التعليقة للقاضي حسينكتاب الصلاة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بسم الله الرحمن الرحيم قال القاضي الإمام رضي الله عنه: الصلاة في اللغة على وجوه: منها ما يكون بمعنى الدعاء، كقوله تعالى: (وصلِّ عليهم إن صلاتك سكن لهم)، أي ادع لهم، والدليل عليه قول الشاعر: وصهباء طاف يهوديها ... وأبرزها وعليها ختم وقابلها الريح في دنها ... وصلى على دنها وارتسم يعني: دعا لدنِّها، ونفث كي لا يعان، يعني: لا يصيبه العين.
وقوله: «وارتسم» أي: ختم.
ومنها: أن الصلاة تكون للتعظيم والتواضع، يقال: صلى فلان لفلان إذا عظمه، لأن الصلاة مشتق من الصلا، وهو ظهر الإنسان، فكان الواحد من العرب إذا دخل على واحد من الملوك والجبابرة، فإنه يحني ظهره له تواضعًا له وتعظيمًا له.
وقيل: معنى قول المسلمين: (اللهم صل على محمد)، أي: عظم محمدًا في الدنيا والآخرة.
في الدنيا: بإعلاء كلمته، وإظهار دعوته، وكمال شريعته وتكثير أمته.
وفي الآخرة، يرفع درجاته، وتكثير مثوباته، وتبليغه المقام المحمود الذي وعد به.

الجزء: 2 - الصفحة: 611

والصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الناس: الدعاء.
والدليل عليه قوله تعالى [صلوا عليه وسلموا تسليما] أي ادعوا له.
إن قلنا: إن الصلاة بمعنى الدعاء إنما تسمى الصلاة الشرعية صلاة؛ لأنها تشتمل على الدعاء، ولا تنفك عنه، والعرب تسمي الشيء باسم ما يتضمنه، كما قال الله تعالى (وقرآن الفجر) أراد به صلاة الفجر، وإنما سماها قرآنا، لأنها لا تنفك عن قراءة القرآن فيها.
وقوله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له) أراد به الخطبة، وإنما سماها قرآنا، لأنها لا تخلو عن قراءة القرآن، كذا هذا.
وإن قلنا: إن الصلاة في اللغة بمعنى التعظيم والتواضع فإنما تسمى الصلاة الشرعية صلاة، لأن الإنسان يحني فيها ظهره في الركوع والسجود تعظيمًا لله تعالى وتواضعًا له سميت صلاة لهذا المعى.
والصلاة في الشرع عبارة عن أركان مخصوصة، وأفعال معلومة وأذكار معهودة.
والأصل في وجوب الصلاة الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة) وقوله تعالى: (ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة).
والسنة قوله صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس، الحديث إلى آخره.
وقوله عليه السلام: الصلاة عماد الدين، فمن تركها متعمدًا فقد كفر.

الجزء: 2 - الصفحة: 612

وقوله عليه السلام: العهد ما بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها كفر.
وأما الإجماع، فهو معقد لدن عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا خلفهم عن سلفهم على وجوب أصل الصلاة، وإن اختلفوا في تفاصيلها وأحكامها.
ثم هي مؤقتة بمواقيت لا يجوز إخراجها عنها، والدليل عليه قوله تعالى:

الجزء: 2 - الصفحة: 613

(إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتا) أي: واجبًا مؤقتا.
وقوله تعالى: (فسبحان الله حين تمسون) وقوله تعالى: (حين تمسون) أراد به صلاة المغرب والعشاء.
وحين تصبحون أراد به: صلاة الصبح وعشيا، اراد به: العصر، وحين تظهرون أراد به الظهر.
وقيل: حين تمسون العصر وعشيا العشائين.
وقوله تعالى:) أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل (يدخل فيه صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
وقوله: (وقرآن الفجر) اراد به: صلاة الصبح.
وقوله تعالى: (وأقم الصلاة طرفى النهار) أراد بأحد طرفيه: الصبح والظهر، وبالآخر العصر والمغرب، (وزلفا من الليل) أراد به: صلاة العشاء، والدليل عليه من جهة الخبر ما روى اب عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أتاني جبريل عند باب الكعبة مرتين.
وفي رواية: أمني جبريل عند باب الكعبة مرتين، فصلى بي الظهر في اليوم الأول حين زالت الشمس.
وفي رواية: حين زاغت الشمس، والعصر حين صار ظل كل شيء مثله، والمغرب حين غربت الشمس.
وفي رواية: حين حل فطر الصائم، والعشاء حين غاب الشفق، والصبح حين طلع الفجر الصادق، وصلى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، والعصر حي صار ظل كل شيء مثليه، والمغرب في الوقت الذي صلاه في اليوم الأول، والعشاء حين ذهب ثلث الليل.

الجزء: 2 - الصفحة: 614

وفي رواية: حين ذهب نصف الليل، والصبح حين أسفر، ثم قال: هذا وقتك ووقت الأنبياء، والوقت ما بين هذين.
والدليل عليه ما روى أن أعرابيًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عن مواقيت الصلاة فقال له: أقم عندنا، فأقام الأعرابي عنده، فصلى به النبي عليه السلام يومين مثل مثل ما صلى به جبريل عليه السلام، ثم قال: أين السائل عن مواقيت الصلاة فتمثل الأعرابي قائمًا، وقال: ها أنذا يا رسول الله فقال عليه السلام: الوقت ما بين هذين.
إذا ثبت هذا قول: الصلاة مقدرة محصورة بخمس صلوات، والدليل عليه ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: مثلكم ومثل الصلوات الخمس، كرجل على باب داره نهر جار يغتسل منه كل يوم خمس مرات، أيبقى ذلك من درته شيئًا، قالوا: لا، قال: فذلكم الصلوات الخمس.
وهذا معنى قوله تعالى: إن الحسنات يذهبن السيئات، أراد بالحسنات الصلوات الخمس، يعني يكفرن السيئات.

الجزء: 2 - الصفحة: 615

وكان في أول ما فرض الله عز وجل، خمسين صلاة واجبة على ما روى في قصة المعراج، فردت من خمسين إلى خمسة من حيث العدد، لا من حيث الثواب لما روى عنه عليه السلام أنه قال: الحسنة بعشر أمثالها الحديث.
قال المزني: قال الشافعي: والوقت للصلاة وقتان: وقت مقام ورفاهية، ووقت عذر وضرورة .. قال القاضي حسين: قوله: الوقت للصلاة وقتان، إنما بدا ببيان المواقيت لأن وجوب الصلاة يتعلق بدخولها ويفوت بخروجها، فقال: الوقت للصلاة وقتان: وقت مقام ورفاهية، ووقت عذر وضرورة، أراد بوقت المقام والرفاهية، وقت المقيم المترفه الذي لم يحدث له معنى بحال، ووقت العذر: وقت المسافرين في الجمع، ووقت الممطور في المطر، ووقت الضرورة وقت من وجب عليه الصلاة في آخر الوقت بإدراك جزء منه بارتفاع العوارض فيه من الجنون والإغما والكفر والصغر، وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى، واعترض عليه ابو بكر الفارسي.
وقال: لما قال: الوقت للصلاة وقتا، فحصره بوقتين، ثم ذلك ثلاثة أوقات.
وقيل: هو ال يزال ينتقد على المزني حتى صنف كتاباًا وسماه كتاب المنتقد على المزني قلنا: قد قيل، إن هذا غاية في البلاغة فإن العرب إذا ذكروا جملة تنقسم أقسامًا يقسمونها قسمين، ثم يقسمون كل قسم منها قسمين أو أكثر، كما يقال: من في البلدة، فيقال: في البلدة أهلها وغير أهلها، فيقال: من غير أهلها؟ فيقال أهل نيسابور، ومرو وأهل هراة وبلخ، فكذا ها هنا، كأن المزني، قال: الوقت وقتان، وقت مقام ورفاهية، ووقت غير مقام ورفاهية ثم ذاك ينقسم إلى وقت معذور غير مضطر، ووقت معذور مضطر.

