ويخلل أصابعهما، لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقيط بن صبرة بذلك، وذلك أكمل الوضوء، إن شاء الله تعالى.
قال القاضي حسين: أول سنن الوضوء التسمية عندنا، وليست بواجبة، حتى لو تركها لا يأثم.
وقال الحسن البصري، وإسحاق بن راهويه، إنها واجبة، إلا أنه إن تركها ساهيًا تصح الطهارة.
قال مالك وأهل الظاهر، إنها واجبة، ولا يجوز تركها عامدًا أو
الجزء: 1 - الصفحة: 261
ساهيًا، واستدلوا بقوله عليه السلام: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى في وضوئه.
قلنا: أراد به نفي الفضيلة والكمال، لا نفي الأصل والجواز، لقوله عليه السلام: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) وأمثاله.
أو أراد به إذا لم يكن اسم الله في قلبه، ولم يكن ذاكرًا له بالقلب، مثل أن يتوضأ عابثًا لاهيًا بترك النية.
قوله: (ثم يفرغ من الإناء على يديه).
الجزء: 1 - الصفحة: 262
قال القاضي حسين: غسل اليدين قبل إدخالها الإناء ثلاثًا سنة، سواء قام من نوم الليل، أو من نوم النهار، أو كان مستيقظًا وأراد الوضوء.
وقال الحسن: إنه واجب، إلا أنه إن غمس يديه في الما، قبل الغسل يصير الماء مهجورًا، ولا يصير مستعملا ولا نجسًا، حتى لو أصاب موضعًا لا يجب غسل ذلك الموضوع عنه.
وقال أحمد بن حنبل: إذا قام من نوم الليل وجب عليه غسل اليدين، وإن قام من نوم النهار لا يجب، لأن الحديث ورد في القيام من نوم الليل حيث قال عليه السلام: (إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده منه)
فالبيتوتة تستعمل في نوم الليل.
فأما نوم النهار يقال له: القيلولة.
قلنا: الحديث محمول على الاستحباب، بدليل أنه قال: لا يدري، علقه بأمر موهوم، ولو كان واجبًا لما علقه بأمر موهوم، وإنما قال ذلك، لأن العرب هم المخاطبون به، وهم يستنجون بالأحجار، لقلة الماء، ثم ينامون في ثياب مهنهم ويعرقون، فربا يصيب أيديهم ذلك الموضع، وهم لا يشعرون بذلك، فأمر بغسل الدين على طريق الاستحباب.
قوله: (ثم يدخل يده اليمني في الإناء، فيغرف غرفة لفمه وأنفه، ويتمضمض، ويستنشق ثلاثًا).
الجزء: 1 - الصفحة: 263
قال القاضي حسين: هذا ما نقله (المزني)، لم يرد به أن يتمضمض، ثم يستنشق، ثم يتمضمض، ثم يشتنشق هكذا ست مرات.
وإنما أراد به أن يتمضمض ثلاثًا، ثم يستنشق ثلاثًا، لأن الأصل في الطهارة، ألا ينتقل إلى عضو إلا بعد أن يفرغ من العضو الأول.
وقال في رواية (البويطي): إنه يغرف غرفة لفيه، ويتمضمض بها ثلاثًا، ويغرف غرفة لأنفه، ويستنشق بها ثلاثًا، فحصل منه قولان.
ومن أصحابنا من قال: الأولى أن يتمضمض بثلاث غرفات، ويستنشق بثلاث غرفات.
قوله: (ويبلغ خياشيمه الماء).
قال القاضي حسين: المبالغة سنة في المضمضة والاستنشاق، وهو أن يدخل الماء في فيه، ويمر أصبعه على لسانه ولثته وأسنانه، ويبلغ الماء أقصى الحنك، ويحركه.
وفي الاستنشاق أن يأخذ الماء بالنفس، ويبلغ الماء أقصى الخياشيم، ثم يستنثر كالمتخط، هذا كله إذا لم يكن صائمًا، فأما إذا كان صائمًا فلا يبالغ.
لما روى عنه عليه السلام، أنه قال: إلا أن تكون صائمًا فترفق.
الجزء: 1 - الصفحة: 264
قوله: (ثم يغرف الماء بيده، فيغسل وجهه ثلاثًا من مثلث شعر رأسه إلى أصول أذنيه، ومنتهي اللحية إلى ما أقبل من وجهه وذقنه).
قال القاضي حسين: قال أصحابنا: أخل (المزني) في النقل حيث قال: (ومنتهى اللحية)، وهذا إنما يكون تحت الذقن، وربما يمتد إلى الحلق، ولا يجب غسل ما تحت الذقن.
بل الصحيح ما قاله الشافعي في موضع آخر: (ومنتهي اللحيين).
فعلى هذا: حد الوجه طولاً من منابت شعر الرأس إلى أطراف الذقن، وعرضاً من شحمة الأذن إلى شحمة الأذن، فإن كان أمردًا غسل جميع المحدود، وان نبت لحيته وعارضاه، فإنه يجب عليه إيصال الماء إلى تحت الحاجبين والأهداب، والعذارين والشارب، خفيفة كانت أو كثيفة.
(والحاجبان): الشعر النابت على طرفه الجبهة.
(والأهداب): الشعور النابتة حوالي العينين.
(والعذاران): الشعور النابتة على الوجه بعد الأذنين.
(والشارب): الشعور النابتة على الشفة العليا.
ولأي معنى وجب إيصال الماء إلى تحت هذه الشعور؟ فيه معنيان:
أحدهما: أن الغالب فيه الخفة، والكثافة فيه نادر.
الجزء: 1 - الصفحة: 265
والثاني: لإحاطة المغسول بها، فعلى هذا هل يجب إيصال الماء إلى ما تحت العنفقة، وهي الشعور النابتة على الشفة السفلى؟
فإن كان خفيفًا، وكان حواليه مكشوفًا يجب.
وإن كان كثيفا متصلا باللحية، فيه وجهان ينبنيان على المعنيين.
إن قلنا: المعنى فيه الخفة، فها هنا يجب، لأن الغالب فيه الخفة.
وإن قلنا بالمعنى الثاني فها هنا لا يجب.
فأما العارضان: وهي الشعور النابتة على منبت الأسنان العليا؛ الصحيح أنه من اللحية.
فأما اللحية، فإن كانت خفيفة: يجب إيصال الماء إلى البشرة، وإن كانت كثيفة يجب إيصال الماء إلى ظاهرها دون باطنها.
واختلف أصحابنا في حد الكثافة والخفة:
منهم من قال: يرجع فيه إلى العرف والعادة، فكل ما يعد خفيفا في العرف، فهو خفيف، وكل ما يعد كثيفا فهو كثيف.
ومنهم من قال: الخفيف ما يتراءى للناظر منه بشرة الوجه، والكثيف ما لا يتراءى له ذلك منه:
والصدغ في الرأس، ولا يجب غسله مع الوجه، ويجوز المسح عليه.
مسألة
قال الشافعي في الكبير: وليس ما جاوز من شعر الأغم النزعتين من الرأس، وللأصلع مقدم الرأس صلعته من الوجه.
الجزء: 1 - الصفحة: 266
(الأغم): من تنبت الشعور على جبهته ورأسه، ينظر فيه.
إن كان متصلاً بالحاجبين، يجب غسله مع الوجه، ما كان منه في حد الإستواء، وما كان في حد الاعتلاء، والانعطاف فهو من الرأس، وإن بقي بينه وبين الحاجبين فرجة ولم يكن متصلا بها، لا خلاف في أنه يجب غسل تلك الفرجة من البياض.
والصحيح أنه يجب غسل الشعور، ما كان منه في حد الاستواء.
وفيه وجه آخر: أنه لا يجب مأخوذا من قوله: حد الوجه طولا من منابت شعر الرأس.
(والأصلع): من لا ينبت على مقدم رأسه شعر، فحكمه ما ذكرنا: أن كل ما كان منه في حد الاستواء يجب غسله مع الوجه، وما كان منه في حد الانعطاف فهو في حكم الرأس.
قوله: ثم يغسل ذراعه اليمني إلى المرفق.
قال القاضي حسين: غسل اليدين مع المرفقين واجب.
وقال (زفر): لا يجب غسل المرفق، واحتج بقوله تعالى: (إلى المرافق).
والحد لا يدخل في المحدود.
قلنا: أراد بها مع المرافق، وقد يذكر (إلى)، والمراد بها (مع) كقوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم).
الجزء: 1 - الصفحة: 267
أي: مع أموالكم.
وكما قيل: (الذود إلى الذود إبل).
أي: الذود مع الذود، كذا ها هنا.
وهكذا لو كان على ذراعيه شعور كثيفة يجب إيصال الماء إلى البشرة؛ لأنه يكون نادرًا، وكذا إذا نبتت للمرأة لحية يجب عليها إيصال الماء إلى البشرة، وإن كانت كثيفة، لأنها تندر في النساء، ولهذا يستحب لها حلق اللحية، ونتفها دون الرجال؛ لأنها مثلة في حق النساء.
الجزء: 1 - الصفحة: 268
وهذا إذا كان سليم اليدين.
فأما إذا كان مقطوع اليدين، فإن كان أقطع اليدين من الذراع غسل الباقي مع المرفق، وإن كان أقطعها من فوق الذراع سقط عنه الفرض، إلا أن المستحب له أن يمر يده المبتلة على العضو تشبيها بالغاسلين، كما قلنا في المحرم، إذا كان أقرع لا يجب عليه الحلق، ويستحب له أن يمر الموسى على رأسه تشبيها بالحالقين.
وإن كان أقطعهما من المرفقين:
نقل (المزني) أنه لا فرض عليه فيهما.
ونقل (الربيع): وإن كان أقطعهما مع المرفقين لا فرض عليه فيهما.
من أصحابنا من قال: الصحيح هذا، و (المزني) أخل بالنقل.
ومنهم من قال: ما أخل بالنقل، لكن أراد به مع المرفقين.
ومنهم من قال: ما أخل بالنقل، ولا نقول قوله.
فحصل فيه قولان:
أحدهما: يجب غسله.
والثاني: لا يجب.
الجزء: 1 - الصفحة: 269
ومن أصحابنا من قال: القولان ينبنيان على أن المرفق، هل يجب غسله تبعًا للذراع إذا كان صحيحًا أو متبوعًا؟
وفيه قولان:
إن قلنا: يجب تبعًا له، فها هنا لا يجب غسله، لأنه إذا سقط الفرض عن المتبوع سقط عن التبع.
وإن قلنا: متبوعًا يجب غسله.
ومنهم من قال: القولان ينبنيان على أن المرافق ماذا؟
وفيه قولان:
أحدهما: أنه اسم لطرف عظم الذراع، وطرف عظم العضد، فعلى هذا يجب غسله.
والثاني: أنه اسم لظرف عظم العضد متصلاً بعظم الساعد، فعلى هذا لا يجب غسله.
مسألة
لو تقشط جلدة من ذراعه فلا يخلو: إما أن تبقى متدلية؛ أو صارت ملتصقة.
فإن بقيت متدلية واندملت وجب غسل كلا وجهيها، وما حواليها على الموضع الذي تقشطت منه.
فأما إذا التصقت بآخر فلا يخلو: إما أن التصقت بالذراع؛ أو بالساعد.
إن التصقت بالذراع، ولم يبق بينهما فرج وجب غسله ظاهرًا؛ إذ لا يمكن غسل باطنها.
الجزء: 1 - الصفحة: 270
وإن بقي بينهما فرجة وجب غسل ما تحته من الذراع، وغسل الجلدة ظاهرًا وباطنًا.
وإن التصقت بالعضد، ولم يكن بينهما فرجة وجب غسل ما كان في محل الفرض، وما زاد عليه لا يجب غسله، وإن كان بينهما فرجة يجب غسل ما تحته من الذراع، ويجب غسل الجلدة ظاهرًا وباطنًا إلى محل الفرض، وما وراء ذلك يجب غسل الجلدة باطنًا، لأنه كان من ظاهر الذراع.
فأما إذا تقشطت جلدة عضده، فإن بقيت متدلية، أو التصقت بلحم العضد فلا يجب غسله، وإن التصقت بلحم الذراع، فإن لم يكن بينهما فرجة وجب غسل ما كان في محل الفرض، وإن كان بينهما فرجة يجب غسل ما كان من الذراع، ولا يجب غسل الجلدة، لا ظاهرًا ولا باطنًا إلا الطرف الذي التصق بالذراع، فإنه يجب غسله بدل ما تحته من البشرة.
ثم يمس برأسه ثلاثًا، والكلام فيه في فصلين:
أحدهما: في بيان أقل ما يجزئ.
والثاني: في بيان الأكمل والمستحب.
وأما أقل ما يجزيء عندنا ما ينطلق عليه اس المسح، ولو كان قدر رأس
الجزء: 1 - الصفحة: 271
إبرة، كما قال الشافعي في أرش الموضحة، فإنه يجب إذا أوضحه، قدر رأس إبرة، كذا هذا.
ومن أصحابنا من قال: أقل ما يجزيء مسح شعرات، كما في المحرم إذا أراد التحلل، فلا يحصل له ذلك إلا بحلق ثلاث شعرات.
الجزء: 1 - الصفحة: 272
والصحيح هو الأول، لأنه قال: (وامسحوا برؤوسكم) (والباء) للتبعيض، ولا تقتضي التقدير، بخلاف ما في الحج، لأن هناك قال: (ولا تحلقوا رءوسكم).
يعني: شعور رءوسكم.
وأقل الجمع الصحيح ثلاث.
ولا فرق بين أن يمسح بيده، أو يأخذ خرقة مبتلة، أو خشبة مبتلة، ويمسح بهما رأسه، وكذا لا فرق بين أن سمح ظاهر الشعر، أو يترك ذاك، ويمسح البشرة.
بخلاف ما قلنا في الوجه: أنه لو ترك ظاهر الشعور وغسل البشرة إنه لا يجوز.
والفرق بينهما: أن الوجه اسم لما يواجه الإنسان به غيره، وذاك يقع على ظاهر الشعور، والرأس: اسم لما ترأس واعتلى.
وهذا وقع على الكل، فإذا مسح على الشعر، فلا يخلو إما إن طال شعره، واسترسل عن حد الرأس، أم لا يسترسل، فإن نزل عن حد الرأس مثل الذوائب، وغيرها، فلو مسح على رأسه لا يجوز، ولو مسح على أصول الشعر، جاز، ولو مسح على ما هو منه في حد الرأس، لكنه زائل عن المنبت فوجهان:
الجزء: 1 - الصفحة: 273
أحدهما: يجوز؛ لأنه في حد الرأس ..
والثاني: لا؛ لأنه زائل عن المنبت، فصار كالنازل عن حد الرأس.
فأما إذا طال شعره، وكان مستويًا، ولم يزل عن المنبت، فمسح عليه جاز، ولو زال عن المنبت، ولم ينزل عن حد الرأس، فوجهان:
فأما إذا كان شعره جمة، مثل شعر الزنج، وكان بحيث لو مد يمتد، فلو مده ومسح على رأسه لا يجوز.
ولو لم يرده ومسح عليه، فيه وجهان:
الصحيح: أنه لا يجوز كالذؤابة.
وفيه وجه آخر: أنه يجوز.
فرع
لو غسل رأسه بدل المسح.
المذهب: أنه يجوز، ومن أصحابنا من قال: إنه لا يجوز، لأنه فرضه المسح، فلا يسقط بالغسل، كما لو مسح الأعضاء المغسولة لا يسقط الفرض عنه.
الجزء: 1 - الصفحة: 274
والفرق بينهما: أن الغسل يتضمن المسح، وزيادة.
فقلنا: بأنه يقوم مقام المسح بخلاف المسح، فإنه لا يتضمن الغسل.
فقلنا: بأنه يبقى الفرض عليه.
فأما إذا وضع يده المبتلة على الرأس، فلم يمرها، عليه.
المذهب: أنه يجوز.
وقال (القفال): إنه لا يحصل المسح ما لم يمر يده عليه، وكذا لو قطر الماء على رأسه، إن سال حصل المسح، وإن لم يسل الماء:
عامة أصحابنا على أنه حصل المسح به.
وقال (القفال): إنه لا يحصل، ويشترط فعل المسح أو معناه.
وكذا المرأة لو وضعت يدها المبتلة على الوقاية، ووصل البلل إلى شعرها، إن مرت يدها عليه، وكانت خفيفة أو كثيفة، ووصل الماء إلى الشعور حصل المسح، وإن لم تمرر اليد عليه، ولكن صارت الشعور مبتلة عند عامة أصحابنا هكذا.
وقال (القفال): لا يحصل بها المسح.
الجزء: 1 - الصفحة: 275
فرع
لو مسح برأسه، ثم حلق الشعور، أو غسل يديه، ثم قلم الأظافير، أو قطعت يداه، أو كشطت جلدة يديه، ولم يكن عليه نجاسة لم تجب عليه الإعادة، بخلاف ما لو نزع الخف حيث يجب عليه غسل الرجلين، أو الوضوء، لأن ذاك بدل عن الرجلين.
فإذا نزع الخف بعد طهر المبدل، والأصل، فسقط حكم البدل، بخلاف ما نحن فيه.
فأما إذا كان بعض رأسه محلوقًا دون البعض، فهو بالخيار بين أن يمسح على الشعور، أو على موضع الحلق أيضًا، كما ذكرنا من قبل، هذا كله كلام في الوجوب عندنا.
وقال مالك: مسح جميع الرأس واجب، وقاسه على مسح الوجه واليدين في التيمم.
ونحن نقول: إنه مسح بالماء، فلا يلزمه استيعاب بالمسح، دليله المسح الخفين.
وقال أبو حنيفة: مسح ربع الرأس واجب، والدليل عليه الآية و (الباء) للتبعيض؛ ولأن المقادير لا تؤخذ قياسًا، ولا اجتهادًا.
وقال أحمد: لو مسح على المشاوذ جاز.
لما روى أنه - عليه السلام - جهز جيشًا، فأمرهم بالمسح على المشاوذ، والتساخين وهي الخفاف.
الجزء: 1 - الصفحة: 276
قلنا: نحمله على ما إذا مسح تحتها، ولا يرفعه من الرأس، بدليل الآية والله أعلم بالصواب.
فأما الكلام في الاستحباب، فمسح جميع الرأس سنة، وكيفيته أن يضع يديه على مقدم رأسه، ويمرهما إلى مؤخر الرأس، ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه.
ويعده مرة واحدة، ويفعل ذلك مرتين أخريين؛ لأنه إذا أمرهما إلى آخر الرأس، فقد ابتل به باطن شعور مقدم الرأس، وظاهر شغور مؤخر الرأس، فيحتاج إلى أن يعيد اليدين إلى الموضع الذي بدأ منه، حتى يبتل باطن شعور مؤخر الرأس، وظاهر شعور مقدمه ويحصل مسح الرأس، بخلاف ما قلنا في المشي بين الصفا والمروة: إنه لا يشترط فيه الذهاب والرجوع؛ لأن المقصود منه المشي بينهما، وقد حصل بالذهاب المشي، وعندنا التكرار فيه شرط كل مرة بماء جديد.
وقال أبو حنيفة: التكرار فيه ليس بشرط، ثم قال في رواية: يمسح مرة واحدة، وقال في رواية: يمسح ثلاث مرات بماء واحد.
دليلنا: أن نقيس هذا على سائر الأعضاء.
قوله: (ثم يمسح أذنيه).
قال القاضي حسين: مسح الأذنين سنة مستحبة عندنا، يمسحها ثلاثًا، ظاهرهما وباطنهما بماء جديد.
الجزء: 1 - الصفحة: 277
وكيفيته: أن يدخل سبابتيه في صماخي أذنيه، ويمر إبهاميه على ظاهرهما، ثلاث مرات.
وقال أبو حنيفة: التكرار فيه ليس بسنة، ولا يمسح الأذنان بماء جديد، بل يمسحان بالماء الذي يمسح به الرأس.
وأما مسح العنق لم ترد فيه سنة، وقد قيل: فيه وجهان.
إن قلنا: يسن ذلك: يمسح بالماء الذي يمسح به الأذنان تبعًا لهما، لقوله عليه السلام: (مسح العنق أمان من الغل)
الجزء: 1 - الصفحة: 278
قوله: (ثم يغسل رجليه)
قال القاضي حسين: غسل الرجلين واجب عندنا مع الكعبين.
وقال زفر: غسل الرجلين واجب إلى الكعبين.
كما قال في اليدين.
وقالت الشيعة: إن فرضهما المسح دون الغسل.
وقال أهل الظاهر: يجمع بين الغسل والمسح فيهما.
وقال ابن جرير الطبري: يتخير فيهما بين المسح والغسل.
والدليل على الكل ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، ثم قال: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به) ولا نشك أنه غسل الرجلين، وما مسح عليهما.
إذا ثبت أن غسل الرجلين مع الكعبين واجب عندنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 279
الكعبان: هما الناتئان، وهما مجمع مفصل الساق والقدم، ولكل رجل كعبان.
وقال أبو يوسف: الكعبان هما الناتئان عند ظهر القدم.
الجزء: 1 - الصفحة: 280
وهذا لا يصح لما روى عن أبي هريرة أنه قال: كنا نلصق المنكب بالمنكب، والكعب بالكعب، في الصلاة.
وإنما يتحقق إلصاق الكعب بالكعب على قوله.
قوله: (ويخلل بين أصابعهما)
قال القاضي حسين: أصابع الرجلين لا يخلو إما أن تكون منفرجة، أو كانت منضدة بعضها على بعض.
فإن كانت منفرجة بحيث يصل الماء إليه عند الصب.
فالتخليل مسنون فيه، وليس بواجب، وإن كانت منضدة بعضها على بعض، بحيث لا يتخللها الماء بالصب، فالتخليل واجب فيه إذا أمكن إيصال الماء إليه من غير جرح وشق، وكيفيته أن يخلل بخنصره اليسرى، ويبدأ في التخليل بخنصر رجله اليمني من أسفل، ويختم رجله اليسرى.
الجزء: 1 - الصفحة: 281
والدليل على أن التخليل سنة ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (خللوا أصابعكم قبل أن تخلل بالنار).
وروى عن لقيط بن صبرة، أنه قال: يا رسول الله، علمني الوضوء، فقال: أسبغ وبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائمًا فترفق، وخلل بين أصابعك.
وإسباغ الوضوء سنة، وإطالة الغرة، وهو أن يستوعب جميع الوجه، بالغسل ن ويغسل جزءا من الرأس معه، ويغسل اليدين إلى المنكبين، والرجلين إلى الركبتين.
لما روى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن أمتي تبعث يومَ
الجزء: 1 - الصفحة: 282
القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل).
قال الشافعي: وأحب أن يمر الماء على ما سقط من اللحية عن الوجه، وإن لم يفعل ففيها قولان:
قال: يجزيه في أحدهما، ولا يجزيه في الآخر.
قال المزني: قلت (أنا) (يجزيه) أشبه بقوله؛ لأنه لا يجعل ما سقط من منابت شعر الرأس من الرأس، فكذلك يلزمه ألا يجعل ما سقط من منابت شعر الوجه من الوجه.
قال القاضي حسين: لا خلاف أنَّ ما كان من شعور اللحية بحذاء الوجه من الخدين، والأنف وغيره يجب غسله، فأما ما استرسل من اللحية بحذاء الصدر ففيه قولان:
أحدهما: يجب غسله، لأن اسم الوجه من المواجهة، وذلك يقع عليه
الجزء: 1 - الصفحة: 283
بخلاف ما يتساقط عن حد الرأس، لأن الرأس اسم لما يترأس، وذلك لا يقع عليه هذا الاسم.
والقول الثاني: وهو مذهب أبي حنيفة واختيار المزني:
أنه لا يجب غسله، واحتجَّا بأن ما نزل عن حد الرأس لا يعطي له حكم الرأس، حتى لا يجوز المسح عليه، فكذا ما نزل عن حد الوجه مثله.
والجواب عنه ما ذكرنا.
ثم نقول: ما نزل عن حد الرأس قد يعطي له حكم الرأس في حق الحلق والتقصير للمحرم، فكذلك ما نزل عن الوجه وجه أن يعطي له حكم الوجه بها، وهو الغسل، لأن الاحتياط في الموضعين إنما يكون بما ذكرنا.
قال الشافعي: وإن غسل وجهه مرة، ولم يغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء، ولم يكن فيهما قدر، وغسل ذراعيه مرة مرة، ومسح بعض رأسه بيده، أو ببعضها، ما لم يخرج عن منابت شعر رأسه أجزأه، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعلى عمامته.
قال الشافعي: والنزعتان من الرأس، وغسل رجليه مرة مرة، وعم بكل مرة ما غسل أجزأه، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، ثم قال: (هذا وضوء لا يقبل الله تبارك وتعالى صلاة إلا به) ثم توضأ مرتين مرتين، ثم قال: من توضأ مرتين أتاه الله أجره مرتين، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا، ثم قال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء خليلي إبراهيم صلى الله عليه وسلم.
قال: وفي تركه أن يتمضمض ويستنشق ويمسح أذنيه ترك للسنة.
قال القاضي حسين: أراد به ذكر فرائض الوضوء، وهي سبعة بالنية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح بعض الرأس، وغسل الرجلين، والترتيب.
وفي التتابع قولان:
الجزء: 1 - الصفحة: 284
قال في القديم، وهو مذهب مالك: إنه واجب، وقال في الجديد، وهو مذهب أبي حنيفة: إنه لا يجب.
وأما سننه اثنتا عشرة:
التسمية، وغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، والمضمضة، والاستنشاق، والمبالغة فيهما، والسواك في وجه، والتيامن، والتثليث، وإطالة الغرة، ومسح جميع الرأس، ومسح الأذنين، وتخليل اللحية، وتخليل أصابع الرجلين، وأن يقول في آخره: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبدك ورسولك).
فإن قيل: الشافعي أدخل في تضاعيف الكلام ما ليس منه؛ لأنه ذكر فرائض الوضوء، ثم احتج في (الوسط) بالخبر.
وقال أيضًا: النزعتان من الرأس، ثم قال: ويغسل رجليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 285
قلنا: هذا سائغ في كلام العرب يدل عليه قوله تعالى: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم).
فالأول خطاب الحاضرين.
والثاني خطاب للغائبين، وكما قال الشاعر:
إن الثمانين وبلغتها .... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
ثم احتجَّ بأن النبي صلى الله عليه وسلم: «توضأ مرة مرة ...» الخبر.
من أصحابنا من قال: إنما فعله في مجالس؛ لأنه لو فعله ثلاث مرات في مجلس واحد لأدى ذلك إلى غسل كل عضوٍ ست مرات، وهذا بدعة، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «من زاد عن الثلاث فقد أساء واعتدى وظلم».
ومنهم من قال: إنما فعله في مجلسٍ واحد، ولا يكون بدعة في حقه؛ لأنه جلس معلمًا الأحكام للناس، بخلاف غير النبي.
الجزء: 1 - الصفحة: 286
قال: (وفي تركه أن يتمضمض، أو يستنشق) أراد به بيان المضمضة والاستنشاق، وأنهما سنتان في الوضوء، وفي الغسل من الجنابة.
وقال أحمد بن حنبل وابن أبي ليلى: إنهما واجبتان فيهما.
وقال أبو ثور وإسحاقُ: الاستنشاق واجب فيهما دون المضمضة.
وقال أبو حنيفة: هما واجبتان في الغسل، سنتان في الوضوء.
قال الشافعي: وليست الأذنان من الوجه، فيغسلان، ولا من الرأس، فيجزي مسحه عليهما؛ فهما سنة على حيالهما، واحتج بأنه لما لم يكن على ما فوق الأذنين مما يليهما من الرأس ولا على ما وراءهما مما يلي منابت الشعر من الرأس إليهما، ولا على ما يليهما إلى العنق مسح- وهو إلى الرأس أقرب- كانت الأذنان من الرأس أبعد.
قال المزني: لو كانتا من الرأس أجزأ من حج - حلقهما عن تقصير الرأس؛ فصح أنهما سنة على حيالهما.
قال القاضي حسين: فإن قيل: أخل المزني في نقله حيث قال: فيغسلان وجواب النفي بالفاء يكون منصوبًا، وعلامة النصب فيه إسقاط النون كقوله تعالى: (ولا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا).
قلنا يجوز بالرفع أيضا كقوله: (ولا يؤذن لهم فيعتذرون).
الجزء: 1 - الصفحة: 287
والثاني: أنه ما أخرج هذا الكلام مخرج النهي، ولكن أخرجه مخرج الاحتجاج، يعني: إنه لو كانتا من الوجه لغسلتا، ولو كانتا من الرأس لجاز المسح عليهما من مسح الرأس.
واحتج به على مالك، حيث قال: إنهما من الوجه، بعدم وجوب غسلهما مع الوجه، وعلى أبي حنيفة حيث قال: الأذنان من الرأس، ولا يجوز المسح عليهما عن مسح الرأس.
قال على رضي الله عنه: ظاهرهما من الرأس، فلا يجوز المسح عليهما، وباطنهما من الوجه، واحتج أيضا بأن البياض المستدير حوالي الأذنين أقرب إلى الرأس خلقة ومساحة من الأذنين، ثم ذاك ليس من الرأس، فهذا أولى.
واحتج المزني أيضًا بأنهما لو كانت من الرأس لاكتفى بحلقهما في الإحرام، إلا أنهم يقولون: إنما لا يجزي عن حلق الرأس، لأن عندنا يشترط حلق ربع الرأس، وذلك دونه.
قلنا: وجب أنه لو كمل معه حلق ربع الرأس يجوز، ومع ذلك لا يجوز عندكم.
قال الشافعي: والفرق بين ما يجزيء من مسح بعض الرأس، ولا يجزئ إلا مسح كل الوجه في التيمم: أن مسح الوجه بدل من الغسل يقوم مقامه، ومسح بعض الرأس أصل لا بدل من غيره.
قال القاضي حسين: أراد به مالكًا، حيث قال: مسح جميع الرأس واجب، وقاسه على مسح الوجه في التيمم، إن مسح الوجه هناك بدل عن الغسل فيقوم مقامه، ومسح بعض الرأس أصل، وليس ببدل عن غيره، فأني يستويان؟
قال الشافعي: وإن فرق وضوءه، وغسله، أجزأه، واحتج في ذلك بابن عمر، رضي الله عنهما.
الجزء: 1 - الصفحة: 288
قال القاضي حسين: التفريق فيهما إن كان يسيرًا جاز، وإن كان كثيرًا متفاحشًا، فإن كان لعذر بأن نفد ماؤه، فطلب أو خاف من سبع أو عدو فهرب وما في معناه فإنه يكون عفوًا.
وإن لم يكن بعذر، ففيه قولان على ما ذكرنا.
أحدهما: يكون عفوًا، لأن هذا معنى لا يضاد الوضوء بعد الفراغ، فصار كالأكل، وعكسه الحدث، واحتج فيه أيضا بابن عمر أنه كان في سوق المدينة، فتوضأ، فانتهي إلى المسح على الخفين، فمرت به جنازة، فقام وتبعها، ثم أتى المصلي، ودعاء بماء، ومسح به على الخفين، وكان بين المصلي بالمدينة وسوقها أكثر من زمان الجفاف، فدل على أنه يكون جائزًا.
والثاني: لا يكون عفوا قياسًا على الصلاة، وحد التفاحش منه إذا مضى زمان يحصل فيه الجفاف حال اعتدال الهواء.
الجزء: 1 - الصفحة: 289
إن قلنا: لا يكون عفوًا فلا كلام، وإن قلنا: يكون عفوًا، فهل يحتاج فيه إلى تجديد النية أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لأن النية إنما شرعت للتمييز بين العادة والعبادة، وإذا طال الفصل فلا يحصل ذلك.
والثاني: لا؛ لأن أصل النية حكمه باق، والاستدامة فيها ليس بشرط.
إن قلنا: لا يحتاج إلى تجديد النية، فلا كلام.
وإن قلنا: يحتاج إلى تجديد النية، فإذا نوى، فهل يبني على ما مضى أم يستأنف؟
فيه وجهان، بناء على أنه لو فرق النية على أعضاء الطهارة، هل يجوز أم لا؟
فيه وجهان على ما ذكرنا.
قال الشافعي: لو بدأ بذراعيه قبل وجهه رجع إلى ذراعيه، فغسلها؛ حتى يكونا بعد وجهه؛ حتى يأتي الوضوء ولاء، كما ذكره الله تبارك وتعالى، قال:
الجزء: 1 - الصفحة: 290
(فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) وهكذا قرأه المزني: (إلى الكعبين) فإن صلى بالوضوء على غير ولاء، رجع فبني على الولاء من وضوئه، وأعاد الصلاة واحتج بقول الله عز وجل: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفا، وقال: نبدأ بما بدأ الله به، قال: وإن قدم يسرى قبل يمني، أجزأه، قال أبو إبراهيم: إن قدم الوضوء، وأخر يعيد الوضوء والصلاة.
قال القاضي حسين: الترتيب عندنا واجب في الوضوء، حتى لو نكس الطهارة بأن غسل رجليه، ثم مسح رأسه، ثم غسل يديه، ثم غسل وجهه يحصل له غسل الوجه فحسب، حتى لو توضأ أربع مرات منكوسًا حصل له الطهارة، ولو غسل وجهه ويديه ورجليه، ثم مسح برأسه حصل له غسل الوجه واليدين ومسح الرأس، ويلزمه غسل الرجلين ثانيًا، وعلى هذا القياس نظائره.
فرع
لو دخل في الماء، وانغمس فيه، وخرج ينظر؛ فإن أقام فيه ريثما يجري الماء على أعضائه أربع مرات صحت طهارته، وإن مكث دون ذلك.
هل تصح طهارته أم لا؟
فيه وجهان: بناء على أن الحدث هل يحل جميع البدن، أم يحل أعضاء الطهارة.
الجزء: 1 - الصفحة: 291
وفيه وجهان:
أحدهما: أنه يحل جميع البدن بدليل أنه لا يجوز له مس المصحف بسائر الأعضاء غير أعضاء الطهارة.
كما لا يجوز له مسه بأعضاء الطهارة، إلا أنه لا يكلف غسل جميع البدن في الوضوء، لما فيه من المشقة والتعب.
والوجه الثاني: أن الحدث يحل أعضاء الطهارة فحسب، وإنما لا يجوز له مسح المصحف بسائر الأعضاء لاتصاله بأعضاء الطهارة.
إن قلنا: إن الحديث يحل جميع البدن، فيصح طهارته هناك؛ لأنه أتي بالأفضل وهو الغسل، ولا مدخل للترتيب فيه، فعلى هذا لو ترك لمعة من جميع البدن لا يصح وضوؤه.
وإن قلنا بالوجه الثاني، لا يصح وضوؤه إلا أنه يحصل له غسل الوجه فحسب؛ لأن الترتيب واجب عليهن وغسل سائر الأعضاء غير واجب، فلا يسقط الواجب بغير الواجب، وهكذا لو قام تحت المئزاب حتى انصب الماء
الجزء: 1 - الصفحة: 292
عليه، فإن كان بدفعات ومكث تحته قدر ما يجري الماء على أعضائه أربع مرات فلا كلام، وإن جري الماء على أعضائه دفعة واحدة، في حالة واحدة ينبني على ما ذكرنا من الوجهين.
وهكذا لو وضع هامته على الأرض، وأمر غيره بأن يصب الماء على رجليه، على ما ذكرنا من التفصيل، فأما إذا أمر أربعة نفر بأن يغسل كل واحد منهم عضوًا من أعضاء طهارته دفعة واحدة، فيه وجهان:
أحدهما: يصح وضوؤه؛ لأنه لم يقدم اليدين على الوجه، والبعض على البعض.
والثاني: لا لعدم الترتيب، وكذلك لو استأجر رجلين ليحجا عنه، أحدهما حج الفرض، والآخر حج النفل، فحجا في سنة واحدة، وكذا في نظائرهما من رمي الجمر على ما سنذكره في موضعه، والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 293
فرع
إذا أحدث الرجل، ثم أجنب.
اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: يلزمه الوضوء والغسل، لأن موجب الطهرين مختلف، فصار كما لو قتل المحرم صيدًا مملوكًا في الحرم يلزمه القيمة لمالكه، والجزاء لله تعالى، وهذا مذهب أبي ثور.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه الغسل لا غير، ويدخل الصغرى في الكبرى؛ لأنها من جنسها، كما يدخل الحج على العمرة.
ومنهم من قال: ما يتشاكل منهما يتداخل، وهو أصل الغسل، وما لا يتشاكل مهما لا يتداخل، حتى وجب عليه غسل جميع الأعضاء مرة واحدة، ويجب عليه مراعاة الترتيب في أعضاء الطهارة، كما لو قرن بين الحج والعمرة، ما يتشاكل منهما يتداخل، وما انفرد به أحدهما مثل الوقوف بعرفة يلزمه إتيانه، كذا ها هنا.
فأما إذا أجنب، ولم يحدث، وإنما يتصور هكذا بأن نام قاعدًا ممكنًا مقعدته من الأرض، فاحتلم أو لف خرقة على جميع أعضائه، ثم أدخل الفرج في فرج أحد حتى حصل التقاء الختانين، فإنه يصير جنبا لا محدثًا لا خلاف أنه يلزمه غسل جميع الأعضاء دون الوضوء.
فأما إذا أجنب ثم أحدث؛ هذه تنبني على المسألة الأولى.
إن قلنا هناك: لا يتداخلان، فها هنا أولى.
وإن قلنا هناك: يتداخلان، فها هنا وجهان.
والفرق أن هناك الكبرى لا يستقر عليه حكمها، فجاز أن تدخل على الصغرى، كما لو أدخل الحج على العمرة، جاز.
الجزء: 1 - الصفحة: 294
وها هنا الكبرى استقر عليه حكمها، فلا تدخل عليها الصغرى، كما لو أدخل العمرة على الحج لا يجوز في قول.
فرع ابن الحداد على هذا، وقال: لو أن جنبًا اغتسل جميع بدنه إلا الرجلين، ثم أحدث فعليه غسل الأعضاء الثلاثة مرتبًا، وغسل الرجلين كيف شاء، وهذا إنما كان على مذهب من لا يحكم بطروء الحدث على الجنابة.
فأما على المذهب الاخر يجب عليه غسل الرجلين لأجل الجنابة والوضوء كاملا مرتبًا، وفي وجه يجب الوضوء مرة واحدة مرتبًا، ولا يجب غسل الرجلين لأجل الجنابة.
قال القفال: الترتيب واجب في الوضوء، إلا في ثلاث مسائل:
إحدهما: هذه.
والثانية: لو رأي على ثوبه بللاً.
قال: هو بالخيار بين أن يقدر أنه مذي أو ودي أو بول، ويتوضأ، ويغسل الثوب، وبين أن يجعله منيا، ويغتسل ولا يغسل الثوب، فلو توضأ، ولم يغسل الثوب، وصلى فيه لا يجوز إلا أنه لا يجب عليه الترتيب في الوضوء، لاحتمال أنه ربما يكون منيا، ولا وضوء عليه مرتبًا، فقد تيقن غسل الأعضاء في الجملة، وشك في الترتيب.
الجزء: 1 - الصفحة: 295
الثالثة: الخنثى المشكل لو أولج ذكره في دبر رجل، فعلى المولج فيه الوضوء، ولا يجب عليه فيه الترتيب لاحتمال أن الخنثي كان رجلاً، وعليه غسل الأعضاء غير مرتب، إلا أنه رجع عن هاتين المسألتين، وقال: الأصل شغل ذمته بالصلاة، فإذا أتى بوضوء غير مرتب، فقد تحققنا أنه ما أتي بطهارة، لأن المولج إن كان رجلا فعليه الغسل، وهو ما أتي به، وإن كان امرأة فعليه الوضوء مرتبًا، وما أتي به.
فرع
لو أن جنبًا غسل جميع أعضاء وضوئه، ثم أحدث فعليه غسل باقي الأعضاء بلا خلاف، وعليه غسل الأعضاء الأربعة مرة واحدة على الترتيب في وجه.
وفي وجه: مرتين: أحدهما مرتبًا، والآخر غير مرتب.
وفي وجه: مرة واحدة مرتبًا.
فأما إذا غسل جميع بدنه، إلا الأعضاء الأربعة، ثم أحدث غسل باقي البدن عن الجنابة، وغسل الأعضاء الأربعة مرة واحدة على الترتيب لأجل الحدث.
فرع
محدث ظن أنه كان جنبًا فاغتسل، فإن راعي فيه الترتيب فلا كلام، وإلا فوجهان بناء على أن الحدث يحل جميع البدن، أو يحل أعضاء الطهارة، وقد ذكرناه.
فأما الجنب إذا ظن أنه كان محدثا، واغتسل بنية رفع الحدث، الصحيح أنه جائز، ولعل هذا أيضًا بناء على أن الحدث يحل جميع البدن أم لا؟
الجزء: 1 - الصفحة: 296
إن قلنا: يحل جميع البدن، صحت طهارته، وإلا فلا، لأن باقي الأعضاء لم يغسله بنية الفرض، فلم يحسب له عن الفرض، وما أتي بالترتيب في غسل الأعضاء الأربعة، فلا يحسب له عن الوضوء.
فرع
لو نسي الترتيب، فيه قولان:
في الجديد: لا يجوز الوضوء.
في القديم: جاز.
فيخرج من مسألة نسيان قراءة الفاتحة في الصلاة، وفيه قولان:
قال في الجديد: لاتصح الصلاة.
وقال في القديم: صحت.
وهكذا لو تيمم، ونسي الماء في رحله.
وفي القديم: جاز، وفي الجديد: لا يجوز.
الجزء: 1 - الصفحة: 297
وإنما قال في القديم: لما روى أن عمر رضي الله عنه كان يصلي، وترك قراءة الفاتحة في ركعة، فلما فرغ منها قيل له ذلك، فقال: كيف كان الركوع والسجود، قالوا: حسن قال: فلا بأس إذا.
هكذا كله بيان مذهبنًا في الترتيب.
وقال أبو حنيفة: الترتيب ليس بواجب.
والدليل عليه ظاهر القرآن، حيث أمر بالبداية بغسل الوجه فالظاهر أن ما بدأ الله تعالى به قولا يلزمنا البداية به فعلا؛ كما في الصفا والمروة.
قوله: (وتقديم اليمني على اليسرى)
قال القاضي حسين: ويستحب تقديم اليمني على اليسرى في البدن والرجلين.
وقال أحمد: إنه واجب، وهذا لا يصح، لأنهما في حكم عضو واحد، والله تعالى جمع بينهما بالذكر، وعد أعضاء الوضوء أربعة لا ستة، والترتيب ليس بشرط في العضو الواحد.
قال الشافعي: ولا يحمل المصحف ولا يمسه إلا طاهرًا.
قال القاضي حسين: لا يجوز للمحدث مس المصحف، لا موضع المكتوب، ولا الحواشي والجلد، ولا الخريطة، ولا يجوز له حمل المصحف، ولا العلاقة
الجزء: 1 - الصفحة: 298
ولا الخريطة، ولا الصندوق، ولا الغلاف، فلو حمل المصحف بالعلاقة، قيل: فيه وجهان.
والصحيح أنه لا يجوز، ولو كان في عدل محكم وحمل العدل، فيه وجهان.
فأما مس كتب أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وحمله يجوز للمحدث، لأنه كلام، وهكذا كتب الفقه والتعاليق إذا كان فيها آيات من القرآن يجوز للمحدث حملها، لأنه لا يقصد بها القرآن.
فأما كتب التفاسير، فإن كتب على رسم القرآن بخط جلي، وكتب التفسير تحته بخط رقيق مقرمط، لا يجوز للمحدث مسه، وإن كتبت برسم التصانيف جاز.
فأما كتبه القرآن، هل يجوز للمحدث؟
الجزء: 1 - الصفحة: 299
ينظر، فإن وضع المصحف على حجر، فلا يجوز.
وإن وضعه على الأرض، فإن مست يده الحواشي والكاغد لا يجوز، وإلا فوجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه لم يوجد المس باليد.
والثاني: لا يجوز؛ لأن القلم متصل بيده، وهكذا إذا وضع المصحف على الرجل، وقلب الأوراق بالخشب، فيه وجهان.
فأما الصبيان، فإنهم يمكنون من حمل الألواح مع الحدث، وهل يمكنون من حمل المصاحف مع الحدث، أم يكلفون الطهارة؟
فيه وجهان:
أحدهما: تلزمهم الطهارة، كما إذا أرادوا الصلاة.
والثاني: لا؛ لعدم التكليف في حقهم.
وأما البالغ له أيضا حمل الألواح مع الحدث؛ لأنه لا يقصد به حمل القرآن، بل إنما يكتب عليه القرآن لأجل الحفظ لا للإثبات.
وفيه وجه آخر، أنه لا يجوز؛ لأنه إنما جوز في حق الصبي لأجل الضرورة، ولا ضرورة في حق البالغ، فأما الطراز على الثوب، أو ما يكتب على المصلي من آيات القرآن، ونقش الخواتيم، فللمحدث مسه إذا لم يقصد به إثبات القرآن، بل المقصود منه النقش.
الجزء: 1 - الصفحة: 300
فأما التعاويذ يكره للمحدث حمله، وفي الدراهم المكتوب عليها: (قل هو الله أحد)، وجهان.