الجزء: 2 - الصفحة: 616

قال المزني: فإذا زالت الشمس، فهو أول من وقت الظهر والأذان، ثم لا يزال وقت الظهر قائًمًا، حتى يصير ظل كل شيء مثله.
قال القاضي حسين: إنما بدأ الشافعي رحمه الله ببيان وقت الظهر اقتداء بجبريل عليه السلام في بيان المواقيت للنبي صلى الله عليه وسلم وتبركًا بالنبي عليه السلام في بيان المواقيت للاعرابي، ولأن تلك أول صلاة وجبت بعد طلوع الشمس، لقوله تعالى (لدلوك الشمس)، ووقت الظهر يدخل بزوال الشمس.
قال الشافعي: رحمه الله ومعرفة زوال الشمس يقرب في البلاد الحارة ويبعد في البلاد الباردة، وإنما قال هكذا، لأنه قد قيل: في بلاد الحارة في (صنعاء اليمن) في الصيف الصائفن إذا استوت الشمس، في كبد السماء، لم يبق للشيء ظل ألبتة في هذه البلاد، إذا كانت على خط الاستواء في أطول يوم في السنة، بل يقع ظل الرجل تحت قدمه، وتقع الشمس في جوانب البيت، ولا يبقى لجانب ظل، وتقع الشمس في أسفل البئر، ولا يبقي لجوانبه ظل.
فعلى هذا في هذا اليوم إذا زالت الشمس وظهر للشيء أدنى ظل فقد دخل وقت صلاة الظهر.
فأما في سائر الأيام في البلاد الحارة، أو في جميع الأيام في البلاد الباردة التي هي على بعد من خط الاستواء، فإنما يمكن معرفة الزوال بأن ينصب شيئا له سمك في الأرض، فإذا طلعت الشمس وقع ظل كل شيء من جانب المغرب، ثم مهما زاد للشمس، ارتفاعا ازداد الظل انتقاصا وتقلصًا إلى وقت الزوال، فطريق معرفته أن يخط على الخشبة خطوطًا، ثم ينظر فيها، فمهما كان الظل في النقصان علم أنه لم تزل الشمس فإذا استوت الشمس يقف لحظة لا يطهر فيه شيء من النقصان ثم يأخذ في الزيادة والتحول نحو الشمال، فإذا زاد على ما وقف عليه أدني زيادة وتحول، فقد دخل وقت الظهر، ثم لا يزال وقت الظهر قائمًا حتى يصير ظل كل شيء مثله وأراد به من محل الإزدياد مثل المقياس،

الجزء: 2 - الصفحة: 617

حتى لو كان ظل الباقي وقت الزوال ذراعًا، والمقياس سبعة أذرع، فإذا صار الظل ثمانية أذرع، فقد فات وقت الظهر، ويمكن لكل أحد أن يعرف ذلك بنفسه، فإن قامة كل إنسان تكون سبعة أقدام بقدمه، ولكن القدم الأول تحسبه من نصف القدم.
وللظهر أربعة أوقات: وقت الفضيلة، ووقت الاختيار، ووقت الجواز، ووقت العذر، فإذا صار ظل كل شيء مثل نصفه، فالنصف الأول منه وقت الفضيلة، والنصف الآخر منه وقت الاختيار ثم من ذلك الوقت إلى أن صار ظل كل شيء مثله من حين ما زالت الشمس وقت الجواز.
وأما وقت العذر إذا جمع بين الظهر والعصر في وقت العصر.
قوله: فإذا جاوز ذلك بأقل زيادة، فقد دخل وقت العصر والأذان، ثم لا يزال وقت العصر قائمًا، حتى يصير ظل كل شيء مثليه، فمن جاوزه، فقد فاته وقت الاختيار ولا يجوز أن أقوله فاتته، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر.
لا يزال وقت العصر قائمًا إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه.
قال القاضي حسين: إنما اعتبر هذه الزيادة لتحقق خروج وقت الظهر، ودخول وقت العصر، إذ لا يتحقق ذلك إلا بزيادة شيء، ولو صلى الظهر في ذلك الوقت يكون قضاء.
وقال المزني ومالك وعبد الله بن المبارك، لا يخرج وقت الظهر ما لم يصر ظل كل شيء مثله، ويمضي قدر إمكان أن يصلي فيه أربع ركعات، ولكن يدخل وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، حتى لو أن رجلين صليًا في ذلك الوقت: أحدهما: العصر والآخر الظهر، يكون كل واحد منهما مؤديًا ولا يكون قاضيًا، واحتجوا في ذلك بما روى أن جبريل عليه السلام صلى،

الجزء: 2 - الصفحة: 618

بالنبي عليه السلام في اليوم الأول العصر حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى به في اليوم الثاني الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، دل على أن ذلك القدر من الوقت وقت لكل الصلاتين.
قلنا: أراد به صلى في اليوم الأول العصر يعني شرع فيها بعد ما صار ظل كل شيء مثله، وباليوم الثاني يعني بعد ما فرغ من صلاة الظهر صار ظل كل شيء مثله، ومثله يجوز كما يقال: دخلت الدار حين خرج فلان يعني: عقيب خروجه منها، كذا هذا مثله، ثم لا يزال وقت العصر قائمًا إلى غروب الشمس، وللعصر خمسة أوقات: وقت فضيلة، ووقت اختيار، ووقت جواز ووقت كراهية، ووقت عذر.
أما إذا صار ظل كل شيء مثليه، يزول وقت الفضيلة والاختيار، لأن وقت الفضيلة يمتد إلى أن يصير ظل كل شيء مثله ومثل نصفه، ووقت الاختيار يمتد إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، ووقت الجواز من غير كراهية يمتد إلى أن تصفر الشمس، ووقت الجواز مع الكراهية يمتد إلى أن تغرب الشمس، وسماها النبي صلى الله عليه وسلم صلاة المنافقين، ووقت العذر إذا صلى الظهر والعصر في وقت الظهر.
وقال أبو حنيفة: يمتد وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، وخالفه فيه صاحباه، وحكى عن أبي يوسف،، أنه قال: صاحبنا لم يرض مخالفة الرسول عليه السلام، حتى خالف جبريل عليه السلام.
ووقت الظهر عند أبي حنيفة أطول من وقت العصر، لأنه يجعل وقت الظهر على ما جعله الشافعي وقتًا للظهر، ووقتًا للعصر فضيلة واختيارًا وعندنا وقت العصر أطول، والدليل عليه إمامة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكرنا أنه لو صلى بعد أن اصفرت الشمس، فإنه يكون أداء ولكن يكون مكروهًا، وقال الإصطخري: إنها تكون قضاء، واستدل بقوله- عليه السلام:

الجزء: 2 - الصفحة: 619

تلك صلاة المنافقين يجلس أحدهم إلى أن تكاد الشمس تغرب ثم يقوم وينقر أربع نقرات لا يذكر الله تعالى إلا قليلاً.
ولنا قوله عليه السلام: من أدرك ركعة قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر، والله أعلم.
قال المزني: فإذا غربت الشمس، فهو وقت المغرب والأذان، ولا وقت للمغرب إلا وقت واحد، فإذا غاب الشفق الأحمر، وهي الحمرة فهي أول وقت العشاء الآخرة والأذان، ثم لا يزال وقت العشاء قائمًا، حتى يذهب ثلث الليل.
قال القاضي حسين: إذا غربت الشمس دخل وقت المغرب، وفي الجديد له وقت واحد، وإنما يعرف ذلك بالعقل، وهو أن يمضي بعد غروب قدر أذان وإقامة، وثلاث ركعات بسور قصار، وركعتين خفيفتين، وفي إمكان الطهارة وجهان، والدليل عليه حيث جبريل عليه السلام على ما يمر، وقال في القديم، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، إنه يمتد وقتها إلى غيبوبة الشفق، إلا أن الخلاف يبقى أيضا بيننا، وبين أبي حنيفة على هذا القول، لأن الشفق عندنا هو الحمرة، وعنده هو البياض، وذاك يسقط بعد الحمرة، فعلى هذا للمغرب أربعة أوقات من غروب الشمس إلى انتصاف الوقت: فالنصف الأول منه: وقت فضيلة: والنصف الأخير منه: وقت الاختيار ثم بعده وقت الجواز إلى غيبوبة الشفق، ووقت العذر إذا جمع بين المغرب والعشاء في وقت العشاء.

الجزء: 2 - الصفحة: 620

فإن قيل: لا يجوز أن يقال: إن للمغرب وقتًا واحدًا؛ لأنه يجوز الجمع بين المغرب والعشاء في وقت المغرب وم شرط صحة الجمع أن يقع أداء الصلاتين في وقت إحداهما دل على أن وقت المغرب يمتد أكثر مما وصفتم، حين كان يصح الجمع فيه بين الصلاتين.
قلنا: أما على القول القديم لا يتأتي على ما قلناه.
هذا السؤال.
واما على قوله الجديد فيه جوابان: أحدهما: أن نقول: لا نسلم أن شرط صحة الجمع ما ذكرتم، بل شرط صحة الجمع أن يؤمر بأداء إحدى الصلاتين في وقتها، ثم يوجد أداء الأخرى عقيبها فحسب.
وجواب آخر نقول: عندنا وقت المغرب يمتد إلى أن يصلي خمس ركعات متوسطات، ويمكنه الجمع بينهما في هذا الوقت بأن يصلي المغرب ثلاث ركعات ويصلي العشاء ركعتين إن كان مسافرًا، ولا يصلي السنة حتى يقع الكل في وقت المغرب، وإن كان مقيمًا يقع بعض صلاة العشاء في الوقت، فيجعل كما لو وقع الكل في الوقت في أحد الوجهين عندنا على ما سنذكره من بعد إن شاء الله عز وجل فإذا غاب الشفق، وهو الحمرة، فهو أول وقت العشاءا الآخرة، والأذان إذا غاب الشفق يدخل وقت العشاء قائمًا إلى أن يطلع الفجر، الصادق.
والتعجيل فيه أفضل أم التأخير؟ فيه قولان: أحدهما: التعجيل فيه أفضل كما في سائر الصلوات.
والثاني: أن التأخير فيه أفضل لقوله عليه السلام، لولا أن أشق على أمتي لأمرتههم بتأخير العشاء إلى ثلث الليل.

الجزء: 2 - الصفحة: 621

وفي رواية: إلى نصف الليل.
إذا قلنا: إن التأخير أفضل ففيه قولان آخران: أحدهما: أنه يؤخر إلى ثلث الليل.
والثاني: أنه يؤخر إلى نصف الليل.
وللعشاء أربعة أوقات: وقت الفضيلة، ووقت الاختيار، ووقت الجواز، ووقت العذر.
أما وقت الفضيلة يمتد إلى سدس الليل.
إذا قلنا: إن التأخير أفضل إلى ثلث الليل، فوقت الاختيار يمتد إلى ثلث الليل.
وإن قلنا: إن التأخير أفضل إلى نصف الليل، فوقت الفضيلة يمتد إلى ربع الليل، ووقت الاختيار يمتد إلى نصف الليل، ثم بعد ذلك يمتد وقت الجواز إلى طلوع الفجر، ووقت العذر إذا جمع بين المغرب والعشاء في وقت المغرب، ولو صلى في نحر السحر يكون أداء.
وقال الإصطخري: إنه يكون قضاء.
قوله: إذا طلع الفجر فقد دخل وقت الصبح.
قال القاضي حسين: والفجر فجران: الأول: يسمى الفجر الكاذب، فإنه يكون مستطيلا كذنب السرحان، ثم يعقبه ظلام أظلم ما يكون.

الجزء: 2 - الصفحة: 622

والثاني: يسمى الفجر الصادق، ويكون مستطيرًا، وينتشر في الآفاق، ويزداد البياض إلى أن تطلع الشمس، ويتعلق به الأحكام، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، لا يغرنكم الفجر المستطيل فكلوا واشربوا، حتى يطلع الفجر المستطير، ثم يمتد وقت الصبح إلى أن تطلع الشمس، وللصبح ثلاثة أوقات: من أول طلوع الفجر إلى الأسفار، ووقت الفضيلة، ووقت الاختيار.
أحدهما: في النصف الأول منه.
والآخر: في النصف الثاني بعده إلى طلوع الشمس وقت الجواز.
فرع: فهذه الأوقات التي ذكرنا هل هي وقت للدخول في الصلاة، أو للدخول والخروج؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه وقت للدخول فيه دون الخروج.
والثاني: انه وقت لهما جميعًا، فعلى هذا لا خلاف في أنه لو افتتح الصلاة في أول الوقت، وطول القراءة حتى بلغ الوقت آخره، ثم يسلم قبل خروج الوقت، فهل يصير به عاصيًا أم لا؟ فيه وجهان: إن قلنا: إن الوقت وقت للدخول دون الخروج فإنه لا يصير به عاصيًا.
وإن قلنا: إنه وقت للدخول والخروج، فإنه يصير به عاصيًا، والدليل على الوجه الأول: ما روى أن أبا بكر الصديق صلى بالناس صلاة الصبح، وطول