وما يكتب على الحلاوى والأطعمة، فلا بأس بأكله، لو كتب على الجدار شيء، أو نقش على الخشب، فللمحدث مسه، فأما إحراق تلك الخشبة لا يجوز، لأن فيه إهانته.
فأما تعليم القرآن للكافر إن توسم فيه آثار الميل إلى الإسلام جاز له ذلك، وإلا فلا يجوز.
ولا يجوز حمل المصحف إلى دار الكفر، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم، نهي عن ذلك، ويجوز أن يكتب رقعة إلى الكفار فيها آية من القرآن.
كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم (الشام) كتابصا؛ فيه: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) الآية، ولا يمكن الصبيان من محو الألواح بالأقدام؛ لأن فيه تهاونًا به.
هذا كله تفريع على مذهبنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 301
وقال أبو حنيفة: يجوز للمحدث مس المصحف، لا موضع المكتوب، وهذا لا يصح لقوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون).
قال الشافعي: ولا يمتنع من قراءة القرآن إلا جنبًا.
قال القاضي حسين: لا يجوز للجنب أن يقرأ شيئا من القرآن، وإن قل، ولو قرأ عصي الله تعالى ويأثم إذا قصد القرآن، فإذا قصد التبرك لافتتاح الأم بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) جاز.
أو ذكر الحمد على جهة الشكر، أو قال عند المصيبة: (إنا لله وإنا إليه راجعون).
أو عند الخاتمة: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة)، وإلى آخره جاز.
وقال أبو حنيفة في رواية: له أن يقرأ ما دون الآية.
وفي رواية: ما دون ثلاث آيات، وفي رواية: ما لم يدخل في حد الإعجاز، وهذا لا يصح.
لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن).
فأما الحائض فلا تقرأ القرآن، وإن قل في ظاهر المذهب، كالجنب.
وقال أبو ثور: قال أبو عبد الله: للحائض أن تقرأ القرآن.
الجزء: 1 - الصفحة: 302
منهم من قال: أراد به مالكًا، ومنهم من قال: أراد به الشافعي.
ومنهم من قال أراد به أحمد، لأنه يكني هؤلاء بأبي عبد الله، فحصل فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز لها قراءة شيء من القرآن كالجنب.
والثاني جاز، لأن الحيض ربما يمتد إلى زمان طويل، أو كانت معلمة، فيؤدي إلى انقطاع كسبها لو منعناها عن القراءة، وربما تنسي في هذه المدة بخلاف مدة الجنابة، إلا أن هذا لا يصح، لأنه يمكنها أن تستخلف في التعليم، وتطالع في المصحف، ولا تقرأ كي لا ينقطع كسبها، ولا تنساه.
يجوز للمحدث قراءة التوراة والإنجيل، وما نسخ من القرآن من سورة الحمد، وهو قوله: اللهم إنا نستعينك ... إلى آخره.
وقوله: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم).
ومن قوله: (أنا الرحمن، وهي الرحم شققت الرحم من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته).
ومن قوله: (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين).
والدليل على أنه لا يجوز للجنب قراءة القرآن ما روى أن عبد الله بن رواحة اتهمته امرأته بأنه قد ألم بجارية له، فقالت: إن لم تجامعها فاقرأ القرآن، فأخذ يقرأ:
الجزء: 1 - الصفحة: 303
شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا
إلى آخر الأبيات، فقالت: صدقت وكذبت عيناي.
واتفقوا على أن قراءة القرآن حرام غير جائز للجنب.
فرع
المستحب للمتوضي ألا يستعين بأحد على وضوئه، لما روى عنه عليه السلام أنه قال: أما أنا فلا أستعين بأحد على وضوئي
الجزء: 1 - الصفحة: 304
وكان عليه السلام، لا يكل أمر وضوئه، ولا يكل صدقته إلى الغير.
ولو استعان جاز، لما روي عن المغيرة بن شعبة أنه قال: كنت أسكب له الوضوء.
وروى عن أنس مثل ذلك
فرع
المستحب أن لا ينشف أعضاء الوضوء لما روى عن ميمونة أنها قالت: توضأ النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته بمنديل لينشف به أعضاء الوضوء فردني، ونفض يديه.
ولو نشف جاز، لما روى عن عائشة، رضي الله عنها أنها قالت: كان للنبي صلى الله عليه وسلم خرقة ينشف بها أعضاء الوضوء.
الجزء: 1 - الصفحة: 305
فرع
إذا كان لرجل قدمان على ساق أو يدان على منكب، قال: كانا أسفل الكعبين والمرفقين لا خلاف أنه يجب غسلهما، كالإصبع الزائدة، وإن كانا فوق الكعبين، أو فوق المرفقين، فلا يجب غسلهما.
فرع
إذا كان على أعضاء طهارته ما يمنع وصول الماء إلى البشرة، مثل الشمع والشحم الذائب، ودهن السندروس، وعين الجبر وعين الحناء لا يصح وضوؤه، لأنه يمنع وصول الماء إلى البشرة.
فأما أن الحناء والمداد وسائر الأدهان لا يمنع صحة الوضوء، لأن هذا الأشياء لا تمنع وصول الماء إلى البشرة، وإنما تمنع ثوبته عليها، والشرط هو المرور، وقد وجد.
فأما قرار الماء على البشرة فليس بشرط، والله أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 306
باب الاستطابة
قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرهما بغائط ولا ببول، وليستنج بثلاثة أحجار، ونهي عن الروث والرمة.
قال الشافعي: وذلك في الصحارى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جلس على لبنتين مستقبل بيت المقدس، فدل أن البناء مخالف للصحاري.
قال القاضي حسين الاستطابة والاستجمار والاستنجاء واحد، لأن الاستطابة طلب الطيب.
والاستجمار: طلب الجمار والأحجار.
والاستنجاء: إزالة النجاسة، النجو، وهو العذرة.
فالكل عبارة عن إزالة النجو عن محل مخصوص، والأصل فيه ما روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم الغائط، فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها بغائط ولا بول، وليستنج بثلاثة أحجار.، ونهي عن الروث والرمة.
الجزء: 1 - الصفحة: 307
قوله: إنما أنا لكم مثل الوالد.
له تفسيران.
أحدهما: أن شفقتي عليكم كشفة الوالد على ولده، وأقيكم من عذاب النار كما يقي الوالد ولده من النار.
والثاني: أنه قصد أن يذكر أمرًا يحتشم فبدأه بأن قال: إنما أنا لكم مثل الوالد، يعني: لا تحتشموا مني في تعلم آداب الطهارة وأمورها، كما لا يحتشم الولد من الوالد، ثم قال: (إذ جاء أحدكم الغائط): اسم للمكان المطمئن من الأرض، إلا أنه سمى النجو باسمه، ويعبر به عنه مجازًا، لكثرة خروج الناس إليه عند الحاجات.
ثم قال: (ولا يستقبل القبلة): لا يجوز استقبال القبلة واستدبارها في الصحارى للغائط والبول، ويجوز كلاهما في البنيان.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاستقبال فيهما، وعنه روايتان في الاستدبار:
الجزء: 1 - الصفحة: 308
إحداهما: يجوز فيهما.
والثانية: لا يجوز فيهما.
والحديث محمول على أن النهي ورد في الصحاري بدليل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جلس في بيت حفصة على لبنتين مستقبل بيت المقدس يقضي حاجته، ومن كان مستقبلا بيت المقدس بالمدينة كان مستدبر الكعبة، فدل على أن البناء مخالف للصحاري فيه، والبنيان ما كان مستقفا، أو كان محوطا، ويمكن تسقيفه فليس حكمها حكم البنيان إلا إذا كان بين يديه سترة من جدار وغيره، بحيث يستر أسفل بدنه، فإن حكمه حكم البنيان لما روى عن ابن عمر أنه حفزه البول، فأناخ راحلته، فتوجه للقبلة وبال قائمًا.
ولأي معنى يكره الاستقبال والاستدبار في الصحارى؟
فيه معنيان:
أحدهما: أن الصحارى لا يخلو عن مصلى يصلي فيه من ملك أو جني أو إنسي، فربما وقع على فرجه فيتأذى به، فأما الحشوش في البنيانات، فإنها موضع الشياطين، فيخلو عن المصلين فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 309
والثاني: أن الصحارى المكان فيها واصع، فلا تلحقه المشقة في ترك الاستقبال والاستدبار بخلاف البنيان، فإن المكان فيه ضيق، فربما تلحقه المشقة في ترك استقبال القبلة واستدبارها واتخاذ المستجمر والخلاء بجانب آخر، فلا يكون منهيا في البنيان، ثم قال عليه السلام، (وليستنج بثلاثة أحجار).
العدد شرط في الاستنجاء.
وأصل الاستنجاء واجب بدليل هذا الخبر، وإنما يكون الاستنجاء بالأحجار إذا لم يعدو المخرج، على ما سنبين بعده إن شاء الله تعالى.
ثم نهي عن الروث والرمة.
لا يجوز الاستنجاء بالأشياء من: (الروث والبعر والعذرة والسرجين، وأراد بالرمة العظم).
ونبه في خبر آخر على المعنى، وقال: (أما الرمة فإنها زاد إخوانكم من الجن، وأما الروث فعلف دوابهم).
قال الشافعي: وإن جاء من الغائط، أو خرج من ذكره، أو من دبره شيء، فليستنج بالماء، وليستطب بثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع، ولا عظم.
الجزء: 1 - الصفحة: 310
قال القاضي حسين: الاستنجاء واجب في الجملة، إما بالماء أو بالأحجار، ولا يجب الجمع بينهما، بل يستحب ذلك، ويجوز الاقتصار على كل واحد منهما، إلا أن الأولى أنه إذا أراد الاقتصار على أحدهما أن يقتصر على الماء، لأنه أقوى في الإزالة، حيث يزيل العين، والأثر بخلاف الحجر.
وقال أبو حنيفة، إن كان النجاسة، قدر الدرهم أو أقل فهو عفو، وهكذا قال في النجاسة في سائر البدن، وإن زاد على ذلك، فيجب إزالتها بالماء، ولا يجوز الاقتصار على الأحجار.
والدليل عليه قوله عليه السلام: (وليستنج بثلاثة أحجار) أمر، والأمر على الوجوب، وروى أنه قال: (لا يجزيء أحدكم في الاستنجاء أقل من ثلاث مسحات).
دل على أن الثلاثة تجزيء.
إذا ثبت هذا؛ فالخارج قسمان: ريح، وعين.
فأما الريح لا توجب الاستنجاء، لأن الاستنجاء كاسمه شرع لإزالة النجو، فإذا خرجت ريح فلم يوجد النجو حتى يزال.
فأما العين فعلى قسمين: رطب، ويابس.
الجزء: 1 - الصفحة: 311
فأما الرطب فعلى قسمين: معتاد مثل البول والغائط، أو نادر مثل القيح، والدم والصديد، وغيره.
فإن كان معتادًا؛ لا خلاف في أنه يجوز الاستنجاء فيه بالأحجار كما يجوز بالماء.
فأما غير المعتاد، ظاهر ما نص ها هنا أنه يجوز الاستجاء فيه بالأحجار، لأنه قال: شيء، ولم يفصل.
وقال في رواية الربيع: لو تخلي دما أو قيحًا، فليس له أن يستنجي بالأحجار.
وقال في القديم، لو كان في جوف مقعدته بواسير، بالباء والنون، والصاد والسين، فخرج منها دم فلا يجزئه إلا الماء، فجعل بعض أصحابنا في المسألة قولين:
أحدهما: يجوز الاقتصار فيه على الأحجار، كما في المعتاد.
والثاني: لا؛ لأنه نادر، والرخصة وردت في المعتاد.
ومنهم من قال: قول واحد إنه يجوز.
وما قال في القديم أراد به إذا كان على بشرته قروح وبثور، فخرج منها دم فلا يجزئه إلا الماء، لأنها نجاسة خرجت من الظاهر.
ومنهم من قال: في النقل تصحيف، لأنه قال: ولو كان في جوف معدته بواسير.
فعلى هذا لو انثقبت ثقبة في بدنه، فخرج منه المعتاد، فإن كان تحت المعدة، فلا يخلو إما أن أنسد موضع المعتاد، أو لم ينسد موضع المعتاد، فإن انسد ذلك وخرج المعتاد من هذه الثقبة، لا خلاف أنه تنتقض طهارته.
وهل يجوز الاقتصار فيه على الأحجار؟
فيه وجهان بناء على ما لو خرج غير المعتاد من مخرج المعتاد.
إن قلنا هناك: يجوز اعتبارًا بالمخرج، فها هنا لا يجوز.
الجزء: 1 - الصفحة: 312
وإن قلنا هناك: لا يجوز اعتبارًا بالخارج، فها هنا يجوز.
فعلى هذا تنتقض الطهارة بمس تلك الثقبة.
وهل يجوز الحد بإيلاج الفرج فيها أم لا؟
فيه وجهان، والصحيح أنه لا يجب.
فأما إذا خرج منه غير المعتاد تنتقض طهارته.
وهل يقتصر على الأحجار؟
هل ينبني أيضًا على ما إذا خرج غير المعتاد من مخرج المعتاد.
إن قلنا: لا يجوز فيه الاقتصار على الأحجار، فها هنا أولى.
وإن قلنا هناك: يجوز فها هنا وجهان.
والفرق أن هناك المخرج معتاد، وها هنا المخرج والخارج كل واحد منهما غير المعتاد.
فأما إذا لم ينسد موضع المعتاد وخرج المعتاد من هذه الثقبة، هل ينتقض به الطهارة أم لا، فيه قولان:
أحدهما: ينتقض لوجود غير المعتاد.
والثاني: لا.
إن قلنا: ينتقض، فهل يجوز فيه الاقتصار على الأحجار؟
فعلى ما ذكرنا من الاختلاف، فأما إذا كانت الثقبة فوق المعدة، فإن لم ينسد موضع المعتاد، فلا ينتقض طاهرته، وإن انسد موضع المعتاد، فهذا ينبني على ما إذا كانت الثقبة تحت المعدة، وخرج منها المعتاد، ولم ينسد موضع المعتاد.
إن قلنا هناك: لا ينتقض وضوءه، فها هنا أولى.
وإن قلنا هناك: ينتقض وضوءه، فها هنا وجهان.
والفرق أن هناك صار الخارج مستحيلا متغيرا لخروجه من المعدة، وها هنا لم يتسحل، ولم يتغير لأنه لم يخرج من المعدة، فأشبه القيء.
الجزء: 1 - الصفحة: 313
فأما إذا كان جامدًا؟
قال المزني في الجامع الكبير، إن عليه الاستنجاء، ثم قال بعده بأسطر: ولو زجر فيلقي مثل البعرة، فبماذا يستنجي؟
فحصل فيه قولان:
أحدهما: لا يجب إذ لا بلل فيه.
والثاني: يجب لأنه لا ينفك عن البلل.
وكذا القولان في المرأة إذا ولدت ولدا ولم تر الدم، هل يجب الاغتسال عليها أم لا؟
فيه قولان: وسيأتي بعد هذا.
قال الشافعي: ولا يمسح بحجر قد مسح به مرة إلا أن يكون قد طهره بالماء.
قال القاضي حسين: فلو استنجى بحجر، ثم غسله وجففه، لا خلاف أنه يجوز الاستنجاء به ثانيًا، وإن كان قبل التجفيف لا يجوز.
فأما إذا رماه في المضحي حتى شرقت عليه الشمس أو هبت عليه الرياح حتى اندرست نجاسته، ظاهر ما نص ها هنا: أنه لا يجوز به الاستنجاء.
وقال في الإملاء: لو استنجي بحجر، فألقاه في المضحاة حتى شرقت عليه الشمس جاز أن يستنجي به.
وقال في القديم: إذا بيل على الأرض جاز الصلاة عليها.
ولا يجوز التيمم بترابها، فحصل في وقوع التطهير بغير الماء قولان، لما ذكرنا من اختلاف النصين.
إن قلنا: غير الماء يطهر، فقولان آخران:
أحدهما: يطهر الظاهر والباطن.
والثاني: يطهر الظاهر دون الباطن؛ لما قال في القديم.
الجزء: 1 - الصفحة: 314
وخرج الخضري على هذا وقال: إن قلنا: الشمس تطهر، فالنار أولى، لأنها تحلل النجاسة لقوتها، فعلى هذا لو طبخ آجر من طين نجس يصير طاهرًا وهذا مذهب أبي حنيفة.
قال الشافعي: والاستنجاء من البول كالاستنجاء من الخلاء.
قال القاضي حسين: فنذكر أولا حكم الاستنجاء من الخلاء، وقد ورد فيه خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (حجران للصفحتين وحجر للمسربة).
وقال الشافعي في الكبير: يمسح صفحته اليمني بحجر، وصفحته اليسرى بحجر، ويحلق بالثالث.
ولكن قال أصحابنا: لو فعل هكذا فلا يحصل إلا مرتين.
قال الشيخ أبو زيد: يأخذ حجرًا بيده اليسرى، ويبدأ بمقدم صفحته اليمني، ويضعه في مكان طاهر، ثم يدير الحجر قليلا قليلا، حتى ترفع بكل جزء من الحجر الطاهر جزءا من النجاسة، ولا يجره جرا إلى أن ينتهي إلى مؤخر صفحته اليمني، ثم يمره على الصفحة اليسرى إلى أن ينتهي من الموضع الذي بدأ منه، ثم يأخذ حجرًا آخر، ويضعه في مكان طاهر من مقدم صفحته اليسرى، ويفعل ذلك مثل ما في الأول، ويديره إلى أن ينتهي إلى المكان الذي بدأ منه، ثم يأخذ حجرًا ثالثًا، ويحلق به المسربة.
الجزء: 1 - الصفحة: 315
فإن فعل هكذا صار مستوعبًا جميع المحل بالأحجار الثلاثة.
وكلام الشافعي متأول على هذا المعنى، وإنما قلنا: لا يجره كي لا تتحول النجاسة من محل إلى محل، فحينئذ لا يجزئه إلا الماء، وإنما قلنا: يضعه على مكان طاهر، حتى يحصل له استيعاب المحل بالاستنجاء بالأحجار، كما قلنا في الطهارة: إنه يغسل جزءا من الرأس لاستيعاب الوجه بالغسل، هذا كله إذا كانت النجاسة على المحل الذي لاقاه عند الخروج من الباطن، حتى لو مشي خطوات حتى التصق إحدى الإلتين بالأخرى، وتنتقل النجاسة من محل إلى محل، فإنه لا يجزيء إلا الماء.
فاما إذا لم يكن بجنبه ما يستنجي به، فلو زحف قليلا على رجليه ليأخذ الحجر، ولم تسطك إحدي الأليتين بالأخرى فلا بأس به.
إذا ثبت هذا فقوله: الاستنجاء من البول كالاستنجاء من الخلاء يعني في الوجوب والعدد.
فأما كيفيته أن يمسح العضو على جدار طاهر، أو أرض طاهرة إذا كانت صلبًا في ثلاثة أماكن.
فلو فعل ذلك في ثلاث مرات في موضع واحد لا يجوز، ولا يجزئه بعده إلا الماء، وكذا لو وضع رأس الإحليل على الجدار ومسحه من أسفل إلى الأعلى لا يجوز، ولو مسح عليها من الأعلى إلى أسفل جاز.
قال الشافعي: ويستنجي بشماله.
قال القاضي حسين: السنة أن يستنجي بشماله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن الاستنجاء باليمين، لأن اليمين معدة للكرامات، فتستعمل في الطاعات، وفيما يعلو من البدن.
والشمال للإهانة فتستعمل في القاذورات.
الجزء: 1 - الصفحة: 316
قال الشافعي: وإن استطاب بما يقوم مقام الحجارة، من الخزف والآجر، وقطع الخشب، وما أشبه فأنقى ما هنالك أجزأه، ما لم يعد المخرج فإن عدا المخرج فلا يجزئه فيه إلا الماء.
وقال في القديم: يستطيب بالأحجار- إذا لم يتنتشر منه إلا ما ينتشر من العامة في ذلك الموضع وحوله، والفرق بين أن يستطيب بمينه، فيجزئ وبالعظم، فلا يجزيء أن اليمين أداة، والنهي عنها أدب، والاستطابة طهارة، والعظم ليس بطاهر فإن مسح بثلاثة أحجار، فلم ينق أعاد، حتى يعلم أنه لم يبق أثرا إلا أثيرا لا صفا، لا يخرجه إلا الماء، ولا بأس بالجلد المدبوغ أن يستطاب به، وإن استطاب بحجر له ثلاثة أحرف كان كثلاثة أحجار، إذا أنقي، ولا يجزيء أن يستطيب بعظم، ولا نجس.
قال القاضي حسين: النص ورد في الأحجار، إلا أن عندنا لا يختص جواز الاستنجاء بالأحجار.
وقال داود: أنه يختص به، وقاسه على رمي الجمار.
والفرق بينهما أنه غير معقول المعنى، فإنه لا يدري أنه يعني به الكرامة أو
الجزء: 1 - الصفحة: 317
الإهانة أو غيرهما، وها هنا المقصود منه الإزالة، فكل ما يحصل به الإزالة يجعل في معناه كالماء وحده.
قال أصحابنا: كل عين جامدة طاهرة قالعة للنجاسات، غير محترمة ولا مخلفة يجوز الاستنجاء به.
وعبر عنه الشيخ سهل الصعلوكي، بأن قال: كل ما نظف ونظف وانصرف فردا ولم يخلف بالاستعمال لهم يتلف يجوز الاستنجاء به، فعلى هذا ما كان لينا مثل الخرقة اللينة، والقطن اللين، والبيضة والزجاجة الملساء لا يجوز الاستنجاء به.
وكذلك ما كان نجسًا أو كان رطبًا لا يجوز الاستنجاء به.
ولو استنجي بشيء من هذه الأشياء، فلا يجزئه إلا الماء بعده.
فأما إذا كان محترمًا لا يجوز الاستنجاء به.
أما الخبر اللين، كما ذكروا الخبز اليابس لا يجوز الاستنجاء به، ولكن لو فعل بجهل فهل يسقط به الفرض؟ وجهان.
وأما العظم، إن كان فيه رطوبة أو دسومة لا يجوز، وإن كان يابسًا خشنًا في سقوط الفرض، به وجهان.
فأما أوراق المصحف لا يجوز الاستنجاء به، ولو اعتقد جوازه يكفر.
ولكن لو فعله تهاونًا ففي سقوط الفرض به وجهان، ولا خلاف في جواز
الجزء: 1 - الصفحة: 318
الاستنجاء بالأوراق التي يكتب عليها التوراة، وفي هذه المواضع الثلاث إذا لم يحكم بسقوط الفرض عنه، فيجوز بعده الاستنجاء بالحجر، لأن هذه الأشياء في نفسها قالعة للنجاسة، بخلاف الرطب والأملس، لأنها تنقل النجاسة، ولا تقلعها، فأما الحممة.
نص في «البويطي» على أنه لا يجوز الاستنجاء بالحممة، ونص في رواية الربيع على أنه يجوز بالمقابس أو المقانس، من أصحابنا من جعل المسألتين على قولين، ومنهم من قال: بل على حالين:
حيث قال: يجوز؛ أراد به إذا كان صلبًا لا يتناثر، وحيث قال: لا يجوز، أراد به إذا كان رخوًا يتناثر.
فأما التراب نصَّ على جواز الاستنجاء به في القديم.
وقال في موضع آخر: لا يجوز، فحصل فيه قولان.
أحدهما: يجوز.
والثاني: لا يجوز.
ومنهم من قال: لا يجوز قولا واحدًا، وما ذكره في القديم أراد به إذا كان منعقدًا مثل المدر.
الجزء: 1 - الصفحة: 319
إن قلنا: يجوز، فيحتاج إلى أن يستنجي أربع مرات، لأنه إذا استنجى به مرة يلتصق التراب بالمحل.
وفي الثانية يتناثر عن المحل.
وفي الثالثة يلتصق بالمحل، فيحتاج إلى المرة الرابعة، كي يتناثر عن المحل، ويستحب له الخامسة لأجل الانتثار، والله تعالى أعلم بالصواب.
قوله: (ما لم يعد المخرج ...).
قال القاضي حسين: نقل المزني عن الجديد: إنما يجوز ما لم يعد الخارج المخرج، ونقل عن القديم، يستطيب بالأحجار، إذا لم ينتشر منه إلا ما ينتشر من العامة في ذلك الموضع وحوله.
ونقل الربيع: ما لم يخرج إلى ظاهر الأليتين.
من أصحابنا من جعل المسألة على ثلاثة أقوال إتباعًا للنص.
والأصح أنها على قول واحد كما ذكره في القديم.
والمزني أخلَّ بالنقل في الجديد، حيت ترك قوله وحوله.
ما نقله الربيع موافق له، فإنه إذا لم يخرج إلى ظاهر الأليتين فلم ينتشر إلا ما ينتشر من العامة.
فأما إذا خرجت النجاسة إلى ظاهر الأليتين لا خلاف أنه يغسل بالماء ما ظهر على الأليتين، فأما ما حوالي المخرج، فإن كان متصلا بما على ظاهر الأليتين لا يجزئه إلا الماء أيضا دون الأحجار، لأنه لا يتصور غسل البعض بالماء، لأن رطوبة المغسول تتعدى إلى الباقي.
فأما إذا كان منفصلا عنه وبينهما فرجة، يجوز أن يقتصر فيه على الأحجار.
قوله: (والفرق بين أن يستطيب بيمينه فيجزيء، وبالعظم لا يجزيء).
قال القاضي حسين: لأن اليمين آلة صالحة للإزالة، إلا أن الاستعمال منهي، فحصلت به الإزالة معه، فأما العظم ليس بصالح للإزالة، فالقصور في الآلة،
الجزء: 1 - الصفحة: 320
فلا تحصل الإزالة، وصار هذا كالتوضؤ بالماء الطاهر في أواني الذهب والفضة يجوز، والتوضؤ بماء الورد في الأواني الخزفية لا يجوز.
قوله: (وإن مسح بثلاثة أحجار فلم ينو أعاد).
قال القاضي حسين: عندنا المعتبر في الاستنجاء بالأحجار أغلظ الأمرين من الإنقاء والعدد حتى لو لم ينق بالثلاث وجب عليه الزيادة حتى ينقي، ولو أنقى بالرابعة استحب له أن يأتي بخامس للإيتار.
ولو أنقي بدون الثلاث لزمه إلى تمام الثالثة تعبدًا، وإن كان المقصود منه معقول المعنى كما قلنا في العدة: إنها شرعت لبراءة الرحم، وذلك يحصل بقرء واحد، ويجب قرءان آخران تعبدا كذا هذا مثله، فلو أنقى بواحدة، ثم ستنقي بعده مرتين، فهل يجوز استعمال تلك الحجرين في وقت آخر أم لا؟
الجزء: 1 - الصفحة: 321
فعلى وجهين:
أحدهما: يجوز كما في رمي الجمار.
والثاني لا: لأنه صار مستعملا، وأدي به الفرض، فصار كالماء المؤدي به الفرض مرة.
وقال مالك: لا اعتبار فيه بالعدد، وقاسه على الاستنجاء بالماء، والدليل عليه قوله عليه السلام: (وليستنج بثلاثة أحجار.).
الجزء: 1 - الصفحة: 322
وظاهر الأمر على الوجوب، ولأنها عبادة ورد الشرع فيها بالأحجار، فتستوي فيها الثيب والأبكار، وللعدد فيه اعتبار دليله رمي الجمار.
وليس كالماء؛ لأنه يفيد يقين الطهارة، والحجر يفيد من حيث الظاهر، فصار كالعدة بوضع الحمل مع العدة بالأقراء.
قوله: (ولا بأس بجلد المدبوغ أن يستطاب به).
قال القاضي حسين: وقال في رواية حرملة: لا يجوز الاستنجاء بشيء من الجلود، فحصل في جواز الاستنجاء بالجلد المدبوغ قولان، فأما المذكي.
قال الشافعي: ولا أعرف شيئا أشبه باللحم من الجلد؛ لأن الشاة تسمط ويؤكل جلدها.
فعلى هذا إن كان بعد الدباغ فعلى ما ذكرنا، وإن كان قبل الدباغ لا يجوز، لأنه في معنى الطعام، ولكن لو استنجى بالجانب الذي يلي الشعر جاز أيضًا؛ لأن الشعر يمنع وصول البلل إلى ما هو المأكول، وإن كان إلى جانب اللحم لا يجوز الاستنجاء به.
قوله: (لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف كان كثلاثة أحجار إذا أنقى).
قال القاضي حسين: لأن المقصود منه الإنقاء، والمعتبر فيه المسحات، وقد وجد.
وقال داود: هو بمنزلة حجر واحد، وهذا لا يصح، لأن المقصود منه لما كان ما ذكرنا، فهذا الحجر ينزل منزلة ثلاثة أحجار في حصول المقصود به.
فرع
الخنثى المشكل له أن يقتصر على الأحجار في الدبر، ولا يجوز في المبالين إلا الماء لأجل الإشكال، فإذا ارتفع الإشكال يجوز له استعمال الحجر فيما هو دون الفرج.
الجزء: 1 - الصفحة: 323
فرع
المرأة إذا كانت بكرًا لها الاقتصار على الأحجار في الفرجين، فأما الثيب لا يجوز لها الاقتصار على الأحجار في القبل إذا انتشر منها البول انتشارًا.
قال القاضي: إن لم ينتشر فجازلها الاقتصار على الأحجار.
الجزء: 1 - الصفحة: 324
فرع
ذكر أبو بكر الفارسي في عيون المسائل عن الشافعي أنه قال: لو تيمم، ثم استنجي لا يجوز، ولو توضأ بالماء ثم استنجي يجوز.
من أصحابنا من جعل المسألتين على قولين نقلا وتخريجًا.
ومنهم من أقر النصين قرارهما، وفرق بينهما بأن في التيمم طلب الماء شرط وواجب عليه الاستنجاء وذلك يبطل التيمم، فصار كما لو تيمم ثم رأي سوادا أو رفقة أو غيره يبطل تيممه حين يجب عليه طلب الماء بخلاف الوضوء، لأن طلب الماء هناك لا يبطل الوضوء.
فإن قيل: لو كان على بدنه نجاسة فتيمم، وجب أن يبطل تيممه أيضا؛ لأن طلب الماء واجب عليه أيضا ها هنا.
قلنا: إن كان عالمًا في ابتداء التيمم لا يبطل تيممه بعد ذلك، لأنه إذا طلب الماء في الابتداء فذاك الطلب يقع عنهما، لأن طلب الماء متعين عليه، لأنه لا يجوز فيه الاقتصار على الأحجار، فعلى هذا لو لم يعلم بالنجاسة حتى تيمم، أو طرأ النجاسة على بدنه بعد التيمم بطل تيممه بذلك؛ لأنه تجدد عليه الطلب لذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 325
فصل: في آداب قضاء الحاجة
إذا أراد الرجل أن يتخلي، فالسنة أن يتباعد عن الناس حتى لا يطلع عليه أحد، وألا يرفع ذيله إلا بعد أن يدنو من الأرض، وألا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها في الصحارى، وأن يطلب مكانًا لينا رخوا كيلا يترشش البول عليه، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان في بعض أسفاره، فأخذه البول فنزل وكان يطلب دمثًا من تحت الحائط، وهو المكان اللين، ثم توجه للقبلة، وبال قائمًا، وقال: (إذا أراد أحدكم أن يبول فليرثد)، يعني: فليطلب مكانًا لينًا.
وقيل: إنما بال قائمًا، لما به من وجع البطن، لأن العرب تعالج بالبول قائمًا لوجع البطن، وهي عادة أهل (هراة) فإنهم يبولون قيامًا في كل سنة مرة إحياء لتلك السنة، ولا يبول في الجحر، فإنه موضع الجن، ولا يستقبل وجهه إلى مهب الريح، كي لا يترشش عليه البول، ولا يبول تحت الأشجار، وعلى أفواه الطرق؛ لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: اتقوا
الجزء: 1 - الصفحة: 326
اللاعنين)، قيل: يا رسول الله، وما اللاعنان؟ قال: (أن يتخلي في طرق الناس وظلهم).
وإذا فرغ من البول وجب عليه الاستبراء، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه).
والاستبراء: أن يأخذ ذكره بيده اليسرى، ويمده مدا متفاحشًا حتى لو بقي في الإحليل قليل بلل لخرج بالمد.
وروى عنه عليه السلام، أنه قال: إذا بال أحدكم فينثر، وفي رواية: فليستنثر.
الجزء: 1 - الصفحة: 327
يعني: فليمد الذكر مدًا متفاحشًا، ثم إن كان في هبوط فيرتقي إلى الصعود، وإن كان في صعود من الأرض، فينحدر إلى الهبوط أو يمشي خطوات ويقفز قفزات، ويتنحنح.
وإذا أراد أن يدخل المستحم، فيبدأ باليسرى، ويقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، اللهم إني أعوذ بك من الرجس الخبيبث المخبث الشيطان الرجيم.
ولا يبول في المستحم لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: (لا يبولن أحدكم في المستحم، فإن عامة الوسواس منه).
الجزء: 1 - الصفحة: 328
منهم من قال: أراد به ألا يبول في الموضع الذي يتغوط فيه، والصحيح أن المراد أنه لا يبول في المغتسل، كي لا يترشش عليه البول؛ لأن ذلك يشق عليه.
وإذا خرج، فيبدأ برجله اليمني ويقول: غفرانك، غفرانك.
والله تعالى أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 329
باب الحدث
قال الشافعي: والذي يوجب الوضوء الغائط والبول والنوم مضطجعًا وقائمًا وراكعًا، وساجدًا وزائلاً عن مستوى الجلوس، قليلاً كان النوم أو كثيرًا، والغلبة على العقل بجنون أو مرض، مضطجعًا كان أو غير مضطجع، والريح يخرج من الدبر، وملامسة الرجل المرأة، والملامسة: أن يفضي بشيء منه إلى جسدها، أو تفضي إليه، لا حائل بينهما، أو يقبلها، ومس الفرج ببطن الكف من نفس (ومن) غيره، من الصغير والكبير، والحي والميت، والذكر والأنثى، وسواء كان الفرج قبلا أو دبرا، أو مس الحلقة نفسها من الدبر، ولا وضوء على من مس ذلك من بهيمة، لأنه لا حرمة لها، ولا تعبد عليها، وكل ما خرج من دبر، أو قبل، من دود أو دم، أو مذي، او ودي، أو بلل، أو غيره، فذلك كله يوجب الوضوء، كما وصفت ولا استنجاء على من نام، أو خرجت منه ريح.
قال القاضي حسين: ما يوجب الوضوء أربعة أشياء: اثنان متفق عليهما، وهو الخارج من السبيلين، والغلبة على العقل بأي سبب كان.
واثنان مختلف فيها منها ما يوجب نقض الطهارة عندنا، ولا يوجب عند أبي حنيفة، وهو الملامسة، ومس الذكر ببطن الكف، ومنها ما يوجب نقض الطهارة عنده، ولا يوجب عندنا وهو الخارج من الباطن، إلى الظاهر، من غير السبيلين إذا كان متفاحشًا، والقهقهة في صلاة ذات ركوع وسجود.
ثم رجعنا القهقهرى إلى الأول فنقول: ما يخرج من السبيلين يوجب الوضوء عندنا على أي صفة كان، سواء كان ريحًا أو عيناً، نادرًا أو معتادًا، وإذا خرج من الدبر أو من القبل ريح.
الجزء: 1 - الصفحة: 330
وقال أبو حنيفة، خروج الريح من القبل لا يوجب نقض الطهارة، لأنه لا يتصور خروج الريح منه، وعندنا يوجب ذلك؛ لأن الرجل إذا كان أدر قد قيل بأنه يتصور خروج الريح من قبله.
فعلى هذا إن تحقق ذلك منه يوجب نقض الطهارة، وإن وجد قلقلة في خصيته، او في بطنه، ولم يخرج منه شيء، فا تنتقض طهارته.
وقال مالك: ما خرج منه نادرًا، مثل الدود والحصى والدم ونحوه، لا يوجب نقض الطهارة، واعتبر الخارج بالمخرج.
وعلى هذا: الودي والمذي، لا يوجبان عند مالك، نقض الطهارة، ويدل عليه ما روى عن علي كرم الله وجه، أنه قال: كنت امرءا مذاء، واستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته مني، فسألت المقداد بن الأسود حتى سأل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلم النبي عليه السلام، أنه سأل لأجلي، فقال: كل فحل مذاء مرة فلينضح ذكره بالماء وليتوضأ.
الجزء: 1 - الصفحة: 331
فرع
لو أدخل مردودا في أحليله لا ينتقض طهارته بالإدخال فيه، سواء غيب الكل فيه، أو غيب البعض، ولكن هل يفسد صومه أم لا؟ فيه وجهان.
وإن غيب الكل تجوز الصلاة معه، وإن غيب البعض دون البعض لا يجوز؛ لأن طرف الظاهر معه متصل بالباطن، وذلك نجس، فإذا أخرج المرود منه تنتقض طهارته بالإخراج.
وكذا لو أدخل قطنة في رأس إحليله، هكذا لا تبطل طهارته، وفي فساد الصوم وجهان.
وفي صحة الصلاة على ما بينا.
ثم إذا نزع تبطل طهارته، كالمرود سواء.
فأما إذا ابتلع خيطًا في نهار الصوم يفسد صومه، ولو ابتلعه في الليل، ثم أصبح صائمًا، وكان أحد طرفيه خارجا منه لو نزع الباقي يبطل صومه، ولو ابتلع الباقي يبطل صومه، وكذا لو أمر غيره بالقلع أو النزع، هكذا يبطل صومه اللهم إلا أن يجيء إنسان ويقلعه منه من غير إشارة منه، فإنه لا يضره ذلك، ولوتركه على حاله لا تصح صلاته، ويصح صومه، وأيهما يقدم تراعي صحة الصلاة بأن يبتلع الباقي، أو ينزع ما ابتلع أو صحة الصوم بأن يتركه على حاله.
قال القاضي رضي الله عنه: يقدم الصوم على الصلاة؛ لأنه شرع فيه
الجزء: 1 - الصفحة: 332
ابتداء، فإذا تقدم الشروع فيه على الصلاة فيلزمه إتمامه، كما لو افتتح الصلاة بنية القضاء ثم تبين له إنه لم يبق من الوقت إلا قدر لو اشتغل بإتمام ما شرع فيه فاتته صلاة الوقت، لا يلزمه الخروج منه، بل عليه إتمام تلك الصلاة، لأنه شرع فيها أولا، كذا ها هنا.
ومن أصحابنا من قال: تقدم الصلاة على الصوم، لأن حكم الصلاة أغلظ وآكد من حكم الصوم، بدليل أن تارك الصلاة يقتل، وتارك الصوم لا يقتل.
فأما إذا كان بقرب من عرفات، ولم يبق من وقت الوقوف بعرفة إلا قدر يسير بحيث إنه لو اشتغل بصلاة العشاء الآخرة فاته الوقوف بعرفة، ماذا يفعل؟
الصحيح: أنه يترك الصلاة كيلا يفوته الوقوف، لأنه لو فاته الوقوف لما أمكنه إدراكه، إلا بعد سنة، بخلاف الصلاة.
وفيه وجه آخر، أنه يقدم الصلاة عليه، لأن حكم الصلاة أقوى، وآكد من حكم الحج، بدليل ما ذكرنا.
فأما إذا صبغ رجل رجلا ينتقض طهارة المصبغ، لأنه مس فرجه، ولا ينتقض طهارته، وهكذا لو جلس على خشبة، حتى دخل فيه هكذا لا تبطل طهارته، ولكن يفسد صومه، ولو قام منه تنتقض طهارته.
قوله: (والنوم مضطجعًا، إلى أن قال: والغلبة على العقل).
قال القاضي حسين: زوال العقل يوجب نقض الطهارة، سواء كان بالنوم، أو بالإغماء، أو بالجنون، أو بالسكر، كيف ما كان.
الجزء: 1 - الصفحة: 333
وقد قيل: إن من أغمي عليه يمني في الغالب، فعلى هذا إن تحقق خروج المني منه يلزمه الاغتسال، وإلا فيلزمه الوضوء، فأما النعاس، وهو ما يعرو الأجفان والقلب يقظان لا ينقض الطهارة.
وحد النوم ما يزيل الاستشعار من القلب مع استرخاء المفاصل، وكذا الإغماء مثله.
فأما الجنون: ما يزيل الاستشعار من القلب، مع بقاء الحركة في المفاصل، فإذا زال العقل بشيء من هذه الأشياء، سوى النوم تنتقض طهارته على أي حالة كان.
فأما النوم: إن نام قاعدًا، ممكنا مقدته من الأرض، مفضيًا بها إليها، ظاهر المذهب أنه لا تنتقض طهارته.
وحكي أبو عيسى الترمذي الحافظ، عن الشافعي قولا آخر: أنه تنتقض طهارته، فعلى هذا القول جعل نفس النوم حدثًا، وهو اختيار المزني.
فإن قلنا: لا تنتقض طهارته على ظاهر المذهب، فلا فرق عندنا بين ان يستند بسناد، لو رفع ذلك السناد يسقط منه، ويبين ألا يسقط.
وقال أبو حنيفة: إن استند بسناد لو رفع ذلك السناد يسقط تنتقض طهارته،
الجزء: 1 - الصفحة: 334
وإن كان لا يسقط لا تنتقض طهارته، فأما إذا نام ممكنًا مقعدته من الأرض، ثم كاد أن يسقط؛ فانتبه.
ينظر: فإن انتبه قبل أن تزول مقعدته من الأرض، فلا بأس، وإن انتبه بعد أن زالت مقدته من الأرض تبطل طهارته.
وقال أبو حنيفة: إن سقطت يده على الأرض ثم انتبه تبطل طهارته، وإن انتبه قبل أن تسقط يده على الأرض، فلا تنتقض فأما إذا نام زائلا عن مستوي الجلوس.
قال في الجديد: تنتقض طهارته.
وقال في القديم: لو نام في الصلاة لا تنتقض طهارته، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا نام العبد في الصلاة باهي الله تعالى، به ملائكته، ويقول ملائكتي، انظروا إلى عبدي، روحه عندي وجسده في عبادتي).
جعله مصليًا، ومن قال بالجديد أول هذا الخبر بأن قال: أراد به أنه في الصلاة حكما يثاب ثواب المصلين، إذا أراد الصلاة، فأخذه النوم.
ونص في البويطي أنه إذا نام قائمًا، ولم تزل قدماه من الوسن لا تنتقض طهارته، فحصل فيه ثلاثة أقوال باعتبار النصوص.
في الجديد: يبطل، سواء كان في الصلاة أو خارج الصلاة.
وفي القديم إن كان في الصلاة لا تبطل، وإن كان خارج الصلاة يبطل.
الجزء: 1 - الصفحة: 335
وفي البويطي: إن لم تزل قدماه لا تبطل في الصلاة وخارج الصلاة، لأنه ذكر مطلقا، وإن زالت قدماه يبطل، فحاصل المذهب فيه أنه إذا نام خارج الصلاة، وزالت قدماه تنتقض طهارته، وإن لم تزل قدماه، ففيه قولان، فأما إذا كان في الصلاة، إن زالت قدماه تنتقض طهارته في الجديد.
وفي القديم: لا تنتقض.
وإن لم تزل قدماه، إن قلنا: خارج الصلاة لا تنتقض طهارته، فها هنا أولى.
وإن قلنا: هناك تنتقض، فها هنا قولان.
والفرق: أن حرمة الصلاة تمنع من انتقاض الطهارة ها هنا، بخلاف ذلك.
فأما إذا نام في حال الركوع والسجود، أو صلى مضطجعا ونام، فيه قولان، وقال أبو حنيفة: إذا نام في الصلاة، أو خارج الصلاة على هيئة من هيئات الصلاة في حالة الاختيار لا يوجب نقض الطهارة، قوله: (وملامسة الرجل المرأة).
قال القاضي حسين: إذا لمس الرجل امرأة أجنبية، أو زوجته، أو مدبرته، أو مكاتبته، أو أم ولده، أو أمته، منكوحة كانت أو غير منكوحة، ولا حائل بنهما تنتقض طهارته، بشهوة كانت أو بغير شهوة.
فأما إذا لمس شعرها، نقل صاحب (التلخيص): أنه لا تنتقض طهارته.
وقال هو في الظفر تخريجًا.
وقال أصحابنا: في السن تفريعًا، فحصل في الكل وجهان:
الجزء: 1 - الصفحة: 336
أحدهما تنتقض طهارته، لأنه قال: الملامسة أن يفضي بشئ منه، وهذه الأشياء تسمى شيئا.
والوجه الثاني: لا تنتقض؛ لأنه قال: إلى جسدها، وهذه الأشياء لا تسمى جسدًا.
فعلى هذا، لو مش شعرها بشعره، أو ظفرها بظفره، إن قلنا هناك: لا تنتقض ها هنا أولى.
وإن قلنا هناك: ينتقض فها هنا وجهان.
ولفرق أن اسم الجسد لا ينطلق على الشعر والظفر، وقد وجد الشعر من الجانبين ها هنا، بخلاف ذلك وفي الملموس قولان.