الجزء: 2 - الصفحة: 623

القراءة، فلما فرغ من الصلاة قال له عمر: ما كدت تسلم حتى كاد حاجب الشمس أن يطلع، فقال: لو طلعت الشمس ما وجدتا غافلين.
ولأنه روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الأعراف في صلاة المغرب.
وهل تكون قضاء أو أداء.؟ ينظر فيه، فإن صلى ركعة في الوقت، ثم خرج الوقت فالظاهر من المذهب أن الكل أداء لقوله عليه السلام: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ولأنا أجمعنا على أن المسافر إذا صلى ركعة، فخرج وقت الصلاة، له أن يقصر الصلاة على القول الذي قلنا: إنه لو نسي صلاة في الحضر، فتذكرها في السفر يلزمه إتمامها.
وفيه وجه آخر: أن الركعة المفعولة خارج الوقت تكون قضاء، لأنه يستحيل أن يصلي خارج الوقت وتكون أداء، وقد يجوز أن تتبعض عبادة واحدة في الأداء والقضاء كالصوم، فإنه لو شرع في صوم النفل، ثم نذر الإتمام في خلال اليوم، فيصير الباقي فرضًا، والصحيح هو الأول.
فأما إذا صلى في الوقت أقل من ركعة، فإنه يكون قضاء على ظاهر المذهب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم خص الركعة بالذكر.
قال القاضي رحمه الله: يحتمل وجهين، بناء على أنه إذا أدرك المعذور من وقت العصر قدر تحريمة، هل تلزمه صلاة العصر أم لا؟ إن قلنا هناك: تلزمه صلاة العصر، فها هنا تكون أداءً، وإلا فلا.

الجزء: 2 - الصفحة: 624

قال المزني: ولا أذان إلا بعد دخول وقت الصلاة خلا صلاة الصبح، فإنه يؤذن لها بليل، وليس ذلك بقياس، ولكن اتبعنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: (إن بلالاً ينادي بليل، فكلوا واشربوا، حتى ينادي ابن أم مكتوم).
ثم لا يزال وقت الصبح قائمًا بعد الفجر ما لم يسفر، فإذا طلعت الشمس قبل أن يصلي ركعة منها، فقد خرج وقتها، فاعتمد في ذلك على إمامة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم ولما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك.
قال القاضي حسين: إنما أراد بقوله: ليس بقياس، يعني على سائر الصلوات لا أنه مخالف للقياس، لأنه يقتضي ذلك قياسًا من قبل أن الناس لا يكونون مستعدين لصلاة الصبح، بل كانوا نائمين، وبعضهم محدث، وبعضهم جنب، والأذان شرع للإعلام.
فقلنا: بأنه يؤذن قبل دخول الوقت، حتى ينتبه الناس، ويتوضأ المحدث، ويغتسل الجنب حتى يحوزوا فضلية أول الوقت، ولا تفوتهم تلك الفضيلة، بخلاف سائر الصلوات فإن الغالب م حال الناس أن يكونوا أيقاظًا منتبهين، ويكونوا مستعدين للصلاة، والقائلون قليلون، وأيضا إنما ينامون استراحة في ثياب البذلة، ولا ينزعون الثياب، بخلاف زمان الليل، فلهذا لا يؤذن في سائر الصلوات بل دخول وقتها.
وقال أبو حنيفة: لا يؤذن قبل الوقت، والدليل عليه قوله عليه السلام: إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشروا حتى ينادي ابن أم مكتوم.
دل على جوازه، والمعنى فيه ما بينا من قبل، والله أعلم بالصواب.

الجزء: 2 - الصفحة: 625

قال: والوقت الآخر هو وقت العذر والضرورة، فإذا أغمي على رجل، فأفاق، وطهرت امرأة، من حيض أو نفاس، وأسلم نصراني، وبلغ صبي قبل مغيب الشمس بركعة أعادوا الظهر والعصر، وكذلك قبل الفجر بركعة، أعادوا المغرب والعشاء، وكذلك قبل الشمس بركعة، أعادوا الصبح، وذلك وقت إدراك الصلوات في العذر والضرورات، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من أدرك ركعة من العصر، قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح، قبل أن تطلع الشمس، فقد ادرك الصبح، وأنه جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر بعرفة، وبين المغرب والعشاء في وقت العشاء بمزدلفة، فدل على أن وقتهما للضرورات واحد، وقد قال الشافعي، إن أدرك الإحرام في وقت الاخرة، صلاهما جميعًا.
قال المزني: ليس هذا عندي بشيء، وزعم الشافعي أن من أدرك من الجمعة ركعة بسجدتين، أتمها جمعة، ومن أدرك منها سجدة أتمها ظهرًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة.
ومعنى قوله عندي إن لم تفته، وإذا لم تفته صلاها جمعة، والركعة عند الشافعي بسجدتين.
قال المزني: قلت: وكذلك قوله عليه السلام: من أدرك من الصلاة ركعة، قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر، لا يكون مدركًا لها إلا بكمال سجدتين فكيف يكون مدركًا لها، والظهر معها بإحرام قبل المغيب؟ فأحد قوليه يقضي على الآخر.
قوله: والوقت الآخر هو وقت العذر والضرورة.
قال القاضي حسين: المزني لم يذكر تفسير العذر، واقتصر على تفسير وقت الضرورة، فوقت العذر هو وقت الظهر للعصر، والعصر للظهر، والمغرب

الجزء: 2 - الصفحة: 626

للعشاء والعشاء للمغرب، عند الجمع بينهما وقد ذكرنا، فإذا أراد الجمع بين الصلاتين فهو بالخيار بين أن يقدم العصر، ويصليها في وقت الظهر، وبين أن يؤخر الظهر إلى وقت العصر، ويصليهما في وقت العصر، فإذا نقل العصر إلى الظهر، وجمع بينهما في وقت الظهر، فالترتيب فيه شرط، فينبغي أن يصلي الظهر أولا، ثم العصر حتى لو قدم العصر على الظهر لا يجوز.
وإنما قلنا ذلك لأن صلاة العصر أديت في غير وقتها، إنما تكون تبعًا لصلاة الظهر، فلابد من سبق المتبوع لتتحقق التبعية، وكذلك تشترط فيه الموالاة، وهو ألا يفصل بينهما إلا قدر إقامة، ولو فصل بينهما أكثر من ذلك لا يصح الجمع، لأنه انقطع نظم الجمع، ويكون وقت الظهر وقت العصر إلا قدر ركعتين من أول وقت الظهر إذا أراد القصر، وكان مسافرًا، أو قدر أربع ركعات إذا أراد الإتمام.
فأما إذا أراد أن ينقل الظهر إلى العصر، ويصليهما في وقت العصر بالجمع، فيجب عليه أن ينوي ذلك قبل خروج وقت الظهر، كي لا يصير عاصيًا به، وهل يشترط فيه الترتيب أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى لأنه لما أخر صلاة الظهر إلى وقت، فقد جعل هذا الوقت وقتًا للظهر، فصار كما لو جمع بينهما في وقت الظهر.
والثاني: لا لأن ها هنا صلاة العصر أديت في وقتها لا تكون تبعًا لغيرها، فلا يشترط فيه الترتيب، وفي الموالاة أيضا وجهان، إلا أنه إن ترك الوالاة لا يحصل له ثواب الجمع فعلى هذا إن قلنا: إن الترتيب فيه ليس بشرط، فيكون جمع وقت العصر وقتًا للظهر.
وإن قلنا: إن الترتيب فيه شرط، فيكون جميع وقت العصر وقتًا للظهر إلا قدر ركعتين، أو أربع ركعات من آخر وقت العصر على ما بينا.
وفيه وجه آخر: أن جميع وقت العصر وقت لصلاة الظهر إلا قدر ركعة واحدة من آخر وقت العصر، لأنه إذا أدرك ركعة، فقد أدرك وقت العصر كله.