وبناء القولين فيه من اختلاف القراءتين في قوله تعالى: (أو لامستم النساء).
فمن قال: (أو لامستم): تنتقض طهارة الملموسة، لأن الملامسة من المفاعلة وقد وجد منهما.
ومن قرأ: (لمستم)، قال: لا ينتقض؛ لأن اللمس إنما وجد من اللامس لامن الملموس.
الجزء: 1 - الصفحة: 337
فأما المرأة إذا لمست رجلا حكمها حكم الرجل إذا لمس امرأة، وقيل: فيه قولان.
لأنها ملومسة في الحالتين، لأن الغالب أن الرجال يحطون على النساء، فأما النساء فلا يحططن على الرجال، ولا يقصدنهم.
فأما إذا لمس امرأة ميتة، هل تنتقض طهارته أم لا؟
فيه وجهان، بناء على أنه لو جمعها، هل يجب الحد عليه، وهل تغتسل لعله تغسل هي؟
فيه وجهان.
فأما إذا مس ذوات المحارم.
قال في الجديد: إنه تنتتقض طهارته.
الجزء: 1 - الصفحة: 338
وقال في القديم: لا تنتقض طهارته، لسلب الشهوة عن قلوب ذوي المحارم، ولو وجد فيهم شهوة، فلا بأس به، كما لو لمس غلامًا، وضي الوجه بالشهوة لا تنتقض طهارته.
فأما الصغيرة إن كانت تشتهي، حكمها حكم البالغة، وإن لم تشته فيه وجهان.
وفي العجوز الكبيرة وجهان، والصحيح أنه تنتقض طهارته، لأنها مما تشتهي لمن هو في مثل حالها.
الجزء: 1 - الصفحة: 339
وقال أبو حنيفة: لا تنتقض طهارته بالملامسة، إلا أن يتجردًا ويتعانقا، وينتشر منه.
يدل عليه ما روى عن ابن عمر أنه قالأ: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة.
وقال مالك: الاعتبار بالشهوة، حتى لو لمس بالشهوة تنتقض طهارته، وإن كان بينهما حائل، ولو لمس بغير شهوة لا تنتقض طهارته، وإن لم يكن بينهما حائل.
والدليل عليه الخبر.
قوله: (مس الفرج ببطن الكف).
قال القاضي حسين: إذا مس ذكر إنسان ببطن الكف تنتقض طهارته، سواء مس فرج نفسه، أو فرج غيره، وسواء كان من حي أو ميت، صغيرًا أو كبيرًا.
فإذا مسه برءوس الأصابع أو بخلال الأصابع: فيه وجهان
الجزء: 1 - الصفحة: 340
ولو مسه بظهر الكف لا ينتقض وجهاً واحدًا، وكذا لو مس الخصيتين أو الأليتين، أو ما بين القبل والدبر، لا ينتقض طهارته.
فأما إذا جب ذكره من الأصل، ومس تلك الثقبة، حكمه حكم ما إذا مس حلقة الدبر، تنتقض طهارته في الجديد، لأن بيان أحد النظيرين بيان للآخر، كقوله عليه السلام: (من أعتاق شركًا له من عبد) قال: والأمة في معناه.
وقال في القديم: إنه لا تنتقض طهارته، وفي الممسوس قول واحد، إنه لا تنتقض طهارته، لأنه لم يتحقق المس.
ولو مس فرج ميت؛ نص ها هنا على أنه تنتقض طهارته.
ولو مس ميتة نص على أنه لا تنتقض طهارته.
من أصحابنا من جعل فيهما قولين نقلا وتخريجًا.
ومنهم من قال بينهما، وقال: إنما تنتقض الطهارة باللمس لما فيه من التلذذ والشهوة، وقد عدم هذا المعنى بالموت، وإنما تنتقض الطهارة بالمس لهتك حرمة الفرج، وهذا المعنى موجود بعد الموت.
وهكذا قال: لا فرق بين أن يمس ذكر الصغير، أو الكبير، ونص في لمس الصغيرة على أنه لا تنتقض الطهارة، منهم من جعل فيها قولين.
ومنهم من فرق بينهما بما ذكرنا.
فأما لو مس ذكرًا مقطوعًا نص على أنه تنتقض طهارته، ولو لمس يدًا مبانة، نص على أنه لا تنتقض طهارته.
الجزء: 1 - الصفحة: 341
منهم من جعل فيها قولين.
ومنهم من فرق بما ذكرنا من المعنى.
وهل يجوز النظر إلى فرج الصغيرة: إن كانت تشتهي لا يجوز، وإن لم تكن صغيرة تشتهي فجائز، بخلاف اللمس، لأن حكم النظر أخف من حكم اللمس، ألا ترى أن الصائم لو نظر فأنزل لا يفسد صومه، ولو قبل أو لمس فأنزل يفسد صومه، والله أعلم بالصواب.
قوله: (ولا وضوء على من مس ذلك من بهيمة، لأنه لا حرمة لها، ولا تعبد عليها).
قال القاضي حسين: وعني بعدم الحرمة جواز النظر إليه، وبعدم التعبد عدم وجوب الستر.
وقال في القديم: إنه يوجب نقض الطهارة.
الجزء: 1 - الصفحة: 342
فأما إذا أدخل يده إلى فرجها، إن قلنا: باللمس تنتقض الطهارة، فها هنا أولى.
وإن قلنا لا تنتقض، فها هنا وجهان.
والفرق أن حكم الإيلاج أغلظ من حكم اللمس.
بدليل وجوب الحد به في حال بخلاف اللمس.
فإن قيل في الصغير: لا تعبد عليه، فوجب ألا تنتقض الطهارة بمس ذكره.
قلنا: هو محل التعبد في الحال.
وفي ثاني الحال بخلاف البهيمة.
وقال أبو حنيفة: مس الفرج لا يوجب نقض الطهارة، دليلنا عليه ما روت بسرة بنت صفوان، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ).
الجزء: 1 - الصفحة: 343
قال الشافعي: ونحب للنائم قاعدًا أن يتوضأ، ولا يبين لي أن أوجبه عليه، لما روى أنس بن مالك، رضي الله عنه، أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ينتظرون العشاء، فينامون أحسبه قال: قعودا وعن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه كان ينام قاعدا، ويصلي فلا يتوضأ.
قال المزني: قد قال الشافعي، لو صرنا إلى النظر كان إذا غلب عليه النوم، توضأ بأي حالاته كان.
قال المزني: قلت [أنا] وروى عن صفوان بن عسال أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا، إذا كنا مسافرين أو سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من بول وغائط ونوم.
قال المزني فلما جعلهن النبي صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي في معنى الحدث واحدًا، استوي الحدث في جميعهن، مضطجعا كان أو قاعداً، ولو اختلف حدث النوم لاختلاف حال النائم، لاختلاف كذلك حدث الغائط والبول، ولأبانه عليه السلام، كما أبان أن الأكل في الصوم عامدًا مفطر، وناسيًا غير مفطر.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: (العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان، استطلق الوكاء) مع ما روى عن عائشة رضي الله عنها: (من استجمع نومًا مضطجعًا أو قاعدًا) وعن أبي هريرة، (من استجمع نومًا فعليه الوضوء، عن الحسن/ إذا نام قاعدًا أو قائمًا توضأ.
قال المزني: فهذا اختلاف يوجب النظر، وقد جعله الشافعي في النظر في معنى من أغمى عليه كيف كان توضأ، فكذلك النائم، في معناه، كيف كان توضأ، واحتج الشافعي في الملامسة، بقول الله جلا وعز (أو لامستم النساء) وبقول ابن عمر، قبلة الرجل امرأته، وجسها بيده من الملامسة، وعن ابن
الجزء: 1 - الصفحة: 344
مسعود قريب من معنى قول ابن عمر، واحتج في مس الذكر، بحديث بسرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مس أحدكم ذكره، فليتوضأ).
قال القاضي حسين: قد ذكرنا ذلك، وعلق القول به، لأنه قال: ولا يبين لي أن أوجبه عليه.
والمزني جعل نفس النوم حدثًا، وقاسه على البول والغائط، واستدل بما روى عن صفوان بن عسال المرادي، أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام، ولياليهن إلا من جنابة، لكن من بول وغائط ونوم.
ثم قال: (لما جعله النبي صلى الله عليه وسلم في معنى الحدث، ثم الحدث يوجب نقض الوضوء في أي حالة كانت، كذا النوم مثله.
الجزء: 1 - الصفحة: 345
واستدل أيضًا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء).
وعن عائشة: من استجمع نوما توضأ مضطجعًا أو قاعدًا.
فلما ستقل بأخبار رواها الشافعي، رحمه الله ورجع إلى الترجيح بقول الشافعي.
ولو صرنا إلى النظر كان إذا غلب عليه النوم توضأ بأي حالاته كان.
أجاب أصحابنا بأن قالوا: ما رواه من الأخبار لا تعارض أخبار الشافعي، لأنه روى عن أنس بن مالك أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ينتظرون العشاء، فينامون أحسبه قال: قعودًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 346
وروي عن ابن عمر أنه كان ينام قاعدًا، فيصلي ولا يتوضأ.
وحديث حذيفة أنه قال: كانت نمت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 347
قاعدًا فوضع رجل يده على كتفي، فالتفت، فإذا مر هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أمن هذا وضوء؟
فقال عليه السلام: لا، حتى تضع جنبك على الأرض.
وهذه الأخبار خاصة في محل النزاع.
وما رواه عام، والخاص يقدم على العام، على أن حديث صفوان ورد لبيان أن المسافر يمسح ثلاثة أيام ولا يجب عليه نزع الخف قبل مضيها.
والخطاب إذا سيق لبيان ومقصود لا يستدل بعمومه في حكم آخر، بل يعرض عنه في غير المقصود.
وهذا كقوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم).
الاية.
فسيق الخطاب لبيان إباحة الأكل والشرب للصائم إلى طلوع الفجر، ثم لا يستدل به في إباحة المأكولات والمشروبات لو وقع الاختلاف فيها.
وقد قيل: إنه يجوز أن يكون الشيئان عديلين في اللفظ، قريبين في النطق، مختلفين في الحكم، كقوله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج).
وقوله: (كلوا من ثمره إذا أثمر وأتوا حقه يوم حصاده).
وقوله عليه السلام: إنه نهي عن كسب الحجاج ومهر البغي وحلوان الكاهن
الجزء: 1 - الصفحة: 348
وقوله عليه السلام: (إذا نامت العينان استطلق الوكاء).
قلنا: إذا نام قاعدًا لا يستطلق وكاؤه إذا كان متمكنًا، فهذا لا حجة لك فيه، وقول الشافعي: لو صرنا إلى النظر، يعني لولا الأخبار الواردة فيه لجوزنا ذلك.
قال الشافعي: وقاس الدبر بالفرج، مع ما روى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إذا مست المرأة فرجها، توضأت، واحتج الشافعي بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قالت: من اعتق شركًا له في عبد، قوم عليه، فكان الأمة في معنى العبد فكذلك الدبر في معنى الذكر، قال: وما كان من سوى ذلك في قيء، أو رعاف، أو دم خرج من غير مخرج الحدث، فلا وضوء في ذلك، كما أنه لا وضوء في الجشاء المتغير، ولا البصاق لخروجها من غير مخرج الحدث، وعليه أن يغسل فاه، وما أصاب القيء من جسده، واحتج بأن ابن عمر عصر بثرة بوجهه، فخرج منها دم فدلكه بين أصبعية، ثم قام إلى الصلاة، ولم يغسل يده، وعن ابن عباس قال: (اغسل أثر المحاجم عنك وحسبك) وعن ابن المسيب أنه رعف، فمسح أنفه بصوفه، ثم صلى، وعن القاسم، ليس على المحتجم وضوء.
قال القاضي حسين: قيل: أخل المزني في نقل هذا الكلام من وجهين:
أحدهما: أنه قال: قاس الدبر بالفرج، ولا يقال: قست الشيء بالشيء، وإنما يقال: قست الشيء على الشيء.
والثاني: قاس الدبر بالفرج، وكان من حقه أن يقول: بالذكر، لأن النص ورد فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 349
قلنا: النص أيضًا ورد في الفرج، وهو ما روى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إذا مست المرأة فرجها توضأت.
أو إنما قاس بالفرج الذي هو مقيس على الذكر.
فالشافعي ألحق قبل المرأة بالذكر؛ لأنه أشبه به من الدبر، ثم ألحق الدبر بقبل المرأة.
وهذا داب القائسين، أن يلحق الشيء بالأشبه، فالأشبه والأقرب.
أو قاس الدبر باسم الفرجية، أي ألحقه بالذكر لعلة كونه فرجًا.
أو نقول: أراد بالفرج الذكر، لأن اسم الفرج ينطلق على الذكر، يدل عليه قوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون).
وأراد بالفرج الذكر.
بين الشافعي رحمه الله أن بيان حكم أحد النظيرين في الشريعة، يجعل بيانًا لهما.
كما قال عليه السلام: من أعتق شركا له من عبد، الخبر.
نص علي العبد، ثم ألحقنا الأمة به، لأنها في معناه، كذلك فيما نحن فيه، وإذا وقع النص على الذكر، فالدبر في معناه، فقسناه عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 350
فصل: في مسائل ذكر الخنثى
والكلام في هذا الباب يقع في فصول الطهارة والحيض والرضاع.
جملة مسائل الخنثى تدور على نكتة واحدة، وهو أن تتمسك فيها باليقين، ونطرح الشك.
أما أحكامه في الطهارة، فلذلك في ثلاثة فصول: المس، واللمس، والإيلاج.
أما المس، فلا يخلو الخنثى إما أن يكون ماسًا أو ممسوسًا، فإن كان ماسًا فلا يخلو إلا أن يكون من نفسه، أو من غيره.
فإن مسه من نفسه، نظر، فإن مس الدبر انتقض وضوؤه في الجديد.
وإن مس أحد المبالين لم ينتقض، لأنه إذا مس الذكر يحتمل أنه امرأة، وذلك عضو زائد، وإن مس القبل يحتمل أنه رجل، وهو شق فيه، وإن جمع بينهما فعليه الوضوء، ولو مس أحدهما وصلى ثم مس الآخر لم يجز له ان يصلي صلاة أخرى، لأنا تيقنا انتقاض طهره حين جمع بينهما الان، بخلاف الابتداء.
ولو توضأ، ثم مس الآخر، فله أن يصلي، وإن تيقنا انتقاض طهره في أحد الصلاتين.
ولا يلزمه إعادة واحدة منهما، لأنهما حادثتان أمضيتا بالإجتهاد، ولم يدر عين ما وقع الخطأ فيه، فلا ينتقض ذلك إلا باليقين، كما لو صلى اربع صلوات إلى أربع جهات بالاجتهاد، لا يلزمه إعادة شيء منها عند عامة أصحابنا، إلا عند الإمام أبي إسحاق الإسفرايني رحمه الله عليه، وليس كما لو نسي صلاة
الجزء: 1 - الصفحة: 351
من صلاتين، حيث يلزمه إعادتهما، لأن هناك تحققنا اشتغال ذمته بالفرض، وما من صلاة شرع فيها، إلا ويحتمل أن الفرض غيره.
وفي مسألتنا عقد كل واحدة من الصلاتين على اعتقاد الصحة، ولم يظهر عين ما أخطأ فيها، وكذا لو صلى صلاتين ثم تيقن الحدث في إحداهما، يلزمه إعادتهما، لأن اشتغال ذمته بهما متيقن.
وفراغ ذمته عنهما مشكوك، وها هنا لم نتيقن الحدث في الصلاة الأولى.
فأما إذا مس الذكر أيامًا، ثم تبين أنه كان رجلا، هل يلزمه إعادة الصلاة في تلك الأيام؟
فيه جوابان ينبنيان على ما لو صلى إلى جهات مختلفة، ثم تبين له يقين الخطأ، فهل تلزمه إعادة تلك الصلوات أم لا؟
وفيه قولان.
وأما إذا مس فرج الغير، فلا يخلو، إما أن مسه من واضح أو مشكل، فإن مسه من واضح، فعليه الوضوء، سواء مس القبل، أو الذكر لأنه إما أن يطون رجلا أو امرأة، وأيهما كان ينتفض وضوؤه بمس الفرج، وإن كان الممسوس مشكلا.
فإن مس دبره فعلى ما ذكرنا، وإن مس أحد مباليه لم ينتقض، لأنه لو مس الذكر يحتمل أنهما امرأتان، وهو عضو زائد، وإن مس القبل، يحتمل أنهما رجلان، وهو شق فيه، وإن جمع بينهما في المس انتقض وضوؤه لا محالة، وهكذا لو مس الذكر من مشكل والقبل من مشكل آخر ينتقض وضوؤه كما لو مسهما من واحد.
فأما إذا كان الخنثى ممسوسًا، فلا يخلو، إما أن يكون الماس واضحًا أو مشكلا، فإن كان واضحًا، إن مس الدبر فمعلوم، وإن مس أحد مباليه، فإن كان رجلا، ومس الذكر ينتقض، لأنه إن كان رجلا، فقد مس ذكره، وإن كانت امرأة فقد لمسها، وإن مس القبل، فلا شيء عليه، لاحتمال أنه كان
الجزء: 1 - الصفحة: 352
رجلا، وذلك خرق فيه، وإن كان الماس امرأة، فإن مست القبل، فعليها الوضوء، لما ذكرنا في المعنى، وإن مست الذكر، فلا شيء عليها، لأنه يحتمل أنه امرأة، وذلك عضو زائد عليها.
فأما إذا كان الماس مشكلاً، فإن مس الدبر فعليه الوضوء، وإن مس أحد مباليه، فلا شيء عليه، لأنه إذا مس الذكر، يحتمل أنهما امرأتان، وإن مس القبل يحتمل أنهما رجلان، ولو جمع بينهما فعليه الوضوء.
فأما إذا كان خنثيان، مس أحدهما قبل صاحبه، ومس الآخر ذكره، فقد انتقض وضوء أحدهما لا بعينه، لأنهما إن كانا رجلين فقد انتقض وضوء ماس الذكر منهما، وإن كانا امرأتين فقد انقض وضوء ماس القبل، وإن كان أحدهما رجلا، والآخر امرأة، فوضوؤهما منتقض على تنزيل الأحوال كلها.
انتقاض وضوء أحدهما يقين، غير أنا لا نحكم بانتقاض طهارتهما، لما ذكرنا أنا نبني الحكم على اليقين، واليقين معدوم في حق كل واحد منهما، وهذا كما لو طار طائر، فقال رجل: إن كان هذا غرابا، فامرأته طالق، إلى آخره.
والخنثى لا يصلح أن يكون إماما في الصلاة بالخنثى حتى نقول: لا يجوز لأحدهما أن يفتدى بصاحبه، وأما الكلام في اللمس فلا يوجب ذلك انتقاض طهارته، سواء لمس رجلا أو امرأة، أو لمسه رجل أو امرأة، فإن لمسهما أو لمساه، حينئذ انتقض الوضوء لا محالة.
لأنه إما أن يكون رجلا أو امرأة، وأما الكلام في الإيلاج، فلا يخلو الخنثى إما أن يكون مولجًا أو مولجًا فيه، فإن كان مولجًا فيه نظر في المولج.
فإن كان واضحًا إن أولج في دبره، فعليهما الغسل، وإن أولج في قبله فلا شيء على واحد منهما، لاحتمال أن الخنثي رجلا، وذلك شق فيه.
وإن كان المولج مشكلا فإن أولج في دبره فعلى المولج فيه الوضوء، لأنه خرج منه شيء، ولا شيء على المولج لاحتمال أنهما امرأتان وإن أولج في قبله، فلا شيء على واحد منهما لاحتمال أنهما رجلان، وذلك شق فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 353
فأما إذا كان الخنثى مولجًا، نظر في المولج فيه، فإن كان واضحًا ينتقض وضوؤه، لخروج الخارج منه رجلا كان أو امرأة، أولج في قبلها أو في دبرها.
فأما حكم المولج إن كان المولج فيه رجلا، فعليه الوضوء، لأنه إن كان رجلا، فقد لزمه الغسل، وإن كانت امرأة، فقد لزمها الوضوء بحكم الملامسة، والوضوء يقين، وإن كان المولج فيه امرأة، فلا وضوء على المولج أيضًا، سواء أولج في قبلها، أو دبرها لاحتمال أنه امرأة وذلك عضو زائد، وإن كان المولج فيه مشكلا، فقد ذكرنا حكمه، ولو أن خنثيان أولج أحدهما في دبر صاحبه، والآخر في قبله، فعلى المولج في دبره الوضوء، بخروج الخارج منه، وعلى المولج، في قبله، الوضوء، أيضا؛ لأنه إن كان امرأة، فقد خرج من قبلها شيء، وإن كان رجلا، فقد لزمه الغسل بإيلاجه في دبر صاحبه، والله تعالى أعلم بالصواب.
قوله: (وما سوى ذلك من قيء أو رعاف).
قال القاضي حسين: فقد ذكرنا أن خروج الخارج من غير السبيلين لا يوجب نقض الطهارة عندنا.
وقال أبو حنيفة: كل نجس سيال يخرج من باطن البدن، إلى ظاهره يوجب نقض الطهارة، مثل القيء، والرعاف ودم الفصد، والحجامة، وما وقف على فم المخرج فلا يوجب وإن خرج منه، ثم أخذ بقطن، ولم يسل، فإن كان بحيث إنه لو لم يؤخذ بالقطن لسال، يوجب نقض الطهارة وإلا فلا.
فأما القيء إن كان ملء الفم يوجب، ودونه لا يوجب، فإن دميت لثته، فإن كان الغالب الدم، فعليه الوضوء، وإن كان الغالب الريق، فلا وضوء عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 354
والرعاف إن أخرج إلى ظاهر القصبة يوجبه، وإلا فلا.
والدليل على بطلان مذهبه ما روى أن ابن عمر عصر بثرة بوجهه، فخرج منها دم، فدلكه بين أصبعيه، ثم قام إلى الصلاة، ولم يغسل.
وعن ابن عباس: (اغسل أثر المحاجم عنك وحسبك).
وعن ابن المسيب: أنه رعف، فمسح أنفه بصوفة، ثم صلى.
والمعنى فيه: أنه لو خرج منه ريح، لا يوجب نقض الطهارة، ومن مخرج الحدث يوجب ذلك، وأن الاعتبار بالمخرج من الخارج، والله أعلم بالصواب.
قال الشافعي: وليس في قهقهة المصلي، ولا فيما مست النار وضوء؛ لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل كتف شاة، فصلى، ولم يتوضأ.
الجزء: 1 - الصفحة: 355
قال القاضي حسين: أما القهقهة لا توجب نقض الوضوء في الصلاة، وخارج الصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 356
وقال أبو حنيفة: في الصلاة يوجب نقض الوضوء فرضًا كان أو نفلاً، ووافقنا في صلاة الجنازة.
وقال الشيخ أبو طاهر الزيادي: لا يتصور الخلاف في هذا؛ لأنه إذا قهقه، فقد قال: تبطل صلاته، ووجد النافي خارج الصلاة، فلا يتصور وجود القهقهة في الصلاة، حتى تبطل الطهارة،
فإذا مست النار شيئا، فأكله لا يوجب الوضوء عندنا.
وعند داود: كل ما مسته النار يوجب، ويروون خبرًا فيه، وهو ما روي
الجزء: 1 - الصفحة: 357
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (توضئوا من أكل ما مسته النار، ولو كان من ثور أقط).
وهو محمول على اليد والفم، فقد يطلق الوضوء، ويراد به غسل اليد والفم، كما قال عليه السلام: (الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم).
وقال أحمد: أكل لحم الجزور يوجب دون غيره.
واستدل بما روى أنه عليه السلام سئل، وقيل له أيصلي في معاطن الإبل؟ فقال: لا.
وقيل له: أيصلى في مرابط الغنم؟ فقال: نعم.
وقيل له: أنتوضأ من أكل الشاة؟ قال: لا.
قيل له: أنتوضأ من لحم الجزور؟ فقال: نعم.
الجزء: 1 - الصفحة: 358
وذاك محمول أيضًا على غسل اليد والفم، لما فيه من الدسومة، فخصه به لذلك، واستدل الشافعي على داود بما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل كتف شاة فصلى، ولم يتوضأ.
قوله: (وكل ما يوجب الوضوء، فهو بالعمد والسهو سواء).
قال الشافعي وكل ما أوجب الوضوء، فهو بالعمد والسهو سواء.
قال القاضي حسين: أراد به مالكًا في الملامسة واللمس، وقد ذكرنا حكمه قبل ذلك.
قال الشافعي: ومن استيقن الطهر، ثم شك في الحدث، أو استيقن الحدث، ثم شك في الطهر، فلا يزول اليقين بالشك.
قال القاضي حسين: هذا أحد دعائم الشرع، أن كل أصل تمهد وتحقق وجوده، وشك في زواله، نتمسك باليقين، فإذا ثبت هذا، أو أنه تيقن الطهارة، وشك في الحدث، أو تيقن في الحدث، وشك أنه هل توضأ أم لا؟
يبني على اليقين، سواء كان في الصلاة، طرأ ذلك الشك، أو خارج الصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 359
وقال مالك: إن طرأ في الصلاة مضى عليها، وإن طرأ خارج الصلاة يلزمه الوضوء.
ونحن نقيس على ما لو طرأ في الصلاة، ووافقنا فيما إذا كان على اليقين من الحدث، وشك في الطهارة أنه يبني على اليقين.
فرع.
قال صاحب التلخيص: لو تيقن الطهارة والحدث، وشك في أسبقهما.
الجزء: 1 - الصفحة: 360
فنقول له: قدم وهمك على ما قبل طلوع الفجر، فإن كنت متطهرًا، فأنت الآن محدث، وإن كنت محدثًا، فأنت الآن متطهرٌ.
قال القفال: هو استنبط هذه المسألة من جمع ابن سريج الخبرين في مس الذكر.
فإن بسرة روت أنه عليه السلام، قال: إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ.
وروى طلق أنه قال عليه السلام في ذاك الخبر: هل هو إلا بضعة منك.
قال ابن سريج: الأصل أن لا وضوء بمس الذكر، وخبرنا مخالف لذلك الأصل، وخبركم مطابق له، ويحتمل أن خبرنا ورد قبل خبركم، ناسخًا له، ثم خبركم ورد بعده، ونسخ خبرنا، فيؤدي إلى القول بالنسخ مرتين، ويحتمل أن خبركم ورد قبل خبرنا، موافقاً له، وخبرنا ورد ناسخًا لخبركم، فيؤدي إلى النسخ مرتين، فوجه الشبه بينهما أنا إن قدرنا سبق المطابق على المخالف، وصرنا إلى المخالف، فكذلك فيمن تيقن الحدث والطهر، وشك في أسبقهما، فأحذ بالمخالف الأصل الممهد عنده، حتى لو كان قبله متطهرًا يجعله محدثًا، ولو كان محدثًا يجعله متطهرًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 361
فرع
إذا شك أنه هل نام، وتيقن الطهر، فهو متطهر، والأصل عدم النوم، فإن تيقن رؤيا رآها، وشك في النوم، فهو محدث، لأن الرؤيا لا تنفك عن النوم، فإن قيل: فهلا جعلتموه متطهرًا، على تقدير أنه نام قاعدًا، ورأى رؤيا؟
قلنا: لأنا لم نتحقق إلصاق مقعدته بالأرض، لو قال: نمت قاعدًا، ورأيت رؤيا، فهو متطهر أيضًا.
فرع
لو رأي منيا في ثوبه، فإن لبسه هو وغيره، فلا غسل عليه لاحتمال أنه مني غيره، وكذلك لو نام مع غيره فيه هكذا، وإن لم يكن لبسه غيره فيجب الغسل، وإعادة الصلاة من آخر يوم نام في ذلك الثوب، والاحتياط أن يعيد الصلاة من أول يوم نام في ذلك الثوب.
فرع
لو أن جماعة متناعسين في مكان، فسمع منهم صوت، وكل واحد منهم جعل الذنب على صاحبه، فلهم أن يصلوا منفردين ومقتدين بالغير، وأئمة للغير، لأن عنده أنه متطهر.
فأما إذا اقتدى بعضهم بالبعض.
قال صاحب (التلخيص) والداركي: لم يجز.
الجزء: 1 - الصفحة: 362
وهذا بناء على أصله أن الاجتهاد في حدث الغير لا يجوز، إذ ليس له أمرة على حدث الغير.
قال ابن الحداد: جاز اقتداء البعض بالبعض، وجوز الاجتهاد في حدث الغير، وفرع عليه.
وقال: لو كانوا خمسة، وأم كل واحد منهم في صلاة من الصلوات الخمس، فعلى كل واحد منهم أن يعيد آخر صلاة كان فيها، مأمومًا في الجملة على إمام العشاء إعادة المغرب، وعلى المأمومين في العشاء إعادة العشاء، والمعنى فيه ظاهر.
والله أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 363
باب ما يوجب الغسل
قال الشافعي: أخبرنا الثقة، هو الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها قالت: إذا التقى الختانان، فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا.
ورواه من جهة أخرى عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا التقى الختانان، وجب الغسل.
قال: حدثنا إبراهيم، قال: حدثنا موسى بن عامر الدمشقي وغيره، قالوا: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي في هذا الحديث: مثله.
قال: وإذا التقى الختانان، والتقاؤهما: أن تغيب الحشفة في الفرج، فيكون ختانه حذاء ختانها، فذاك التقاؤهما، كما يقال: التقى الفارسان، إذا تحاذيا، وإن لم يتضاما.
قال المزني: التقاء الختانين: أن يحاذي ختان الرجل ختان المرأة، لا أن يصيب ختانه ختانها، وذلك أن ختان المرأة مستعل، ومدخل الذكر أسفل من ختان المرأة.
قال المزني: وسمعت الشافعي يقول: العرب تقول: إذا حاذى الفارس الفارس: التقى الفارسان.
قال القاضي حسين: موجبات الغسل أربعة.
اثنان تختص بهما النساء، وهما الحيض والنفاس.
الجزء: 1 - الصفحة: 364
واثنان يشترك فيهما الرجال والنساء، وهما الجنابة والموت.
وأما الجنابة تقع بشيئين، نزول الماء، والتقاء الختانين.
فأما نزول الماء يوجب الاغتسال، سواء كان في النوم، أو في اليقظة لشهوة أو غير شهوة، بسبب أو بغير سبب، أو لضعف به، أو لمرض أصابه، أو بالإغماء، أو على أي صفة كان يوجب الاغتسال.
وقال أبو حنيفة: إن كان بغير الشهوة لا يوجبه.
دليلنا قوله عليه السلام: الماء من الماء، ولم يفصل.
الجزء: 1 - الصفحة: 365
فأما التقاء الختانين يوجب الغسل بمجرده من غير الإنزال
وقال الأعمش وأهل الظاهر: إنه لا يوجبه.
والمسألة تلقب بأن الإكسال، هل يوجب الاغتسال؟
واختلف الصحابة فيه أيضًا، وروى عن عمر وجماعة من المهاجرين مثل قولنا.
وروى عن عثمان وجماعة من الأنصار أنهم قالوا: لا يوجب الغسل، فرجعوا فيها إلى عائشة، فقالت عائشة رضي الله عنها: إذا التقى الختانان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا، فانقطع الخلاف فيما بينهما، ورجعوا إلى قولها.
الجزء: 1 - الصفحة: 366
وروي عن عائشة رضى الله عنها، أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقى الختانان وجب الغسل.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: إذا قعد بين شعبها الأربع، والتصق ختانه بختانها وجب الغسل، أنزل الماء أو لم ينزل.
ولأنه حكم يتعلق بالجماع، فيتعلق بالتقاء الختانين.
دليله سائر الأحكام المتعلقة بالجماع من حصول الإحصان، والتحليل، ووجوب الحد وغيره.
ويعني بالتقاء الختانين: تغييب الحشفة حتى لو غيب الحشفة في فرج بهيمة، أو في دبر آدمي، رجلا كان أو امرأة، وجب عليه الاغتسال.
الجزء: 1 - الصفحة: 367
وقال أبو حنيفة: إنه لو أولج في دبر إنسان لا يلزمه الغسل، إلا أنهم يستنكفون عنه الآن، وربما يسلمون وجوب الغسل به، وفساد العبادات، ومذهبهم الأول، هذا إذا كان ذكره سليمًا، فإن كان بعضه مقطوعًا، فإن بقي منه قدر الحشفة وغيبه يتعلق به وجوب الغسل،، وسائر الأحكام، وإن بقي دونه فلا يتعلق به الغسل، إلا بالإنزال.
فأما يتعلق به الغسل، إلا بالإنزال.
فأما التقاء الختانين في القبل تحاذيهما، دون تضامهما.
قال المزني: وهو أن يحاذي ختان الرجل ختان المرأة، لا أن يصيب ختانه ختانها، وذلك أن ختان المرأة مستعل، ومدخل ذكر الرجل أسفل من ختان المرأة، فإذا غيب بقدر الحشفة تحاذي الختانان، ووجب الغسل.
تقول العرب: التقى الفارسان إذا تحاذيا وتقابلا، وإن لم يتضاما.
قال أصحابنا: كل حكم يتعلق بالجماع، يتعلق بتغييب جميع الحشفة.
وقال أبو طاهر الزيادي، فساد صوم المرأة يحصل بأدني تغييب الحشفة فيها، ويسقط عنها الكفارة، لأنها صارت مفطرة قبل تغييب جميع الحشفة، فصار كما لو أكلت أو شربت ثم وطئت.
أما في باب الحج، وجب عليها الكفارة.
لأن الكفارة هناك يتعلق وجوبها بجماع تام، وفي باب الصوم وجبت بهتك حرمة الصوم بجماع تام، ولم تبق صائمة عند تمام الجماع.
قال أصحابنا: يتصور وجوب الكفارة عليها بالجماع بأن كانت ناسية للصوم، أو مكرهة على الجماع، ثم طاوعت في خلاله أو نائمة فتيقظت في خلاله، فإنه وجب عليها الكفارة في هذه المواضع.
قال المزني: قال الشافعي: وإن أنزل الماء الدافق متعمدًا، أو نائمًا، أو كان ذلك من المرأة، فقد وجب الغسل عليهما، وماء الرجل الذي يوجب الغسل: هو المني الأبيض الثخين الذي يشبه رائحة الطلع.
الجزء: 1 - الصفحة: 368
قال القاضي حسين: لا فرق بين الرجل والمرأة في أنه إذا نزل منه الماء يلزمه الغسل بأي حال كانت.
وروى أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: أو ترى المرأة في منامها ما يرى الرجل في منامه؟ فقال: نعم.
فقالت أم سلمة: فضحت النساء فضحك الله.
فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: مه يا ام سلمة، بم يشبه الرجل أخواله، وأعمامه؟ إذا غلب ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أعمامه، وإذا غلب ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إلى أخواله.
ثم أقبل عليها وقال لها: إذا هي رأت ذلك فلتغتسل.
ثم ذكر صفة المني، وهو أن يكون أبيض، رائحته، تشبه رائحة الطلع أو العجين، وإنما تشبه رائحته رائحة الطلع، لما روى أن الله تعالى قضى في سابق علمه أنه إذا خلق آدم، وفضل فضلة من ذلك التراب، يخلق منه النخلة، ولهذا قال عليه السلام.
أكرموا عماتكم.
يعني: النخلة.
الجزء: 1 - الصفحة: 369
ومن أوصافه أنه يخرج بدفقة ولذة، يعقه فتور، وقد يصفر ويرق لعارض من علة أو كثرة جماع.
ومني المرأة أصفر رقيق.
قال المزني: فمتي خرج المني من ذكر الرجل، أو رأت المرأة الماء الدافق، فقد وجب الغسل عليهما، وقبل البول وبعده سواء.
قال القاضي حسين: أراد به مالكًا حيث قال: إذا غسل، ثم خرج منه مني، فإن كان قد بال، فعليه الاغتسال ثانيًا، وإن لم يكن قد بال، فعليه الاغتسال ثانيًا، وإن لم يكن قد بال، فهو بقية الماء الذي اغتسل له مرة، فلا يوجب الغسل ثانيًا.
وهذا لا يصح، لأن الموجب للغسل نزول الماء وخروجه إلى الظاهر، لا
الجزء: 1 - الصفحة: 370
سيلانه من محل إلى محل في الباطن، لقوله صلى الله عليه وسلم: الماء من الماء، يعني: استعمال الماء إنما يجب بزول الماء.
فرع
إذا خرج من المرأة مني الرجل.
قال أصحابنا: لا يلزمها الاغتسال.
قال القاضي رضي الله عنه: إنما لا يلزمها ذلك إذا أنزل الرجل الماء، ونزل ماؤه منها عقيبه.
فأما إذا مكث بعد ذلك ساعة، ينبغي أن يلزمها ذلك، لأن منيها يختلط بمني الرجل، فإذا خرج لا يخلو عن منيها لا محالة.
قال المزني: وتغتسل الحائض إذا طهرت والنفساء إذا ارتفع دمها.
قال القاضي حسين: لماذا غاير بينهما في اللفظ؟
من أصحابنا من قال: إنما غاير بينهما تحسينا للعبارة، فإن العرب تستحسن المغايرة في العبادات، فإن العرب تستحسن المغايرة في العبادات.
ومن أصحابنا من قال: إنما غاير بينهما، لأن أحدهما يخالف الآخر في الحكم.
ألا ترى أنها لو رأت الدم، وانقطع فيما دون يوم وليلة لا يجعل دم حيض، ولا يجب به الغسل.
وفي النفاس لو رأت الدم لحظة يلزمها الاغتسال، فلهذا غاير بينهما في اللفظ، يعني: تغتسل الحائض إذا طهرت من الحيض، لا بمجرد انقطاع كل دم،
الجزء: 1 - الصفحة: 371
والنفساء تغتسل إذا انقطع دمها، أي دم كان، فلو أنها أتت بولد، ولم تر الدم، هل يلزمها الاغتسال أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا لعدم دم النفاس.
والثاني: نعم؛ لأن خروج الولد لا ينفك عن بلل الدم، ولأن الولد مني منعقد يخرج منها، فصار كما لو كان مائعًا، وتسمي هذه المرأة، (ذات الجفافة).
فرع
إذا ألقت مضغة يلزمها الاغتسال، ولو ألقت علقة، فيه وجهان لما ذكرنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 372
فرع
لو استدخلت منى زوجها أو مني أجنبي بالشبهة، لا خلاف في ثبوت النسب، ووجوب العدة به، على ظاهر المذهب وسقوط الحد.
فأما في تقدير المهر، وثبوت الرجعة، ووجوب الغسل وجهان.
فرع
إذا لف خرقة على ذكره، وأولج، وغيب الحشفة يجب الغسل والحد.
قال القاضي رضي الله عنه، هذا إنما يكون إذا كانت الخرقة رقيقة، بحيث تصل حرارة أحدهما إلى الآخر، ويصير بلل أحدهما إلى الآخر.
فأما إذا كانت خشنة كثيفة، فلا.
فرع
إذا أسلم الكافر، ولم يكن جنبًا، لا يجب عليه الغسل، بل يستحب له ذلك، وإن أجنب في الكفر، فإن لم يكن قد اغتسل، فعليه الغسل بعد الإسلام.
الجزء: 1 - الصفحة: 373
وإن كان قد اغتسل، ففي وجوب الغسل عليه بعد الإسلام.
وجهان:
أحدها: يعيد كالوضوء، إذ لا نية للكافر.
والثاني: لا؛ لأن من جنس الغسل ما يصح في حالة الكفر، وهو اغتسال الذمية من الحيض، إذا كانت تحت مسلم لحقه، فإنا نحكم بصحته لحق الآدمي كذا لحق الله تعالى.
الجزء: 1 - الصفحة: 374
قال المزني:
باب غسل الجنابة
قال الشافعي: يبدأ الجنب، فيغسل يديه ثلاثا قبل إدخالهما في الإناء، ثم يغسل ما به من الأذى، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يدخل أصابعه العشر في الإناء، ثم يخلل بها أصول شعره، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات، ثم يفيض الماء على جسده، حتى يعم جميع جسده وشعره وبشره، ويمر يديه على ما قدر عليه من جسده.
وروى نحو هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فإن ترك إمرار يديه على جسده، فلا يضره، وفي إفاضة النبي صلى الله عليه وسلم الماء على جلده دليل على أنه إن لم يدلكه، أجزأه، وبقوله: إذا وجدت الماء، فأمسسه جلدك.
قال: وفي أمره الجنب المتيمم، إذا وجد الماء، اغتسل، ولم يأمره بوضوء، دليل على أن الوضوء ليس بفرض.
قال القاضي حسين: ولم يذكر التسمية من أصحابنا من قال: إنما لم يذكر التسمية ها هنا، لأنه قد ذكرها في الوضوء، فاكتفى به ها هنا.
ومنهم من قال: إنما لم يذكرها، لأنه ليس بمستحب للجنب، لأنه يمنع من قراءة القرآن، بخلاف المحدث.
والصحيح أن يقال: يستحب له حسب ما يستحب للمحدث، لأنه يجوز للجنب التسمية، لا على قصد قراءة القرآن، فلهذا لم يذكرها.
قال القاضي رضي الله عنه: لا يستحب عندي، بل يجوز إن لم يقصد قراءة القرآن.
الجزء: 1 - الصفحة: 375
ومن أصحابنا من قال: الأولى أن نقول: بسم الله العظيم الحليم، الحمد لله على الإسلام، حتى لا يكون على نظم القرآن، ثم يغسل يديه ثلاثًا على ما ذكرنا في الوضوء، ثم يغسل ما به من الأذى من أسافل بدنه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، يعني كاملا، ويتخير بين أن يؤخر غسل الرجلين إلى آخر الاغتسال، لما روت ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هكذا.
وبين أن يقدمه على غسل البدن.
لما روت عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هكذا، وهذا الوضوء ليس بواجب في ظاهر المذهب.
وقال أبو ثورٍ: إن أحدث مع الجنابة يلزمه الوضوء.
يدل عليه قوله عليه السلام للجنب المتيمم: «إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك».
ولم يأمره بالوضوء.
قال: ويدخل أصابعه العشر في الماء، أو يصب الماء على يديه، ويخلل بهما أصول الشعر ليسهل وصول الماء إلى باطن الشعور، فإن اتصال الماء في الجنابة إلى تحت الشعور واجب.
الجزء: 1 - الصفحة: 376
لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: تحت كل شعرة جنابة فبُلُّوا الشعر، وأنقوا البشرة»، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات من ماء، ويفيض الماء على الجسد ثلاثًا، ويمر الماء على ما قدر عليه من الجسد.
هذا كله بيان الأكمل والمستحب، والدلك ليس بواجب عندنا، خلافًا لمالك رحمه الله.
وقدر الفرض: إيصال الماء إلى جميع البدن مرة واحدة والدلك، وإمرار الماء ليس بشرط، وعند مالك ذلك واجب.
يدل عليه قوله عليه السلام: «أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت»، ولم يذكر الدلك وغيره.
قال المزني: وإن ترك الوضوء، للجنابة، والمضمضة، والاستنشاق، فقد أساء، ويجزئه، ويستأنف المضمضة والاستنشاق.
الجزء: 1 - الصفحة: 377
وقد فرض الله عز وجل، غسل الوجه من الحدث، كما فرض غسله مع سائر البدن من الجنابة، فكيف يجزئه ترك المضمضة والاستنشاق من أحدهما، ولا يجزئه من الآخر.
قال القاضي حسين: سماه مسئا بترك هذه الأشياء، لأنها سنة مؤكدة، وبتاركها سمى مسيئا لا محالة.
وأمر باستئناف المضمضة والاستنشاق دون الوضوء لمعنيين:
أحدهما: أن الخلاف في المضمضة والاستنشاق مع أبي حنيفة، وذاك ظاهر حينئذ.
والخلاف في الوضوء مع أبي ثور، وهو لا يعد خلافه خلافًا لأنه نبغ بعده، والثاني: أن الماء قد وصل إلى أعضاء الطهارة، كما لو وصل إلى سائر البدن، ما عدا الأنف والفم، فأمر بإيصال الماء إليهما، حتى يصل إلى جميع البدن عمومًا، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: وكذلك غسل المرأة إلا أنها تحتاج من غمر ضفائرها، حتى يبلغ الماء أصول الشعر أكثر مما يحتاج إليه الرجل.
وروى أن أم سلمة رضي الله عنها: سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه، للغسل من الجنابة؟ فقال: لا، إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضي عليك الماء.
قال القاضي حسين: لا فرق بين غسل الرجل، وغسل المرأة، ومن كان منهما صاحب ضفيرة يحتاج إلى غمر ضفائره، إذا منع وصول الماء إلى البشرة
الجزء: 1 - الصفحة: 378
وقال مالك: لا يجب ذلك للمرأة، واستدل بما روى عن أم سلمة أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي، فأنفقضه للغسل من الجنابة؟
قال: لا إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضي عليك الماء.
قلنا: إنما لم يأمرها بنقضها، لأنها كانت منفرجة متجافية، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يمنع وصول الماء إلى البشرة، بدليل قوله عليه السلام: تحت كل شعرة جنابة.
الخبر
قال المزني: وأحب أن يغلغل الماء في أصول الشعر، وكيفما وصل الماء إلى شعرها وبشرها أجزأها.
قال القاضي حسين: أي يحرك الماء في أصول الشعر، وكيف ما وصل الماء إلى أصول الشعر أجزأه.
قال المزني: وكذلك غسلها من الحيض والنفاس، ولما أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم [بالغسل من الحيض] قال: خذي فرصة والفرصة القطعة من مسلك فتطهري بها، فقالت عائشة رضي الله عنها، تتبعي بها أثر الدم.
الجزء: 1 - الصفحة: 379
قال الشافعي: فإن لم تجد فطيبًا، فإن لم تفعل فالماء كاف.
قال القاضي حسين: غسل الحيض كغسل الجنابة، وهل يجب عليها إدخال الماء في الفرج، وإدخال الأصبع في الفرج، فيه أوجه:
أحدها: يجب فيهما، لأنه صار في حكم الظاهر.
والثاني: لا، لأنه يزيده فسادًا.
والثالث: يجب ذلك في الغسل من الحيض، دون الجنابة، لأنها نجاسة عينية، بخلاف الجنابة.
وقال القفال: ما يبدو منها عند القعدة يجب إيصال الماء إليه.
قال المزني: وما بدأ به الرجل والمرأة في الغسل أجزأهما.
قال: وإن أدخل الجنب أو الحائض أيديهما في الإناء، ولا نجاسة فيهما، لم يضره.
قال القاضي حسين: الترتيب في الغسل لا يجب، لأنه كعضو واحد، ولا ترتيب في عضو واحد في الوضوء، كذا هذا.
قوله: وإن أدخل الحائض أو الجنب أيديهما في الإناء، ولا نجاسة فيها لم يضره.
قال القاضي حسين: لأنك ذلك العضو ليس بنجس، وإن وجب غسله، هذا إذا لم ينو الغسل، فإن نوى الغسل، سنذكر حكمه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
مقدم على قوله: وما بدأ.
وقوله: ولما أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم الفصل.
إذا اغتسلت من الحيض تحتاج أن تستعمل فرصة من مسك، فتطهر بها في باطن فرجها، لتقطع رائحة أذى الحيض.
الجزء: 1 - الصفحة: 380
والدليل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لامرأة: اغتسلي ثم خذي فرصة من مسك فتطهري بها.
فلم تعرف المرأة ذلك فسألته ثانيًا، فقال لها: ويحك تطهري بها.
فقالت عائشة: ففطنت لذلك، فأتيتها وقلت لها: تتبعي بها أثر الدم.
والمستحب هو المسك، فإن لم تجد، فطيب آخر، فإن لم تجد، فالماء كاف.
فرع
قد ذكرنا أن المحدث أو الجنب إذا أدخل يده في الإناء لا ينجس الماء، لأن يده لا تنجس بكونه محدثًا أو جنبًا، وإن وجب غسله.
الجزء: 1 - الصفحة: 381
لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يمشي في بعض الأيام، فاستقبله أبو ذر الغفاري رضي الله عنه فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده ليصافحه.
فقبض أبو ذر يده عن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم وذهب واغتسل، ثم عاد معتذرًا إليه، وقال: يا رسول الله، إني ما كرهت مصافحتك، ولكني كنت جنبًا، فال له النبي صلى الله عليه وسلم: أو علمت أن المؤمن لا يخبث، وأن المؤمن ليس ينجس؟ وفي رواية: إن المؤمنين إذا تصافحا تحاتت عنهما خطاياهما، كما يتحات عن الشجرة ورقها.
فأما حكم الماء، هل يصير الماء مستعملا أم لا؟
إن لم ينو الطهارة لا يصير الماء مستعملاً.
فأما إذا نوى الطهارة أولا يذكر حكم المحدث، فإن المحدث إذا نوي الوضوء، لا يصير الماء مستعملا، حتى إذا فرغ من غسل الوجه، فإذا أراد غسل اليدين، فإن أدخلهما الإناء، هل يصير الماء مستعلما أم لا؟
ظاهر ما نص ها هنا: أنه لا يصير الماء مستعملا، لأنه قال: ثم يغرف غرفة، ويغسل بها يديه، فعطف على غسل اليدين.
ومن أصحابنا من قال: يصير الماء مستعملاً، لأنه تأدى به الفرض مرة.
وإن قلنا: يصير مستعملاً، فمن أي وقت يصير مستعملاً.
فيه وجهان:
أحدهما: من وقت ملاقاة يده أول جزء من الماء.
الجزء: 1 - الصفحة: 382
والثاني: متى انفصل يده من الماء، فعلى هذا الماء الذي أخذه بيده، على الوجه الأول يكون مستعملاً.
وعلى الوجه الثاني: لا يكون مستعملاً.
وهكذا لو أخذ الماء بيمينه ليغسل به يساره، أو أخذ بيساره ليغسل به يساره، أو أخذ بيساره ليغسل به يمينه يصير مستعملاً.
ولو أخذ بكفه بنية أن يغسل به الذراع.
قال القاضي رحمه الله: بأنه يجوز، وفيه إشكال.
إذا قلنا: بأنه يصير الماء مستعملا إذا أدخل يده في الإناء، فالحيلة فيه أنه إن كان الإناء صغيرًا يفرغ منه الماء على كفهه، إذا بلغ إلى غسل اليدين في الطهارة، فإذا غسل الكف حينئذ يدخله في الإناء، ويأخذ الماء منه إلى أن يغسل باقي الأعضاء، ولا يضره ذلك.
أو أمر غيره بأن يصب الماء على يده، أو يأخذ الماء بفيه، ويصب الماء على يده، أو يأخذ الماء بطرف ثوبه، أو لحيته، إن كانت طويلة، ويعصره على يده، أو يوقفه عليه، حتى يتقاطر منه الماء على كفه، ويصير مغسولا، ثم يأخذ الماء من الإناء هذا كله في المحدث.
فأما إذا أراد الجنب أن يدخل يده في الإناء لا بنية رفع الجنابة، لا يصير الماء مستعملا.
وإن نوي ذلك، هل يصير الماء مستعملا؟ على ما ذكرنا من الاختلاف في المحدث، ولا يمكنه أن يأخذ الماء بفيه، ولكنه يمكنه أخذ الماء بطرف ثوبه، أو يأمر غيره أن يصب الماء على يده، ويمكنه أيضا أن يأخذ الماء بغير نية الجنابة، ثم بعد ذلك ينوي ذلك؛ حتى تصير يده مغسولة حالمًا نوى.
ثم لو أخذ الماء بعده لباقي الأعضاء لا يضره، ولا تتصور هذه الحيلة في حق المحدث، لأنه قد سبق نيته على غسل اليدين عند ابتداء غسل الوجه.
الجزء: 1 - الصفحة: 383
فأما إذا كان الماء دون القلتين، وأراد الشروع فيه، إن لم ينو الجنابة، فلا يصير الماء مستعملا، وإن نوى يصير الماء مستعملاً، وهل ترتفع الجنابة عنه أم لا؟
ينبني على ما ذكرنا من الوجهين، في أنه متى صار الماء مستعملاً.
إن قلنا بالوجه الأول، لا ترتفع عنه الجنابة.
وإن قلنا بالوجه الثاني، ترتفع عنه الجنابة.
فأما إذا مقل في الماء غير ناو، بشيء، ثم نوى الجنابة لا خلاف أنه ترتفع جنابته، ويصير الماء مستعملاً.
فأما إذا شرع في الماء إلى السرة ثم نوى، لا خلاف أنه ترتفع الجنابة من أسافل بدنه.
فأما إذا مقل بعده في الماء، أو أخذ الماء بيده، وغسل باقي الأعضاء، فيه وجهان على ما ذكرنا.
وهذان الوجهان إنما تكون في حقه لا في حق غيره، حتى لو جاء آخر، وأخذ منه الماء، فإنه يكون مستعملا في حقه وجهاً واحدًا، ولا يحصل به التطهير.
فأما إذا كانا جنبين أو ثلاثة أو أكثر، مقلوا في الماء ونووا، واتفقت نيتهم ترتفع عنهم الجنابة، ويصير الماء مستعملاً، كما قلنا في حق الواحد، وإن اختلفت نيتهم، ترتفع جنابة من سبقت نيته عنه، ويصير الماء مستعملا به، ولا ترتفع الجنابة عن الباقين.
الجزء: 1 - الصفحة: 384
باب فضل الجنب وغيره
قال الشافعي: أخبرا مالك [بن أنس] عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بالوضوء، فوضع يده في ذلك الإناء، وأمر الناس أن يتوضئوا منه، فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، حتى توضأ الناس من عند آخرهم.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه قال: كان الرجال والنساء يتوضئون في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إناء واحد جميعًا.
وروى عن عائشة أنها قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، تعني من الجنابة وأنها كانت تغسل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حائض.
قال الشافعي: [ولا] بأس أن يتوضأ ويغتسل بفضل الجنب والحائض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل وعائشة من إناء واحد، فقد اغتسل كل واحد منهما بفضل صاحبه.
قال: وليست الحيضة في اليد، ولا المؤمن بنجس، إنما تعبد بأن يماس الماء في بعض حالاته.
وكذلك ما روى ابن عمر: أن كل واحد توضأ بفضل وضوء صاحبه، في كل ذلك دللة أنه لا توقيت [بما] يتطهر به المغتسل والمتوضي، إلا الإتيان بالماء على ما أمره الله عز وجل به، وقد يخرق بالكثير، فلا يكفي، ويرفق بالقليل فيكفي.
قال: وأحب أن ينقص عما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ بالمد، واغتسل بالصاع.
الجزء: 1 - الصفحة: 385
قال القاضي حسين: ولم يرد به أن للجنب فضلاً على المتطهر؛ لأنه إن لم يكن متقاصرًا عنه، فلا مزية له عليه، وإنما أراد به فضل ماء الجنب، وذلك ينقسم قسمين:
قسم ينفصل عن أعضائه، وإن كان في المرة الأولى يكون مستعملا لا يجوز التطهير به، وإن كان في المرة الثانية أو الثالثة، فيه وجهان، وله باب مفرد.
والقسم الثاني: ما يفضل من الماء في الإناء، ولا يستعمله الجنب عندنا، يجوز استعماله في الوضوء والغسل، سواء فضل من الرجل أو من المرأة.
وقال أحمد: لا يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل وضوء المرأة، وهل للمرأة أن تتوضأ بفضل وضوء الرجل؟
فيه روايتان عنه.
الجزء: 1 - الصفحة: 386
والدليل عليه ما روى ابن عمر أنه قال: كان الرجال والنساء يتوضئون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم في إناء واحد جميعًا.
وإنما ذكر ذلك؛ لأن من عادة العرب أن يتخذوا حجرًا كبيرًا، ويحفروا فيه حفرة، ثم يصبون فيه الماء، ويتوضئون منه، ولا شك أن كل واحد منهم يتوضأ يفضل صاحبه.
وروى أن الصحابة اجتمعوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، فأذن المؤذن، فخرج من كل له أهل ودار إلى أهله وداره، وبقي في المسجد من ليس له أهل يأوى إليه، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بمشربة فيها ماء، فجعلوا يشرئبون إليه.
أي: ينظرون إليه.
فقال عليه السلام: ما لكم؟
فقالوا: يا رسول الله، خرج كل من كان له أهل ودار إلى أهله وداره، وليس لنا أهل ودار نأوى إليه.
فوضع النبي عليه السلام- أصابعه على المشربة، وقال لهم: هلموا إلى الوضوء المبارك.
وكانت لا تسع أصابع النبي صلى الله عليه وسلم لضيقها.
قال أنس: ورأيت الماء ينبع من تحت أصابعه- صلى الله عليه وسلم - حتى توضأ الناس من عند آخرهم.
الجزء: 1 - الصفحة: 387
قيل له: كم كان القوم؟
قال: من سبعين إلى ثمانين.
ولا شك فيه أن كل واحد منهم يتوضأ بفضل وضوء صاحبه.
وروى عن عائشة رضي الله عنها- أنها قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة، وكنا كظئرين كل واحد يقول لصاحبه: أبق لي.
دل على جوازه.
قوله: (وفي ذلك)، دلالة على أنه لا وقت فيما يظهر به المغتسل، أي: لا قدر فيه، والوقت هو القدر، يعني: قدر الماء يختلف باختلاف حال المتوضيء، فمن أخرق لا يجتزيء بالكثير إذا لم يحسن، ومن رفق يجتزئ بالقليل إذا أحسن ذلك، والمستحب ألا ينقص في وضوئه عن المد، وفي غسله عن صاع.
لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه توضأ بالمد، واغتسل بالصاع.
والمد: رطل وثلث.
الجزء: 1 - الصفحة: 388
والصاع: أربعة أمداد، وهي خمسة أرطال وثلث.
وقيل: الصاع ها هنا: أربعة أمداد.
وكيف ما غسل وعم الأعضاء بإيصال الماء إليها أجزأه، فلا خلاف فيه، والله أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 389
قال المزني:
باب كيف التيمم
قال الشافعي: قال الله تبارك وتعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء.).
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تيمم، فمسح وجهه وذراعيه.
قال: ومعقول أنه إذا كان بدلاً من الوضوء على الوجه واليدين أن يؤتى بالتيمم على ما يؤتى بالوضوء عليه.
وعن ابن عمر أنه قال: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.
قال القاضي حسين: التيمم في اللغة: هو القصد إلى الشيء.
يدل عليه قول الشاعر حيث قال:
وما أدري إذا يممت أرضًا ... أريد الخير أيهما يليني
أأالخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني
وفي الشريعة: عبارة عن إيصال التراب إلى الوجه والكفين مع إنضمام النية إليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 391
والأصل في ذلك قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا).
وسبب نزول هذه الأية، ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة مريسيع، فافتقدت عائشة عقدًا لها من جزع ظفارى، فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أقمت بنا هذه الليلة لأطلب عقدي لعلي أجد ما أضللت، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، فلما أصبح الناس أصبحوا على غير ماء، وفي القوم بعضهم جنب، وبعضهم محدث، فجاءوا متشاكين إلى أبي بكر، رضي الله عنه، وكان خطيب القوم أسيد بن حضير، فقال: ألم تر ما فعلت ابنتك احتبست برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين حتى أصبحنا وليس معنا ماء، فغاظ ذلك أبا بكر، فقام وتقلد سيفه، حتى دخل على عائشة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان نائمًا ورأسه في حجرها.
الجزء: 1 - الصفحة: 392
قالت عائشة: فشتمني ما شاء الله أن يشتمني، وضربني ما شاء الله أن يضربني، ونخسني بغمد سيفه [حتى] الموت لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي مخافة أن ينتبه، ثم خرج أبو بكر من عندنا، واستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذه ما كان يأخذه عند الوحي، فلما سري عنه دعا الناس، وتلا عليهم قوله: فلم تجدوا ... الآية.
فسر به سرورًا شديدًا، ثم جاءوا شاكرين إلى أبي بكر فقالوا: ما أعظم بركاتكم يا آل أبي بكر، ما نزل الله تعالى بكم نازلة إلا كان للمسلمين فيها راحة، وفسحة، ورخصة.
ومن جهة الخبر ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: التراب طهور المؤمن ولو لم يجد الماء عشر حجج.
وفي حديث آخر: التراب كافيك وإن لم تجد الماء عشر حجج.
وقوله عليه السلام: جعلت لي الأرض مسجدًا وترابها لي طهورًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 393
وفيه دليل أن التيمم لم يكن لغير هذه الأمة.
قال: والتيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين مع المرفقين.
قال القاضي حسين: أراد به مالكًا حيث قال: ضربة لليدين إلى الكوعين واستدل بالآية.
وقال: ذكر الله اليد مطلقًأ، وإذا اطلق يحمل على اليد إلى الكوع، لا إلى المرفق كما في آية السرقة.
قلنا: ذكر الله تعالى اليد مقيدًا إلى المرفق في آية الوضوء، وأطلق ها هنا فيحمل المطلق على المقيد، كما قعلنا في مواضع كثيرة.
وروى أيضًا عن عمر أنه كان لا يرى التيمم عن الاغتسال حتى قال عمار بن ياسر.
ألا تذكر حيث كنا بالبقيع في الإبل، فأجنبنا فتمعكت في التراب، وأخرت الصلاة، فلما أتينا النبي صلى الله عليه وسلم وسألناه عن ذلك فقال لي: (صرت حمارًا يا عمار يكفيك ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.)
فثبت أن التيمم في جميع الأحوال على العضوين، ولا يجوز استيعاب جميع البدن، ولا الأعضاء الأربعة، لأن مبناه على التخفيف، سواء تيمم للجنابة أو للحدث أو للمعة، وإن قلت.
ويلزمه استيعاب محل الغسل من الوجه واليدين، لأنه قال: (ومعقول أنه إذا كان بدلا من الوضوء على الوجه واليدين أن يؤتى بالتيمم على ما يؤتى بالوضوء عليه).
الجزء: 1 - الصفحة: 394
فرع
قد ذكرنا أن القصد إلى التراب شرط في التيمم، حتى لو وقف في مهب الريح حتى سفت الريح التراب على أعضاء التيمم لا يصح تيممه، بخلاف الوضوء، لأن هناك النية شرط لا القصد إلى أحد الماء، وها هنا بخلافه، ولكن لا فرق بين أن يقصد إلى أخذ التراب بيده، أو بخشبة، أو بأي شيء كان بعد أن وجد منه القصد إليه ولا فرق أيضا بين أن يأخذ التراب من الأرض، أو من الثواب، أو من الشجر وغيره، إذا كان المكان طاهرًا، وضرب يده عليه وتعلق باليد.
فأما إذا ضرب يده على ظهر كلب عليه غبار.
إن تحقق أنه أصابه، وهما جافان يابسان جاز.
وإن تحقق أن أحدهما إما الكلب أو التراب كان رطبًا لا يجوز.
وإن اشتبه عليه ذلك، فعلى وجهين، لأنه تقابل فيه الأصل والظاهر.
وللشافعي قولان في الأصل والظاهر إذا تقابلا.
فأما إذا ضرب يده على ظهر حمار، وليس عليه نجاسة، وعليه غبار جاز، فأما إذا ضرب يده على رأس نفسه، إذا كان عليه تراب، أو على ظهره، أو بطنه، فمسح به أعضاء التيمم جاز، ولو كان على وجهه، فضرب يده عليه، ومسح به الوجه، لا يجوز، لأنه يأخذ التراب من أعضاء التيمم، ويرده إلى أعضاء التيمم، وإن أخذه من اليدين، ومسح به الوجه، فيه وجهان:
أحدهما: لا يجو؛ لأنه أخذه من عضو التيمم.
الجزء: 1 - الصفحة: 395
والثاني: يجوز؛ لأنه يرده إلى عضو آخر.
وكذا لو أخذ من إحدى اليدين، ومسح به اليد الأخرى، فيه وجهان؛ لأن اليدين في الحقيقة عضوان.
وكذا لو مسح وجهه، ثم مسحه بخرقة، ثم وقع عليه الغبار، وضرب يده عليه ليمسح به اليدين، فيه وجهان على ما ذكرنا من المعنين.
فأما إذا ضرب يده على بطن امرأة أو ظهرها وعليها غبار، إن كان كثيرًا كثيفا، بحيث لا تصل يده إلى بشرتها جاز، وإلا فلا، لأنه يصير محدثًا بالملامسة، فصار كما لو أخذ التراب، ثم أحدث، ليس له استعماله، بل يحتاج إلى الأخذ ثانيًا.
فأما إذا نوى عند أخذ التراب، والقصد إليه، ثم غربت نيته قبل مسح الوجه به.
قال القاضي رحمه الله: كنت أقول بأنه جائز؛ لأنه قرن النية بأول ركن من أركان التيمم، وهو القصد إلى التراب، فصار كما لو قرن النية إلى أول جزء من الوجه في الوضوء.
والآن أقول: لا يجوز هذا؛ لأن الركن الحقيقي في التيمم مسح الوجه واليدين والنية والترتيب، فينبغي أن ينوي عند مسح الوجه، كما في الوضوء.
فأما القصد إلى التراب، فهو شرط لدخول الوقت سواء، إلا أن الصحيح هو الأول، بدليل أنه لو أخر التراب، ثم أحدث لا يجوز له استعماله، إلا بقصد جديد، ونية أخرى، فأما إذا يممه غيره، فإن كان معذورًا بأن كان مقطوع اليدين، أو مريضًا، وما شابهه فيجوز، وإن لم يكن به عذر، فوجهان:
أحدهما: يجوز كما لو وضأه رجلٌ.
والثاني: لا؛ لأن القصد ها هنا شرط، ولم يتحقق منه، ولأن هذا ضعيف، فيحتاج إلى قصده ليقوى بخلاف الطهارة بالماء.
الجزء: 1 - الصفحة: 396
إن قلنا: لا يجوز، فلا كلام.
وإن قلنا: يجوز، فالنية تجب على الآمر لا محالة؛ لأنه هو التيمم والمتعبد، والعبادة حصلت على يده، إلا أن أمره به يجعل قصدًا منه حكمًا، وينوي عند ضرب المأمور يده على التراب، وهذا يقوي الوجه الأول في المسألة قبلها، فلو أنه أحدث بعد ضرب اليد على التراب، وبعد النية، أو الأمر أحدث لا يضر، بخلاف ما لو أخذ التراب بنفسه، ثم أحدث حيث بطل ذلك الأخذ؛ لأن هناك وجد القصد الحقيقي منه، والحدث منه فيبطله.
وأما ها هنا لم يوجد منه القصد حقيقة، فصار كما لو استأجر رجلا ليحج عنه، وهو مغصوب يصح.
ولو جامع في تلك المدة لا يفسد ذلك الحج؛ لأنه أمر، وليس بحاج على الحقيقة.
فأما إذا تمعك في التراب، ونوى، فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، لأنه لم يوجد منه القصد إلى أخذ التراب، ورده إلى محل التيمم.
وكذلك إذا مد يديه، وجاز آخر حتى أهال التراب على يديه، فيه وجهان.
وكذا لو وقف في مهب الريح حاسرًا يديه، حتى سفت الريح التراب على يديه.
فيه وجهان على ما ذكر.
فأما إذا كان في كميه تراب، فضرب يديه على التراب، وصح به جاز بلا خلاف، لأنه وجد القصد الصحيح.
قال الشافعي: والتيمم أن يضرب بيديه على الصعيد، وهو التراب من كل أرض، سبخها، ومدرها، وبطحائها وغيره، مما يعلق باليد منه غبار، ما لم تخالطه نجاسة، وينوي بالتيمم الفريضة، فيضرب على التراب ضربة، ويفرق
الجزء: 1 - الصفحة: 397
أصابعه؛ حتى يثير التراب، ثم يمسح بيده وجهه، كما وصفت في الوضوء، ثم يضرب ضربة أخرى كذلك، ثم يمسح ذراعه اليمني، فيضع كفه اليسرى على ظهر كفه اليمني وأصابعها ثم يمرها على ظهر الذراع إلى مرفقه، ثم يدير كفه إلى بطن الذراع ثم يقبل بها إلى كوعه، ثم يمرها على ظهر إبهامه، ويكون بطن كفه اليمني باقية، لم يمسها شيء من يده، فيمسح بها اليسري، كما وصفت في اليمني ويمسح إحدى الراحتين بالأخرى، ويخلل بين أصابعهما، فإن أبقي شيئا مما كان يمر عليه في الوضوء، حتى صلى، أعاد ما بقي عليه من التيمم ثم، يصلي، وإن بدأ بيديه قبل وجهه، كان عليه أن [يعود ويمسح] يديه، حتى يكونا بعد وجهه مثل الوضوء سواء، وإن قدم يسرى يديه على اليمني، أجزأه.
قال القاضي حسين، الكلام فيما يجوز به التيمم، وفيما لا يجوز به التيمم، أن كل ما كان صعيدًا يجوز به التيمم على اختلاف ألوانه، ومما لا فلا.
وجملة أنواعه ما ذكر في الكتاب، من كل أرض سبخها ومدرها وبطحائها وغيره.
أراد بالسبخ: التراب الذي لا ينبت.
وأراد بالمدر: التراب الحر المنبت.
وأراد بالبطحاء: الرقاق الذي يكون في مسيل الوادي المختلطة بالأحجار، إذا كان له غبار يعلق باليد على أي لون كان أسود أو أبيض أو أحمر،
الجزء: 1 - الصفحة: 398
وكذا الطين الأرمني مثله، جاز التيمم به، لأنه من جنس التراب، إذا كان له غبار.
فأما الرمل:
قال في موضع: يجوز به التيمم، وقال في موضع: لا يجوز.
اختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال: فيه قولان.
ومنهم من قال: المسألة على حالين.
حيث قال: يجوز، أراد به إذا كان فيه غبار يعلق بالوجه.
وحيث قال: لا يجوز، أراد به إذا لم يكن فيه غبار.
وأما ما استخرجته الأرضة من الطين، نظر إن استخرجته من الخشب، لا يجوز، لأن ذلك نحالة الخشب، وإن استخرجته من الجدار، جاز، ولا عبرة بتلك الرطوبة، لأن ذلك من لعابه، ولعابه طاهر.
فأما الحجر المسحوق، والخزف المسحوق، والآجر المسحوق، والزرنيخ
الجزء: 1 - الصفحة: 399
والنورة والجص، والكحل، وسائر طبقات الأرض، لا يجوز التيمم به، وكذا لا يجوز التيمم بالتراب المستعمل نص عليه، وأراد بالتراب المستعمل: ما يتناثر من أعضاء الوضوء، وينفصل عنه إذا جمع، لا يجوز التيمم به، كما إذا توضأ، وتقاطر الماء من أعضائه، لا يجوز التوضؤ به ثانيًا.
فأما ما بقي من هذا التراب في الموضع الذي ضرب عليه اليد، يجوز التيمم به، حتى لو أن جماعة تيمموا وضرب كل واحد منهم يده على محل واحد، يجوز، وكل واحد منهم متيمم بفضل تراب صاحبه، كما في الوضوء.
وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم بجميع طبقات الأرض إذا كان لا ينطبع بالنار مثل النورة والزرنيخ وغيرهما.
فأما ما ينطبع بالنار مثل سحالة الذهب والفضة والحديد، لا يجوز التيمم به.
وأيضا قال: لو ضرب يده على صخرة صماء، ولم يعلق بيده شيء جاز، ولو ضرب بيده على التراب، ثم نفض التراب عن يديه، ومسح به المحل، يجوز، وعندنا: لا يجوز في المسألتين، والدليل عليه الخبر أمر بالتراب.
الجزء: 1 - الصفحة: 400
والمعنى فيه: أنه طهر بالمسح، فيقتضي ممسوحا، دليله المسح على الخفين.
وقال مالك: لو ضرب يده على الشجر والحشيش يجوز، وإن لم يكن عليه غبار؛ لأن عنده يجوز التيمم بكل ما يتصاعد من الأرض.
ونحن روينا عن ابن عباس أنه قال في تفسيره للصعيد: التراب الحر المنبت، ويدل عليه قوله عليه السلام: التراب كافيك، نص على التراب، دل على أن غير التراب لا يقوم مقامه.
قوله: ما لم تخالطه نجاسة.
قال القاضي حسين: التراب إذا خالطه النجاسة لا يجوز التيمم به، قلت النجاسة أو كثرت، بخلاف الماء؛ لأن النجاسة القليلة تستهلك في الماء
الجزء: 1 - الصفحة: 401
الكثيرة؛ لأنها تخالط الماء، ولا تستهلك في التراب، لأنه جامد لا يخالط النجاسة، لكن يجاورها، فأما إذا خالطه شيءٌ من الطاهرات مثل الزعفران وغيره، فإن كان كثيرًا لا يجوز.
وإن كان قليلا، فيه وجهان:
أحدهما: يجوز قياسًا على الماء.
والثاني: لا يجوز.
والفرق بينهما: أنه صار مستهلكًا في الماء، بخلاف التراب، وأيضا فإن للماء لطافة تخلص إلى العضو، ولا يمنعه الخليط، بخلاف التراب، والله أعلم بالصواب.
قوله: (وينوي بالتيمم الفريضة).
قال القاضي حسين: من أصحابنا من قال: أراد به صلاة الفريضة.
ومنهم من قال: أراد به فرض التيمم.
فعلى هذا: هل يجوز التيمم للنافلة
فيه قولان مستنبطان من هذا.
إن قلنا: إن المراد به صلاة الفريضة، لا يجوز.
وإن قلنا: أراد به فرض التيمم، يجوز؛ لأن التيمم فرض للنافلة، كما هو فرض للفريضة، لأن كل ما كان من شرائط الصلاة، فتستوي فيه الفرائض والنوافل.
إن قلنا: لا يصح التيمم للنافلة، فلا كلام.
وإن قلنا: يصح، ففي جواز أداء الفرض به قولان.
الجزء: 1 - الصفحة: 402
في الجديد: لا يجوز؛ لأنه لم ينو استباحة فعل الفريضة، والفريضة أقوي من النافلة، فلا يتأدى القوي بالضعيف.
وفي القديم: جاز؛ لأنه طهر جاز أداء النفل به، فجوز أداء الفرض به كالوضوء، وكذا القولان في المستحاضة إذا توضأت للنافلة:
أحدهما: يجوز كما لو توضأت للفريضة.
والثاني: لا يجو، لأن ذاك التيمم طهارة ضرورة، جوزت لأجل الضرورة، ولا ضرورة ها هنا في النافلة، بخلاف الفرض، وكذا المغصوب، إذا استأجر رجلاً، ليحج عنه حجة التطوع، فيه قولان.
الجزء: 1 - الصفحة: 403
وكذا لو أوصى بأن يحج عنه بعد موته حجة التطوع، فيه قولان، والمعنى فيهما ما ذكرنا.
فأما إذا نوى استباحة صلاة الفرض، لا خلاف أنه يجوز، ولو نوى استباحة الصلاة فحسب.
الجزء: 1 - الصفحة: 404
إن قلنا: يجوز التيمم للنافلة، فها هنا أولى.
وإن قلنا: لا يجوز، ففي هذا جوابان ينبنيان على أصل، وهو أنه إذا نذر نذرًا مطلقًا ماذا يلزمه؟ وفيه قولان:
أحدهما: أنه يلزمه أقل ما أوجبه الله تعالى من جنسه.
والثاني: يلزمه أقل ما يتقرب به إلى الله تعالى، من جنسه شرعًا، إن قلنا بالقول الأول: يجوز.
وإن قلنا بالقول الثاني: يجعل كما لو تيمم للنافلة، وقد ذكرنا حكمه.
فأما إذا تيمم لصلاة الفريضة، هل يجوز له أداء النافلة، أم لا؟
يختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال: يجوز، سواء كان قبل أداء الفريضة، أو بعد أداء الفريضة، لأن كل طهارة جاز أداء الفرض به، فلأن يجوز أداء النفل به أولى.
ومنهم من قال: لا يجوز، لا قبله ولا بعده، لأنه طهارة ضرورة، ولا ضرورة في حق النافلة.
وقال البويطي: يجوز بعد الفريضة، ولا يجوز قبلها، لأن النفل ها هنا تبع
الجزء: 1 - الصفحة: 405
فلا يسبق المتبوع، وهذا لا يصح، لأن النفل في جميع المحال تبع لها، تقدم أو تأخر كما قلنا في التناكرية، فإنهم تبع للأمير تقدموا عليه في الطريق أو تأخروا عنه.
فرع
قال ابن الحداد: لو تيمم لفائتة قبل دخول وقت فريضة، ثم دخل وقت الفريضة، لا يجوز له أن يصلي به فرض الوقت، ولو تيمم بعد دخول الوقت لصلاة الوقت، ثم ذكر فائتة، له أن يصلي به تلك الفائتة.
اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال: لا يجوز أن يصلي به تلك الفائتة، كما لا يجوز أن يصلي بالتيمم في المسألة الأولى فرض الوقت، لأن عدم التذكر ها هنا، كعدم دخول الوقت هناك، لأن وقت الفائتة يدخل بالتذكر لما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم (من نسى صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها لا وقت لها غيره).
ومنهم من قال: يجوز أن يصلي الفائتة، ويجوز أن يصلي بالتيمم في المسألة الأولى فرض الوقت أيضا؛ لأن كل تيمم يجوز أداء فريضة به، يجوز أداء كل الفريضة به.
ومنهم من قال: كما ذكره ابن الحداد:
الأول: لا يجوز أن يصلي به فرض الوقت، لأنه غير واجب عليه وقت التيمم، بل وجب عليه بعد دخول الوقت.
الجزء: 1 - الصفحة: 406
والثاني: يجوز أن يصلى به صلاة الفائتة، لأنه واجب عليه وقت التيمم، فأما إذا تذكر فائتة بعد دخول الوقت، ثم تيمم لها يجوز له أن يصلي بها صلاة الوقت، وكذا لو تيمم لصلاة الوقت، يجوز أن يصلي به الفائتة، وكذا لو تذكر فائتتين، وتيمم لإحداهما، يجوز له أن يصلي الأخرى.
فأما إذا تيمم لفائتة ذكرها، لا يجوز، وكذا لو تيمم لفائتة بعينها، ثم تبين أن الفائتة غيرها لم يجز أيضًا.
فأما إذا تيمم لفائتة بعينها، ثم ذكر فائتة أخرى، هل يجوز له أن يصلي به الفائتة أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا لأن وقت تلك الفائتة دخل وقتها بالتذكر، فكأنه تيمم قبل دخول وقت الفريضة.
والثاني: جاز، لأنه تيمم لصلاة فريضة، وصح تيممه.
فأما إذا تيمم لفائتتين معًا فيه وجهان:
أحدهما: يجوز كما لو توضأ لصلاتين.
والثاني: لا يجوز، لأنه لا يجوز له أداؤهما.
فإذا نوى لهما فقد غير نية التيمم عن موضوعها، فلا يجوز.
فعلى هذا لو توضأ لصلاة واحدة، ولا يبغي غيرها، يجوز ويصلي به ما شاء من الصلوات وإن بقي غيرها فأوجه:
أحدهما: تصح طهارته ويلغو التقييد، ويصلي به ما شاء.
والثاني: لا تصح طهارته؛ لأنه غير نية الطهارة عن موضوعها.
والثالث: تصح طهارته لتلك الصلاة لا غير، وهذا ضعيف.
الجزء: 1 - الصفحة: 407
قوله: (فيضرب على التراب ضربة، ويفرق أصابعه).
قال القاضي حسين: المزني أخل في نقل هذا الكلام، حيث ذكر تفريق الأصابع في المرة الأولى، وإنما يلزمه في المرة الثانية لأن التخليل بين الأصابع يجب في المرة الثانية.
والصحيح ما قال الشافعي: ولا يفرق بين أصابعه، ثم صور الشافعي، رحمه الله التيمم بضربتين:
ضربة للوجه، ويمسح بها وجهه على الوجه الذي ذكرنا في الوضوء، ثم يضرب ضربة أخرى يمسح بهما يديه.
وكيفيته: أن يضع باطن أصابعه اليسرى على ظهر أصابعه اليمني، بحيث لا يصل رءوس أصابع اليسرى عن عرض أصابع اليمني، ولا رءوس أصابع اليمني عن أصابع اليسرى عرضًا، ثم يمرها على ظهر الكف والذراع إلى المرفقين، ثم
الجزء: 1 - الصفحة: 408
يديرهما على المرفق، ويرفع الإبهام، ثم يضع بطن كفه اليسرى على باطن الذراع، ويمرها إلى الكف، ثم يمر باطن إبهام يده اليسرى على ظهر إبهام يده اليمني، ويفعل باليد اليسرى مثل ذلك
ثم يمسح إحدي الراحتين بالأخرى، إن بقي عليه غبار، وإلا فيأخذ ثانيًا، ويخلل بين الأصابع.
وإنما ذكر الشافعي، رحمه الله هذا التدقيق ردًا على مالك، حيث قال: التيمم خصة النبي صلى الله عليه وسلم بضربتين، ولو كان مسح اليدين إلى المرفقين، لما قال هكذا، لأنه لا يتصور بالضربة الواحدة، إيصال التراب من اليدين إلى المرفقين وإلا فالحكم لا يختص به، حت لو تيمم بعشرين ضربة جاز، لأن الشرط إيصال التراب إلى محل التيمم، لا الضربات، فلو فرق الأصابع في المرة الثانية، دون الأولى جاز، ولو فرقها في المرة الأولى، دون الثانية لا يجوز، ولو فرق الأصابع فيهما، هل يجوز ذلك أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن التراب يتخلل بين الأصابع في المرة الأولى، فيؤدي إلى أن يتقدم مسح بعض اليدين على الوجه، وهذا لا يجوز، لأن الترتيب فيه شرط.
والثاني: جاز لأنه إذا مسح الوجه، فلم يبق على يده كثير غبار، فلا يمنع من إيصال التراب إليه في الضربة الأولى.
فقلنا: بأنه جاز، ولو بقي التراب فيما بين الأصابع في المرة الأولى، فوجب عليه أن يمسح بين الأصابع بخرقة، أو بشيء، حتى يتناثر التراب عنه، ثم يضرب ضربة أخرى لليدين، ويجوز.
قوله: (فلو أبقى شيئا مما عليه من الوضوء) الفصل.
قال القاضي حسين: أراد به ردًا على أبي حنيفة حيث قال: لو ترك لمعة من أعضاء التيمم، جاز.
الجزء: 1 - الصفحة: 409
وعندنا: لا يجوز، وإن كان قليلاً، ونحن نقيس على الطهارة.
قوله: (وإن بدأ بيديه قبل وجهه أعاد).
قال القاضي حسين: أراد به الترتيب، وهو واجب في التيمم، سواء كان التيمم لأجل الحدث، أو الجنابة؛ لأنه يختص بعضوين بخلاف الغسل بالماء.
قال أصحابنا رحمهم الله: فرائض التيمم وأركانه [سِتَّةٌ] (سنة!): القصد إلى التراب، والنية، ومسح الوجه كله، ومسح اليدين إلى المرفقين، والترتيب، والتتابع في أحد القولين.
وفيه وجه آخر: أن في التتابع قولاً واحدًا، لأنه إذا مسح وجهه، ثم مشى زمانًا قبل أن يمسح يديه، فيتوهم وجود الماء فيما بينهما، فيلزمه طلبه، وطلب الماء إذا وجب عليه بطل تيممه.
فأمَّا إذا كان جالسًا في موضع واحد لا يتأتى هذا، وفي التتابع قولان، كما في الوضوء.
فأمَّا دخول الوقت وطلب الماء، وعدمه بعد الطلب من الشرائط، كاستقبال القبلة، وستر العورة، ودخول الوقت في صلاة الفريضة.
والسنة فيه: التسمية، والبداية باليمين، فأما التثليث والتكرار فيه ليس سنة، بل يقبح، ويغير اللون بخلاف الماء، وكذلك إيصال التراب إلى البشرة ليس بسنة، بخلاف الوضوء، وكذا ليس بواجب فيما وجب إيصال الماء إليه في الطهارة، لأنه لا يمكن ذلك للكثافة، بخلاف الماء.
فعلى هذا لو كان على يديه شعور لا يجب عليه إيصال التراب إلى البشرة، وكذلك المرأة إذا نبتت لها لحية لا يجب عليها إيصال التراب إلى ما تحتها على الصحيح من المذهب.
وفيه وجه: أنه يجب.
قال القاضي رحمه الله: سألت القفال رحمه الله عن تجديد التيمم: أسنة هو؟
الجزء: 1 - الصفحة: 410
فقال لي: كدت تغالطني، التجديد لا يتصور في التيمم، لأن التيمم إنما يجوز بعد طلب الماء، وطلب الماء يبطل التيمم، فإذا تيمم ثانيًا، فيكون هو الفرض، لأنه بطل الأول بخلاف الوضوء، والله تعالى أعلم بالصواب.
قال المزني: ولو نسي الجنابة، فتيمم للحدث، أجزأه، لأنه لو ذكر الجنابة، لم يكن عليه أكثر من التيمم.
قال المزني: ليس على المحدث عندي معرفة أي الأحداث كان منه، وإنما عليه أن يتطهر للحدث، ولو كان عليه معرفة أي الأحداث كان منه، كما عليه معرفة أي الصلوات عليه، لوجب لو توضأ من ريح، ثم علم أن حدثه بول، أو اغتسلت امرأة تنوي الحيض، وإنما كانت جنبًا أو من حيض، وإنما كانت نفساء، لم يجزيء أحدًا منهم، حتى يعلم الحدث الذي تطهر منه، ولا يقول بهذا أحد نعلمه، ولو كان الوضوء يحتاج إلى النية لما يتوضأ له، لما جاز لمن يتوضأ لقراءة مصحف أو لصلاة على جنازة، أو تطوع، أن يصلي به الفرض فلما صلى به الفرض، ولم يتوضأ للفرض أجزأه ألا ينوي لأي الفروض، [ولا لأي الأحداث توضأ،] ولا] الأحداث اغتسل.
قال القاضي حسين: قال أصحابنا: العلة التي ذكرها المزني فاسدة؛ لأن هذه توجب أنه لو كان عليه فائتة قدرها ظهرًا فقضاها بنية الظهر، ثم بانت أنها كانت عصرًا، أن لا إعادة عليه، لأنه لو ذكرها لم يكن عليه إلا أن يصلي أربع ركعات، وإنما العلة فيه أن نية رفع الحدث والجنابة لا تشترط في التيمم بحال.
وإذا لم تجب عليه ذلك لم يضره الغلط فيهما.
قال أصحابنا: جملة ما يعذر فيه من الغلط في النية والتعيين، وما لا يعذر فيه ينقسم ثلاثة أقسام:
قسم لا يشترط فيه النية، لا جملة ولا تفصيلا، أعني به التعيين، فإذا نوي وعين وأخطأ لم يضره، مثل مكان الصلاة وزمانها إذا نواها، مثل أن ينوي أنه
الجزء: 1 - الصفحة: 411
كان في مسجد كذا، فكان غير ذلك، أو يوم الخميس فكان غير ذلك، لم يضره ذلك.
فإن قيل: هذا يشكل بأعداد ركعات الصلاة، لا يجب عليه تعيينها، ولو عين وأخطأ لا يجوز.
قلنا: لأنه إذا نوي الظهر خمس ركعات، فلم يأت بالظهر فلا يجوز.
وقسم يشترط أصل النية والتعيين، كالصلوات والصيامات، فالخطأ فيه يمنع الإجزاء.
وقسم يشترط فيه أصل النية، دون التعيين، كالاقتداء بالإمام، أصل النية فيه شرط، وتعيين الإمام ليس بشرط، وأصل النية في جواز الجنازة شرط، وتعيين الميت ليس بشرط، وأصل نية الاعتكاف عن الكفارة في الكفارات شرط، وتعيين الكفارة ليس بشرط.
وأصل النية في أداء الزكاة شرط، والتعيين ليس بشرط، فلو أنه عين في هذه المواضع، وأخطأ لم يجز حتى لو عين الميت، أو الإمام، أو كفارة الظهار، وتبين بخلافه لا يقع مجزئًا.
فكذا لو كان له مال بـ (سرخس)، ومال بـ (نيسابور)، وكل واحد منهما نصابًا، فأخرج الزكاة عن المال الذي كان بـ (سرخس)، ثم تبين أنه كان تالفًا لا يقع عن المال القائم بـ (نيسابور).
الجزء: 1 - الصفحة: 412
ومسألتنا من قبيل قسم الأموال، فإن نية رفع الحدث والخبث ليس بشرط، بل عليه نية استباحة الصلاة فحسب.
فإذا نوى استبحاة الصلاة، ولكن قدر نفسه جنبًا، فبان محدثًا، أو محدثًا فبان أنه جنب، لم يضره الخطأ، وما وقع فيه الخطأ لم يجب عليه ذلك.
قال أصحابنا: ظاهر ما نقل المزني يوجب أن التيمم يرفع الحدث، ثم شيعه بما يقويه حيث قال: (ليس على المحدث معرفة أي الأحداث يتطهر له).
والصحيح أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأنه لو كان يرفعه لما بطل برؤية الماء كالوضوء.
ومن أصحابنا من قال: يرفع الحدث لصلاة واحدة دون غيرها، لأنه يجوز أداؤها به لا غير.
فعلى هذا، لو نوى رفع الحديث به على قول من قال: يرفع الحدث يجوز، والصحيح أنه لا يرفع الحدث وينوي فيه استباحة الصلاة.
قال القاضي: ويمكن أن يفرع هذا الأصل على فرع منصوص عليه، وهو أن التيمم بنية النفل، هل يصح أم لا؟
فيه قولان:
إن قلنا: يصح وهو قوله الجديد، جعله كالوضوء، فيرفع الحدث كذاك.
وإن قلنا: لا يصح، لم يجعله كالوضوء، فلا يرفع الحدث، وهذا أصل مستنبط من فرع، لا يتخرج إلا على هذا الأصل.
فرع
لو كان حدثه البول، فتوضأ بنية رفع حدث النوم، أو الغائط، أو أخطأ من الجنابة أو الحيض أو النفاس في الغسل، إن كان جاهلاً به، تصح طهارته.
الجزء: 1 - الصفحة: 413
وإن كان عالمًا به يصح أيضًا على الصحيح من المذهب.