الجزء: 2 - الصفحة: 627

فأما وقت الضرورة وهو الوقت الذي يصير الشخص فيه من أهل وجوب الصلاة عليه بزوال العذر، مثل الكافر إذا أسلم، والصبي إذا بلغ، والمجنون إذا أفاق والحائض إذا طهرت، والمغمى عليه إذا زال إغماؤه في آخر وقت العصر، أو في آخر وقت العشاء، أو في آخر وقت الصبح، والله أعلم بالصواب.
فأما إذا زالت هذه الأعذار قبيل غروب الشمس، وبقي من الوقت قدر ركعة صار مدركًا للعصر.
وفي اشتراط إمكان الطهارة قولان: وإذا قلنا: إنه يصير مدركًا للعصر، فهل يصير مدركًا للظهر، أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: بلى لأنهما صلاتان يتفق وقتهما في وقت العذر، فكذا في وقت الضرورة.
والثاني: لا، لأنه لم يدرك شيئا من وقت الظهر، فلا يلزمه ذلك، كما لا يلزمه الصبح، فعلى هذا لا يصير مدركًا للظهر إلا بإدراك خمس ركعات من آخر وقت العصر.
وفي إمكان الطهارة قولان: أحدهما: بلى يشترط إمكانها، لأن الصلاة لا تصح بدونها.
والثاني: لا؛ إذ ليس من ضرورة صحة الصلاة وجود الطهارة في الوقت، فعلى هذا إذا أدرك خمس ركعات من آخر وقت العصر، وقلنا: إنه يصير مدركًا للظهر والعصر معًا، فأربعة منها تجعل للظهر، والخامسة للعصر، أو على عكسه، فعلى وجهين: أحدهما: للظهر؛ لأنها السابقة.
والثاني: للعصر، والخامسة للظهر لأنها تبع للعصر في هذا الموضع.
وفائدة الخلاف تظهر في المغرب مع العشاء إن قلنا الأربعة للعصر لم يصر مدركًا، للمغرب هناك إلا بإدراك خمس ركعات من آخر وقت العصر.

الجزء: 2 - الصفحة: 628

وإن قلنا: هي للظهر، فيصير مدركًا للمغرب بإدراك أربع ركعات.
فأما إذا أدرك من آخر وقت العصر قدر تحريمه، أو ما دون الركعة، فهل يصير مدركًا للعصر أم لا؟ فعلى قولين: أحدهما: بلى لأنه أدرك حرمة الوقت.
والثاني: لا وبه قال أبو حنيفة والمزني، لأنه ليس بصلاة وفي الخبر ركعة مذكورة لا غير.
فإذا قلنا: يصير مدركًا، ففي إمكان الطهارة قولان.
وهل يصير مدركًا للظهر أم لا؟ فعلى قولي: إن قلنا: لا يصير مدركًا للظهر بهذا القدر، فعلى هذا يصير مدركًا لها إذا أدرك من آخر وقت العصر قدر أربع ركعات وتحريمة، وفي إمكان الطهارة قولان، ثم في كيفيته وجهان: أحدهما: يجعل أربع ركعات للظهر، والتحريمة للعصر.
والثاني: على العكس منها.
وفائدته أيضا تظهر في المغرب والعشاء، وذاك معلوم فخرج من هذه الجملة ثمانية أقوال: أحدهما: تلزمه الصلاتان بإدراك تحريمة.
والثاني: بإدراك تحريمة وطهارة.
والثالث: بإدراك أربع ركعات وتحريمة.
والرابع: بإدراك أربع ركعات وتحريمة وطهارة.
والخامس: بإدراك ركعة.
والسادس: بإدراك ركعة وطهارة.

الجزء: 2 - الصفحة: 629

والسابع: بإدراك خمس ركعات.
والثامن: بإدراك خمس ركعات، وإمكان الطهارة، وهكذا الأقوال الثمانية في المغرب والعشاء إذا أدرك قبل طلوع الفجر، شيئًا من الوقت على التفصيل، الذي ذكرنا.
وفيه أربعة أقوال أخر: التاسع: يصير مدركًا لها بإدراك ثلاث ركعات وتحريمة.
والعاشر: بإدراك ثلاث ركعات، وتحريمة، وإمكان الطهارة.
والحادي عشر: بإدراك أربع ركعات.
والثاني عشر: بإدراك أربع ركعات وطهارة، وإنما يحصل فيه اثنا عشر قولا، لما ذكرنا من الوجهين، إذا أدرك خمس ركعات، في آخر وقت العصر، فهل يكون اربع ركعات للعصر وواحدة للظهر، أو على عكسه؟ وفائدته تظهر في المغرب والعشاء حتى يحصل فيه هذه الأقوال.
فأما في صلاة الصبح إذا أدرك شيئًا من وقت الصبح قبل طلوع الشمس بماذا يصير مدركًا لها؟ فيه أربعة أقوال: في قول: يصير مدركًا لها بقدر تحريمة.
وفي قول: بقدر تحريمة، وإمكان طهارة.
وفي قول: بقدر ركعة.
وفي قول: بقدر ركعة وإمكان طهارة.
هذا كله كلام فيما إذا وجد زوال الأعذار في آخر الوقت.
فأما في أول الوقت إذا مضى مه شيء، ثم وجدت الأعذار مثل أن جن، العاقل، وحاضت المرأة، أو نفست أو أغمي عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 630