وفيه وجه آخر: أنه يصح، وسواء أخطأ من النوع إلى النوع، أو من الجنس إلى الجنس، لأن نية ذلك غير متعينة عليه.
وقال مالك: رحمه الله: لا يجوز، سواء أخطأ من الجنس إلى الجنس، أو من النوع إلى النوع، وبه قال البويطي، والربيع بن سليمان المرادي.
وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن إن أخطأ من النوع إلى النوع جاز، وإن أخطأ من الجنس إلى الجنس لا يجوز.
واحتج المزني على مخالف الشافعي بفصلين:
أحدهما: يخص ربيعة، والثاني يعم الجميع.
أما ما يلزم ربيعة وحده.
قال: لو كان الخطأ من الجنس إلى الجنس يمنع الإجزاء، لكان الخطأ من النوع إلى النوع في معناه والذي يلزم الكل.
قال: الطهارة لها طرفان:
طرف يتطهر له وهو الصلاة، وما في معناها، وطرف يتطهر عنه، وهو الأحداث.
ثم لو عين صلاة استباحها، وسماها في الوضوء، فلا يتعين ما نواها،
الجزء: 1 - الصفحة: 414
فكذلك إذا عين حدثًا بالرفع وجب أن ترفع جميع الأحداث، ولا يضره التعين.
قوله: (وإذا وجد الجنب الماء بعد التيمم اغتسل، وإذا وجد الذي ليس بجنب توضأ).
قال القاضي حسين: أراد به: أن التيمم لا يرفع الجنابة والحدث، بل يبيح الصلاة، ثم إذا وجد الماء يعود إلى ما كان عليه، فإن كان جنبًا اغتسل، وإن كان محدثًا توضأ، وما مضى لا إعادة عليه.
قال المزني: وإذا وجد الجنب الماء بعد التيمم، اغتسل، وإذا وجده الذي ليس بجنب، توضأ، وإذا تيمم ففرغ من تيممه بعد طلب الماء، ثم رأي الماء، فعليه أن يعودإلى الماء، وإن دخل في الصلاة، ثم رأي الماء بعد دخوله، بني على صلاته وأجزأته الصلاة.
قال المزني: وجود الماء عندي ينقض طهر التيمم في الصلاة وغيرها سواء، كما أن ما ينقض الطهر في الصلاة وغيرها سواء، ولو كان الذي منع نقض طهره الصلاة، لما ضره الحدث في الصلاة، وقد أجمعوا والشافعي [منهم] أن رجلين، لو توضأ أحدهما، وتيمم الآخر في سفر، لعدم الماء، أنهما طاهران، وأنهما قد أديا فرض الطهر، فإن أحدث المتوضي ووجد المتيمم الماء: أنهما في نقض الطهر قبل الصلاة سواء، فلم لا كانا في نقض الطهر بعد الدخول فيها سواء؟ وما الفرق، وقد قال فيه جماعة العلماء: إن عدة من لم تحض الشهور، فإن اعتدت بها إلا يومًا، ثم حاضت: أن الشهور تنتقض [بوجود] الحيض في بعض الطهر، فكذلك التيمم ينتقض، وإن كان في الصلاة وجود الماء، كما ينتقض طهر المتوضي، وإن كان في الصلاة إذا كان الحدث، وهذا عندي بقوله أولى.
قال القاضي حسين: المتيمم إذا رأي الماء، فإن كان قبل الشروع في الصلاة يبطل تيممه، ويلزمه استعمال الماء عند عامة العلماء.
الجزء: 1 - الصفحة: 415
إلا ما حكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال له: أن يصلي بذلك التيمم.
فإما إذا وجد الماء بعد الفراغ من الصلاة لم تلزمه إعادة الصلاة عند عامة العلماء.
وقال طاوس اليماني: إن كان الوقت باقيًا تلزمه إعادة الصلاة بالتوضؤ بالماء.
فأما إذا وجد الماء في خلال الصلاة، نص ها هنا على أنه يبني على صلاته، ونص في المستحاضة على أنه إذا انقطع دمها في خلال الصلاة لا يبني عليه من أصحابنا من قال: فيه قولان، نقلا وتخرجا، وهو ابن سريج.
ومن أصحابنا من فرق بينهما بأن المستحاضة يتجدد لها الحدث، فأي حدث لم تتطهر له؟ فقلنا بأنها تعيد الطهارة، بخلاف المتيمم، فإنه لم يتجدد له حدث لم يتطهر له، فقلنا بأنه يمضي على صلاته.
وحكي أبو بكر الفارسي في عيون المسائل في المستحاضة قولين:
قال أصحابنا: النص ما ذكرنا عن الشافعي، وهو إنما أخرج القول الآخر من كيس نفسه إن قلنا في المستحاضة: لا تبني على صلاتها، فإذا اغتسلت وعادت، فهل تبني على الصلاة، أم تستأنف الصلاة؟
حكمها حكم من سبقه الحدث، وهو في الصلاة.
في الجديد: يستأنف.
الجزء: 1 - الصفحة: 416
وفي القديم: لا يستأنف.
وإذا قلنا: المتيمم يبني على صلاته، فهل يستحب له الخروج من الصلاة، وأداء تلك الصلاة بالوضوء؟ ذكر أصحابنا فيه وجهين.
قال القاضي رضي الله عنه: عندي يكره له إبطال العبادة، والخروج عنها وجهًا واحدًا.
ولكن الوجهان في أنه، هل يستحب له أن يقلب الصلاة نفلاً، ويسلم عن ركعتين أم لا؟
فيه وجهان مستنبطان من مسألة، وهي أن رجلا لو افتتح الصلاة منفردًا، ثم تقدم الامام للجماعة.
قال في الجديد: يستحب له أن يقلب الفرض نفلا، ويسلم عن ركعتين، ويقتدي بالإمام في الصلاة الفرض، كذا ها هنا يستحب له ذلك.
وفيه وجه آخر: أنه يستحب ها هنا.
والفرق بين هذا، وبين تلك المسألة: أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الواحد وأنها أكثر ثوابًا منها.
فقلنا: يستحب له الخروج عنه بنية النفل، والاقتداء بالإمام ليحوز فضيلة الجماعة، وها هنا الصلاة بالتيمم، كالصلاة بالوضوء في الفضيلة، فقلنا بأنه لا يستحب له الخروج عنه.
وفرق آخر: وهو أن هناك لو صلى منفردًا، ثم أدرك الجماعة يستحب له إعادة تلك الصلاة بالجماعة، وها هنا لو صلى بالتيمم، ثم قدر على الماء لا يستحب له إعادة تلك الصلاة بالطهارة بالماء.
وقال أبو حنيفة: المتيمم إذا راي الماء في خلال الصلاة تبطل صلاته، وهو اختيار المزني، واستدل بأن قال: رؤية الماء في الصلاة لو لم تبطل التيمم، لوجب ألا تبطله خارج الصلاة، وكذا في الصلاة مثله كالحدث، وقال: لو أن
الجزء: 1 - الصفحة: 417
رجلين توضأ أحدهما، وتيمم الآخر في سفر لعدم الماء أنهما طاهران، فإن أحدث المتوضيء، ووجد المتيمم أنهما في نقض الطهر قبل الصلاة سواء.
فلم لا كانا في نقض الطهر بعد الدخول فيها سواء، وما الفرق؟
واستدل بالمعتدة بالأشهر، إذا حاضت قبل انقضاء الأشهر، أن الشهور تنتقض لوجود الحيض، كذا هذا مثله.
قلنا: مجرد رؤية الماء لا يبطل التيمم خارج الصلاة، وإنما القدرة على استعماله تبطله.
ألا ترى أنه لو كان يحتاج إلى ذلك الماء ليشربه، أو لدابته لا يلزمه استعماله، ويجعل عاجزًا عنه شرعًا، كالعاجز طبعًا، كذلك ها هنا.
وأما مسألة العدة حجة عليكم، لكن هناك ما مضى لا يحكم ببطلانه، بل يحتسب ذلك عندنا قرءا واحدًا، كذا ها هنا، وجب ألا تبطل، ثم ليس وزان مسألتنا منه أن لو شرع في النكاح بعد انقضاء الأشهر، ثم رأت الدم، لأن المقصود من العدة النكاح، فلا جرم لا يلزمها شيء، وزانه في مسألتنا أن لو شرع في التيمم الذي هو بدل عن الوضوء، ثم رأي الماء لا جرم يبطل تيممه، ولا فرق عندنا بين المتنفل، والمفترض، إلا أن الشافعي قال: المتنفل إذا رأي الماء في خلال الصلاة، أحب أن يسلم من ركعتين.
قال أصحابنا: صورة المسألة إذا كان قد أطلق النية أو قيدها بأربع ركعات.
فأما إذا نوى ركعتين، لا يجوز له الزيادة عليها.
قال الشيخ القفال: وإن قيد بركعتين يجوز له الزيادةن لأن رؤية الماء لا تبطل صلاته، ويجعل كما لو لم ير الماء.
الجزء: 1 - الصفحة: 418
فرع
إذا فرغ من الصلاة التي رأي فيها الماء، هل يجوز له أن يتنفل بذلك التيمم؟ فإن كان موجودًا معه، أو تلف بعد خروجه عن الصلاة، أو في الصلاة، ولم يكن عالمًا به، لا يجوز له ذلك، وإن تلف في الصلاة، وكان عالمًا به يجوز له النافلة بذلك التيمم.
وكذا لو رأي سرابًا ظنه ماء، أو رأي خضرة أو طيورًا يقعن ويجتمعن على موضع، أو رأي ركبانًا أو رجلا لابسًا لشيء يبطل تيممه، لتوهم وجود الماء، ولو رأي رجلا عريانًا لا يبطل تيممه.
فأما إذا سمع أحدًا يقول: معي ماء يبطل تيممه، ولو سمع أحدًا يقول: أو دعني فلان ماء، لا يبطل تيممه.
ولو قال: عندي ماء، أو دعنيه فلان.
قال أصحابنا: يبطل تيممه.
قال القاضي: عندي هذا بناء على أنه لو قال لفلان: على ألف درهم من ثمن خمر أو خنزير، هل يلزمه الألف، أو هل يقطع آخر كلامه عن أوله، وفيه قولان:
إن قلنا هناك: تلزمه الألف ها هنا يبطل أيضًا تيممه، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: ولا يجمع بالتيمم صلاتي فرض، بل يجدد لكل فريضة طلبًا للماء وتيمما بعد الطلب الأول، لقوله جل وعز (إذا قمتم إلى الصلاة)، وقول ابن عباس: لا تصلي المكتوبة إلا بتيمم، قال: ويصلي بعد الفريضة النوافل، وعلى الجنائز، ويقرأ في المصحف، ويسجد سجود القرآن.
قال القاضي حسين: وهم أبو إسحاق المروزي من هذا، حيث قال: إنه لا يجوز للمتيمم الجمع بين الصلاتين، لأنه يحتاج إلى طلب الماء لكل صلاة،
الجزء: 1 - الصفحة: 419
فربما طال الفصل بينهما، فينقطع نظم الجمع، ولأنه إذا قدم العصر إلى الظهر، فيؤدي إلى التيمم قبل دخول وقت الفريضة، وهذا لا يجوز.
قلنا: هذا لا يصح، لأن الطلب للماء في الصلاة الثانية أخف من طلبه في المرة الأولى، لأنه يكفيه أن يلتفت يمينا وشمالا، ويمشي عشر خطوات، وفي هذا لا يطول الفصل، لأنه من مصلحة الصلاة، فصار كالإمامة.
واما الثاني يقول: إذا قدم العصر إلى الظهر، فوقت الظهر صار وقتا لها ها هنا، فالتيمم إنما يكون بعد دخول وقت الفريضة، إذا تم ما عذرك، فيما لو أخر الظهر إلى وقت العصر، فإنه لا يؤدي إلى ذلك، ومع هذا عندك لا يجوز.
دل أن كلام الشافعي، رضي الله عنه محمول على أنه لا يجوز الجمع بين الفريضتين بتيمم واحد، أراد به ردًا على أبي حنيفة، حيث قال: له أن يصلي بالتيمم ما شاء من الفرائض والنوافل، كالوضوء سواء، ولا يبطل التيمم بخروج الوقت، ودخوله.
وقال في طهر المستحاضة: إنه يبطل بخروج الوقت، ولا يبطل بدخوله حتى
الجزء: 1 - الصفحة: 420
لو تطهرت قبل الزوال، ثم دخل وقت الظهر لا تبطل طهارتها، ولو تطهرت بعد الزوال، ثم خرج وقت الظهر تبطل طهارتها، فنقيس عليه، فنقول طهارة ضرورية، فلا يجمع بين صلاتي فرض.
دليله طهر المستحاضة، فأما إذا تيمم لصلاة فريضة، وأدى بها الفريضة، هل يجوز له أن يصلي به صلاة الجنازة.
نص ها هنا على أنه يجوز، ونص في موضع آخر: لا يجوز صلاة الجنازة راكبًا.
وقضية أحد النصين تخالف قضية الآخر من أصحابنا من جعل فيه قولين نقلا وتخريجًا:
أحدهما: يجوز راكبًا، وبالتيمم الذي أدى به الفرض مرة.
ومن أصحابنا من قال:
المسألة على حالين، حيث قال: لا يجوز راكبًا، أراد به إذا كان متعينًا لتلك الصلاة، ولم يكن هناك غيره، وحيث قال: يجوز ما أدى الفريضة بتيمم واحد، أراد به إذا كان معه جماعة لا يتعين عليه.
ومن أصحابنا من فرق بين النصين، بأن هناك إنما لا يجوز راكبًا لأنه يؤدي إلى الإخلال بما هو الركن فيها، وهو القيام، وهذا غير موجود ها هنا.
فأما إذا تيمم لفريضة، لا خلاف أنه يجوز أن يؤدي به صلاة الجنازة، فأما إذا أدي به صلاة الجنازة، فهل يؤدي به الصلاة الفريضة أم لا؟
ينبني على ما قبله.
إن قلنا: يجوز أداء صلاة الجنازة بعد ما أدي الفرض بيمم واحد، فها هنا يجوز، وإلا فلا.
فأما إذا تيمم لصلاة الجنازة، وأدي به صلاة الجنازة، فهل يجوز له أن يؤدي
الجزء: 1 - الصفحة: 421
به صلاة الفرض؟ فعلى ما ذكرنا وإن لم يؤد به صلاة الجنازة، فهل يجوز أن يؤدي به الفريضة؟
فعلى ما ذكرنا أيضًا، إن جعلناها كفرائض الأعيان، وإلا فعلى الجديد تجوز، وعلى القول القديم لا يجوز كما في النفل.
فأما إذا تيمم لفريضة، وأدي به الفريضة، هل يجوز له أن يؤدي به المنذورة؟
هذا ينبني على أن النذر، هل يحمل على أقل إيجاب الله تعالى أو على أقل ما يتقرب إليه من جنسه شرعًا؟
وفيه قولان:
إن قلنا: يحمل على أقل إيجاب الله تعالى فها هنا لا يجوز، وإن قلنا بالقول الثاني: فجاز.
وإن لم يرد به الفريضة، لا خلاف أنه يجوز به المنذور في ظاهر المذهب.
فأما إذا تيمم لصلاة المنذورة، ثم صلى المنذورة أو لم يصل، هل يجوز أن يصلي بذلك التيمم صلاة الفرض أم لا؟
فيه جوابان بناء على ما ذكرنا من الأصل، وفيه قولان.
فأما إذا تيمم لصلاة الفرض.
الجزء: 1 - الصفحة: 422
وإن أدى به الفرض لا يجوز أن يطوف به طواف الفرض، وكذا إن تيمم لطواف الفرض يجوز أن يؤدي به صلاة الفرض.
وإذا صلى لا يجوز له الطواف بذلك التيمم، فأما إذا طاف أولا لا يجوز أن يصلي به الفرض.
وهل يجوز أن يصلي به ركعتين الطواف أم لا؟
فيه قولان بناء على أن ركعتي الطواف، هل هما نفل أو فرض؟
إن قلنا: نفل جاز، وإن قلنا: فرض لا يجوز على الصحيح من المذهب.
وفيه وجه آخر: إنه يجوز، لأنه تبع للطواف، بخلاف سائر الفرائض.
قال المزني: وإن تيمم بزرنيخ، أو نورة، او ذراوة ونحوه، لم يجزه.
قال القاضي حسين: والذراوة، دقاق القصب، وعندنا لا يجوز التيمم بهذه الأشياء.
وقال أبو حنيفة: النورة والزرنيخ، إن كانا مطبوخين لا يجوز، وإلا فجاز.
وحكى أن أنسًا أتهم بسرقة الذريرة والشحم، فقال: إن كان صادقًا، فيغفر الله لي، وإن كان كاذبًا، فيغفر الله له.
وأراد به: أنه لما غسل النبي صلى الله عليه وسلم بقي شيء [من] الذريرة من الحنوط، فأخذه أنس تبركًا به.
وقيل: إنه اشترى لحمًا من القصاب، فوضعه على الوضم، فالتصق به قليل من شحم، ولا يعلم ذلك فاتهم بهما لأجله.
الجزء: 1 - الصفحة: 423
فرع
قال ابن الحداد: لو نسي صلاة من صلوات اليوم والليلة، يلزمه أن يصلي خمس صلوات بتيمم واحد، لأن الفرض عليه واحد لا بعينها.
وقال صاحب التلخيص: يصلي خمس صلوات بخمس تيممات؛ لأنه ما من صلاة يشرع فيها إلا وهو يعتقد أنها الفرض عليه، حتى لو لم يعتقد ذلك، لا يخرج عن الفرض باليقين.
فأما إذا نسى صلاتين من صلوات يوم وليلة.
فعلى قول صاحب (التلخيص): يصلي خمس صلوات بخمس تيممات.
وعلى قول ابن الحداد: يصلي ثماني صلوات بتيممين، فيصلي الصبح والظهر والعصر والمغرب بتيمم، ثم يتيمم ثانيًا، ويصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وكذا لو نكس ذلك بأن يصلي المغرب والعصر والظهر والصبح بتيمم واحد، ثم يتيمم، ويصلي العصر والظهر والصبح والعشاء جاز.
وينبغي أن تكون المتروكة في الثانية هي التي ابتدأ بها في المرة الأولى.
فأما إذا تيمم، وصلى أولا المغرب والعشاء والصبح والظهر، ثم يتيمم،
الجزء: 1 - الصفحة: 424
ويصلي العصر، والظهر والعصر جاز أيضًا، لأن المتروكة في الثانية المغرب، وهي المبتدأة في المرة الأولى.
فأما إذا عكس بان صلى المغرب والعشاء والصبح والظهر بتيمم واحد، ثم تيمم وصلي العصر والمغرب والعشاء والصبح لا يجوز، ولم يخرج عنها بذلك لجواز أن يكون الفائتتان الصبح والظهر، وقد أدى الصبح في المرة الأولى، ولم توجد الظهر في المرة الثانية، فبقيت عليه.
فأما إذا نسي ثلاث صلوات من صلوات يوم وليلة، فعلى طريقة صاحب التلخيص: الخطب سهل، فيصلي خمس صلوات بخمس تيممات
وعلى طريقة ابن الحداد: يصلي تسع صلوات بثلاث تيممات، يصلي الصبح والظهر والعصر بتيمم، ويصلي الظهر والعصر والمغرب بتيمم آخر، ويصلي العصر والمغرب والعشاء بتيمم آخر.
فأما إذا نسي أربع صلوات من صلوات يوم وليلة، فعلى طريقة صاحب التلخيص: يصلي خمس صلوات بخمس تيممات.
وعلى طريقة ابن الحداد: يصلي ثماني صلوات بأربع تيممات، يصلي الصبح والظهر بتيمم، والظهر والعصر بتيمم آخر، والعصر والمغرب بتيمم آخر، والمغرب والعشاء بتيمم آخر.
فأما إذا نسي صلاتين من صلوات يومين وليلتين.
فأن علم أنهما كانا مختلفين، فحكمه حكم ما إذا نسي صلاتين من صلوات يوم وليلة.
وإذا علم أنهما كانتا متفقتين، أو لم يعلم أنهما كانتا متفقتين أو مختلفتين، فعلى طريقة صاحب التلخيص: يصلي عشر صلوات بعشر تيممات.
وعلى طريقة ابن الحداد: يصلي عشر صلوات بتيممين.
الجزء: 1 - الصفحة: 425
وقال القفال: يصلي عشر صلوات بخمس تيممات، يصلي الصبح والظهر بتيمم، والظهر والعصر بتيمم آخر، هكذا إلى تمام العشر.
فرع.
إذا أراد أن يتمم لنافلة لا سبب لها في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.
هل يجوز أم لا؟
هذا ينبني على أنه لو صلي في هذه الأوقات صلاة لا سبب لها.
هل يصح أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح لورود النهي عنها.
والثاني: يصح، والنهي محمول على التنزيه إن قلنا: تصح الصلاة في هذه الأوقات، فيصح تيممه لها.
وإن قلنا: لا تصح، فلا يصح لها.
فأما إذا تيمم قبل ذلك، ثم دخل عليه الوقت الذي تكره فيه الصلاة، لا خلاف أنه لا يبطل تيممه.
فرع
إذا تيمم لفريضة، وصلي الفريضة منفردًا، ثم أدرك الجماعة، وأراد أن يصلي بالجماعة.
ثانيًا: هل يحتاج إلى التيمم أم لا؟
إن قلنا: إن الفريضة منها الأولى، فلا يتيمم للثانية على ظاهر المذهب.
الجزء: 1 - الصفحة: 426
وإن قلنا: إن كل واحد منهما فرض، فيتيمم للثانية.
وإن قلنا: إن الفرض منهما، أحدهما لا بعينه، إلا أنه يحتسب الله، تعالى بالأكمل والأفضل.
حكمه حكم ما لو نسي صلاة من صلاتين، وأراد أن يعيدهما بالتيمم، وقد ذكرناه.
فرع:
إذا أراد أن يتيمم لصلاة الجنازة، عليه أن يتيمم لها بعد الفراغ عن غسل الميت، وإن كان قبل التكفين، لا يجوز الصلاة عليه بعد الغسل وقبل التكفين.
ولو تيمم قبله لا يجوز، والمستحب أن يتيمم بعد أن يكفن الميت، لأن الصلاة عليه قبل التكفين يكون مكروهًا، وإن كان جائزًا.
فرع:
إذا تيمم ثم ارتد - والعياذ بالله بطل تيممه، ولو توضأ، ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، هل يبطل وضوؤه أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: يبطل ذلك كالتيمم.
والثاني: لا، والفرق أن التيمم ضعيف، فإنه يبطل بوجود ما يمنعه من استباحة الصلاة، بدون الحدث من رؤية السراب والركب، ووقوع الطير وغيره،
الجزء: 1 - الصفحة: 427
فجاز أن تبطل بالارتداد، لأنه يمنع من استباحة الصلاة، بدون الحدث، أما الوضوء طهارة قوية، فلا يبطل بوجود ما يمنعه من استباحة الصلاة من غير الحدث، وكذا لا يبطل بالارتداد، والله أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 428
باب جامع التيمم والعذر فيه وغيره
.
قال الشافعي رحمه الله: وليس للمسافر أن يتمم إلا بعد دخول وقت الصلاة وإعواز الماء بعد طلبه.
قال القاضي حسين: أباح الله تعالى في كتابه التيمم في حالين، السفر، والمرض، لقوله تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر) إلى قوله: (فيمموا صعيدًا طيبًا).
والمعنى المبيح في الحقيقة للتيمم واحد، وهو العجز عن استعمال الماء غير أن العجز تارة يكون لعدمه، وتارة مع وجود، إما لمرض أو لحاجته إليه، لسقيه او لسقي دابته.
وقوله تعالى: (فلم تجدودا ماء).
يعني: فلم تقدروا على استعمال الماء فتيمموا إذا ثبت هذا القول، لا يجوز التيمم إلا بعد دخول الوقت.
وعند أبي حنيفة: يجوز قبل دخول الوقت كالوضوء.
دليلنا أن نقول: إن التيمم أبيح للضرورة، فوجب أن يباح عند نهاية الضرورة، كأكل الميتة، ونهاية الضرورة بعد افتراض الفعل عليه، وذلك إنما يكون بعد دخول الوقت.
أو نقول: طهارة ضرورة، فإذا وجدت قبل دخول الوقت، لا يجوز أداء فرض الوقت به.
دليله المستحاضة إذا توضأت قبل دخول الوقت العصر، ثم دخل وقت العصر، لا يجوز لها أداء العصر به.
الجزء: 1 - الصفحة: 429
فأما إذا طلب الماء، فلم يجده واجب عليه أن يتيمم لعذر السفر لا لعذر المرض، وإنما يجب عليه الطلب بعد دخول الوقت، حتى لو طلب قبل دخول الوقت، بحيث إنه لما فرغ عن الطلب دخل الوقت، لا يجوز.
كما لو أذن لغير الصبح قبل دخول الوقت، فلما فرغ عن الأذان دخل الوقت لا يجوز.
وإنما قلنا: لا يجوز الطلب قبل دخول الوقت، لأنه إنما وجب لأجل المطلوب، وذاك يجب بعد دخول الوقت، فلما كان المقصود يجب بعد دخول الوقت، فكذا التبع مثله، وكيفية الطلب: أن يطلب الماء أولا في رحله، ثم من رفقائه، وإذا راى خضرة أو طيورًا يجتمعن في موضع، فيسأل هناك، ولو كان على صعود ينحدر إلى الهبوط، ولو كان في هبوط يرقي إلى الصعود، وإن كان في قاع من الأرض يمشي قدر غلوة سهم من الجوانب الأربع، فإن أعوذ الماء حينئذ يتيمم.
فأما إذا أمر عبده، أو واحدًا من رفقائه يطلب الماء لأجله، يجوز ذلك، بخلاف ما لو أمر غيره ليجتهد له في القبلة.
والفرق بينهما: أن أمر القبلة خفي غير معاين، فربما يخفي على أحد، ولا يخفي على غيره؛ لأن مبناه على الاجتهاد، فلا يقوم اجتهاد غيره مقام اجتهاده فيه.
وأما رؤية الماء شيء مشاهد معاين يستوي فيه الكل، إذ ليس مبناه على الاجتهاد فجاز أن يقوم غيره فيه مقامه.
فإذا طلب واحد الماء بغير أمره، لا يسقط بذلك فرضية الطلب عنه، لأنه لم يوجد من جهته، لا الطلب، ولا الأمر بالطلب والقصد به.
قال المزني: وللمسافر أن يتيمم أقل ما يقع عليه اسم سفر، طال أو قصر؛ واحتج في ذلك بظاهر القرآن، وبأثر ابن عمر.
الجزء: 1 - الصفحة: 430
قال القاضي حسين: الرخص المتعلقة بالسفر ثمانية:
أربعة لا تجوز إلا في السفر الطويل، وهي: القصر، والمسح ثلاثًا، والإفطار، والجمع على أحد القولين.
وأربعة يجوز فيهما، وهي:
ترك الجمعة، وأكل الميتة، والتيمم، والصلاة على الراحلة.
وفيه قول آخر: إنه لا يجوز إلا في الطويل.
قال المزني: ولا يتيمم مريض في شتاء، ولا صيف إلا من به قرح له غور، أو به ضني من مرض يخاف أن يمسه الماء أن يكون منه التلف أو يكون منه المرض المخوف، لا لشين، ولا لإبطاء برء.
قال: في القديم: يتيمم، إذا خاف، [إن مسه الماء، شدة المرض].
قال القاضي حسين: المريض إذا كان به مرض، مثل وجع الضرس، أو العين، أو الصداع، او حمي خفيفة لا يتضرر باستعمال الماء لا يباح له التيمم.
وقال أهل الظاهر: يجوز له ذلك، واستدلوا بظاهر القرآن.
الجزء: 1 - الصفحة: 431
والدليل عليه ما روي عن جابر أنه قال: كنا جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الغزوات، فأصابت أحدنا شجة في رأسه، واحتلم في تلك الليلة، فقال للقوم: هل تجدون لي رخصة؟، فقالوا: لا.
الجزء: 1 - الصفحة: 432
فاغتسل، فدخل الماء شجته، فمات منه فأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قتلوه قتلهم الله، فهلا سألوا إذ لم يعلموا، فإن سفاء العي السؤال؟ يكفيه ان يعصب عليه عصابة ويمسح عليها، ثم يغسل ما قدر عليه، ويتيمم للباقي.
وروى عن عمرو بن العاص أنه قال: ولاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذا السلاسل، فاحتلمت، وكانت ليلة باردة، فتيممت وصليت بالقوم، ثم سألت النبي صلى الله عليه وسلم بعده فقال: صليت بالناس وأنت جنب.
فقلت: سمعت الله تعالى يقول: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة).
فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي الخبر دليل من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه يجوز التيمم للجنابة، كما جاز من الحدث.
والثاني: على أنه يجوز للمتوضيء الاقتداء للمتيمم، خلافًا لمحمد بن الحسن والثالث: على أنه إذا لم يخف الهلكة، والتلف على نفسه لا يجوز له التيمم.
فأما إذا خاف التلف على نفسه، أو على عضو من أعضائه أو الزيادة في العلة إن استعمل الماء، فإنه يباح له التيمم.
هذا إذا أخبره به طبيب، حاذق في صناعته، مسلم عدل فأما إذا أخبره طبيب حاذق كافر، لا يجوز له التيمم لقوله: لأن ما كان من أمر الديانة لا يعتمد فيه على قول الكافر؛ لأنه متهم فيه.
ولو كان فاسقا مسلماً، فيه وجهان:
الجزء: 1 - الصفحة: 433
أحدهما: يعتمد على قوله، لأنه لا تهمة في حقه فيما يرجع إلى العبادة.
والثاني: لا؛ لأنه لا يقبل قوله في الشهادات ونحوها.
وكذا في المرأة والعبد وجهان.
وفي الصبي المراهق وجه واحد: أنه لا يعتمد على قوله؛ إذ لا قول له، فأما إذا خاف شدة الضنى.
قال في القديم: يتيمم إذا خاف من شدة الضنى.
وفي الجديد: لا يباح له التيمم، فحصل فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز، لأنه أبيح للضرورة فيعتبر فيه نهاية الضرورة، وهو خوف التلف.
والثاني: يجوز لأن شدة الضنى تقضي على خوف التلف إذا كثر، وهذا كالقولين في وقت جواز أكل الميتة، وفيه قولان:
أحدهما: أنه لا يجوز إذا خاف على نفسه الهلاك لو لم يأكل.
الجزء: 1 - الصفحة: 434
والثاني: يجوز إذا اشتد به الجوع، وقل صبره.
ومنهم من قال: يتيمم قولا واحدًا، لما ذكرنا من المعنى، وما قاله في الجديد محمول على ما إذا كان لا يفضي إلى إبطاء البرء، وكان المرض يسيرًا.
وأما إذا خاف من استعماله الماء الشين، فلا يباح له التيمم بذلك.
وإن خاف إبطاء البرء، نص ها هنا على أنه لا يجوز له التيمم لأجله، وجمع بينه وبين الشين.
وفيه وجه آخر: أنه يباح له التيمم، لأن ذلك يفضي إلى شدة الضنى، ويؤدي إلى التلف في الآخرة، وفي كل موضع أبحنا له التيمم.
فإذا صلى به لا يعيد، لأن المرض عذر عام، كعدم الماء في السفر، فأما إذا كان به جراحة يمكنه غسل ما حواليها، ولو وجد من يعينه على ذلك، فتيمم، وصلي أعاد الصلاة، لأنه عذر نادر.
وكذلك المريض الذي يقدر على استعمال الماء لو وجد من يقربه منه، ويعينه عليه، فصلي بالتيمم لعدم المعين، أعاد لأنه عذر نادر.
وكذا لو جاء رجل، وحول وجهة المصلي عن القبلة، تلزمه الإعادة، لأن النوادر من الأعذار لا تسقط الإعادة، بخلاف الأعذار العامة.
فأما المسافر إذا لم يجد الماء والتراب، هل يصلي أم لا؟
فيه قولان:
أحدهما: لا يصلي، وهو قول القديم، ومذهب أبي حنيفة.
والثاني: وهو قوله الجديد يصلي لحرمة الوقت، ويعيد لأنه نادر، ويكون ذلك تشبيهًا بالمصلين.
ثم لو كان جنبًا لا يجوز له أن يقرأ سورة الفاتحة.
وهل يجوز له قراءة غير الفاتحة أم لا؟
الجزء: 1 - الصفحة: 435
الصحيح أنه لا يجوز له ذلك؛ لأن القراءة مما تسقط بالأعذار إذا كان أميًا ونحوه.
فجاز أن يسقط أيضًا بعذر الجنابة.
وفيه وجه آخر، أنه يقرؤها.
فأما إذا تكلم في تلك الصلاة عامدًا، أو أحدث فيها عامدًا تبطل صلاته.
ولو رأى الماء في خلالها هل تبطل تلك الصلة أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا تبطل كسائر الصلوات.
والثاني تبطل: لأن هذه ليست بصلاة على الحقيقة، بل يكون تشبيها بالصلاة، وهكذا حكم المقيم إذا لم يجد الماء في الحضر على ما ذكرنا.
فأما المسافر إذا وجد الماء، وخاف التلف إن اغتسل من شدة البرد.
إن وجد آلة تسخين الماء، فعليه أن يسخن الماء، ولا يتيمم، وكذلك إذا كان معه ثوب أمكنه أن يغسل اعضاءه قليلا قليلا، ويجففه به ودفئها، فعليه أن يفعل ذلك ولا يتيمم.
فإن لم يجد شيئًا مما ذكرنا يتيمم، ويصلي.
ثم إن كان ذلك في الحضر يعيد الصلاة، وإن كان في السفر، فيه جوابان:
أحدهما: بلى، لأنه عذر نادر في الحضر والسفر، بخلاف عدم الماء في السفر.
والثاني: لا تلزمه الإعادة؛ لأن مثل ذلك لا يندر في السفر بخلاف الحضر.
قال المزني: قال، وإن كان في بعض جسده، دون بعض، غسل ما لا ضرر عليه ويتيمم، لا يجزئه أحدهما دون الآخر.
قال القاضي حسين: إذا كان بعض اعضاء طهارته صحيحا، وبعضها جريحًا
الجزء: 1 - الصفحة: 436
قال ها هنا: يغسل الصحيح، ويتيمم للجريح على الوجه واليدين، وخرج فيه قول آخر: أنه يقتصر فيه على التيمم ما إذا وجد من الماء ما لا يكفيه لأعضاء طهارته في قول يتيمم، ويترك الماء، والصحيح هو الأول.
والفرق بينهما: أن في تلك المسألة القصور في الالة، فجعل كالعدم، كما إذا وجد بعض الرقبه في باب الكفارات، يجعل كعدم الكل في جواز الانتقال إلى الصيام، وها هنا القصور في المحل، فصار كما لو كان فقد بعض الأعضاء، فإنه يغسل الباقي لا محالة، كذا هذا، ولا فرق بين ان يكون الأكثر صحيحًا، أو جريحًا.
وقال أبو حنيفة: إن كان الأقل صحيحا يقتصر على التيمم، وإن كان الأكثر صحيحا يقتصر على الماء، ولا يجمع بينهما أصلا.
فنقول: استعمال الماء في بعض أماكنه لا يسقط فرض ممكنه قياسًا على فقد الأعضاء، وإذا ثبت الجمع بينهما، فالمذهب أنه بالخيار في البداية، إن شاء بدأ بالغسل، وإن شاء بدأ بالتيمم.
وفيه وجخ آخر، أنه يبدأ بالغسل خرج مما إذا وجد من الماء بقدر ما لا يكفيه لأعضاء طهارته.
وقلنا: يلزمه استعمال الماء أولا، وكذلك ها هنا، والأصح هو الفرق، وهو أن المبيح للتيمم هناك عدم الماء، مما لم يغن الموجود لا يتحقق العدم، وها هنا المبيح للتيمم الجراحة وهي في الحالين سواء، فعلى هذا لو كان جنبًا، وعليه جراحة فعلى الصحيح من المذهب أنه يتخير بين أن يغسل ما قدر عليه أولا، ثم يتيمم للباقي، وبين أن يتيمم أولا ثم يغسل، لأنه لا ترتيب في الاغتسال.
فأما المحدث إذا كان على بعض أعضاء طهارته جراحة إن قلنا، بأنه لا يشترط الترتيب فيه، يتوضأ أولا ثم يتيمم.
وإن قلنا: بأنه يعتبر الترتيب، فإن كانت الجراحة على الوجه يتخير على المذهب الصحيح بين أن يغسل الوجه، ثم يتيمم، وبين أن يتيمم، ثم يغسل
الجزء: 1 - الصفحة: 437
الوجه، ولكن ما لم يفرغ عن غسل الوجه والتيمم، لا يجوز له غسل اليدين، وكذا لو كانت الجراحة على اليدين، فإنه يغسل الوجه أولا، ثم يتخير في اليدين بين أن يغسلهما أولا، ثم يتيمم، وبين أن يتيمم أولا، ثم يغسل اليدين، فإذا فرغ عنهما يمسح برأسه، وإن كانت الجراحة على رأسه، وقل ما تتصور جراحة تعم جميع رأسه، فإن تصور، يغسل الوجه واليدين، ثم يتيمم، ثم يغسل الرجلين، وإن كان على الرجلين يغسل الوجه، واليدين، ويمسح برأسه، ثم يتخير في الرجلين بين البداية بغسلهما، وبالتيمم كما ذكرنا.
وأما إذا كان على وجهه، وعلى يديه ورجليه جراحات، فعلى قول من يقول: الترتيب ليس بشرط فيه، وإنما يشترط في طهر واحد دون طهرين.
ها هنا يتوضأ، ويكفيه تيمم واحد بعد الفراغ عن الوضوء.
وعلى القول الذي يقول: يعتبر الترتيب فيه، ففي الترتيب فيه وجهان.
والصحيح على هذا الوجه: أنه لا يجب الترتيب، واختيار القفال الجريان على ترتيب فرض كل عضو، يغسل الوجه ثم يتيمم، ثم اليدين، ثم يتيمم ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه ثم يتيمم.
فأما إذا دخل وقت فريضة أخرى، فعليه أن يتيمم ثانيًا، لأنه لا يمكن أن يؤدي إلا فرضًا واحدًا، ويغسل ما بعده من الأعضاء الصحيحة على المذهب الذي يوجب الترتيب، فإن كانت الجراحة على الوجه لا يغسل الوجه واليدين.
لكن يتيمم، ويتم الطهارة بالغسل.
ولو كان على الرجلين يتيمم فحسب.
وعلى القول الذي نقول: لا يراعي فيه الترتيب، لا يلزمه إلا التيمم فحسب.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه غسل ما قبل العضو الذي عليه الجراحة، وما بعده أيضا مخرج من تفريق الوضوء، وفيه قولان.
الجزء: 1 - الصفحة: 438
وهذا لا يصح، لأن هذا تفريق بعذر، وذاك عفو بلا خلاف.
فأما إذا اندملت الجراحة غسل مكان الجرح، وما بعده، لمراعاة الترتيب على المذهب الصحيح.
وهل يلزمه غسل ما قبله.
على ما ذكرنا، منهم من جعل فيه قولين من تفريق الوضوء، والصحيح ما ذكرنا، ولو كان جنبًا يغسل مكان الجرح فحسب، إلا على قول من قال في المحدث: يغسل ما قبله من قول تفريق الوضوء.
وها هنا: نقول يغسل جميع البدن، والصحيح هو الأول.
فأما إذا ظن الاندمال بأن توهم الاندال، فنزع الخرقة عنه، فإذا هي بحالها لم يلزمه تجديد التوهم بخلاف ما إذا توهم وجود الماء، وطلب فلم يجده حيث يلزمه تجديد التيمم، لأن طلب البرء غير واجب عليه.
إذ الأصل بقاؤه، وفي الماء الطلب الواجب عليه، إذ الأصل وجوده، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: وإن كان على قرحخ دم، يخاف إن غسله تيمم، وأعاد إذا قدر على غسل الدم.
قال القاضي حسين: يعني يغسل النجاسة، ويعيد الصلاة، لأن التيمم لا يرفع النجاسة، سواء كانت القروح على أعضاء الطهارة، او على غيرها.
وقال أبو حنيفة والمزني، لا إعادة عليه.
قال المزني: وإن كان في المصر في حش أو موضع نجس، أو مربوطًا على خشبة، صلى يوميء ويعيد، إذا قدر.
قال القاضي حسين، المحبوس في الحش لا يسعه ترك الصلاة؛ لعدم طهارة المكان، بل عليه أن يصلي على حسب حاله، على حسب ما نذكر في كتاب الصلاة إن شاء الله.
الجزء: 1 - الصفحة: 439
وتلزمه الإعادة عندنا.
وقال أبو حنيفة والمزني: لا تلزمه الإعادة.
وكذلك المربوط على الخشب يصلي بالإيماء، ويعيد خلافًا لهما.
قال المزني: ولو ألصق على موضع التيمم لصوقًا، نزع اللصوق وأعاد.
قال القاضي حسين: إذا كان عليه جراحة يمكنه غسله في الطهارة، فإنه يرفع اللصوق، ويغسل ما تحته.
وقوله: (وأعاد):
هذا تعليم، ولا يجب عليه ذلك.
ومنهم من قال: أراد به إذا لم يمكنه إيصال الماء إليه، وعليه نجاسة، فإذا اندمل ينزع اللصوق، ويغسل ذلك الموضع واعاد، يعني: الصلوات.
قد ذكرنا أنه إذا كان محبوسًا في حش، أو مربوطًا على خشبة أنه يصلي على حسب ما أمكنه، وأعاد خلافًا للمزني.
ونص في موضع آخر على أنه لو غرقت السفينة، ووقع إنسان على لوح منها، وصلى أياما لا يقضى الصلاة التي يصليها نحو القبلة، ويقضي التي يصليها غير مستقبل القبلة.
من أصحابنا من جعل في المسائل كلها قولين نقلا وتخريجًا.
احدهما: تلزمه الإعادة في الكل، لأن هذه أعذار نادرة، فلا تسقط الإعادة، والثاني: لا يلزمه في الكل، كما قال المزني.
فإذا قلنا: يقضي ففرضه من الصلاتين ماذا؟
من أصحابنا من قال: الثانية فرضه، لأن الأولى ليست بصلاة ذات ركوع وسجود وقيام وقراءة، بل تشبهًا بالمصلين.
الجزء: 1 - الصفحة: 440
وقال الشيخ القفال: بل فرضه الثانية، والأولى أيضًا، لأنه وجد منه أداء بعض الأركان في الأولى، فترك البعض، والقياس أن يلزمه قضاء ما ترك من الأركان، إلا أنه لا يمكنه قضاؤها على الانفراد، فيلزمه قضاء صلاة كاملة، لأن الصلاة الواحدة لا تتجزأ، وما لا يتجزأ فيجعله بعضه كلا.
وفائدته إن قلنا: إن فرضه الثانية يجوز له أن يصليها بالتيمم الأول على ظاهر المذهب.
وإن قلنا: كل واحد منهما يكون فرضًا، فيحتاج إلى تيممين.
قال المزني: ولا يعدو بالجبائر موضع الكسر، ولا يضعها إلا على وضوء، كالخفين، فإن خاف الكسير غير متوضيء التلف، إذا ألقيت الجبائر، ففيها قولان:
أحدهما: يمسح عليها ويعيد ما صلى، إذا قدر على الوضوء.
والقول الآخر: لا يعيد، وإن صح حديث علي رضي الله عنه، أنه انكسر أحد زنديه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يمسح على الجبائر قلت به، وهذا مما أستخير الله فيه.
قال المزني: أولى قوليه بالحق عندي أن يجزئه، ولا يعيد، وكذلك كل ما عجز عنه المصلي، وفيما رخص له في تركه، من طهر ولا غيره، وقد أجمعت العلماء والشافعي معهم: ألا تعيد المستحاضة والحدث في صلاتها دائم، والنجس قائم ولا المريض الواجد للما، ولا الذي معه الماء يخاف العطش، إذا صليا بالتيمم، ولا العريان، ولا المسابف يصلي إلى غير القبلة يومي إيماء فقضى ذلك من إجماعهم على طرح ما عجز عنه المصلي، ورفع الإعادة وبالله التوفيق.
وقد قال الشافعي رحمه الله، من كا معه ماء يوضئه في سفره، وخاف العطش، [فهو] كمن لم يجد.
قال المزني: وكذلك من على قروحه دم، يخاف إن غسلها، كمن ليس به نجس.
الجزء: 1 - الصفحة: 441
قال [الشافعي]: ولا يتيمم صحيح في مصر لمكتوبة، ولا لجنازة، ولو جاز ما قال غيري، يتيمم [للجنازة]، لخوف الفوت، لزمه ذلك، لفوت الجمعة والمكتوبة، فإذا لم يجز عنده، لفوت الأوكد، كان من أن [يجوز] فيما دونه أبعد، وروى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان لا يصلي على جنازة إلا متوضئًا.
قال القاضي حسين: الجبائر جمع جبيرة، وهي اسم للخشبة التي توضع على الكسر، وتترك عليه حتى يندمل.
ثم المزني أخل بالنقل، لأن ما نقله توهم ألا يضع الجبائر على ما حواليه من الصحيح، وليس كذلك، بل له أن يدخل شيئًا من الصحيح فيها، لأنه إذا وضع بحيث لا يجاوز الكسر شيئًا لا يلتئم.
والشافعي قال: في موضع الكسر وحوله.
والمزني حذف قوله: وحوله، وينبغي ان يضعه على الطهارة، لأنه ساتر، يريد المسح عليه كالخفين.
ويجب المسح على الجبائر، وهل تستوعب الجبيرة بالمسح أم لا؟
فيه جوابان:
أحدهما: لا لأنه مسح بالماء فصار كالمسح على الخفين.
والثاني: يلزمه، لأنه بدل في محل مغسول، فأشبه التيمم، وليس كالمسح على الخفين، لأن المسح على الجبيرة لا يتقدر بزمان دون زمان، ولا يختلف بالسفر والحضر، بخلاف المسح على الخفين، وهل يلزمه التيمم بعد أن مسح على الجبيرة أم لا؟ ظاهر النص أنه يقتصر على مسح الجبيرة، ونص في الكبير على وجوب التيمم.
منهم من جعل ذلك على قولين:
أحدهما: لا يجب، لأنا أوجبنا عليه المسح بدلا عن المحل المغسول، ولا توجب عليه بدلا آخر.
الجزء: 1 - الصفحة: 442
والثاني: يجب عليه، كما إذا كان بعض أعضاءه صحيحًا، وبعضه جريحًا، وفي الخبر ما يدل عليه أيضًا، لأنه قال في تلك القصة المعروفة: كان يكفيه أن يعصب على رأسه عصابة ويمسح عليها ثم يغسل ما قدر عليه، وتيمم للباقي.
ومن أصحابنا من قال: المسألة على حالين: حيث قال: (يتيمم)، أراد به: أنه إذا كان بصفة لو رفع الجبيرة، لا يمكنه استعمال الماء، فصار كمن كان بعض أعضاءه صحيحًا، وبعضه جريحًا، وحيث قال: لا يتيمم، أراد به: إذا كان بصفة لو رفع الجبيرة يمكن غسل ما تحته، وإذا أوجبنا التيمم فيتيمم لكل فريضة، ويغسل ما بعده من الأعضاء، مراعاة للترتيب وما قبله لا يجب عليه في ظاهر المذهب على ما ذكرنا.
فأما إذا اندمل، ونزع الجبيرة، يغسل ذلك المحل، ثم لو كان جنبًا لا يجب عليه غسل شيء بعده، على ظاهر المذهب، وإن كان محدثًا يغسل ما بعده من الاعضاء مراعاة للترتيب.
وهل يغسل ما قبله؟ فعلى ما ذكرنا.
وهل يلزمه إعادة الصلوات التي صلاها بالمسح على الجبيرة؟
ينظر: فإن وضعها، وهو على الطهارة في القديم يلزمه.
وفي الحديد: قولان.
وإن وضعها على غير الطهارة في الجديد يلزمه.
وفي القديم قولان.
فإما إذا اندملت الجبرة وهو لا يشعر بذلك حتى صلى عليه صلوات، تلزمه الإعادة، لأنه نادر، وقد وجد التفريط منه.
الجزء: 1 - الصفحة: 443
وهكذا إذا أوتي انفه أو خدش صدره، فألصق به قشر الباقلاء.
أو غيره، حكمه حكم الجبيرة.
قال الشافعي: إن صح حديث علي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يمسح على الجبيرة ولم يأمره بالإعادة قلت به، وإنما توقف فيه، لأن في إسناده خللا وهو مرسل وعنده المرسل ليس بحجة.
واختيار المزني في الصلاة ألا يعيدها، ولا يختص ذلك به عنده، بل كلما تركه المصلي، من أركان الصالة وشرائطها للعجز لا يعيد الصلاة لأجله، وكذا لو كان على قرحه دم يخاف التلف من غسله، والمحبوس في الحش، والمربوط، على الخشب، يصلي بالإيماء، ولا يعيد على أصله.
واحتج على أصل الشافعي بالمسافر والمريض إذا عجز عن استعمال الماء، والمريض إذا عجز عن القيام، والعاجز عن الستر يصلي عريانًا، ويترك القبلة في حالة المسابقة، وكذلك المستحاضة، ومن به سلس البول، لا يلزمه إعادة الصلاة، والنجس بهما قائم.
وكذلك سائر الأعذار مثله.
قال أصحابنا: الأعذار قسمان:
عامة تسقط الإعادة، مثل عدم الماء في السفر، والعجز عن استعماله في المرض.
ونادرة: وهي قسمان:
أحدهما: يمتد ويدوم كالاستحاضة، وسلس البول، فسقطت الإعادة أيضًا، لأنا [إن] أوجبنا عليهما الإعادة يتضرران بذلك، لأن هذا معنى يمتد ويدوم دهرًا، فتلحقها المشقة، والضرر في وجوب الإعادة أيضًا.
وقسم لا يدوم، وهي التي تنازعنا فيها من الدم على القروح، وعدم الماء في الحضر، وانكسار العظم، وأمثالها، فإنها لا تسقط الإعادة أيضًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 444
فرع:
إن كان معه ماء فأراقه، واحتاج إلى التيمم، فهل تلزمه إعادة تلك الصلاة أم لا؟
إن كان أراق الماء قبل دخول الوقت أي: وقت الصلاة، فلا إعادة عليه، بل يتيمم، ويصلي، وإن أراقه بعد دخول الوقت، فإن كان له فيه غرض صحيح بأن يغسل به نجاسة عليه، او نقي ثوبه من الدرن للتجمل، أو اغتسل للتبرد، فلا إعادة عليه أيضًا.
وإن لم يكن له غرض في الإراقة يتيمم، ويصلي.
وفي وجوب الإعادة عليه جوابان:
أحدهما: لا يجب لأنه كان عادمًا للماء حالة التيمم.
والثاني: يجب لأنه تعلق فرض الصلاة بالوضوء بذلك الماء فإذا أراق، فقط فرط في الإراقة فعوقب عليه.
وهما كالقولين في المبتوتة في مرض الموت، هل تستحق الميراث أم لا؟
أحدهما: بلي؛ لأن حقها تعلق بما له في مرض موته، وهو بالطلاق، قصد حرمانها عن الميراث، فرد عليه قصده، وعوقب عليه بذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 445
والثاني: لا تستحق، لأنها صارت مبانة عنه، كسائر الأجانب إن قلنا: يعيد الصلاة ها هنا، فكم يعيد؟
فيها جوابان:
أحدهما: يعيد صلاة واحدة، وهي أقل ما يؤدي بذلك الوضوء
والثاني: يعيد الصلوات التي يمكنه أداؤها بذلك الوضوء في العرف والعادة.
وهما كالقولين فيما إذا أعطي لاثنين من كل صنف في باب الزكاة، أو أوصى بشيء للفقراء، فأعطاه لاثنين منهم كم يغرم للثالث.
فيه قولان:
أحدهما: الثالث.
والثاني: أقل ما يعطي له إن قلنا هناك: يغرم له الثلث ها هنا، يقضي ما يمكنه من الصلوات بذلك الوضوء.
وإن قلنا هناك: يغرم له أقل ما يعطي له.
فها هنا: يقضي صلاة واحدة.
وهكذا حكم ما إذا كان له ثوب، فخرقه، ومزقه على ما ذكرنا من الفصل في إراقة الماء إلى آخره.
الجزء: 1 - الصفحة: 446
فأما إذا وهب الماء، إن كان قبل دخول الوقت، فعلى ما ذكرنا من الإراقة، وإن كان بعده، ففي صحة الهبة وجهان:
أحدهما: يصح؛ لأنه من أهل التمليك.
فعلى هذا، لا يلزمه إعادة الصلاة؛ لأنه له فيه مثوبة، ومحمدة ومنة عليه.
والثاني: لا يستحق الهبة، لأنه مستحق الصرف إلى عبادة، فعلى هذا يسترد الماء، وإلا فيلزمه قضاء الصلوات التي صلاها ما دام الماء في يده، فإذا زال عن يده لا إعادة عليه بعده.
ثم ينظر، إن أتلف هو الماء يلزمه بالضمان.
وإن تلف في يده، فيه وجهان.
أحدهما: لا ضمان، لأن الفاسد يأخذ حكم الصحيح في الضمان، كالإجارة.
الجزء: 1 - الصفحة: 447
والرهن.
الجزء: 1 - الصفحة: 448
والثاني: يلزم الضمان، كالإعارة الفاسدة.
قوله: ولا يتيمم صحيح في مصر للمكتوبة، ولا لجنازة.
وقال أبو حنيفة: للمقيم الصحيح أن يتيمم لصلاة الجنازة عند خوف الفوت مع وجود الماء، لأن عنده لا تقضي تلك الصلاة بعد الفوات، وقال: أداؤها بعد التيمم خير من تركها.
والشافعي رحمه الله ألزمه صلاة الجمعة، فإنها لا تقضي إذا فاتت،
الجزء: 1 - الصفحة: 449
وهي آكد، لأنها فرض عين، ومع ذلك لا يجوز بالتيمم عند خوف الفوت، واستدل أيضًا بأثر ابن عمر.
قال الشافعي: وإن كان معه في السفر من الماء ما لا يغسله للجنابة، غسل أي بدنه شاء، وتيمم وصلى.
وقال في موضع آخر، يتيمم ولا يغسل من أعضائه شيئا، وقال في القديم، لأن الماء لا يطهر بدنه بغسل البعض.
قال المزني [قلت أنا]: هذا أشبه بالحق عندي، لأن كل بدل لعدم فحكم ما وجد من بعض المعدوم حكم العدم، كالقاتل خطأ، يجد بعض رقبة، فحكم البعض [كحكم العدم]، وليس عليه إلا البدل، ولو لزمه غسل بعضه، لوجود بعض الماء، وكذلك البدل، لزمه عتق بعض رقبة لوجود البعض، وكمال البدل، ولا يقول بهذا أحد نعلمه، وفي ذلك دليل، وبالله التوفيق.
قال القاضي حسين، يغسله للجنابة، إذا وجد من الماء ما لا يكفيه لأعضاء طهارته، إن كان محدثًا، أو لجميع بدنه إن كان جنبًا.
قال في الجديد: يستعمل ما وجده، ويتيمم للباقي.
وقال في القديم: يقتصر على التراب، وهو مذهب أبي حنيفة.
واحتج المزني بأن كل أصل له بدل ينتقل إليه عند عد الأصل، فقدم بعضه كعدم كله، كالرقبة، في الكفارة.
والفرق بينهما أن إعتاق بعض الرقبة لا يفيد شيئا لا في الحال، ولا في ثاني الحال، وها هنا استعمال بعض الماء، يفيد الطهارة في ثاني الحال، حتى لو وجد الماء بعده يبني على غسل ما مضى.
والثاني: أن هناك الشرع ما ورد بإعتاق بعض الرقبة ابتداء، فلهذا لا يؤمر هو به.
وها هنا قد ورد الشرع بغسل بعض الأعضاء دون البعض، بأن كان بعض
الجزء: 1 - الصفحة: 450
أعضاءه جريحًا، وبعض أعضائه صحيحًا، وأيضا أن هناك جوز الانتقال إلى البدل إذا لم يجد الرقبة، وبعض الرقبة لا يسمى رقبة.
فقلنا: بأنه جاز الانتقال إلى البدل، وها هنا إنما يجوز الانتقال إلى التراب إذا لم يجد الماء، وبعض الماء يسمى ماء.
فأما واجد بعض التراب، بحيث لا يكفيه لأعضاء تيممه، يلزمه استعماله، لأن ها هنا ليس للتراب بدل يصار إليه بخلاف الماء إذا كان عليه نجاسات، ووجد من الماء لا يكفيه لغسل الكل.
الصحيح أنه يلزمه استعماله، لأن النجاسة مما لا يتجزأ زوالا وحصولاً.
وفيه وجه آخر، أنه لا يلزمه استعماله، لأنه لا يطهر البدن تطهيرًا يباح معه الصلاة.
فأما إذا وجد بعض خرقة، وجب عليه أن يستر به عورته وجهًا واحدًا، لأنه يلزمه ستره عن أعين الناظرين.
ثم ينظر فإن كان يكفيه البعض، فيستر به السوئتين، لأن حكمهما أغلظ، وأفحش من باقي المحل، وإن كان يكفي لأحدهما دون الآخر.
القاضي رحمه الله، إن كان رجلا يستر به الدبر، وإن كان امرأة يستر به القبل، لأن ما بدا من الرجل من العورة بالدبر أغلظ، فيه وأكثر.
والمغلظ في قبل المرأة أكثر من المغلظ في دبرها في أعين الناظرين.
إذا تيمم ثم وجد الماء في إناء، ولم يدر أنه هل يكفيه لأعضاء طهارته أم لا؟ فإنه يبطل تيممه.
وإذا علم بأنه لا يكفي لأعضاء طهارته يقيًا، ينبني على ما ذكرنا.
وإن قلنا: إنه لو وجد في الابتداء يلزمه استعماله، فها هنا يبطل تيممه.
وإن قلنا هناك: لا يلزمه استعماله، فها هنا لا يبطل تيممه.
الجزء: 1 - الصفحة: 451
فأما إذا وجد ماء في إناء، ولم يدر أنه طاهر أم نجس يبطل تيممه، وإن كان الماء نجسًا، فأما إذا تحقق نجاسة الماء عند الرؤية لا يبطل تيممه.
فأما الجنب، إذا غسل جميع بدنه، وترك لمعة من بدنه لعدم الماء، ثم أحدث وطلب الماء، ولم يجده وتيمم ثم وجد من الماء قدر ما يكفيه لتلك اللمعة.
إن قلنا: لا يلزمه استعماله في الحدث لو وجد قبل التيمم، فها هنا لا يبطل تيممه، بل يغسل به تلك اللمعة ويصلي.
وإن قلنا: يلزمه استعماله، فها هنا يبطل تيممه، لأنه لم يتعين عليه استعماله في احدهما دون الآخر.
قال المزني: قال الشافعي رحمه الله، وأحب تعجيل التيمم، لاستحبابي تعجيل الصلاة.
وقال في الإملاء، لو أخره إلى آخر الوقت، رجاء أن يجد الماء كان أحب إلي.
قال القاضي حسين: إذا دخل وقت الصلاة، وهو عادم للماء، إن تحقق عدم الماء في أجزاء الوقت، فالمستحب له تعجيل الصلاة في أول الوقت وكذلك إذا احتمل وجوده في آخر الوقت، واحتمل عدمه هكذا.
فأما إذا تيقن وجود الماء في آخر الوقت، فهل يجوز له تعجيل الصلاة، فعلى قولين:
أحدهما: لا يجوز، لأن تيقن القدرة على الماءـ وأداء الصلاة به في الوقت، والثاني: نعم، لأنه عادم للماء، وقد دخل الوقت.
فأما إن ترجي وجود الماء في آخر الوقت، وهي مسألة الكتاب، لا خلاف أن له التعجيل، وفي الاستحباب قولان:
أحدهما: يعجل ليحوز فضيلة أول الوقت.
الجزء: 1 - الصفحة: 452
والثاني: يؤخر، ليحوز فضيلة الوضوء.
واختيار المزني التعجيل.
وقال: (ما كان أداؤه أفضل بالوضوء).
يعني: الصلاة في اول الوقت، (كان أداءه أفضل بالتيمم)، كصلاة الجماعة، قال المزني: [قلت أنا]، كأن التعجيل عندي بقوله أولى، لأن النسة أن يصلي ما بين أول الوقت وآخره، فيما كان أعظم لأجره في أداء الصلاة بالوضوء، فالتيمم [مثله]، وبالله التوفيق.
قال القاضي حسين: لم يرد به آخر الوقت، وإنما أراد به آخر أول الوقتن لأن أول الوقت يمتد إلى انتصاف الوقت، حتى لو قال لامرأته، أنت طالق مع آخر أول الوقت، يقع الطلاق، عليها عند انتصاف الوقت.
ولو قال: أنت طالق آخر أول اليوم، تطلق قبل الزوال.
ولو قال: أول آخر اليوم، تطلق بعد الزوال، والله أعلم.
قال الزني: فإن لم يجد الماء، ثم علم أنه [كان] في رحله أعاد.
قال القاضي حسين: من أصحابنا من قال: هذه المقالة غير صحيحة، لأنه قابل العلم بعدم الوجود.
والصحيح أن يقابل الوجود بالعدم.
والشافعي قال: ولو نسي الماء في رحله، ثم علم، إذا ثبت هذا إذا علم أن في رحله ماء فنسيه، وتيمم وصلي، قال ها هنا: يلزمه الإعادة.
وفيه قول مخرج: أنه لا يلزمه الإعادة.
من مسألة نسيان الفاتحة في الصلاة ونسيان الترتيب في الوضوء.
وقال في الكبير: لو تيمم، ثم عبر على بئر بقربه لا إعادة عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 453
اختلف أصحابنا فيه:
منهم من جعل في وجوب الإعادة عليه قولين نقلا وتخريجًا.
ومنهم من فرق بينهما، وقال بأنه ها هنا إذا علم، ثم نسي، فإنه وجد التفريط من جهته، حيث لم ينعم النظر في الطلب إذ يمكنه طلب الماء في رحله، وهناك في البئر لم يعلم به، ولم يوجد التقصير منه في الطلب، لأنه لا يمكنه أن يفتش جميع وجه الأرض، وزان مسألتنا أن لو كان عالمًا به، ثم نسيه، فلا جرم تلزمه الإعادة، ووزانه من مسألتنا أن لو لم يعلم بوجود الماء في رحله بأن جاء آخر ووضعه فيه، ولا يخبره بذلك، لا جرم لا يلزمه الإعادة.
وهكذا لو نسي رحله فيما بين الرجال، ولم يطلبه حكمه حكم ما لو نسي الماء في رحله.
فأما إذا أضل رحله فيما بين رحال الناس، أو أضل رجل ماءه فيما بين رحال نفسه، فالصحيح أنه لا يلزمه الإعادة، لأنه لم يوجد التفريط من جهته في الطلب.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه إعادة الصلاة، هذا لا يصح لأن الناسي غير عادم للماء، بل هو مفرط، لأنه لم ينعم النظر، والله تعالى إنما أباح التيمم عند عدم الماء، فلتزمه الإعادة لهذا.
قال المزني: وإن وجده بثمن في موضعهن وهو واجد الثمن، غير خائف، إن اشتراه، الجوع في سفره، فليس له التيمم، [وإن] أعطيه بأكثر [من] الثمن، لم يكن عليه أن يشتريه، ويتيمم.
قال القاضي حسين: إذا لم يكن معه في السفر ماء، ومعه ثمن الماء.
ينظر فيه، فإن كان لا يفضل عن حاجته، بأن يكون ما معه من المال قدر ما يستنفقه في ذهابه وجوعه لا يلزمه شراء الماء، وإن كان يفضل عنه ينظر فإن وجد الماء بأكثر من ثمن المثل لا يلزمه الشراء قلت الزيادة أم كثرت، وثمن المثل اختلفوا فيه:
الجزء: 1 - الصفحة: 454
منهم من قال: هو أجرة نقله من مكان الوجود إلى مكان العز، لأن الماء لا يتقوم.
ومنهم من قال: هو في مكان العز كسائر المتقومات، فيجب قيمة مثله في ذلك المكان، وإن وجده يباع بثمن مثله وجب عليه شراؤه.
فأما إذا كان معه ماء، ولكن يحتاج إليه لسقيه، او لسقي دابته او يحتاج إلى ثمنه لأجل النفقة يجوز له التيمم، ولا يلزمه استعمال الماء.
فأما إذا وجد من يبيعه الماء بالنسئة، إن لم يكن له المال ببلده لا يلزمه شراؤه، وكذا إن كان له مال ببلده، ولكن يباع زائدًا على ثمن مثله، لأجل النسيئة لا يلزمه أيضًا.
فأما إذا بيع منه نسئة بما يباع نقدًا، وضرب له أجل يتمكن من دفع الثمن إليه إذا رجع إلى بلده يلزمه شراؤه.
ولو وهب منه الماء يلزمه القبول، لأن الماء أصله على الإباحة، فلا تلحقه المنة في قبوله.
ولو وهب منه ثمن الماء لا يلزمه قبوله، لأنه يلحقه فيه منة، ولا يكلف الإنسان التزام المنة.
فأما إذا وجد بئرًا، ولم يجد آلة الاستقاء فلو وجد من يعيرها منه يلزمه قبوله، إذ ليس فيه كبير منة.
ولو وهبها منه لا يلزمه القبول، فأما إذا وجدها بالثمن، فهو كالماء سواء.
الجزء: 1 - الصفحة: 455
وقد ذكرنا حكمه، فأما إذا وجدها بأجرة المثل، ووجد ذلك هكذا يلزمه أن يستأجرها ولا يتيمم.
فأما إذا كان معه ثياب يمكنه أن يشد البعض بالبعض، ويجعله حبلا يستقي به الماء.
إن كان لا ينقص من ثمنه إلا قدر ما يستأجر به الرشا، أو يشتري به الرشا، يلزم ذلك.
وإن كان ينقص من ثمنه أكثر من ذلك، لا يلزمه ذلك، وكذا لو كان عليه كرباس، بحيث أنه لو شقه، ويشد البعض بالبعض يمكنه أن يستقي به الماء، فعلى ما ذكرنا إن كان ينتقص منه مثل ما يستأجر به الرشا، أو أقل من ذلك وإلا فلا.
فأما إذا كان له عبد في السفر، لا يلزمه أن يشتري له بالماء ألبتة.
بل له أن يتيمم بخلاف الثوب، فإنه يلزمه أن يشتري ما يستر به عورته، لأن ذلك إنما يجب عليه لحق البلاد كيلا ينظر إليه الناس.
وها هنا تمحض ذلك حقًا لله تعالى.
وفرق بينهما كما في حق الصبي والمجنون.
فأما العبد إذا احتاج إلى الماء ليسقيه يلزمه شراء الماء، وكذا لو كان معه دابة من حمار أو غيره، يلزمه أن يقوم بكفايتها، وكذا لو كان معه من الماء والشعير وغيرهما.
وكذا لو كان معه كلب عطشان، يلزمه تحصيل الماء لأجله إذا كان كلب صيد، أو ماشية أو حرث، ثم ينظر، فإن وجد من يبيعه الماء بثمن المثل يلزمه ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 456
وإن وجد من يبيعه بأكثر من ثمن المثل، فعليه أن يشتريه، وليس له أن يكابره، ويقاتله عليه، وهل تلزمه الزيادة على ثمن المثل إذا اشتراها بالزيادة أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى، لأن هذا عقد جائز صدر من أهله، فيجوز كما لو باعه غير الماء بأضعاف ثمنه.
والثاني: لا يجوز: لأنه كالمكره في قبول هذه الزيادة في حال وجوب شراء الماء عليه، فلم ينعقد البيع في حق الزيادة، لكونه مكرها في ذلك.
فأما إذا لم يبعه صاحبه منه لا يخلو.
أما إن كان صاحبه محتاجًا إليه، أو لم يكن محتاجًا إليه، فإن لم يكن محتاجا إليه يجوز له أن يكابره، ويأخذ منه الماء لكلبه، ودابته، كما يأخذ منه الماء لنفسه، وإن أبي الدفع إلى صاحب الماء يكون هدرًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 457
ولو أبى الدفع على هذا القاصد يكون دمه مضمونًا عليه، وهكذا إذا احتاج إليه صاحبه للوضوء، وهناك مضطر إليه ليسقيه، يلزمه الدفع إليه، ويتيمم هو.
فأما إذا كان كلبه يحتاج إلى طعام، ومع آخر شاة، فهل له أن يكابره على أخذ الشاة منه لكلبه أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى، كما قلنا في الماء.
والثاني: لا، لأنه كما للكلب حرمة، لأنه ذو روح، وكذا الشاة فاستويا.
فأما إذا كان صاحبه محتاجًا إليه، فلا يجوز لغيره أن يكابره، ولو كابره على أخذه، فأتي الدفع على صاحبه الماء يكون دمه مضمونا عليه ولو أبي الدفع على القاصد يكون دمه هدرًا، لأن صاحب الماء لو آثره على نفسه، ودفع الماء إليه له ذلك.
وفيه قوله تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة).
فأما إذا احتاج إليه لوضوئه، وهناك جنب، أو محدث فليس له الإيثار، لأنه يعود إلى أمر العبادة.
فإن فعل فهو مسألة الهبة، وقد ذكرناها، وإن كان صاحبه احتاج إليه في المنزل الثاني.
وهناك من يحتاج إليه في المنزل الأول.
فيه وجهان:
أحدهما: صاحبه أولى لأنه لم يفضل عن حاجته، وهو مالكه.
والثاني: غيره أولى لتحقق الحاجة في حقه في الوقت، وتلك حاجة موهومة في ثاني الحال.
فأما إذا كان معه ثوب، وغيره محتاج إليه، حكمه حكم الماء، وقد ذكرناه.
الجزء: 1 - الصفحة: 458
فإن كان يحتاج إلى ذلك الثوب ليستر العورة في الصلاة فإن باعه بثمن المثل، يلزمه الشراء،
وإن باعه بأكثر من ثمن المثل، لا يلزمه ذلك.
ولو احتاج إليه لشدة البر المفرط، فإن باعه بأكثر من زيادة مثله، ففي الزيادة وجهان، كما ذكرنا، وإن لم يبعه منه، فهل له أن يكابره على أخذه منه، فعلى ما ذكرنا في الماء.
فرع:
لو اجتمع نفر على رأس بئر، وآلة الاستقاء مع احدهم يعرها للباقي ينظر فيه، فمن علم أن النوبة تئول إليه قبل خروج الوقت يصبر حتى تئول النوبة إليه ويصلي في الوقت بالوضوء، وإن علم أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد خروج الخروج ما حكمه؟
لم ينص على ذلك، ولكن نص في موضع آخر على أن جماعة لو كانوا في سفينة، وفيها مكان واحد للقيام.
فمن علم أن النوبة ينتهي إليه قبل خروج الوقت صبر.
ومن علم أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد خروج الوقت يصلي قاعدًا في الوقت.
ونص على أن جماعة لو كانوا عراة، ومع أحدهم ثوب يعيره من أصحابه واحدًا فواحدا.
فمن علم أن النوبة تأتيه قبل خروج الوقت صبر.
ومن علم أن النوبة لا تأتيه إلا بعد خروج الوقت، لا يصلي عريانًا في الوقت، بل يصبر حتى يصل مع الستر خارج الوقت.
قال القفال: لا أعلم فرقا بين المسألتين، وجعل المسألة على قولين.
الجزء: 1 - الصفحة: 459
ومن أصحابنا من أقر النصين قرارها، وفرق بينهما بأن ترك القيام أخف حكما في الصلاة من ترك الستر، لأنه قد يسقط القيام، بعذر المرض وغيره.
وقد يجوز تركه في النوافل مع القدرة عليه.
فإنه لا يسقط في أي صلاة كانت مع القدرة عليه، ولأن للقيام بدلا، وهو القعود، وليس للستر بدل.
فلهذا أمره بالصلاة في الوقت قاعدًا، ولم يأمره بها في الصلاة عاريًا، جئنا إلى مسألتنا إن جعلنا في المسألتين قولين.
ففي هذه المسالة أيضًا قولان.
وإن فرقنا بينهما هناك، فمسألتنا نظير مسألة السفينة، لأن للوضوء، بدلا وهو التيمم، قال المزني، ولو كان مع رجل ماء، فأجنب رجل، وطهرت امرأة، من الحيض، ومات رجل ولم يسعهم الماء، كان الميت أحبهم إلي: أن يجاد بالماء عليه، ويتيمم الحيان، لأنهما قد يقدران على الماء، والميت إذا دفن، لم يقدر على غسله، فإن كان مع الميت ماء، فهو أحقهم به، فإن خافوا العطش، شربوه، ويمموه وأدوا ثمنه في ميراثه.
قال القاضي حسين صورة المسألة اجتمع جنب، وحائض طهرت، وميت لم يغسل، وهناك ماء يكفي لأحدهم، فالميت به أولى يغسل به، ويتمم الحيان، لأن أمر الميت يفوت ويمكنها استعمال الماء في المستقبل
وصورة المسألة فيما إذا كان الماء مباحًا أو جاء أحد به، وجاء به على أحدهم لا على التعين.
وأما إذا كان لأحد الجنبين فهو أولى به، فلو كان هناك ميت وحي عليه نجاسة، وهناك ماء مباح فوجهان.
أحدهما: الميت أولى لما ذكرنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 460
والثاني: من عليه النجاسة أولى لأحدهما.
فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: الجنب أولى؛ لأن وجوب الاغتسال في حقه منصوص عليه بقوله تعالى: (وإن كنتم جنبًا فاطهروا).
وأيضًا فإنه يمنع عن قراءة القرآن على قول القديم، ولأن الصحابة اختلفوا في تيمم الجنب، دون تيمم الحائض.
والثاني الحائض، أولى لأن حكم الحيض أغلظ بدليل أنه يحرم القربان إليها والجنابة بخلافه.
والثالث: هما سواء، يقرع بينهما.
فأما إذا كان هناك محدث يقرع بنهما.
فأما إذا كان هناك محدث وجنب.
إن كان الماء يكفي المحدث دون الجنب، فهو أولى، لأنه يكمل طهارته، وإن كان يكفي الجنب، ولو استعمله المحدث يفضل للجنب شيئًا منه، فيه وجهان:
أحدهما: الجنب أولى، لأن الجنابة أغلظ حكمًا.
والثاني: المحدث أولى، لأنه يكمل به طهارته، ويفضل للجنب بعضه.
هذا إن قلنا: إن وجدنا بعض الماء يلزمه الاستعمال، وإلا فالجنب أولى، وإن كان للميت ماء، فالميت أولى به، فأما إذا كان الحي مضطرًا إليه، فالمضطر أولى، والميت يتمم.
قال: (ويؤدي ثمنه في ميراثه).
قال القاضي حسين: وعني بالثمن القيمة.
فإن قيل: لم أوجب قيمته، وهو من ذوات الأمثال؟
قلنا: لأن الماء يقوم في مكان العز، ويضمن بالمثل في مكان الإباحة، فلو أوجبنا المثل.
الجزء: 1 - الصفحة: 461
ها هنا: يتضرر به الميت، حتى لو ظفر الوارث به في مكان للماء فيه قيمة، فله أن يغرمه المثل.
فأما إذا كان في مكان لا قيمة للماء فيه، وغرمه القيمة ثم اجتمع في مكان للماء فيه قيمة، فهل له أن يسترد القيمةن ويغرمه المثل؟
فيه وجهان:
وهكذا لو أتلف حنطة على إنسان بـ (مرو الروذ) ثم القيمة، ليس له أن يغرمه المثل، بل يغرمه قيمة الحنطة، ب (مرو الروذ)، ولو اجتمع في المكان الذي أتلف فيه الحنطة.
هل له أن يرد عليه القيمة ويسترد المثل؟
فعلى وجهين، وكذا لو أتلف على إنسان جملاً في الصيف، ثم ظفر به في الشتاء، وغرمه القيمة، ثم دخل الصيف.
فهل له رد القيمة، واسترداد المثل؟
فعلى وجهين، والله أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 462
باب ما يفسد الماء
.
الماء على قسمين: قليل وكثير.
ويعني بالقليل ما يتقاصر عن القلتين، وبالكثير ما بلغ القلتين فصاعدًا، وسيأتي حكم الكثير.
فأما القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه، وإن لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة.
وقال مالك: لا ينجس ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة، كالماء الكثير واستدل عليه بقوله عليه السلام: خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه.
الجزء: 1 - الصفحة: 463
ولم يفصل بين القليل والكثير.
قلنا: هذا عام فنحمله على الكثير بدليل قوله عليه السلام: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا».
فمفهومه يدل على أن القليل بخلافه.
قال المزني: قال الشافعي-رحمه الله-: وإذا وقع في الإناء نقطة خمر، أو بول أو دم، أو أي نجاسة كانت مما يدركه الطرف، فقد فسد الماء، ولا تجزئ به الطهارة.
قال القاضي حسين: خص بدركها الطرف بالذكر.
من أصحابنا من قال: المزني أخل بالنقل، لأن الشافعي إنما فصل بين ما يدركها الطرف، وبين ما لا يدركها الطرف في الثياب لا في الماء.
فإنه قال في القديم: وإن كان على ثوبه قدر كف من دم، فهو معفو، وإن كان من سائر النجاسات، إن كان مما لا يدركها الطرف فمعفو، وإن كان مما يدركها الطرف، فليس بمعفو.
وقال في الجديد: إذا كان عليه قدره دم البراغيث، من الدم الذي خرج من بدنه، فهو معفو، وسائر النجاسات لا يعفى عنها، أدركها الطرف، أو لم يدركها.
واستدل على قوله القديم بما روي عن جعفر بن عبد الله بن محمد الباقر أنه قال: لقد هممت أن أتخذ ثوبًا للمغتسل لما رأيت أن الذباب تقع على النجاسات، ثم تطير على الثياب، إلا إني رأيت السلف لا يتحرزون عن ذلك فتركته.
الجزء: 1 - الصفحة: 465
فحاصل المذهب: أن ما يدركها الطرف ينجس به الماء والثوب.
فأما ما لا يدركها الطرف:
من أصحابنا من جعل في الثوب والماء قولين:
أحدهما: ينجس به الماء والثوب.
والثاني: ينجس به الماء دون الثوب.
والفرق بينهما أن الماء يمكن صونه، وتغطيته في الأواني، كي لا يقع فيه الذباب، ولا يتعذر ذلك، بخلاف الثياب.
وأيضا فإن الذباب إذا طار من النجاسة، فتجف رجله في الهواء، ثم لو وقع على الثوب، وكان الثوب يابسًا، فإنه لا يؤثر فيه بخلاف الماء، فإنه مائع فإذا لاقاه الماء يترطب رجله فينجس به الماء.
قال المزني: وإن توضأ رجلٌ، ثم جمع وضوءه في إناء نظيف، ثم توضأ به، أو غيره، لم يجزه، لأنه أدي به الفريضة مرة، وليس بنجس لأنه النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ولا شك أن من بلل الوضوء [ما] يصيب ثيابه، ولا نعلمه غسله، ولا أحدًا من المسلمين فعله، ولا يتوضأ به، لأن على الناس تعبدًا في أنفسهم بالطهارة من غير نجاسة، وليس على ثوب، ولا أرض تعبد ولا أن يماسه ماء من غير نجاسة.
قال القاضي حسين: الماء المستعمل على قسمين: مستعمل في الحدث، ومستعمل في الخبث.
فأما المستعمل في الحدث فهو الذي استعمل في طهارة الفرض في المرة الأولى، وأدى به حكمي من حيض أو جنابة.
ظاهر المذهب: أنه طاهر غير مطهر.
وفيه قول قديم للشافعي، وهو مذهب مالك أنه طهور، وحكي عيسى بن أبان عن الشافعي هذا القول.
الجزء: 1 - الصفحة: 466
قال ابن سريج: وهم في نقل هذا القول، فظن أن مذهبه أن الماء المستعمل طهور لكثرة ما رأي الشافعي يحتج على أبي يوسف فيه على أنه طاهر.
وعن أبي حنيفة روايتان.
وقال أبو يوسف/ إنه نجس، وعندنا يكون طاهرًا على ظاهر المذهب.
الجزء: 1 - الصفحة: 467
ولأي معنى صار مستعملاً.؟ فيه معنيان: أحدهما: لأنه أدي به الفرض مرة، وقد نص عليه الشافعي في أول الفصل.
الجزء: 1 - الصفحة: 468
والثاني: أن يستعمل، ويؤدي به العبادة، مستنبط من قوله، لأن على الناس تعبدًا في أنفسهم بالطهارة، وليس على الثوب تعبد، ولا على أرض تعبد.
فعلى هذا: إذا استعمل الماء في الكرة الثانية والثالثة في الوضوء، أو جدد الوضوء أو اغتسل للجمعات، أو الأعياد أو الصبي المراهق يتوضأ.
هل يكون طهورًا أو لا؟
فيه وجهان ينبنيان على المعنيين.
إن قلنا: إن المعنى فيه أنه أدي الفرض به، وهذه المياه لم يؤد بها الفرض، فيكون طهورًا.
وإن قلنا بالمعنى الثاني: فلا يكون طهورًا، لأنه أدي به العبادة.
فأما الذمية إذا طهرت من الحيض، واغتسلت لقربان الزوج إليها.
إن قلنا بالمعنى الأول: يصير الماء مستعملا.
وإن قلنا بالمعنى الثاني: لا يصير الماء مستعملا، لأنه لم يؤد به العبادة.
فرع:
الماء المستعمل في إزالة الحدث، هل يجوز إزالة الخبث به
فوجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن للماء قوتين:
قوة رفع الحدث، وقوة رفع الخبث.
والثاني: لا، لأن هذا ما لا يرفع الحدث، فلا يرفع الخبث، وكذا الماء المستعمل في إزالة الخبث.
فهل تجوز إزالة الحدث به؟
الجزء: 1 - الصفحة: 469
فوجهان على ما ذكرنا.
فرع:
فأما إذا جمع الماء المستعمل في إناء حتى بلغ قلتين.
فيه قولان:
أحدهما: يعود طاهرًا مطهرًا، لأنه صار إلى حاله، ولو كان عليه في الابتداء لم يحكم بكونه مستعملا، كالمياه النجسة، إذا جمعت حتى بلغت قلتين.
والثاني: لا بخلاف الماء النجس، لأن العلة لنجاسة القلة، وقد ارتفعت العلة إذا بلغت قلتين، وها هنا العلة فيه كونه مستعملا، وهذه الصفة تكون مع كثرة الماء، ولاترتفع عنه إذا بلغ قلتين.
فرع:
لا خلاف أن تجديد الوضوء سنة لقوله عليه السلام: الوضوء شطر الإيمان.
وروى عنه عليه السلام، أنه قال: من جدد الوضوء جدد الله إيمانه، فلو توضأ، ولم يصل به شيئا يكره له تجديد الوضوء، لأنه يؤدي إلى الزيادة على الثلاث في كل عضو.
وإن توضأ وصلى به الفرض، فإن أراد أن يصلي فرضًا آخر يستحب له تجديد الوضوء، وإن أراد أن يصلي به النافلة، هل يستحب له تجديد الوضوء أم لا؟
الجزء: 1 - الصفحة: 470
فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن العادة ما جرت بتجديد الوضوء للنافلة.
والثاني: بلى؛ لأنه قد أدى بالوضوء فرضًا واحدًا.
فأما إذا توضأ وأدي به صلاة التطوع، ثم أراد أن يصلي صلاة الفرض، فهل يستحب له تجديد الوضوء أم لا؟
فيه وجهان ينبنيان على المعيين في الماء المستعمل.
إن قلنا: إن الماء إنما يصير مستعملا إذا أدى به الفرض، فها هنا لا يستحب له تجديد الوضوء.
وإن قلنا: بأن الماء إنما يصير مستعملا إذا أدى به العبادة فها هنا يستحب له تجديد الوضوء ثانيًا.
فأما الماء المستعمل في إزالة الخبث فلا يخلو إما أن ينفصل عن المحل، ويحكم بطهارة المحل، أم لا يحكم بطهارته، فإن حكم بطهارة المحل، ينظر في الماء، فإن لم يكن متغيرًا.
الظاهر من المذهب: أنه طاهر.
وحكي أبو القاسم الأنماطي قولا آخر: أنه يكون نجسًا، وهو مذهب أبي حنيفة وفيه قول قديم، وهو مذهب مالك، أنه يكون طهورًا، والمذهب الأول فأما إذا كان الماء متغيرا فإنه يكون نجسًا وفي المحل وجهان:
أحدهما يكون طاهرًا، لأن النجاسة انتقلت منه إلى الماء.
والثاني: يكون نجسًا، لأنه بقي على المحل بلل، وهو بعض الماء، والماء الواحد لا ينقسم في الطهارة والنجاسة.
فأما إذا لم يحكم بطهارة المحل، بأن انفصل الماء عنه، وعين النجاسة على المحل باق، والماء متغير، فهما نجسان الماء والمحل، فأما إذا انفصل الماء غير متغير، والعين على المحل قائمة.
الجزء: 1 - الصفحة: 471
فالمحل نجس لا محالة، فأما حكم الماء يبني على المسألة الأولى إن قلنا هناك: يكون الماء نجسًا، فها هنا أولى.
وإن قلنا: لا يكون نجسًا فها هنا فيه وجهان.
والفرق أن هناك انفصل عن محل طاهر، وها هنا انفصل عن محل نجس، ثم ذكر ابن سريج في غسالة النجاسة ثلاثة معان:
أحدهما: أن حكم الماء بعد ما انفصل عن المحل حكم الماء قبل إيراده على المحل، وهذا ينزع إلى القول القديم.
والثاني: أن حكمه حكم المحل قبل ورود الماء عليه.
والثالث: أن حكمه حكم المحل بعد ورود الماء عليه، وفائدته إنما تظهر في غسالة ولوغ الكلب إذا أصاب محلا، فينبني على المعاني الثلاثة التي ذكرناها في غسالة غير الكلب، فإن أصابه في المرة أولى.
إن قلنا: إن حكمه حكم الماء قبل إيراده على المحل لم يجب غسله منه.
وإن قلنا: إن حكمه حكم المحل قبل إيراد الماء عليه لم يجب غسله سبع مرات، ويجب التعفير.
وإن قلنا: إن حكمه حكم المحل بعد إيراده الماء عليه، فيجب غسله ست مرات ثم إن وجد التعفير في محل الولوغ، فلا يجب ها هنا في الموضع الذي تقاطرت إليه وإلا فعليه التعفير، وعلى هذا القياس لو تقاطر من المرة الأولى والثانية والثالثة، فأما إذا تقاطر من المرة السابعة.
إن قلنا: إن حكمه حكم الماء قبل إيراده على المحل، فلا يجب غسله.
وإن قلنا: إن حكمه حكم المحل قبل إيراد الماء عليه، فيجب غسله مرة واحدة، وحكم التعفير على ما ذكرنا.
وإن قلنا: إن حكمه حكم المحل بعد إيراد الماء عليه لا يجب غسله أيضًا، وفي غسلات الكلب إذا جمعت وجهان:
الجزء: 1 - الصفحة: 472
أحدهما: أنها نجسة ما لم تبلغ قلتين.
والوجه الثاني: أنها طاهرة، لأن مجموعها طهرت المحل، فصار كغسالة غير الكلب، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: وإذا ولغ الكلب في الإناء، فقد نجس الماء، وعليه أن يهريقه، ويغسل منه الإناء سبع مرات، أولاهن بالتراب، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي حسين: إذا ولغ الكلب فيه فقد نجس الماء وعليه أن يهريقه، ويغسل الإناء منه سبع مرات، أولاهن أو آخرهن بالتراب.
وقال أبو حنيفة: يغسل ثلاث مرات، ولا يجب التعفير، وكذا عند حكم سائر النجاسات الحكمية، والدليل عليه حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب.
ولا نعنى بالتعفير إن نلقي التراب الجامد في الإناء، ونمسح به الإناء أو الطين، إذا كان متجمدًا غير سيال يلقى فيه، وتحركه فيه، بل نعنى به أن نلقي التراب في واحد من الغسلات السبعة مع الماء، حتى يتكدر الماء به، فيكون محسوبًا، ولو كان الماء كدرًا بالتراب بأن كان في وقت الربيع، فإنه يقوم مقام التعفير.
فأما الغسلة الثامنة هل تقوم مقام التراب أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى، لأن الماء أبلغ قوة في التطهير.
الجزء: 1 - الصفحة: 473
والثاني: لا؛ لأن النص ورد في التراب تعبدًا.
وهي يقوم غير التراب من الأشنان، والصابون والنخالة مقام التراب أم لا؟ فيه قولان نص عليهما في الجديد:
أحدهما: لا؛ لورود النص في التراب.
والثاني: وهو اختيار المزني، نعم، لأنها طهارة ورد الشرع بها بالجامد فلم يختصر بذلك الجامد كالاستنجاء وكالدباغ ثم اختلفوا في محل القولين منهم من قال: القولان في جميع المحال كلها.
ومنهم من قال القولان عند عدم التراب، لأن الشافعي، قال وإن كان في بحر لا يجد فيه ترابًا، فأما إذا وجد التراب قول واحد: أنه لا يجوز.
ومنهم من عكس ذلك وقال: عند وجود التراب قولان.
قال: فإن كان في بحر، لا يجد فيه ترابًا، فغسله بما يقوم مقام التراب في التنظيف من أشنان أو نخالة، أو ما أشبهه ففيه قولان:
أحدهما: ألا يطهر إلا بأن يماسه التراب.
والاخر: يطهر بما يكون خلفا من تراب، أو انظف منه [مما] وصفت، كما نقول في الاستنجاء.
قال المزني: قلت أنا: هذا أشبه بقوله: لأنه جعل الخزف في الاستنجاء، كالحجارة لأها لا تقي إنقاءها، فكذلك يلزمه أن يجعل الأشنان كالتراب، لأنه ينقي نقاءه، أو أكثر وكما جعل ما عمل عمل القرظ والشث في الإهاب في معنى لقرظ والشث، فكذلك الأشنان في تطهير الإناء في معنى التراب.