قال أبو يحيى البلخي من أصحابنا: حكمه حكم آخر الوقت حرفا بحرف حتى لو أدرك من أواخر الوقت قدر ركعة ثم طرأ عليه العذر يلزمه الظهر، وفي العصر قولان، ولو أدرك ما دون الركعة، فعلى قولين.
والصحيح أنه لا يصير مدركًا للصلاة ما لم يدرك قدر الإمكان من فعل صلاة تامة، وهو قدر ما يصلي أربع ركعات حتى يصير مدركًا لها؛ لأنه استقر عليه الفرض، فلا يسقط عنه بعارض العذر، ولا تلزمه صلاة الثانية أيضًا، والفرق بين هذا، وبين آخر الوقت أن في آخر الوقت يمكنه عقد الصلاة في الوقت، والبناء عليه بعد خروج الوقت، فجاز أن يقال: إنه يلزمه ذلك بإدراك ركعة وما دونها.
فأما في أول الوقت بخلافه، لأنه لا يمكنه البناء عليه، ولا يمكنه الشرع فيها قبل دخول الوقت، فافترقا لهذا المعنى، وزان مسئلتنا منه أنه لو زال العذر قبيل غروب الشمس، ولم يبق سليم الحال إلى إمكان فعل الصلاة بأن عاوده العذر بعد غروب الشمس فلا جرم.
قلنا: لا يلزمه شيء، لأن الإمكان شرط الاستقرار على ما بينا؛ فعلى هذا لو عاوده العذر بعد إمكان الصلاتين، ثبتتا في ذمته إلى أن يزول العذر ثانيًا، وإن عاوده بعد إمكان أحدهما ثبتت تلك الصلاة في ذمته لا غير.
وقال أبو حنيفة: إن أدرك من آخر وقت العصر قدر تحريمة لا يصير مدركًا لها، ولو أدرك قدر ركعة يصير مدركًا للعصر دون الظهر، فنقول: كل من لزمه عصر يومه لزمه ظهر يومه.
دليله: من لم يكن به عذر، أو كان ولكن زال بعد ما صار ظل كل شيء مثله، ونصف مثله والأصل مركب.
واختار المزني القول الذي قلنا: إنه لا يصير مدركًا للعصر بقدر تحريمة، واحتج بقوله عليه السلام: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر.

الجزء: 2 - الصفحة: 631

النبي صلى الله عليه وسلم قيده بإدراك ركعة لا غير، وقال أيضًا بأن الإنسان لا يصير مدركًا للجمعة بما دون الركعة، وإنما يصير المسبوق مدركًا للجمعة بركعة كاملة.
قلنا: أما الخبر نحمله على أنه إذا أدرك ركعة من العصر تكون صلاته أداء لا قضاء، ولو أدرك منه دون ذلك يصير قضاء على ما ذكرنا من قبل.
وأما الجمعة نقول في الفرق بينهما أن الإدراك إدراكان: إدراك إسقاط وإدراك إلزام.
فأما إدراك الإسقاط يشترط فيه كمال المدرك، ألا ترى أنه لو أدرك الإمام في السجود لا يصير مدركًا للدركعة، لأن ذاك إدراك إسقاط، لأنه يسقط به عن نفسه القيام والقراءة، بل يشترط فيه كمال المدرك، وهو أن يدرك الركوع هكذا في إدراك الجمعة إدراك إسقاط؛ لأنه أراد به إسقاط ركعتين عن نفسه، فيشترط فيه كمال المدرك وهو ركعة تامة.
وأما إدراك الإلزام لا يشترط فيه كمال المدرك، وسواء فيه بين اليسير والكثير احتياطًا للعبادات، كما لو اقتدى المسافر بالمقيم، فيلزمه الإتمام، سواء أدرك ركعة أو دونها، فكذا فيما نحن فيه إدراك إلزام، فسوى فيه بين القليل والكثير، فإن قيل: أليس أن المزني قال في أول الفصل: إذا أغمي على رجل فأفاق قبل مغيب الشمس، بركعة أعاد الظهر والعصر، ثم قال في آخره: إن أدرك الإحرام في وقت الآخر صلاهما جميعًا، وهذا ركاكة في اللفظ بل الأولى أن نقلب القصة، ونقول: إن أدرك ركعة صلاهما، وإن أدرك تحريمة أعادهما.
قال القاضي رضي الله عنه: ليس هذا تحلل من جهته؛ لأنه لم يرد به أن يصليهما في الوقت، وإنما أراد به في الموضعين أن يصليهما خارج الوقت، ويكون الكل قضاء، لأنه لا يمكنه الاشتغال بالصلاة في الوقت، سواء أدرك ركعة، أو ما دون الركعة لوجوب الاغتسال، أو الطهارة عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 632

فرع: لو طلع الشمس في صلاة الصبح لا يبطلها عندنا.
وقال أبو حنيفة: طلوع الشمس في خلال الصلاة يبطلها، سواء كانت الصلاة نقلا أو فرضًا، وسواء طلعت الشمس قبل فراغه عن التشهد، وقبل السلام.
ووافقنا في أن غروب الشمس في خلال الصلاة لا يبطلها، فنقول: صلاة وجدت في إحدى طرفي النهار، فخروج الوقت فيها لا يبطلها قياسا على ما لو وجدت في الطرف الآخر.
فرع: إذا أغمي على إنسان إغماء يستغرق جميع وقت العذر والضرورة تسقط تلك الصلاة عنه؛ بيانه بأنه لو أغمي عليه قبيل الزوال وأفاق بعد غروب الشمس سقط عنه صلاة الظهر والعصر، وكذا لو أغمي عليه قبيل غروب الشمس وزال عنه بعد طلوع الفجر سقط عنه صلاة المغرب والعشاء وهكذا لو أغمي عليه قبيل طلوع الفجر، وزال عنه بعد طلوع الشمس يسقط عنه صلاة الصبح.
وقال أبو حنيفة: إن استوعب الإغماء يومًا وليلة يسقط عنه الصلوات الخمس، وإن كان دون ذلك لا يسقط عنه شيء منها، ثم اختلفوا فيه.
منهم من اعتبر الزمان الذي يجب فيه الصلوات الخمس، ومنهم من اعتبر قدر مضي يوم وليلة بيانه لو أغمي عليه قبيل الزوال بلحظة، ثم زال عنه الإغماء بعد طلوع الشمس بلحظة إن راعينا القول الأول قالوا: لا يلزمه شيء من صلوات الخمس، وإن راعينا القول الثاني قالوا: يلزمه الكل، ولا خلاف أنه لو زال عنه بعيد الزوال، من اليوم الثاني لا يلزمه شيء من الصلوات لوجود كلا المعنيين.
فصل: الصلاة تجب بأول الوقت عندنا، حتى لو أدرك قدر إمكان الفعل من أول الوقت فلم يفعل حتى مات لقي الله تعالى، والفرض في ذمته.