قال المزني: [الشث شجرة تكون بالحجاز].
قال القاضي حسين: أراد به أن الغالب أن التراب لا يوجد في البحر، كما نص على الحجر في الاستنجاء، فذكره لا لتعليق الحكم.
الجزء: 1 - الصفحة: 474
فأما عند عدم التراب قول واحد: أنه يجوز.
فإذا قلنا: غير التراب في الإناء يقوم مقامه، ففي التراب أولى، وإلا فوجهان، والفرق أن تأثير الأشنان والصابون أقوي في الثوب.
وأيضا إن العادة ما جرت باستعمال التراب في غسل الثياب، لأنه مما يفسده بخلاف الأواني.
فأما إذا أصاب الأرض ولوغ الكلب، ففي اعتبار التعفير وجهان:
الأظهر: أنه لا يعتبر، لأنه يحصل في كل مرة.
والثاني: بلي، للنص.
فأما إذا ولغ الكلب في إناء، ثم غمس الإناء في ماء لا يخلو، إما أن يكون الماء جاريًا أو راكدًا، فإن كان جاريًا إن تركه فيه ريثما يجري الماء عليه سبع جريات فذاك.
والثامنة هل تقوم مقام التعفير؟ فعلى ما ذكرنا من الوجهين:
وإن أخرجه في الحال فعلى وجهين:
أحدهما: عاد طاهرًا لأنه صار إلى حالة لو كان عليها لم ينجس بالولوغ.
والثاني: لا، ويحتسب ذلك غسلة واحدة.
وإن كان الماء راكدًا، فإن غمسه فيه، وخضخض الماء فيه سبع مرات فذاك، وإن أخرجه في الحال لا يعود طاهرًا، وإن تركه فيه زمانًا، ولم يحرك الماء، فيه وجهان.
فأما دم الكلب وبوله في ظاهر المذهب كريقه إذا راعينا المعنى، وهو قوله الجديد، وإن راعينا النص، وهو قوله القديم حكمه حكم سائر النجاسات، وكذلك إن مس قوائمه، أو بجزء من أجزائه موضعًا رطبًا إن راعينا القياس، وهو قوله الجديد يلزمه غسله سبع مرات إحداهن بالتراب، وإن راعينا النص،
الجزء: 1 - الصفحة: 475
وهو قوله القديم حكمه حكم سائر النجاسات، وكذا حكم الخنزير حكم الكلب في الجديد، لأنه أسوأ حالاً منه، إذ هو متفق في تحريمه، والكلب مختلف فيه.
وفي القديم إذا راعينا النص حكمه حكم سائر النجاسات.
فرع:
لو ولغ كلبان في إناء واحد وأكثر لا تجب فيه الزيادة على السبع، بخلاف ما لو بال رجلان في أرض يصب عليه ذنوبان من الماء، لأن ذلك لإذهاب عين النجاسة فكلما أزدادت النجاسة زيد في الماء بخلاف ما نحن فيه.
قال المزني: رحمه الله، ويغسل الإناء من النجاسة سوى ذلك ثلاثًا، أحب إلى فإن غسله واحدة، تأتي عليه، طهر، وما مس الكلب والخنزير من الماء من ابدانهما نجسة، وإن لم يكن في أبدانهما قذر.
قال القاضي حسين: فقد ذكرنا حكم نجاسة الكلب والخنزير، وأما نجاسة سواهما، إن كانت عينية فعليه إزالة العين، فإن لم يذهب الأثر، فعليه أن يغسله بالأشنان وغيره، ويستقصى فيه، فإن لم يذهب فالظهر أنه يكون معفوًا لما روى عن عائشة، رضي الله عنها أنها قالت كنا نغسل الثياب من دم الحيض وتبقي فيه بقعة، أو بقع، فنمسحها بالحناء، ونصلي فيها.
وإن كانت حكمية فنغسلها إلى أن يغلب على ظنه طهارته، ولا يعتبر فيه العدد.
ومن أصحابنا من قال: إنه يصب عليه سبعة أضعاف النجاسةن والصحيح هو الأول، ويدل عليه حديث أسماء.
وقوله: (ثم اغسليه بالماء)،
قال القاضي حسين، ليس فيه ذكر عدد، ولا شيء، ولكن يستحب عندنا غسله ثلاث مرات.
الجزء: 1 - الصفحة: 476
وقال أبو حنيفة: إنها واجبة، وقد ذكرناه.
فأما إذا انغمس الثوب في نجاسة من بول وغيره، ثم غسل بماء معلوم القدر، وانفصل منه الماء، ووزن بعده، فإن زاد الماء على مقداره يكون نجسًا، لا محالة، وإن لم يكن متغيرًا، لأن هذه الزيادة أقوى دليل على نجاسته من التغيير.
ثم المزني احتج على أبي يوسف في أن الماء المستعمل طاهر، حيث قال: إنه ماء طاهر منفصل عن محل طاهر، فالنجاسة من أين.
فاعترضوا عليه بأن قالوا: عندكم لو كان الماء القليل في إناء فنجس، وفي إناء آخر مثله، وكان نجسأ ثم جمعا في إناء واحد، وبلغا قلتين يصيران طاهريين، وهذا ماء نجس اجتمع مع ماء نجس فالطهارة من أين.؟
جوابه ما ذكرنا أن العلة فيه القلة عندنا وقد ارتفعت بالجمع والكثرة،
والثاني: قالوا: إذا غر العبد بأمة فولدت منه، قلتم،: بأن الولد حر، وهذا مولد بين رقيقين، والحرية من أين؟
جوابه: أنه وطئها على زعم أن ولده يكون حرًا منها، فإذا غر بالأمة صار الولد حرًا لغروره بذلك.
واحتج مالك في كونه طهورًا، وقاسه على الثياب أنه يجوز أن يتأدى به فرائض كثيرة، فكذا الماء مثله، وهذا شرط من شرائط الصلاة، كالستر، سواء قلنا: الفرق بينهما أن العادة جرت أن الناس يصلون في ثوب واحد أيامًا، بخلاف الماء، وأيضا فإنه جامد، فلم يصر مختلطًا به، ولا مستعملا في شيء حقيقة، بخلاف الماء.
قال المزني: واحتج بأن الخنزير أسوأ حالا من الكلب، فقاسه عليه، وقاس ما سوى ذلك من النجاسات على أمر النبي صلى الله عليه وسلم أسماء بنت أبي بكر في دم الحيضة، يصيب الثوب، أن تحته، ثم تقرصه بالماء، وتصلي فيه، ولم يوقت في ذلك سبعًا، قال القاضي حسين: أسار الحيوانات على نوعين، فإن كان الحيوان نجس
الجزء: 1 - الصفحة: 477
العين كالكلب والخنزير والمتولد منهما، أو من أحدهما، سؤر الكل نجس، فأما ما كان طاهر العين، فسؤره يكون طاهرًا يستوي فيه الآدمي وغيره من البهائم والسباع وغيره.
فأما الهرة فسؤرها طاهر، فأما إذا أكلت نجاسة، ثم ولغت في ماء قليل في الحال حكم بنجاسة ذلك، ولو تحقق طاهرة فمها، ثم ولغت في الماء القليل لا يحكم بنجاسته فلو عادت، ثم عادت وولغت ينظر فإن لم يكن هناك ما يتوهم أنها ولغت فيه، وطهرت فمها فإنه يحكم بنجاسة ذلك الماء، ولو بقيت مدة يحتمل ورودها على ماء كثير بأن كان ماء كثير قريب من ذلك الموضع فوجهان:
أحدهما: يحكم بطهارته لاحتمال ورودها على الماء الكثير.
والثاني: لا يحكم لأنا تيقنا نجاسة فمها، وشككنا في الطهارة، فاجتمع فيه الأصل والظاهر، وكل مسألة اجتمع فيها الأصل والظاهر، فيه قولان للشافعي رحمه الله.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: ما كان مأكول اللحم، فسؤره يكون طاهرًا، إلا سؤر الدجاجة، فإنه يكون مكروهًا لأنها تأكل العذرة، وما كان غير مأكول من الحيوان، فسؤره يكون نجسًا، وقال سؤر الحمار والبغل مشكوك فيه.
قال المزني: واحتج في جواز الوضوء بفضل ما سوى الكلب والخنزير بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل أنتوضأ بما أفضلت الحمر: قال نعم، وبما أفضلت السباع كلها، وبحديث أبي قتادة رضي الله عنه في الهرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنها ليست بنجس وبقوله عليه الصلاة والسلام إذا سقط الذباب في الطعام، فامقلوه، فدل على أنه ليس في الأحياء نجاسة إلا ما ذكرت من الكلب والخنزير.
قال القاضي حسين: وقال سؤر الحمار والبغل مشكوك فيه، وأما الخيل عند محمد، فسؤرها طاهر، وعند أبي حنيفة، مشكوك فيه كالبغل، وسؤر سباع
الجزء: 1 - الصفحة: 478
الطيور مكروهة، وسؤر سباع البهائم نجسة، لأنها تأخذ الماء بمشفريها، وذلك لحم، وتتعدى النجاسة إلى الماء بخلاف سباع الطيور، فإنهن يأخذ الماء بالمخالب، وذلك عظم لا تتعدي النجاسة منهن إلى الماء، فيدل عليه ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل، أيتوضأ بما أفضلت الحمر، قال: نعم، وبما أفضلت السباع كلها.
والدليل عليه حديث أبي قتادة في الهرة إلى قوله: إنها من الطوافين عليكم، وبقوله: إذا سقط الذباب في الطعام فامقلوه.
الجزء: 1 - الصفحة: 479
فدل أنه ليس سؤرهن بنجس إلا سؤال الكلب والخنزير، قال القاضي حسين: قوله: والذباب لا يؤكل لم يرد به أنه ليس مأكولا، إذ لا يشتبه ذلك على أحد، ولكن قصد به التعليل، وأنه غير مأكول، ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمقله في الطعام.
دل على أن الحكم لا يدور على المأكول في طهارة السؤر ونجاسته، كما قال أبو حنيفة، بل الأمر على ما بيناه.
وقوله: (وغمس الذباب في الإناء ليس يقتله).
قال القاضي حسين: إنما قال ذلك مع أبي حنيفة، حيث أستدل به على أن ما ليس له نفس سائلة من الحيوانات إذا مات في طعام لا ينجسه عنده، ووجه الاستدلال له أنه أمر بالغمس فيه، فلو كان ينجسه إذا مات فيه لما أمر بذلك.
فأما ألبان ما لا يؤكل لحمه لا لحرمته، فنجسة على ظاهر المذهب.
والقياس أنها طاهرة كالعرق والريق، إلا أن الصحيح أنها نجسة، لأن اللبن مما يتغذى به، كاللحم سواء، وإنما يعفي عن العرق والريق وغيره لعموم البلوى به.
وقال الإصطخري: لبن الأتان طاهر كعرقه.
قال المزني: فإن مات ذباب أو خنفساء أو نحوهما في إناء، نجسه.
وقال في موضع آخر، إن وقع الماء أو نحوهما في إناء، نجسه.
وقال في موضع آخر: إن وقع في الماء الذي ينجسه مثله، إذا كان مما له نفس سائلة.
قال المزني: هذا أولى بقول العلماء، وقوله معهم أولى به من انفراده عنهم، قال: وإن وقعت فيه جرادة ميتة، أو حوت، لم تنجسه، لأنهما مأكولان ميتين.
الجزء: 1 - الصفحة: 480
قال: ولعاب الدواب، وعرقها قياسًا على بني آدم.
قال: وأيما إهاب ميتة دبغ بما يدبغ به العرب أو نحوه، فقد طهر، وحل بيعه، ويتوضأ فيه، إلا جلد كلب، أو خنزير، لأنهما نجسان، وهما حيان، ولا يطهر بالدباغ عظم، ولا صوف، ولا شعر، لأنه قبل الدباغ وبعده سواء.
قال القاضي حسين: إذا مات في الماء القليل حيوان لا يخلو، إما أن يكون آدميا، أو غير آدمي، فإن كان آدميا، ففيه جوابان بناء على أن الآدمي، هل ينجس به، الماء.
وقسم لا يؤكل لحمه، وهو قسمان:
قسم له نفس سائلة إذا مات في الماء القليل ينجس الماء.
وقسم ليس له نفس سائلة، وهو قسمان:
منها ما يكون نشوءه في الطعام، كدود الباقي والخلي والتفاح ونحوه، فلا ينجس محل نشوئه إذا مات فيه للضرورة العامة، وإن أخرج من هذا المحل، ثم رد إليه، أو مات في غير محل نشوئه حكمه حكم ما ليس نشوءه في الطعام مثل الخنفساء والوزغ والعقرب وغيرها.
وفيه قولان:
في رواية محمد بن إسحاق بن خزيمة عن المزني: أنه ينجس بالموت.
وفي رواية عدنان: لا ينجس.
وقال أبو حامد قولا واحدًا: أنه ينجس بالموت، ولكن القولان في تنجس الماء به.
الجزء: 1 - الصفحة: 481
وقال القفال: القولان في أنه هل ينجس بالموت أم لا؟
إن قلنا: ينجس بالموت فينجس الماء به، وإلا فلا.
فأما دود القز، فإنه طاهر في حال حيته، ويجوز لانتفاع به، ويجوز بيعه، والصلاة معه ثم إذا مات، هل ينجس بالموت أم لا؟
فيه قولان.
فأما براز دود القز ورقه، هل يجوز بيعه والصلاة معه، إن قلنا: إذا مات لا ينجس، فيجوز ذلك، وإن قلنا: ينجس بالموت فلا يجوز، وإن قلنا: لا يجس بالموت، هل يجب غسل اليلح إذا مات فيه؟ إن قلنا ينجس بالموت، يجب غسله، وإلا فلا، فأما الهلب إذا خرز به خف لا تجوز الصلاة معه، فإذا غسل هل تجوز الصلاة معه؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى.
والثاني: لا؛ لأنه لا يتصور غسل باطنه، فإن الماء لا يدخل تحت تلك الثقبة التي أصابها الهلب وفيه الخرز، فلا يتحقق طهارته، ثم ذكر الشافعي رحمه الله ما يطهر بالدباغ وما لا يطهر، وقد أطلنا الكلام فيه فيما تقدم فلا يفيد، والله أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 482
باب الماء الذي ينجس، والذي لا ينجس
قال الشافعي: أخبرنا الثقة عن الوليد بن كثير المخزومي، عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا كان الماء قلتين، لم يحمل نجسًا، أو قال: خبثًا.
وروى الشافعي أن ابن جريج رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد لا يحضر الشافعي [ذكره]: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان الماء قلتين، لم يحمل نجسًا، أو خبثًا، وقال في الحديث: بقلال هجر.
قال ابن جريج: وقد رأيت قلال هجر، فالقلة تسع قربتين، أو قربتين وشيئا، قال القاضي حسين: قد ذكرنا حكم الماء القليل، وهو ما يتقاصر عن قلتين، والكلام في هذا الباب في حكم الماء الكثير، والماء الكثير هو أن يبلغ قلتين.
واختلف أصحابنا في قدر القلتين.
منهم من قال: القلتان خمسمائة من؛ لأن القلة اسم لما يستقل به البعير، والبعير إنما يستقل بمائتين وخمسين منا.
ومنهم من قال: القلتان ثلاثمائة من، لأن بعران العرب كانت صغارا لا تستقل بأكثر من وسق، وهو ستون صاعًا، فيكون مائة وستين منا، والقلتان ثلاثمائة وعشرون منا، فيذهب الوعاء والحبال عشرين منا، ويبقى الماء الخالص ثلاثمائة من.
ومنهم من قال: وهو الصحيح إن القلتين مائتان وخمسون منا لما روي
الجزء: 1 - الصفحة: 483
عنه عليه السلام، أنه قال: إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر لم يحمل خبثًا أو نجسًا.
قال ابن جريج: رأيت قلال (هجر) فكانت القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئًا.
قال الشافعي: الاحتياط أن يجعل الشيء نصفا، لأن العرب إذا ذكروا عددا أو شيئا، أرادوا بالشيء النصف، أو ما دونه، فتكون القلتان خمس قرب، كل قربة تكون خمسين منا، فجملتها مائتان وخمسون منا، وحده في الماء الكثير ذراع وربع في ذراع وربع طولا وعرضًا وعمقًا.
واختلف أصحابنا في أن هذا القدر تحديد أم تقريب.
فإن قلنا: إنه تحديد لو انتقص منه شيء، حكمه حكم القليل، وإن كان ما انتقض منه نصف من أو أقل منه، كما قلنا في نصاب الذهب والفضة، في باب الزكاة، لما كان ذلك القدر تحديدًا إذا انتقص منه شيء، قل أم كثر سقط الزكاة، وإن قلنا: أنه تقريب، فعلى هذا لو انتقص منه من أو منان أو ثلاثة لا يدخل في حد القلتين.
واختلف أصحاب أبي حنيفة في حد الماء الكثير فسئل محمد بن الحسن عن ذلك، فقال: هو أن يبلغ مسجدي هذا، فذرع مسجده، فقيل: إنه ثمان في ثمان.
وقيل: إنه عشر في عشر.
وقيل: إنه خمس عشرة في خمس عشرة.
وقيل: إنه عشرون في عشرين.
ومنهم من قال: حد الماء الكثير هو أنه إذا حرك أحد جوانبه لا يتحرك الآخر.
الجزء: 1 - الصفحة: 484
ومنهم من قال: حده إذا وقعت النجاسة في الماء، فكل موضع تيقن وصول النجاسة فيه فيحكم بنجاسته، وإلا فلا، حتى إن البحر العظيم إذا وقعت فيه نجاسة، تنجس ما يلى موضع النجاسة ما يحتمل وصولها إليها، فأما ما لا يحتمل لا يحكم بنجاسته.
دليلنا عليه قوله عليه السلام: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا).
يعني: يدفع الخبث عن نفسه، كما يقال: فلان لا يحمل الضيم، يعني يدفع الضيم والظلم عن نفسه.
فإن قيل: هذا مجمل لا يمكن الاستدلال به، لأن القلة اسم لأشياء كثيرة، فإنه يقال لرأس الحبل، قلة، ولقامة الإنسان قلة، وللكيزان الصغار قلة، ولما يستقله البعير قلة.
فإذا كان هذا الاسم متشركا بين أشياء، فلا يجوز تخصيصه بشيء دون شيء، إلا بدليل.
قلنا: القلة وإن كانت لأشياء، إلا أنه إذا ذكرت مقرونة باسم الماء، فإنه يعرف منه ويفهم ما ذكرنا.
وكلام صاحب الشرع إذا أطلق، فإنه يحمل على ما والمعهود والمتعارف بين الناس، هذا كما قال عليه السلام: في العينين الدية.
فإنه يحمل على عين الإنسان أعني الجارحة المخصوصة، حين ذكرها مقرونة باسم الدية، وإن كان اسم العين ينطلق على أشياء من عين الشمس، وعين الماء وغيرها.
الجزء: 1 - الصفحة: 485
كذا هذا مثله على أن ما ذكرتم لا يصلح أن يكون حدًا، لأن الحد ما يكون معلومًا، ويكون جامعًا مانعًا.
وقولكم: بأن حده أن يكون عشرًا في عشر، فقد وجد منكم اضطراب متفاحش على ما حكيناه، ولئن قلتم: حده ما إذا حرك أحد جوانبه تحرك الجانب الآخر.
هذا لا يكون جامعًا مانعًا، لأنه قد يختلف باختلاف حال المحرك، فإن المحرك لو كان قليلا، ربما يتحرك به الجانب الآخر، ولو كان عصفورا لا يتحرك به الجانب الآخر.
ولئن قلتم: بأن ما يلي النجاسة من الماء يكون نجسًا، وما سواه طاهرًا، وهذا يؤدي إلى أن نحكم بأن البحر العظيم إذا وقعت فيه نجاسة أن يكون جميع مائة نجسًا بأن يصب نجاسة في كوز ماء، ثم يصيب الكوز في الحوض، فيصير الكل نجسًا، ثم يصب الحوض في الغدير، فيصير نجسًا، ثم يصب الغدير في الوادي، فيصير نجسًا، ثم يصب الوادي في البحر العظيم حتى لو وصل ماؤه إلى جميع البحر، فيصير الكل نجسًا فهذا فاسد جدًا.
واحتج الشافعي: رحمه الله أيضا بما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل فقيل له: إنك تتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر تطرح فيها المحائض، ولحوم الكلام، وما ينجي الناس.
فقال عليه السلام: خلق الماء طهورًا لا ينجسه شيء، إلا ما غير طعمه أو لونه أو رائحته.
واختلفوا في إلقاء هذه النجاسات في بئر بضاعة.
منهم من قال: كان أهل الجاهلية يلقونها فيها.
وقيل: كان في الإسلام يفعلون ذلك مغايظة النبي صلى الله عليه وسلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 486
وقيل: إن البئر كانت في وهدة من الأرض، وكان على فوهه مزلة تطرح فيها هذه النجاسات، فكانت تهب الريح وتلقيها فيها.
واحتجوا بما روى عن ابن عباس أنه نزح زمزم من زنجي مات فيه.
أجاب الشافعي عنه بأربعة أجوبة في سطرين:
أحدهما: قال: إنا لا نعرفه، وزمزم عندنا، يعني مكة، ونحن أهل مكة فكيف بلغكم ذلك؟
فأشار إلى ضعف هذا الأثر.
وقد روى عن سفيان أنه لم ينزح زمزم في الجاهلية، ولا في الإسلام.
والثاني: قال: روى عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أربع لا يجنبن الماء والأرض والثوب والبدن، يعني: لا يضربك بحيث يجتنب عنهن، ثم قال: وهو لا يخالف النبي عليه السلام يعني الحديث المعروف.
والثالث: قال: يحتمل أنه إنما نزح؛ لأن الدم قد ظهر عليه وغير لونه، أو جعله تظيفا لا واجبا، لأنه معد للشرب.
وقيل: إنه ماء جار، فلا يتصور نزحه بوجه ما.
قال المزني: قال الشافعي: فالاحتياط أن تكون القلتان خمس قرب.
قال: وقرب الحجاز كبار، واحتج بأنه قيل: يا رسول الله، إنما تتوضأ من بئر بضاعة وهي تطرح فيها المحايض ولحوم الكلام، وما ينجي الناس، فقال: الماء لا ينجسه شيء، قال ومعنى لا ينجسه شيء، إذا كان كثيرًا لم يغيره النجس.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: خلق الماء طهورًا، لا ينجسه شيء إلا ما غير ريحه أو طعمه.
وقال فيما روى عن ابن عباس: أنه نزح زمزم من زنجي مات فيها: إنا لا
الجزء: 1 - الصفحة: 487
نعرفه، وزمزم عندنا، وروى عن ابن عباس أنه قال: أربع لا يخبثن فذكر الماء منها، وهو لا يخالف النبي صلى الله عليه وسلم وقد يكون الدم ظهر فيها، فنزحها، إن كان فعل أو تنظيفا، لا واجبًا.
قال: وإذا كان الماء خمس قرب كبار من قرب الحجاز، فوقع فيه دم أي نجاسة كانت، فلم [تغير] طعمه، ولا لونه، ولا ريحه، لم ينجس، وهو بحاله طاهر، لأن فيه خمس قرب، فصاعدًا، وهذا فرق ما بين الكثير الذي لا ينجسه إلا ما غيره وبين القليل الذي ينجسه ما لم يغيره، فإن وقعت ميتة في بئر، فغيرت طعمها، أو ريحها أو لونها، أخرجت الميتة ونزحت البئر، حتى يذهب تغيرها، فتطهر بذلك.
قال: وإذا كان الماء أقل من خمس قرب، فخالطته نجاسة، ليست بفائحة نجسته، فإن صب عليه ماء، أو صب على ماء آخر، حتى يكون الماءان جميعًا، خمس قرب فصاعدًا، لم ينجس واحدٌ منهما صاحبه.
[قال]: فإن فرقا بعد ذلك، لم ينجسا بعد ما طهرا إلا بنجاسة، تحدث فيهما.
قال القاضي حسين: وهذا ركاكة في اللفظ، حيث قال: الماء إذا كان خمس قرب فلم ينجس بوقوع النجاسة فيه، إذا لم يغير طعمه أو لونه أو رائحته، لأنه خمس قرب، جعل صورة المسألة دليلا في المسألة، والشافعي لم يقل هكذا، وإنما قال: لأنه كثير، فجعل الكثرة حدا، أو علة ذلك.
إذا ثبت هذا جملة المياة قسمان: راكد وجار.
فالراكد إذا وقعت فيه نجاسة لا يخلو إما أن يكون دون القلتين، أو قلتين فصاعدًا.
فإن كان دون القلتين، فلا يخلو إما أن تكون النجاسة ذائبة أو جامدة.
فإن كانت ذائبة تنجس الماء، سواء تغير الماء به، أو لم يتغير، وإنما يصير طاهرًا بأمرين:
الجزء: 1 - الصفحة: 488
أحدهما: زوال التغير.
والثاني: بلوغ القلتين، حتى لو صب فيه ماء أو نبع فيه ماء، ولم يبلغ قلتين لم يطهر، وإن زال تغيره، وكذا لو بلغ قلتين، ولم يزل التغير.
فإما إذا بلغ قلتين، وزال التغير حينئذ يصير طاهرًا.
فأما إذا كان أكثر من قلتين، فوقعت فيه نجاسة، فلا ينجس ما لم يغير أحد أوصافه الثلاث، فإذا غير أحد هذه الأوصاف يحكم بنجاسته، ثم إنما يظهر ذلك بأن زال تغيره، وهذا إنما يحصل بأن يصب فيه ماء آخر، أو نزح منه الماء، أو نبع فيه الماء، أو هبت عليه الرياح أو مرت عليه الايام، أو أشرقت عليه الشمس، أو نبت فيه العشب، أو الطحلب، فإذا زال تغيره بأحد هذه الأشياء يحكم بطهارته فأما إذا ألقي فيه شيء من الزعفران، أو الكافور، أو شيء له رائحة طيبة، فزال التغير به لا يعود طاهرًا، لأن هذه الأشياء تخفي اللون وتفشي الرائحة، ولا تزيل التغير، ولو ألقي فيه التراب حتى تغير لونه، فيه قولان:
أحدهما: أنه كالزعفران، فإنه يغطيه ولا يزيل.
والثاني: أنه كالماء؛ لأنه طهور كالماء، بخلاف الزعفران.
فأما إذا كانت النجاسة مستجدة، ووقعت فيما دون القلتين ينجس الماء بها، سواء، تغير أحد أوصافه الثلاث، أو لم يتغير وقد ذكرناه.
فأما إذا كان الماء قلتين فحسب.
قال في الجديد: يكون نجسًا، ولا يسعه استعماله، ولا الاغتراف منه، لأنه يلزمه أن يتباعد عن النجاسة بقدر قلتين، وهذا لا يتصور في القلتين، حتى لو صب فيه الماء، بحيث إنه بلغ مبلغا يمكنه أن يرفع الماء، وبينه وبين النجاسة قلتان، جاز.
وقال في القديم: إنها كالنجاسة الذائبة، حتى أنه يجوز أن يغرف منه، ويستعمله إذا لم يكن متغيرا من أي موضع شاء، وهذا القول أصح في هذه
الجزء: 1 - الصفحة: 489
المسألة؛ لأنا لو أخذنا بقوله الجديد، فنوجب أن البحر إذا وقعت فيه نجاسة جامدة أن يكم بنجاسة جميع ماء البحر، لأن الماء الذي يجنب النجاسة نجس، وذاك متصل بما يليه، وكل جزء منه يتصل بالآخر إلى آخر البحر، وهذا لا يقول به أحد.
فرع:
إذا وقعت نجاسة في بئر فيه ماء قدر قلتين، ثم استقى منها الماء بالدلو على قوله القديم، فلا يخلو إما أن دخلت النجاسة أولا في الدلو، أو دخل الماء أولا فيه.
فإن دخل الماء فيه أولا، فلا يخلو الماء إما أن يدخل فيه الماء دفعة واحدة، أو دفعات، فإن دخل فيه الماء دفعة واحدة أولا، دون النجاسة فباطن الدلو والماء الذي فيه طاهر، وظاهره وما في البئر نجس، وإن دخل فيه الماء بدفعات فالكل نجس نعني ظاهر الدلو وباطنه وما في البئر.
فأما إذا دخلت النجاسة أولا في الدلو، فلا يخلو، إما أن دخلت النجاسة اولا، ثم الماء أو دخلا معا، أو دخل الماء أولا، ثم النجاسة، فإن دخلت النجاسة أولا، ثم الماء، او دخلا معا، فما في الدلو نجس، وظاهر الدلو وما في البئر طاهر، فإن تقاطر منه شيء في البئر يصير الكل نجسًا.
فأما إذا دخل الماء أولا في الدلو، ثم النجاسة فظاهر الدلو وباطنه، وما في البئر نجس.
فلو ابتل الحبل، حتى سقط الدلو في هذه المسائل عاد الكل طاهرًا، لأن المائين صارا ماء واحدا، ودخلا في حد الكثرة وفي كل موضع حكمنا بنجاسة ماء البئر، فإنما يطهر إذا زال عنه التغيير، إذا كان الماء أكثر من قلتين.
وإن كان دون قلتين فأمره بين على ما ذكرنا.
فأما إذا كان أكثر من قلتين، ولم يزل تغييره حتى نزح الماء، أي ماء البئر
الجزء: 1 - الصفحة: 490
كله يجب غسل البئر، وإنما يمكن غسلها بأن يصب فيها الماء، حتى بلغ قلتين، أو ينبع فيها الماء، ويبلغ قلتين، ويرش على جوانبه الماء، ويغسل منه ما أصابه من الماء النجس إن تصور ذلك.
فأما إذا كان الماء أكثر من قلتين، فنزح بعضه، وزال التغير، فلا يخلو إما أن بقي قلتان، أو أقل من ذلك، فإن بقي قلتان صار طاهرًا، وإن كان دونه، فلا يعود طاهرًا ما لم يصب فيه الماء حتى يبلغ قلتين، أو ينبغ فيه ماء حتى يبلغ ذلك.
وقال أبو حنيفة / لو وقع ذنب فأرة في بئر ينزح ماء البئر كله، ولو وقعت فيها فأرة، أو ما في جرم الفأرة ينزح منها عشرون دلوًا، ولو وقعت فيها حمامة، أو ما في جرمها نزحت منها أربعون دلوًا مع الميتة.
ولو وقعت فيها شاة، وما في جرمها ينزح منها ستون دلوًا.
ولو وقعت فيها بقرة، أو حمارة، أو آدمي ينزح ماء البئر كله.
فأما إذا كان الماء أكثر من قلتين، فعلى قوله القديم: إذا وقعت فيها، ولم تتغير أحد أوصافه الثلاثة، يكون الكل طاهرًا، وله أن يغترف منه من أي موضع شاء.
وعلى قوله الجديد: ينبغي أن يكون بينه وبين موضع النجاسة قدر قلتين من الماء، فلو كان دون ذلك لا يجوز له الاغتراف منه.
قال القفال: أصحابنا لم يذكروا في كيفية اعتبار القلتين حدا، وقالوا: لو كان في بحر عظيم، وتباعد عن النجاسة قدر نصف ظفر واغترف منه يجوز، لأنه في العمق قد بلغ قلالاً كثيرة.
وعندي: يجب أن يكون موضع النجاسة والاغترف منه قدر قلتين على استواء الأضلاع الطول والعرض والعمق، إن كان مساوي الأضلاع، فأما إذا كان متفاوت الأضلاع فلا يجوز، وينبغي أن يكون على أصله بينه وبين الماء قلتان،
الجزء: 1 - الصفحة: 491
طولا وعرضًا وعمقًا، وهو أن يكون ذراعًا وربعًا عرضًا، في عمق ذراع وربع، إن كان له عرض، وإن لم يكن فيعتبر الطول والعمق.
فأما إذا تباعد عنه بقدر قلتين من جهة من الجهات الثلاثة، دون الباقي فلا، إذ لو جاز ذلك لجاز في البحر العظيم، إذا تباعد عن النجاسة قدر نصف ظفر أن يغترف منه، لأنه في العمق قد بلغ قلالا لا يعلمها إلا الله تعالى وعلى هذا القول الماء الممتد على وجه الأرض في الصحراء إذا كان ما تحته كله نجسًا من مرابض الغنم ونحوه، فأخذ منه الماء بالكوز، فلا يجوز أخذه ما لم يبلغ من جرم الكوز إلى النجاسة قدر قلتين عمقًا وطولاً.
فأما إذا كان أقل من ذلك، فإنه لا يجوز هذا كله، إذا كان الماء راكدًا، فأما إذا كان الماء جاريًا، فلا يخلو إما أن كانت النجاسة ذائبة، أو لم تكن فإن كانت ذائبة، فهي تجري مع الماء لا محالة، فالجرية التي فيها النجاسة نجسة، وما قبلها، وما بعدها، وما حواليها طاهر.
فإن كانت النجاسة بولا يعلو زبدها الماء، فحكمها حكم النجاسة الجامدة، وذلك لا يخلو، إما أن يجري مجرى الماء، أم لا؟
فإن كان يجري مع الماء فما قبلها، وما بعدها طاهر، وما حواليها على قوله القديم: طاهر.
وعلى قوله الجديد: إن بلغ قلتين، طاهر، وإن كان دونه نجس.
فأما إذا كانت واقفة والماء يجري عليها، فإن لم يتراد الماء عنها، فما فوقها طاهر، وما دونها إن اجتمع في موضع قدر قلتين، فهو طاهر يجوز أن يأخذ منه، وإن لم يجتمع في موضع قدر قلتين، وكان تجري على سمت النهر ممتدًا، فإن لم يتباعد الماء عنه بقدر قلتين، فهو نجس، وإن تباعد منه بقدر قلتين، فوجهان:
أحدهما: هو نجس أيضًا، لأن لكل جرية حكمًا على حدة، وبأن انتقل من موضع إلى موضع لا تنعدم النجاسة.
الجزء: 1 - الصفحة: 492
والثاني: هو طاهر، لأنه تباعد عن النجاسة، وبلغ قلتين فصار كما لو اجتمع في موضع هذا المقدار، ونظيره ما لو نقب جدار إنسان في شارع الطريق فانثالت الحنطة منه قدرًا يبلغ قيمتها نصابًا، فهل يجب عليه القطع؟
فعلى وجهين:
فأما إذا كان يتراد الماء عنه، فحكم ما فوقها حكم ما تحتها، وقد ذكرنا حكمه، والله أعلم بالصواب.
فرع:
لو اتخذ خليجًا من نهر كبير إلى ساقية يجري الماء فيها، ويخرج من جانب آخر، فحكم الخليلج والساقية حكم ماء النهر، وحكم الكل حكم الماء الجاري فأما إذا اتخذ خليجًا من نهر كبير إلى حوض، أو إلى غدير، وكان الماء ينصب فيه، ويستقر فيه، فحكم الخليلج حكم الماء الجاري، وحكم الحوض حكم الماء الراكد.
فلو أنه امتلأ الحوض واستوى ماؤه بماء النهر، حكم ماء الخليج والحوض حكم الماء الراكد.
وكذا لو اتخذ على شط البحر غديرًا يدخل فيه بعض ماء البحر، ويصفو فيه، حكمه الحكم الماء الراكد، وإن كان متصلا بالبحر.
فأما إذا اتخذ حوض، على سمت نهر كبير يدخل الماء فيه، ويخرج من جانب آخر وكان على سمت النهر، فحكمه حكم الماء الجاري.
فأما إذا كان على غير سمت النهر، بأن اتخذ ساقية من النهر إليه، ويدخل فيه الماء، ويخرج من موضع آخر، ينظر فإن كان الماء يخرج منه سريعًا، ولا يقف فيه، ثم يخرج بأن كان المخرج على الجانب الذي فيه المدخل، وكان الماء يدخل فيه، ويضرب على الجانب الذي بحذائه، ثم ترتد عنه إلى المخرج، ويخرج فإن حكم الحوض حكم الماء الراكد، وحكم الساقية حكم النهر.
الجزء: 1 - الصفحة: 493
فأما إذا كان المخرج بحذاء المدخل، الظاهر أن حكمه حكم الماء الجاري.
فأما إذا كان في موضع ماء بلغ قلتين، إلا رطلا، وكان طاهرًا فغمست فيه قرقارة فيها رطل ماء نجس، وفيه وجهان:
أحدهما: يطهر ماء القرقاوى، ولا ينجس ماء الحوض، لأنهما ماءان بلغا قلتين، ثم فرقا في إناءين.
والثاني: لا يطهر ماء القرقارة، لأنه لم تختلط بماء الحوض، بدليل أنه لو كان الماء الذي فيه حارًا يبقى حارًا، ولو كان باردًا يبقى كذلك، فعلى هذا ينجس ماء الحوض، وعلى عكسه لو كان ماء الحوض بلغ قلتين، وإلا رطلا، وكان نجسًا، فغمست فيه قرقارة فيها رطل ماء طاهر، فيه وجهان:
أحدهما: يطهر ماء الحوض، لأنهما ماءان بلغا قلتين، وإن لم يكن متغيرًا، ثم فرقا في موضعين.
والثاني: لا يطهر ماء الحوض، ولا ينجس ماء الكوز لعدم الاختلاط بينهما على ما ذكرنا.
وفي هذه الصورة لو صب فيه رطل بول لا يعود طاهرًا، لأنه لم يبلغ الماء قلتين لأن البول ليس بماء.
فعلى هذا إذا لم يكن متغيرًا، ولو صب فيه رطل من ماء الورد، وأيضا لا يعود طاهرًا كالبول، لأن ماء الورد لا يصير طهورا بالكثرة، فإنه لو بلغ قلالا لا يعود طهورا، كالبول سواء، ولو صب فيه رطل من الماء المستعمل، هل يعود الكل طاهرًا أم لا؟
هذا ينبني على أن الماء المستعمل إذا اجتمع حتى بلغ قلتين، هل يصير طهورًا أم لا؟
إن قلنا: يصير طهورًا، فيطهر جميع الماء، كما لو صب فيه رطل ماء نجس، أو طاهر، وإلا فحكمه حكم ماء الورد.
الجزء: 1 - الصفحة: 494
فأما إذا كان الماء أقل من قلتين، ووقعت فيه نجاسة، وصب عليه ماء طاهر أو نجس حتى يصير الماءان معا قلتين، ولم يكونا متغيرين يعود الكل طاهرا، حتى لو فرق في إنائين لم ينجسا، إلا بنجاسة تحدث فيهما، هذا إذا كانت النجاسة ذائبة.
فأما إذا كانت جامدة، فإذا خرجا من موضع، وبلغا قلتين، على المذهب القديم، عاد طاهرا.
وعلى المذهب الجديد، لم يعد طاهرًا، فلو فرقا في إناءين دفعة واحدة، فما بقي فيه الناجسة صار نجسًا على القولين، وما لم تكن فيه نجاسة بقي طاهرا على قوله، القديم.
وعلى قوله الجديد: عاد نجسًا، وإن فرقا في إناءين بدفعات عاد الكل نجسا، قال المزني: وإن وقع في الماء القليل ما لا يختلط به، مثل العنبر، أو العود، أو الدهن الطيب، فلا بأس به، لأنه ليس [مخلوطًا] به.
قال القاضي حسين: فإنه لا يمنع جواز التوضؤ، وإن غلب على أحد أوصافه، لأن ذلك بالمجاورة، وجعل كما لو تريح الماء بالجيفة الملقاة على شط البحر، وإن كان مما يختلط به مثل الزعفران وغيره يفترق فيه الحكم بين القلة والكثرة، وقد استقصينا القول فيه في أول الكتاب فلا نعد، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: وإذا كان معه في السفر إناءان يستيقن أن أحدهما قد نجس، والآخر [ليس] ينجس تأخي، وأراق النجس على الأغلب عنده، وتوضأ بالطاهر لأن الطهارة تمكن والماء على أصله طاهر.
قال القاضي حسين: إذا كان معه أواني بعضها طاهر، وبعضها نجس، واشتبه عليه ذلك، فإنه يتحرى ويستعمل أحدها بالتحرى، لأن هذا شرط من شرائط
الجزء: 1 - الصفحة: 495
الصلاة، فيجوز الاجتهاد فيه عند الاشتباه، كالقبلة، وسواء عندنا أن يكون عدد الطاهر أقل، أو أكثر، أو هما سواء.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا إذا كان عدد الطاهر أكثر، ووافقنا في الثياب فنقول: ما جاز التحرى فيه عند الاشتباه إذا كان عدد الطاهر أكثر جاز، وإن كان عدد الطاهر أقل، دليله الثياب، وهل يحتاج في التحرى إلى ضرب من الدليل أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: يكفيه غلبة الظن؛ لأن الأصل أن الماء على الطهارة، وعليه يدل النص، لأنه قال: أراق النجس على الأغلب عنده.
والثاني: لابد في التحرى من ضرب من الدليل، كما في سائر المتجهدات من القبلة، واجتهاد، واجتهاد القاضي في القضاء وغيره.
والدليل مثل: إن رأي أحدهما قد انكشف عن الغطاء، أو رأي بللا على شفة أحدهما، ورأي أحدهما يتحرك فيه الماء، أو رأي رجل الكلب أقرب إلى أحدهما: وأبعد من الآخر، ويشم من أحدهما رائحة كريهة.
فإن قيل: أليس أن في باب القبلة لا يجوز الاجتهاد بغلبة الظن، وها هنا قلتم، بأنه يجوز في وجه، فما الفرق بينهما؟
قلنا: الفرق بينها أن جهة القبلة مشاهدة معاينة يمكن معرفتها حقيقة ويقينا، إذا أنعم النظر والاجتهاد فيها، فلهذا لا نكتفي فيه بمجرد غلبة الظن، حين لم يتعذر عليه معرفتها بالدليل، أما طهارة الماء ليس بشيء مشاهد يمكن معرفته قطعًا ويقينا.
وقلنا: بأنه يكتفي فيه بلغبة الظن، تيسيرا عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 496
إذا ثبت هذا ينظر، فإن لم يتبين له الطاهر من النجس بالاجتهاد، والتحرى، وغلبة الظن، فله أن يتيمم، ويصلي ولكن تلزمه الإعادة، لأن معه ماء طاهرًا بيقين، ولكن الحيلة فيه أن يصب أحدهما، أو يريق أحدهما في الآخر، حتى لا تلزمه الإعادة، بخلاف ما إذا كان معه ماء طاهر متين الطهارة بيقين، فأراقه بعد دخول وقت الصلاة، حيث يلزمه إعادة الصلاة في وجه، لأن هناك هو غير محتاج إلى إراقته، وها هنا يحتاج إلى إراقته، تحرزًا عن استعمال الماء النجس.
فأما إذا ظهر له الطاهر من النجس بالتحرى يلزمه استعماله، ولا يجوز له التيمم، ولو توضأ وصلي، ثم أحدث، ودخل عليه وقت صلاة أخرى، يلزمه التحرى فيه ثانيًا، كما في وجه القبلة، ثم ينظر فإن بقي من الماء الأول شيء وأدي اجتهاده إليه توضأ به، ويصلي كما فعل في الابتداء، وإن تيقن نجاسته بأن وجد في أسفل الإناء بعرة، أو أخبر به عدل أو ما أشبه ذلك، يلزمه ان يتوضأ بالثاني، ويغسل من بدنه وثوبه ما يصل إليه من الماء الأول، ويعيد ما صلى بذلك الوضوء، وإن أدي اجتهاده إلى الماء الذي في الإناء الآخر، ولم يعلم قط ما طهارته، فإنه لا يستعمله، لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، بل يريق أحدهما، أو يصب أحدهما في الآخر، ويتيمم، ولا يعيد الصلاة.
فأما إذا ترك الإناءين على حالهما، وتيمم، وصلي، فإن كان في الأول من الماء قدر ما يتمكن ان يتوضأ به يلزمه إعادة الصلوات ما دام ذلك معه، وإن كان بقي فيه قدر ما لا يكفي لأعضاء طهارته، فهذا ينبني على أنه لو وجد ذلك القدر من الماء المتيقن طهارته، هل يلزمه استعماله أم لا.
إن قلنا: يلزمه استعماله، فها هنا ما دام ذلك القدر معه تلزمه إعادة الصلوات.
الجزء: 1 - الصفحة: 497
وإن قلنا: لا يلزمه استعماله، جعل كما لو صبه، ولا يلزمه إعادة الصلوات.
فإن قيل: أليس إنه إذا اجتهد في القبلة، فأدى اجتهاده إلى جهة، فصلى لها، ثم أدي اجتهاده في الصلاة الثانية إلى جهة أخرى، فإنه يصلي إلى الجهة الثانية، وفيه نقض الاجتهاد.
قلنا: ليس هذا كالقبلة، لأن الصلوات تجوز من غير جهة القبلة في الجملة، أما لعذر المسابقة أو السفر وغيره فيجوز أن يؤمر له بالصلاة إلى تلك الجهة.
أما الصلاة بالماء النجس قط لا تجوز في حال من الأحوال، فلهذا لم يؤمر بذلك ثانيًا.
وأما إذا كان معه إناءان: أحدهما طاهر، والآخر نجس، واشتبه عليه ذلك.
ومعه إناء آخر طاهر بيقين هل يجوز له التحري في الإناءين، أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، كما لا يجوز للقاضي أن يقضي في الحادثة بالاجتهاد مع وجود النص.
والثاني: يجوز، والفرق بينهما أن هناك وجد النص في محل الاجتهاد، وهي الحادثة، فقلنا: بأنه لا يجوز الحكم به، وها هنا لم يوجد النص في محل الاجتهاد، ولأن أحدهما ممتاز عن الآخر صورة ومحلا، فقلنا: بأنه جائز.
فإما إذا كان معه إناءان: أحدهما ماء، والآخر بول، واشتبه عليه ذلك، هل يجوز له التحرى فيه أم لا؟
إن قلنا: بأنه يستعمل بغلبة الظن، ها هنا لا يجوز.
وإن قلنا: انه يستعمل بالدليل، ها هنا وجهان:
أحدهما: يجوز.
والثاني: لا يجوز، لأن البول ليس له أصل في الطهارة يمكنه رده إليه بالتحري بخلاف الماء، لأن أصله على الطهارة، فيمكنه رده إليه بالتحري، إذا شك في طهارته، ويتسمك فيه بالأصل.
الجزء: 1 - الصفحة: 498
فأما إذا كان معه إناءان: أحدهما ماء، والآخر ماء الورد، هذا ينبني على أنه إذا كان معه إناءان: أحدهما طاهر، والاخر نجس، وشك فيهما، ومعه إناء متيقن الطهارة، فهل له التحرى فيه أم لا؟
إن قلنا: إن هناك لا يجوز له التحري فيهما، فها هنا مثله، ويستعمل أحدهما، ثم الثاني على الترتيب.
وإن قلنا: يجوز له التحري فيه، ها هنا ينظر، إن قلنا: إنه يستعمل الماء بغلبة الظن، ها هنا لا يجوز له التحري فيه، بل يستعمل كليهما.
فإن قيل: إذا قلتم، فيستعمل كليهما، فإنه لا يدري أن طهارته من الماءين بماذا تحصل يقينا، ويقين الطهارة شرط لصحة الصلاة، إذ النية شرط شرط في الطهارة، فما لم يتيقن طهارة الماء لا يمكنه أن يجزم النية فيه.
قلنا: مثله يجوز عند الاشتباه والضرورة، كما لو نسي صلاة من خمس صلوات، فإنه يصلي خمس صلوات، ويحتاج في كل واحدة منها إلى نية الفرض، وإن لم يمكنه جزم النية في الكل، فجوزناه هكذا هذا.
فأما إذا كان معه إناءان من ألبان النعم، أحدهما طاهر، والاخر نجس، أو إناءان من خل ودهن وغيره من المائعات، واشتبه عليه ذلك لا يجوز له التحري فيه، كما قلنا في الإناءين من الماء.
فأما إذا كان أحدهما لبن النعم، والآخر لبن ما لا يؤكل لحمه، أو كان أحدهما خلا، والآخر خمرا حكمه حكم الإنائين، أحدهما ماء، والآخر بول واشتبه عليه ذلك.
فأما إذا كان له دنان من خل وخمر في بيت، فدخل البيت في ليلة ظلماء، وكان معه إناء صغير يغمسه في أحدها، ويأخذ منه قدرا، ويصبه في موضع آخر، ثم يغمس ذلك الإناء في الاخر، ويأخذ منه قدرًا، ويصبه في ذلك الموضع، ثم اشتبه عليه الدنان، واجتهد فيهما، فإن أدى اجتهاده إلى أن ما أخذ منه أولا طاهر، والآخر نجس، وإن أدى اجتهاده إلى أن الطاهر الذي أخذ
الجزء: 1 - الصفحة: 499
منه ثانيًا، فالأول والثاني نجسان، لأنه إذا دخل الإناء في الدن الأول صار نجسًا بزعمه، فإذا أدخله في الثاني تنجس به، فيصير الكل نجسًا.
فأما إذا كان معه شاتان مسلوختان، اشتبه عليه المذكاة منهما في الميتةـ، الصحيح: أنه لا يجوز له التحري فيهما، لأن الأصل في الميتات الحرمة، وبالشك لا يجوز استباحتها، بخلاف الماء، فإن الأصل في المياه الإباحية، فإذا وقع فيه الشك تمسك بما هو الأصل فيه بالاجتهاد، وزانه أن لو تحقق أن كل واحدة منهما مذكاة، إلا أن إحداهما مسمومة، والأخرى غير مسمومة، واشتبه عليه المسموم منهما، فإنه يجوز له التحري فيه كالماء سوى.
فأما إذا اشتبه عليه غنيمة بين أغنام الناس، أو رحله بين رحال الناس، أو برج حمامه بين حمامات الناس، فإنه يجوز له التحري في هذه المواضع كلها.
فأما إذا وجد فلذة لحم ملقاة في الطريق، ولم يكن ملفوفًا بخرقة، ولا بشيء، فالظاهر أنها تكون ميتة، وإنما وقعت في فم طائر، أو غيره ويكون حرامًا، فأما إذا وجده في مكتحل أو خرقة، وما أشبه ذلك فالظاهر أنها مذكاة، ويكون مباحًا، إلا إذا كان في تلك البلدة مجوس ومسلمون، فاختلط البعض بالبعض، فحينئذ الظاهر أنه لا يباح له تناوله.
فأما إذا اشتبه امرأته فيما بين جماعة من النسوة لا يجوز له التحرى فيه، لأن الأصل في الفروج التحريم، ولا يجوز استباحتها بالاجتهاد، وعند الشك، ولأنه لا ضرورة له إلى ذلك، لأنه يمكنه أن يعقد على واحدة منهن عقد النكاح، فأما إذا اشتبه عليه واحدة من محارمه بين جماعة من النساء، أو اختلط محارمه بنساء بلدة بعينها ينظر فإن كان نساء تلك البلدة محصورات معدودات لا يجوز له التزوج بواحدة منهن بالاجتهاد، لأن ذلك قد وقع نادرًا، ويمكنه الانتقال إلى غيرهن، فأما إذا كان نساء تلك البلدة غير محصورات، فيجوز له التزوج بواحدة بامرأة غريبة منهم، فيجوز ذلك لأجل الضرورة، والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 500
باب المسح على الخفين
.
قال الشافعي: أخبرنا الثقفي، يعني عبد الوهاب، عن المهاجر أبي مخلد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة، وإذا تطهر، ولبس خفيه فله أن يمسح عليهما، قال: وإذا تطهر الرجل المقيم؛ بغسل، أو وضوء، ثم أدخل رجليه الخفين، وهما طاهرتان، ثم أحدث، فإنه يمسح عليهما من وقت ما أحدث يومًا وليلة، وذلك إلى الوقت الذي أحدث فيه، فإن كان مسافرًا، مسح ثلاثة أيام ولياليهن إلى الوقت الذي أحدث فيه.
المسح على الخفين جائز عندنا، وعندنا عامة العلماء، إلا ما حكي عن الشيعة
الجزء: 1 - الصفحة: 501
أنهم قالوا: لا يجوز، وهو مذهب علي كرم الله وجهه.
واستدلوا عليه بما روي عن علي أنه قال: لا أبالي أأمسح على خفي أو على ظهر بعيري؟!
الجزء: 1 - الصفحة: 502
.............
الجزء: 1 - الصفحة: 503
قلنا: هذا محمول على ما إذا مسح عليه بعد انقضاء المدة، أو على غير كمال الطهارة بدليل ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة إذا تطهر، فلبس خفيه أن يمسح عليهما.
وحديث صفوان بن عسال دليل عليه أيضًا.
والمعنى فيه أن الناس يضطرون إلى لبس الخف حضرًا، وسفرًا، وقد جرت
الجزء: 1 - الصفحة: 506
عادتهم باستدامته، وتلحقهم المشقة العظيمة في نزعه، فرخص لهم المسح عليه، كما رخص لهم الفطر والقصر وسائر أنواع الرخص، فإذا ثبت هذا نقول: إنما يجوز المسح على الخفين إذا تطهر، ثم لبس الخفين على كمال الطهارة، ثم إن كان مقيمًا له أن يمسح عليهما يومًا وليلة، وإن كان مسافرًا ثلاثة أيام ولياليهن، ويحتسب ابتداء المدة عندنا من وقت الحدث، حتى لو
الجزء: 1 - الصفحة: 507
توضأ، ولبس الخفين، وصلي بذلك يومًا أو أكثر منه، ثم أحدث يجوز له أن يمسح عليه، وبيتدئ مدة المسح من هذا الوقت، وعلى عكسه لو أحدث، ولم يتوضأ حتى مضى يوم وليلة في الحضر، وثلاثة أيام ولياليهن في السفر، فقد تم مدة المسح، وليس له المس عليه، بل يجب عليه نزع الخف.
وقال أحمد: الاعتبار بفعل المسح حتى لو أحدث ولم يمسح ولم يصل، ومضت أيام كثيرة، ثم مسح عليهما يحتسب ابتداء المدة من وقت المسح.
دليلنا عليه أنه إذا أحدث فقد دخل وقت جواز الرخصة، وهو المسح، فإذا انقضت من ذلك الوقت مدة المقيم، أو المسافر وجب أن يرفع حكمه، لأن العبادات يدخل وقتها بدخول الزمان، ويفوت بفوات الزمان، وإن لم يوجد فعل العبادة، كما في الصوم والصلاة وكذا عبادة المسح مثله.
وعندنا: أقصى ما يجوز الصلاة بالمسح على حكم لبس واحد في الحضر ست صلوات، ويصور كأنه أحدث في آخر وقت الظهر، ويتوضأ، ويمسح عليهما، فيصلي الظهر، ثم العصر، ثم المغرب والعشاء والصبح لمواقيتها، ثم الظهر في أول وقتها في اليوم الثاني، فإن جمع الصلاتين لعذر المطر، فيكون سبع صلوات.
وفي السفر أقصى ما تتأدى به ست عشرة صلاة، وإذا جمع سبع عشرة على هذا القياس.
قال المزني: وإذا جاوز المقدار، فقد انقطع المسح، فإن توضأ، ومسح وصلى بعد ذهاب وقت المسح، أعاد غسل رجليه والصلاة.
قال القاضي حسين: قد ذكرنا مدة المسح والوقت الذي تنعقد فيه مدة المسح، فإذا مضت المدة التي ذكرناها، فقد انقطع حكم المسح، ولا يجوز له أن يصلي بما مسح في المدة، ولا بمسح جديد ينشئه، كما لو نزع الخفين في المدة، أو بعد انقضائها، ويلزمه غسل الرجلين، وفي وجوب استئناف الوضوء، قولان، وسيأتي ذكرهما فيما بعد إن شاء الله تعالى.
الجزء: 1 - الصفحة: 511
قال المزني: ولو مسح في الحضر، ثم سافر مسح مسح مقيم، ولو مسح مسافرًا، ثم أقام، مسح مسح مقيم.
قال القاضي حسين: إذا اشترك الحضر والسفر في لبس الخف، ففيه مسائل: إحداها: أنه يتوضأ في الحضر، ولبس الخف، ثم سافر، وأحدث، له أن يمسح مسح المسافرين، بلا خلاف.
فأما إذا أحدث في الحضر وسافر قبل المسح فإنه يمسح مسح المسافرين.
وقال المزني: يمسح مسح المقيمين، وجعل دخول وقت العبادة كوجودها حقيقة.
قلنا: الزمان لا يراد لعينه، فلم يتعلق به حكم اشتراك الحضر والسفر، وإنما المقصود فعل العبادة، ولم يشترك فيه الحضر والسفر.
وعند المزني: لو أنشأ السفر بعد دخول الوقت، وقبل فعل الصلاة لا يجوز له القصر، وما ذكرناه دليل عليه في المسألتين.
فأما إذا أحدث في الحضر، وتوضأ، ثم سافر، أو مسح على أحد الخفين، ثم سافر، ومسح على الخف الآخر، له أن يمسح مسح المسافر، والحد فيه أنه مهما سافر قبل أن أكمل مسحًا في الحضر بعد لبس الخفين على الطهارة، ثم توضأ، ومسح عليه، ثم سافر، فإنه يمسح مسح المقيمين عندنا.
وقال أبو حنيفة: يمسح مسح المسافرين، وقاسه على ما إذا سافر، ومسح في السفر، ثم أقام، فإنه يمسح مسح المقيمين اعتبارًا بالانتهاء كذا هذا مثله.
دليلنا عليه عبادة منعقدة اجتمع فيها حكم الحضر والسفر، فغلب الحضر فيها على السفر.
دليله الصلاة، فإنه لو افتتح الصلاة في الحضر، ثم سافر بأن كان في سفينة سارت السفينة، أو افتتح الصلاة في السفينة، فصار مقيمًا بأن اتصلت السفينة بالبلد، وكذا إذا أصبح في يوم من رمضان صائمًا، ثم سافر لا يباح له الإفطار
الجزء: 1 - الصفحة: 512
تغليبًا للحضر على السفر، كذا ها هنا مثله، بخلاف ما ذكرنا من المسائل قبلها، لأن هناك لا تنعقد قربة المسح مسحًا في الحضر، وزانه أنه لو نوى الصوم، ثم سافر قبل طلوع الفجر، وها هنا بعكسه على ما بنا.
فأما إذا كان مسافرًا، أو أحدث، ومسح عليهما، ثم أقام فإنه يمسح مسح المقيمين، لما ذكرنا من المقيمين ثم ينظر فإن لم تمض مدة مسح المقيم، له أن يمسح عليهما إلى انقضاء تلك المدة، وإن مضت تلك وزادت على يوم وليلة من وقت الحدث، أو لم تزد ثم أقام ليس له المسح عليهما، وعليه نزعهما، وغسل الرجلين، وقال المزني: كل يوم وليلة في السفر مقابل بثلث يوم في الحضر، فعلى هذا إن مضى يوم وليلة في السفر بعد الحدث، فله أن يمسح عليها بعد الإقامة ثلثي يوم وليلة، وإن كان قد مضت يومان وليلتان في السفر، مسح في الإقامة ثلث يوم وليلة، وهذا لا يصح، لأنه لو ابتدأ المسح في الحضر لا تستعمل هذه المقابلة، ولا نقول: مضى في الحضر ثلث يوم، يجوز له إذا سافر أن يمسح يومين، وإن مضى في الحضر ثلاثة أيام يجوز له إذا سافر أن يمسح يومًا، فكذلك فيما نحن فيه، وجب أن يكون مثله.
فأما إذا شك في أنه، هل ابتدأ المسح في الحضر، أو في السفر، وهو مسافر فإنه يمسح مسح المقيمين أخذا باليقين، كما لو شك في انقضاء مدة المسح يلزمه نزع الخف احتياطًا، وإن كان الظاهر أن المدة لم تنقض، وأنه مسح وهو مسافر، وقال صاحب التلخيص، الأصل أن كل ما تمهد، وتقرر في الشريعة، فالأصل بقاؤه، ولا يجوز تركه، والنزول عنه بالشك، إلا في مسائل وذكر هاتين المسألتين من جملتها.
وأيضا قال في المستحاضة: إذا شكت في خلال الصلاة في انقطاع دمها لا يجوز لها إتماما الصلاة، والأصل سيلان الدم بها، وكذا إذا صلى في ليلة ظلماء في السفر، فدخل بلدة لم يدر أنها بلدة الإقامة ام لا، لا يباح له القصر، وإن
الجزء: 1 - الصفحة: 513
كان الأصل أنه مسافر، وكذا لو دخل بلدة، ثم شك في أنه، هل نوي الإقامة فيها أم لا، فلا يباح له الترخص برخص المسافرين، وإن كان الأصل أنه لم ينو الإقامة، وكذا لو شك في يوم الجمعة، انه هل انقضي وقت الظهر أم لا؟
فلا يجوز له أن يتم الصلاة جمعة، بل يلزمه إتمامها ظهرًا، والأصل بقاء الوقت، فيترك الأصل بالشك في هذه المسائل.
قلنا: نحن ما تركنا الأصل بالشك ألبتة في هذه المسائل ولكن قلنا في باب المسح: الأصل غسل الرجلين عليه، وفي باب الصلاة الأصل اشتغال ذمته بها، ووجوب الظهر عليه أربعًا، إلا أنه جوز له، ورخص له في تركها عند استجماع شرائط، ووجود أسباب، فإذا وجد الشك منه في وجود سبب الرخصة، فالأصل أنه لم يوجد ذلك، فتركنا الرخصة بالأصل، وتمسكنا بالقين، لا أن نترك الأصل بالشك.
إذا ثبت هذا نقول: لو انه شك في الحضر، أو في السفر قد ذكرنا أنه يأخذ باليقين، ويقتصر على مسح المقيمين، فإن لم يفعل، وصلي في اليوم الثاني بحكم هذا المسح، ثم ظهر له في اليوم الثالث حقيقة الحال بأنه مسح على الخفين في السفر، أعاد ما مضى في اليوم الثاني على الشك، وله أن يمسح في اليوم الثالث إلى تمام مدة مسح المسافرين، من اليوم الأول، ثم ينظر، فإن كان قد مسح في زمان الشك أعاد المسح، وإن كان على مسحه في اليوم الأول لو تصور ذلك اكتفي به كما لو شك في خلال الصلاة أنه هل نوى القصر أم لا؟ ثم ذكر أنه نواه يلزمه الإتمام، وجعل كما لو بقي على الشك، لأن الصلاة عبادة واحدة مرتب بعضها بالعبض، فإذا ألزمه الإتمام في البعض لزمه في الجميع، بخلاف المسحات، فإنها عبادات لا يترتب بعضها بالبعض بدليل أن فساد البعض لا يوجب فساد الباقي فجاز أن يختلف فيه الحكمان.
فأما إذا شك في أنه هل صلى بالمسح أربعا أو خمسًا، فيجعل في حق الصلاة بالأقل، وهو الأربع، وفي حق المسح بالأكثر اعتبارًا باليقين، وكانت النكتة في الموضعين واحدًا والحكم مختلف.
الجزء: 1 - الصفحة: 514
قال المزني: وإذا توضأ، فغسل إحدى رجليه، ثم أدخلها الخف، ثم غسل الأخرى، ثم أدخلها الخف، لم يجزئه، إذا أحدث، أن يمسح، حتى يكون طاهرا بكماله قبل لباسه أحد خفيه، فإن نزع الخف الأول الملبوس قبل تمام طهارته ثم لبسه، جاز له أن يمسح لأن لباسه مع الذي قبله بعد كمال الطهارة، قال المزني: كيفما صح لبس خفيه على طهر جاز له المسح عندي.
قال الشافعي: وإن تخرق من مقدم الخف شيء، بان منه بعض الرجل، وإن قل لم يجزه أن يمسح على خف غير ساتر لجميع القدم، وإن كان خرقه من فوق الكعبين، لم يضره ذلك، ولا يمسح على الجوربين، إلا أن يكون الجوربان مجلدي القدمين إلى الكعبين حتى يقوما مقام الخفين وما لبس من خف خشب، أو ما قام مقامه أجزأه أن يمسح عليه، ولا يمسح على جرموقين.
قال في القديم، يمسح عليهما.
قال المزني: قلت أنا: ولا أعلم بين العلماء في ذلك اختلافا وقوله معهم أولى به من انفرداه عنهم، وزعم أنه إنما يريد بالمسح على الخفين، المرفق، فكذلك الجرموقان مرفق، وهو بالخف شبيه.
قال القاضي حسين: إذا توضأ أو غسل إحدي رجليه، وأدخلها في الخف، ثم غسل الرجل الثانية وأدخلها في الخف، ثم أحدث وتوضأ لم يجز له أن يمسح عليها لأنه لم يلبسهما على كمال الطهارة حتى لو نزع قبل الحدث الخف الأول الملبوس، ثم لبسه ثانيًا جاز له المسح عليهما.
الجزء: 1 - الصفحة: 515
وقال أبو حنيفة والمزني: له أن يمسح عليهما قبل النزع، وجعلوا دوام اللبس كالابتداء، وقاسوه على اليمين، فإنه لو حلف ألا يلبس، فاستدام اللبس يحنث في يمينه، كما لو ابتدأ اللبس يحنث في يمينه.
قلنا في باب المسح: الدوم لا يجوز أن يجعل كالابتداء، ألا ترى أنه لو أحدث بعد اللبس يجوز له المسح على الخفين، ولو ابتدأ اللبس بعد الحدث لا يجوز له ذلك، وأما مسألة اليمين معارض بمثله، فنقول: المحرم إذا لبس المخيط يلزمه الفدية، ثم لو استدام ذلك لا يلزمه شيء، ولو نزع ولبس ثيابًا، المخيط يلزمه الفدية، ثم لو استدام ذلك لا يلزمه شيء، ولو نزع ولبس ثيابا تلزمه الفدية ثانيًا، ففرق بين الاستدامة والابتداء هناك، فتعارضا وتساقطا، وبقي الدليل لنا في باب المسح ولا تعارض فيه.
فأما إذا لبس الخف على الحدث، ثم توضأ وصب الماء في خفيه حتى تغسلت رجلاه، فإنه تصح طهارته، ولكن لا يجوز له المسح إذا أحدث، فلو أنه نزعهما ثم لبسهما قبل الحدث حينئذ له المسح عليها، وعند أبي حنيفة والمزني، له ذلك قبل النزع، وهكذا إذا مضت مدة المسح، وتوضأ أو كان
الجزء: 1 - الصفحة: 519
على الوضوء، فصب الماء في خفيه، حتى تغسلت رجلاه، يجوز له المسح عندهما إذا أحدث.
وعندنا لا يجوز لأن شرط جواز المسح لبس الخف على كمال الطهارة، ولم يوجد في هذه المسائل، وعندهم حصوله على كمال الطهارة لابسًا للخفين.
قوله: وإن تخرق من مقدم الخف شيء، وأراد بالمقدم موضع القدم لا ضد المؤخر، لأن المقدم والمؤخر، من الخف سواء في حكم الخرق، فإذا تخرق الخف ينظر فإن كان في غير محل المغسول لا يضر ذلك، وإن كان الخرق فيما يوازي يصير هذا بدل البدل.
قلنا: يجوز مثله، كما في باب الكفارة أن الصوم بدل عن الاعتكاف، والإطعام بدل عن الصوم، فيكون بدل البدل كذا هذا مثله، ونعنى بالجرموقين الخف الذي يلبس فوق الخف، ويستوي فيه الخف المتخذ من اللبد والصوف وغيرهما وصورة القولين إذا كان كل واحد منهما صالحا للمسح عليه عمد الانفراد ويكون مستجمعًا للشرائط الثلاث.
فأما إذا كان الأسفل مخرقا يجوز المسح على الأعلى، بلا خلاف، وإن كان الأعلى مخرقا لم يجز المسح قولا واحدًا، بل يمسح على الأسفل، فيدخل اليد تحته، ويمسح على ما يوزاي المغسول من الأسفل.
التفريع
إن قلنا: لا يجوز المسح على الجرموقين، فلا كلام وإن قلنا: يجوز المسح عليه، فعلى أي معنى يجوز؟
ذكر ابن سريج فيه ثلاثة معان:
أحدهم: الأعلى مع الأسفل بمنزلة الطهارة مع النظافة في الخف الواحد.
الجزء: 1 - الصفحة: 520
والثاني: الأعلى بدل الأسفل، والأسفل بدل الرجل، وفائدته إنما تظهر في مسائل:
فمنها: أنه إذا لبس الجرموقين فوق الخفين على كمال الطهارة، ثم نزع الجرموقين، إن جعلناهما بمنزلة الطهارة جاز المسح على الخفين، كما لو لبس خفا ذا طاقتين، فيقشط الطاقة العليا منه، وإن جعلنا الأسفل بمنزلة اللفاف لزمه نزع الخف الأسفل أيضًا، وغسل الرجلين، وفي استئناف الوضوء قولان.
وإن جعلناهما بدل الأسفل مسح على الأسفل، وفي استئناف الوضوء قولان.
وإن نزع أحدهما إن جعلناهما كالطهارة لم يضر، كما لو تقشط بعض الطاقات من أحد الخفين، وإن جعلناهما كالخف، والأسفل كاللقاف لزمه نزع الجرموق الآخر مع الأسفلين، وغسل الرجلين، واستئناف الوضوء، في أحد القولين، وإن جعلناهما بدل الأسفل نزع الجرموق من الآخر، ومسح على الأسفل، ويدخل يده في الجرموق الآخر، ومسح على الخف الأسفل منه، وفي استئناف الوضوء قولان.
فأما إذا لبس في الابتداء أحد الجرموقين دون الآخر، إن جعلناهما بمنزلة الطهارة جاز، ويكون كما إذا كان لأحد خفيه طاقة، وللآخر طاقتان، وإن جعلنا الأسفل بمنزلة اللفافة يجوز، كما لو لبس الخف في إحدي الرجلين مع اللفافة، وفي الأخرى بدونها، وإن جعلناهما بدل البدل، فكذلك لا يجوز، لأن فيه جميعًا بين البدل والمبدل.
فأما إذا لبس الجرموقين بعد الحدث، وقبل الطهارة، والمسح، إن جعلناهما كالطهارة جاز، كما لو ألصق بالخف طاقة بعد الحدث، وإن جعلناهما كالخفين والأسفلين، كاللفافة لم يجز، وكذلك إذا جعلناهما بدل الأسفلين، لأن شرط صحة البدل وقوعه على كمال الطهارة كالأصل سواء.
فأما إذا أحدث بعد لبس الخفين، فتوضأ، ومسح عليهما، ثم لبس الجرموقين، إن جعلنا كالطهارة جاز له المسح عليهما، كما لو وقع خفه بعد
الجزء: 1 - الصفحة: 521
المسح عليه، وإن جعلناهما كالخفين والأسفلين كاللفافتين، هذا ينبني على أن المسح على الخفين هل يرفع الحدث أم لا؟
إن قلنا: إنه يرفع الحدث جاز المسح عليهما، لأنه حصل لبسهما بعد كمال الطهارة.
وإن قلنا: لا يرفع الحدث لا يجوز، وإن جعلناهما بدل الأسفلين جاز، كما لو غسل الرجلين قبل الحدث، إذ المسح عليهما بمنزلة الغسل عند عدم الخف، فأما إذا انخرق أحدهما، فلا يخلو، إما أن يخرق الأعليان، أو الأسفلان.
فإن تخرق الأعليان، فحكمهما حكم ما لو نزعهما، وقد ذكرناه، وإن تخرق أحد الأعليين، فحكمه حكم ما لو نزع أحدهما، وقد ذكرنا حكمه، وإن تخرق الأسفلان لا يضر.
أما على الأول؛ لأن حكمه حكم ما لو تغيرت الطاقة السفلي من خفه، وعلى المعنى الثاني جعل كما لو تخرق اللفافة.
وعلى المعنى الثالث، لأن الأعليين صارا أصلا، وارتفع حكم الأسفلين.
ولو تخرق أحدهما لم يضره على المعنى الأول والثاني، لما ذكرناه ويضره على المعنى الثالث، ويلزمه نزع الأعلى من الرجل الذي لم ينخرق خفها الأسفل، ويبطل حكم المنخرق، فيصير الأعلى المنخرق مع الأسفل الآخر في الرجل الأخرى أصلا، وإنما كان كذلك، لأنا لو جوزنا له المسح على الأعليين كان جامعًا بين البدل والمبدل، لأن الأعلى في الرجل الذي لم ينخرق الأسفل فيها بدل، وفي الأخرى أصل، إذ المنخرق لا حكم له، وإن كان أحد الأسفلين منخرقا في الابتداء، فلبسهما، والأعليين فوقهما حكمه حكم ما لو لبس الجرموق في إحدى الرجلين، وقد ذكرناه.
فأما إذا انحرق الخف والجرموق لا يخلو، إما أن تخرقا من رجل واحد، ومن رجلين، فإن كان من رجل واحد لا يخلو إما أن تخرقا من موضع واحد، أو من موضعين، فإن تخرقا من موضع واحد، فحكمه حكم ما لو تخرقا بخف، وقد ذكرناه.
الجزء: 1 - الصفحة: 522
وإن تخرقا في موضعين مختلفين على المعنى الأول لا يضر، وعلى المعنى الثاني مثله، وعلى المعنى الثالث يضره، ويجب نزع الخفين وغسل الرجلين، ولا يصير جامعًا بين الأصل والبدل وقد ذكرنا.
فأما إذا كانا من رجلين على المعنى الأول والثاني لا يضر، وعلى المعنى الثالث يجب نزع الكل، وغسل الرجلين، وفي استئناف الوضوء قولان.
فرع:
المستحاضة إذا توضأت، ولبست الخف، ثم أحدثت حدثًا غير الدم قبل أن صلت فريضة، فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز لها المسح عليهما، لأن طهر المستحاضة لا يرفع الحدث، وإنما جوزنا لها فعل الصلاة للضرورة، ولا ضرورة بنا إلى أن تجوز صلاتها بالمسح، إذ المسح إنما جاز بعد كمال الطهارة، وطهارتها ناقصة.
والثاني: لها المسح عليه، لأن طهرها يرفع الحدث في الصلاة الواحدة، فأما إذا أدت به فريضة، ثم أحدثت لا يجوز لها أن تمسح على الخف لفريضة أخرى، لأن طهرها انعقد لفريضة واحدة، وهكذا حكم المتيمم إذا لبس الخف بعد التيمم ثم وجد الماء، هل له المسح على الخفين.
فإن كان قبل أن صلي به صلاة ما، فيه وجهان بناء على أن التيمم هل يرفع الحدث أم لا؟
وإن كان بعد أن أدي به الصلاة لا يجوز وجها واحدًا، وكذلك إذا كان ببعض أعضائه جراحة، فتيمم للجريح، وغسل الصحيح، ولبس الخف، ثم أحدث، هل له أن يمسح على الخف؟
فعلى وجهين، كما ذكرنا في التيمم، وإن كان بعد أداء فريضة لا تجوز.
الجزء: 1 - الصفحة: 523
قال المزني: قال: وإن نزع خفيه بعد مسحهما، غسل قدميه.
وفي القديم، وكتاب ابن أبي ليلى يتوضأ.
قال المزني: [قلت أنا]: والذي قبل هذا أولى، لأن غسل الأعضاء لا ينتقض في السنة إلا بالحدث، وإنما انتقض طهر القدمين، لأن المسح عليهما كان لعدم طهورهما كمسح التيمم لعدم الماء، فلو كان وجود المعدوم من الماء بعد المسح يبطل المسح، ويوجب الغسل، كان كذلك طهور القدمين بعد المسح، يبطل المسح ويوجب الغسل، وسائر الأعضاء سوى القدمين مغسول، ولا غسل عليها ثانية إلا بحدث ثان.
قال القاضي حسين: إذا انقضت مدة المسح فنزع الخفين، أو نزعهما قبل انقضاء المدة، وهو على الطهارة، فعليه غسل الرجلين.
وفي وجوب استئناف الوضوء قولان:
أظهرهما، وهو قول أبي حنيفة، واختيار المزني، أنه لا يجب.
والقول الثاني: نقله المزني عن القديم، وفي كتاب ابن أبي ليلى: أنه يجب اختلف أصحابنا فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 524
منهم من قال: هما قولا تفريق الوضوء، وليس بصحيح، لأن القولين هناك في التفريق بغير العذر.
فأما العذر قول واحد: أنه يجوز، وها هنا هذا التفريق بعذر.
ومنهم من قال: إنهما ينبنيان على أن المسح على الخفين، هل يرفع الحدث أم لا؟
فعلى جوابين:
أحدهما: لا كالمسح في التيمم، لأنه مسح بالجامد، فكان أضعف.
والثاني: نعم كمسح الرأس.
إن قلنا: يرفع الحدث، فها هنا تلزمه الطهارة، لأنه إذا نزع الخفين عاد الحدث في الرجلين، والحدث إذا عاد في البعض عاد في الكل، لأنه لا يتجزأ، وإن قلنا: لا يرفع الحدث لا يجب إلا غسل الرجلين، واحتج المزني على اختياره بالتيمم إذا وجد الماء.
قال: لا يلزمه إلا غسل ما ينوب المسح عنه، وترك غسله كذا هذا مثله.
قلنا: مسألة التيمم حجة عليك، لأن هناك لا يجوز الاقتصار على محل
الجزء: 1 - الصفحة: 525
الغسل عند وجود الماء في الغسل فكذلك فيما نحن فيه وجب أن يكون مثله، والله تعالى أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 526
باب كيف المسح على الخفين
قال المزني: قال الشافعي: أخبرنا ابن أبي يحيى، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة بن شعبة، أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف وأسفله، واحتج بأثر ابن عمر: أنه كان يمسح أعلى الخف وأسفله.
قال: وأحب أن يغمس يديه في الماء، ثم يضع كفه اليسرى تحت عقب الخف، وكفه اليمني على أطراف أصابعه، ثم يمر اليمني إلى ساقه، واليسرى إلى أطراف أصابعه.
قال: فإن مسح على باطن الخف، وترك الظاهر عاد، وإن مسح على الظاهر، وترك الباطن أجزأه، وكيفما أتي بالمسح على ظهر القدم بكل اليد أو بعضها، أجزأه.
قال القاضي حسين: وفيه فصلان:
أحدهما: في بيان أقل ما يجزيء وبيان المستحب.
والثاني: في كيفية المسح.
أما بيان أقل ما يجزيء هو أن يمسح قدر ما يتعلق عليه اسم المسح، كما ذكرنا في مسح الرأس.
الجزء: 1 - الصفحة: 527
وعند أبي حنيفة قدر ثلاث أصابع من أصغر أصابع رجل كل أحد، كما قال في الخرق.
وعندنا: لا يختص المسح باليد حتى لو مسح بخرقة، أو خشبة جاز، وكذا لو غسل الخف بدل المسح، أو وضع اليد المبتلة عليه ولم يمرها عليه أو قطر الماء عليه، وسأل جاز على قول الأصحاب، وعند الشيخ القفال لا يجوز، كما ذكرنا في مسح الرأس.
فأما بيان الأفضل، وهو أن يستوعب ما يوازي المغسول من الخف بالمسح، ويمسح أعلاه وأسفله.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز المسح على أسفل الخف، ويدل عليه ما روى أنه، عليه السلام مسح أعلى الخف وأسفله، والمعنى فيه أنه موضع من الخف يوازي المغسول فكان محلا للمسح كظهر الخف.
وأما كيف استيعاب الخف بالمسح، فهو أن يضع كفه اليمني على ظهر الأصابع، وكفه اليسرى تحت العقب، ويمر اليمني إلى ساقه، واليسرى إلى أطراف الأصابع، ولا خلاف في جواز الاقتصار في المسح على ظهر الخف، فلو اقتصر على أسفل الخف، قال ها هنا: ولو مسح على الباطن، وترك الظاهر أعاد.
الجزء: 1 - الصفحة: 529
وقال في موضع آخر: لم يعد.
منهم من قال: يجوز الاقتصار على أسفل الخف.
وقوله: أعاد، أراد به إذا أدخل يده في الخف، ومسح على باطن الخف لما روى عن علي كرم الله وجهه أنه قال: لو كان الدين يؤخذ بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، لكن رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على ظهور الخف خطوطًا بالأصابع.
ولو مسح على العقب، فمرتب إلى الأسفل، إن جوزنا الاقتصار عليه، فها هنا أولى، وإلا فوجهان، لأن العقب أقرب إلى ظهر الخف، وإلى ما هو في حكم الأعلى، ومنهم من عكس في الترتيب، وقال: إن قلنا هناك: لا يجوز، فها هنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق أن النص هناك ورد في أسفل الخف، دون العقب، فأما إذا مسح على منقار الخف لا يجوز، لأنه لا يوازي محل المغسول، فإذا نزع بعض الخف ينظر فيه، فإن بلغ بحيث أنه لو كان في الابتداء لا يجوز المسح عليه ها هنا يبطل حكم المسح عليه، وإلا فلا، والله أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 530
باب الغسل للجمعة والأعياد، وما جاء فيهما
.
قال المزني: قال الشافعي: والاختيار في السنة لكل من أراد صلاة الجمعة الاغتسال لها، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الغسل واجب على كل محتلم، يريد وجوب الاختيار لأنه روي عنه صلى الله عليه وسلم: من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل، فالغسل أفضل.
وقال عمر لعثمان رضي الله عنهما حين راح/ والوضوء أيضا؟ وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل، ولو علما وجوبه لرجع عثمان، وما تركه عمر.
قال: ويجزيه غسله لها، إذا كان بعد الفجر، وإن كان جنبًا، فاغتسل لهما جميعًا أجزأه.
قال: وأحب الغسل من غسل الميت.
قال: وكذلك الغسل للاعياد سنة اختيارًا، وإن ترك الغسل للجمعة والعيد أجزأته الصلاة، وإن نوي الغسل للجمعة والعيد، لم يجزه من الجنابة، حتى ينوي الجنابة.
قال القاضي حسين: غسل الجمعة سنة مؤكدة، وليس بواجب.
وقال داود: إنه واجب ويأثم بتركه غير أنه لو تركه تصح الصلاة دونه.
واستدل بقوله عليه السلام، غسل الجمعة واجب على كل محتلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 531
ولأن العرب من عادتهم أنهم إذا بالغوا في شتم رجل يقولون: أنت شر ممن لا يغتسل يوم الجمعة.
قلنا: أراد بالمحتلم من وقع له الحلم، فصار بالغا، كما قال عليه السلام لا تصلي الحائض إلا بخمار.
وأراد به البالغة التي هي من أهل الحيض، وأراد بالوجوب وجوب الندب، والاستحباب والاختيار لا التحتم، كما يقال: حق فلان واجب على فلان، يعني على طريق الاختيار، بدليل ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: من توضأ فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل، أي بالسنة أخذ ونعمت أي نعم الخصلة الأخذ بالسنة.
وعن عائشة أنها قالت: كان الناس في أول الإسلام عمال أنفسهم، وكان عامة لبوسهم الصوف، وكانوا يروحون إلى المسجد في ثياب مهنهم، تعرق أبدانهم، وتفوح منهم رائحة الصنان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للناس: لو اغتسلتم.
دل على أنه يكون على طريق الاختيار، ويدل عليه ما روى أن عمر رضي
الجزء: 1 - الصفحة: 532
الله عنه كان يخطب فدخل عثمان وتخطي رقاب الناس، فقال له عمر، أي وقت هذا.
فقال عثمان رضي الله عنه كنت في السوق سمعت النداء فوالله ما زدت على الوضوء، فقال والوضوء أيضا أما سمعت أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالغسل يوم الجمعة.
قال الشافعي ولو كان واجبًا لرجع عثمان ولما تركه عمر.
قال القاضي رضي الله عنه: استنبطت من هذا الحديث معنى، وذلك أن الرجل المحتشم الذي يحترم، ويكرم في المجالس يجوز أن يتخطي رقاب الناس، ويخرق الصفوف حتى يأخذ مكانه إذا كان محتشمًا في الدين، فأما إذا كان من أبناء الدنيا، فلا.
وروى أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مرض فاستخلف أبا بكر رضي الله عنه ليصلي بالناس، فلما وجد من نفسه خفة خرج من بيته، ودخل المسجد، وهو يهادي بين رجلين، ورجلاه يخطان الأرض، ويخرق الصفوف حتى وقف على يسار أبي بكر، والمستحب أن يغتسل عند الخروج إلى المسجد، فلو اغتسل قبله، وبعد طلوع الفجر جاز، ولو أحدث بعده لا يضره خلافاً للمالك.
فأما إذا اغتسل قبل طلوع الفجر لا يجوز، ولو اغتسل للعيد قبل طلوع الفجر، فوجهان، والفرق بينهما وجهان:
أحدهما: أن غسل الجمعة إنما سن لإزالة الرائحة الكريهة، وإذا طال الفصل تعود الرائحة ثانيًا، وغسل العيد للزينة، وأثر الزينة يبقى.
الثاني: أن الغالب أن أهل الرساتيق والقرى إنما يقصدون صلاة العيدين من مواضع بعيدة فلو قلنا: لا يحتسب الغسل له، إلا بعد الفجر شق، وتعذر عليهم ذلك في الطريق خلاف الجمعة، وغسل يوم العيد سنة في حق النساء والرجال والصغار والكبار، ومن حضر المصلي ومن لم يحضر
الجزء: 1 - الصفحة: 533
وفي الجمعة وجهان:
أحدهما: هكذا.
والثاني: أنه سنة في حق من أراد حضور المسجد، والفرق بينهما ما ذكرنا قبله.
فأما الجنب إذا اغتسل يوم الجمعة عن الجنابة بنية غسل الجمعة والجنابة أجزأه، وارتفعت الجنابة، وحاز فضيلة غسل الجمعة، لأنه لو اغتسل بنية الجنابة وحدها يحصل له ذلك، فإذا نوى فقد أتي بما يتضمنه غسله، فصار كما إذا دخل المسجد، وأدي الفريضة بنية الفريضة، وتحية المسجد يجوز، لأنه لو لم ينو تحية المسجد، فإنه يدخل في ضمنها تحية المسجد، وكذا لو طاف طواف القدوم، ونوى طواف الزيارة والقدوم جاز عنهما، وهذا مطرد إلا في مسألة واحدة: وهي أنه إذا أدرك الإمام في الركوع، فلو كبر بنية افتتاح الصلاة والركوع لا يجوز، لأن محل تكبرة الافتتاح غير محل تكبرة الركع، فإن محل تكبيرة الافتتاح حالة القيام، ومحل تكبيرة الركوع عند الهوى منه، فلما اختلف محلاهما لا يمكنه الجمع بينهما في النية بخلاف ما نحن فيه.
فأما إذا اغتسل بنية غسل الجمعة، وكان جنبًا، هل ترتفع الجنابة عنه أم لا؟
الجزء: 1 - الصفحة: 534
فعلى ما ذكرنا من الأوجه الثلاث، إن قلنا: ترتفع، فتحصل له فضيلة غسل الجمعة.
وإن قلنا: لا ترتفع الجنابة، فهل تحصل له فضيلة غسل الجمعة؟
فوجهان: أحدهما: بلى؛ لأنه نوى له.
والثاني: لا لبقاء الجنابة فيه.
قال المزني: وأولى الغسل أن يجب عندي بعد غسل الجنابة الغسل من غسل الميت، والوضوء من مسه مفضيًا إليه، ولو ثبت الحديث بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم قلت به ثم غسل الجمعة، ولا نرخص في تركه، ولا نوجبه إيجابًا لا يجزيء غيره.
قال المزني: إذا لم يثبت، فقد ثبت تأكيد غسل الجمعة، فهو أولى، وأجمعوا أنه من مس خنزيرًا، أو مس ميتة: أنه لا غسل، ولا وضوء عليه إلا غسل ما أصابه، فكيف يجب عليه ذلك في أخيه المؤمن؟
قال القاضي حسين: الغسل من غسل الميت سنة مؤكدة.
وفيه قول آخر: أنه واجب، لأنه علق القول فيه بقوله: لو ثبت الحديث في ذلك لقلت بوجوبه.
روى عنه عليه السلام أنه قال: من غسل ميتا فليغتسل ومن مس ميتًا فليتوضأ.
وروى: ومن حمل ميتًا فليتوضأ.
الجزء: 1 - الصفحة: 535
وروي أنه لما مات أبو طالب جاء علي كرم الله وجهه، إلى النبي صلى الله عليه وسلم [قال] إن أبي عمك الشيخ الضال قد توفي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم غسله وكفنه وادفنه ولا تحدث بعد ذلك أمرًا حتى آمرك بذلك.
فهذب وغسله وكفنه ودفنه، ثم عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له صلى الله عليه وسلم: اذهب واغتسل.
إن قلنا: إنه ليس بواجب، فهل كان آكد من غسل الجمعة، أو غسل الجمعة آكد منه فوجهان:
أحدهما: غسل الميت آكد، لأنه اختلف قوله في الوجوب.
والثاني: غسل الجمعة آكد، لاختلاف العلماء في وجوبه، ولورود الأخبار الصحيحة فيه، والوجهان يقربان من أن ركعتي الفجر آكد أم الوتر؟
فيه وجهان: أحدهما: ركعتا الفجر، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها.
الجزء: 1 - الصفحة: 536
وقال في الوتر: إن الله تعالى زادكم صلاة خيرًا من حمر النعم، ألا وهي الوتر.
وما كان في مقابلة الدنيا وما فيها، فإنه يكون آكد وأقوى مما يكون في مقابلة حمر الغنم.
والثاني: أن الوتر أقوي لاختلاف العلماء في وجوبه، ولورود الأخبار الصحيحة فيه.
اختلف المزني أنه لا يجب الوضوء بمس الميت، حيث قال: لو مس ميتًا أو حنزيرًا فإنه لا غسل ولا وضوء عليه، فكيف يجب عليه ذلك في أخيه المؤمن.؟
قلنا له: على القول الذي يقول: إنه يجب، إنما ذلك لحرمته، لا لنجاسته، لأنه لو مس خنزيرا، أو شيئا من النجاسات لا تلزمه الطهارة، ومثله لو مس امرأة، وجبت عليه الطهارة، وإنما افترقا في ذلك بعلة الاحترام والحرمة، لا بعلة النجاسة كذا هذا مثله، والله أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 537