الجزء: 2 - الصفحة: 633

وفي إمكان الطهارة وجهان، وهل يعصي بترك الفعل في أول زمان الإمكان أم لا؟ إذا مات فوجهان: أحدهما: بلى، كما في الحج.
والثاني: لا؛ لأن آخر الوقت معلوم فلا ينسب إلى التفريط بالتأخر، بخلاف الحج، فإن آخر العمر غير معلوم، فالتأخير فيه إنما يجوز بشرط السلامة ولا خلاف أنه لو درك من أول الوقت دون قدر إمكان فعل الصلاة لا يلزمه شيء حتى لو مات لا يصير عاصيًا، ولا فرض في ذمته.
وقال أبو حنيفة: لا تجبر الصلاة بأول الوقت ولو أداها يسقط عنه الفرض، ثم اختلفوا فيه.
منهم من قال: إنها إذا أديت في أول الوقت وقعت نفلاً، لكنها يسقط بها الفرض وهي تمنع وجوب الفرض.
وهذا لا يصح لأنه يؤدي إلى يعيش الإنسان مائة سنة لا يصلي لله فيه فرضًا، ولا يؤاخذ به، وأيضًا فإنه لا يجوز أن يصير النفل فرضًا في الأصول في إسقاط الفرض.
ومنهم من قال: وقعت موقوفًا، فإن بقي إلى آخر وقت الصلاة تبين أنها وقعت فرضًا، وإن مات تبين أنها وقعت نفلاً.
ومنهم من قال: يجب في جزء من أجزاء الوقت من أوله إلى آخره، فإذا أداها وقعت فرضًا، كالمعسر إذا حج وقع فرضًا، وإن لم يكن واجبًا عليه.
ومنهم من قال: يتعين عليه بفعله، كالأشياء الثلاثة في الكفارة، والله أعلم بالصواب.

الجزء: 2 - الصفحة: 634

باب صفة الأذان وما يقام له من الصلوات ولا يؤذن

. الأذان في اللغة: هو الإعلام لقوله تعالى: وأذن في الناس بالحج.
أي أعلمهم: وسمى الأذان أذانًا، لأنه به يعلم الناس أمر مواقيت الصلاة، إذا دعوا إليها، والأصل في الأذا حديث الرؤيا، كان النبي صلى الله عليه وسلم مكث بـ مكة، ثلاث عشر سنة، وكان يصلي بلا أذان، ولا إقامة، ولا جمعة ولا جماعة، وفي

الجزء: 2 - الصفحة: 635

ثلاث سنين منه كان الإسلام مخفيا، وفي عشر سنين كان الإسلام ظاهرًا، فلما هاجروا إلى المدينة، وبنوا المسجد أمروا بالجمعة والجماعة، واشتغل الناس بمكاسبهم، فكانوا لا يشعرون بدخول وقت الصلاة، فاجتمعوا في موضع، وقالوا: ينبغي أن يكون لنا علامة نعرف بها مواقيت الصلاة، وتآمروا في ذلك زمانًا.
فقال بعضهم: ندجن بالنهار، ونوقد بالليل، فقالوا: لانريد هذا، لأن هذا علامة المجوس، فلا نفعلها في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال بعضهم ننفخ في البوق.
وقال الآخرون تلك علامة اليهود فلا نريدها.
وقال بعضهم نضرب بالناقوس، فقال الآخرون: تلك علامة النصارى فلا نفعلها في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فتفرقوا عن ذلك المكان ورجعوا إلى منازلهم، فلما كان من الغد جاء عبد الله بن زيد ب عبد ربه الأنصاري فقال: يا رسول الله إني كنت بين النائم واليقظان، فرأيت ملكًا ينزل من السماء، وبيده ناقوس، وعليه ثياب خضر فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ فقال: ما تصنع به، فقلت: ندعوا الناس إلى الصلاة.
فقال أفلا أدلك على ما هو خير منه؟ فقلت: نعم، فصعد نشرًا من الأرض، واستقبل القبلة، وقال: الله أكبر، الله أكبر ... إلى آخر الأذان، ثم استأخر غير بعيد وأقام.
وفي رواية: وأقام مثل ذلك.
قال: فبينما نحن كذلك حتى جاء عمر رضي الله عنه مسرعًا، وكا يجر رداءه، وقال يا رسول الله والله بعثك بالحق نبيا لقد رأيت في المنام مثل ما أرى هذا الرجل ثم اجتمع على ذلك بضعة عشر نفرًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يذكر مثل ذلك الرؤيا لنفسه، فلما دخل وقت الظهر، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله: قم وألقه على بلال، فإنه أندى صوتًا منك.

الجزء: 2 - الصفحة: 636

فقال: ائذن يا رسول الله حتى أؤذن مرة، فأذن له في ذلك فأذن، فكان أول من أذن في الإسلام عبد الله بن زيد.
قال المزني: قال الشافعي: ولا أحب للرجل أن يكون في أذانه وإقامته إلا مستقبلا القبلة.
ال القاضي حسين: السنة في الأذان والإقامة أن يكون المؤذن مستقبل القبلة، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: خير المجالس ما استقبلت به القبلة.
ولو ترك ذلك أساء ويجزئه.
فأما الخطبة: السنة فيها أن يستدبر القبلة، ويستقبل الناس، لأنها إعلام للحاضرين دون الغائبين.

الجزء: 2 - الصفحة: 637

فلو أنه استقبل القبلة فيها، واستدبر الناس، فيه وجهان: أحدهما: يصح كما في الأذان فترك السنة.
والثاني: لا يصح؛ لأنه لا يحصل به الإعلام، وفيه ترك الأدب جدًا.
قال المزني: لا تزول قدماه، ولا وجهه عنها، ويقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله.
قال القاضي حسين: المستحب له ألا يلتوي في الأذان يمينا وشمالا، إلا أنه يلوي شق وجهه في الحيعلتين على ما سنذكره، ولا تزيل القدمين عن مكانهما، سواء كان في المئذنة، أو على وجه الأرض.
وقال أبو حنيفة: إن كان على المئذنة يدور حولها.
والدليل عليه ما روى سويد بن غفلة عن بلال انه قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أذنا، أو أقمنا أن نستقبل القبلة، ولا نزيل أقدامنا عن مواضعها.
قال المزني: ثم يرجع فيمد صوته، فيقول: أشهدُ أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حتى على الفلاح، حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله.
واحتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم أبا محذورة مثل هذا الأذان.
قال القاضي حسين: الترجيع في الأذان أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، ويقول: أشهد أن محمدًا رسول الله مرتين، يختص بهما صوته، بحيث يسمع أهل المسجد فحسب، ثم يرفع صوته، ويمده مدًا ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، وأشهد أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين، بصوت عال، بحيث يسمع جميع أهل المحلة.

الجزء: 2 - الصفحة: 638

فلو ترك الترجيع اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: يستأنف الأذان.
ومنهم من قال: يصح الأذان.
ونقل أحمد، والبيهقي عن الإمام الشافعي أنه قال: لو ترك الترجيع لا يصح أذانه.
وفيه إشكال؛ لأنه أتى بأصل الأذان فوجب أن يصح، كما لو ترك التكبيرات السبع والخمس في صلاة العيدين، فإنه تصح تلك الصلاة.
وقال أبو حنيفة: الترجيع بدعة.
يدل عليه ما روى الشافعي عن مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن عبد العزيز بن عبد الملك عن أبي محذورة عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة عن عبد الله بن محيريز أخي أبي محذورة، قال: كنت في حجر عمي أبي محذورة، فقلت له: يا عماه، إني خارج (إلى الشام)، وإني أسأل عن تأذينك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرني عن تأذينك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني كنت عاشر عشرة من الصبيان، إذ قفل النبي صلى الله عليه وسلم من (حنين)، ونزل في الأبطح في قبة من أدم، فخرج بلال وأذن للصلاة، فكنا نستهزئ به، ونصرخ، ونحكي الأذان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، على بهم، فما لبثنا، إذ وقفنا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وقال: من الذي سمعت منكم صوته عالبًا، فأشاروا إلى جهتي وصدقوا فيه، فحبسني النبي صلى الله عليه وسلم وأرسلهم، ثم قال لي: قل الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم ارجع وامدد صوتك، وقل: أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، وأشهد أن محمدًا رسول الله مرتين)، قال: فرجعت، ومددت صوتي حتى كاد أن ينفلق صدري،

الجزء: 2 - الصفحة: 639

أو أعضائي إلى آخر الأذان، فلم يكن أحد أبغض إلي في ذلك الوقت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا كلمات أبغض إلي من كلات يلقنيها، ثم وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على رأسي، وأمرها على صدرها، فلما بلغت يده صدري انقلب، ذلك البغض محبة، فلم يكن أحد في ذلك الوقت أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كلمات أحب إلي من تلك الكلمات التي يلقنيها، ثم رمي إلي صرة فيها شيء من الفضة.
فقلت: يا رسول لله ولني تأذين مكة، فكتب كتابًا إلى عتاب بن أسيد، وهو أمير مكة بذلك قال: وكان يرجع في الأذان، وكذلك أولاده توارثوا ذلك عنه خلفهم عن سلفهم.
وقال الشافعي رحمه الله: رأيت من أولاد أبي محذورة بمكة، من يرجع في الأذان حتى خرج أبو طالب المعدي الملون وغير ذلك.
قال المزني: ويلتوي في حي على الصلاة حي على الفلاح، يمينًا وشمالاً، ليسمع النواحي.
قال القاضي حسين: السنة أن يلوي شدقه في الحيعلتين يمينًا وشمالاً، ولا يلوي نفسه عن القبلة، وإنما يكون يلوي شق وجهه.

الجزء: 2 - الصفحة: 640

وفي كيفيته وجهان مستنبطان من هذا النص: أحدهما: أنه يلتوي في حيعلتي الصلاة يمينًا، وفي حيعلتي الفلاح شمالاً، وفي وجه يلتوي في الأولى من حي على الصلاة يمينًا، وفي الثانية شمالاً، وفي الأولى من حي على الفلاح يمينًا، وفي الثانية شمالاً.
والفرق بينه وبين الشهادتين أن ذاك خطاب مع الآدميين، وسائر الكلمات محض ذكر الله تعالى، فلا يجوز ترك الاستقبال فيها، كالسلام في الصلاة مع سائر الأذكار.
فأما في الخطبة لا يشرع فيها الالتواء يمينًا وشمالاً، لأن ذلك خطاب وإعلام للحاضرين، وليس من الأدب في الخطاب مع الحاضرين أن يلوي وجهه عنهم بخلاف الأذان والإقامة، فإنه خطاب وإعلام للغائبين، فإذا ولي شدقه، فيكون أبلغ في الإعلام.
والدليل على أنه سنة في الأذان ما روى عن بلال أنه كان يلوي شدقه في أذانه يمينًا وشمالاً إذا بلغ حي على الصلاة حيَّ على الفلاح.

الجزء: 2 - الصفحة: 641

فرع الصبي العاقل إذا أذن يحتسب أذانه، والمرأة إذا أذنت لا يحتسب أذانها، والفرق بينهما أن المرأة لا يشرع الأذان ولا يسن لها الأذان.
وأما الصبي فهو من أهل الأذان، ومن جنس من يشرع الأذان في حقهم.
فأما البالغ إذا أذن قائمًا فلم يرفع صوته، فإنه لا يصح، لأن المقصود منه الإعلام، ولم يحصل المقصود به، ولو أذن قاعدًا، ترك السنة ويجزئه.
ولو أذن مضطجعًا فيه وجهان، كما لو صلى النافلة مضطجعًا فيه وجهان، قال المزني: وحسن أن يضع أصبعيه في أذنيه.
قال القاضي حسين: المستحب للمؤذن أن يدخل مسبحتيه في صماخي أذنيه، لأن ذلك أطن للصوت وأجمع لخروج الصوت العالي.
فإن قيل: إنكم لا تقولون بالاستحسان، والشافعي رحمه الله، قال بالاستحسان في أربعة مواضع:

الجزء: 2 - الصفحة: 642

أحدها: هذا.
والثاني: قال إرسال ابن المسيب حسن.
والثالث: قال: أستحسن المتعة بثلاثين درهما.
والرابع: قال: رأيت في الحكام من يستحلف على المصحف، وذاك عندي حسن.
قلنا: ليس هذا قول مجرد الاستحسان في هذا المواضع، وإنما هذا قول بالاستحسان، وبالدليل معه.
أما في هذا المعنى إنما قال؛ لأن المقصود من الأذان هو الإعلام، وإذا وضع أصبعيه في أذنيه، فيكون ذلك أبلغ في الإعلام.
وإنما قال في إرسال ابن المسيب: حسن؛ لأنه ما من حديث أرسله ابن المسيب إلا وجده مسندًا من غيره، ولهذا قال: فتشت مراسيل ابن المسيب فوجدت كلها مسانيد.
وأما في المتعة، إنما قال ذلك المعنى، وهو أن الزوج يوحشها بالطلاق، فقدر المتعة بثلاثين درهما في مقابلة ما يوحشها، كي يرضيها بذلك.
وأما في باب الأيمان فإنه قال بالاستحسان لمعنى مقترن به، وهو أن الأيمان إنما شرعت للردع والزجر، فإذا وقعت بالمصحف، فيكون ذلك أبلغ في الردع والزجر.
قال المزني: ويكون على طهرٍ.
قال القاضي حسين: المستحب أن يكون المؤذن متطهرًا، لأن الأذان دعاء إلى الصلاة ومشروع لها، وهو حث على حضورها فأقل ما فيه أن يكون الداعي متهيئًا لها صالحًا لأدائها، ليحسن منه الدعاء إليها.
ولأنه قيل: إن السُّنة للمؤذن أن يصلي ركعتين بعد فراغه من الأذان، وإنما

الجزء: 2 - الصفحة: 644

يتهيأ له ذلك، إذا كان متطهرًا حال الأذان، ويدل عليه قوله تعالى: (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله).
أي: أذن، وقوله: صالحًا يعني: صلى ركعتين عقيبه، هكذا ورد في التفسير والله أعلم بالصواب.
قال المزني: فإن أذن جنبًا، كرهته، وأجزأه.
قال القاضي حسين: أذان الجنب يقع موقعه، إلا أنه مكروه إن كان خارج المسجد، وإن كان في المسجد أيضًا يقع موقعه، إلا أنه يأثم بالمكث في المسجد، وقال في (الكبير): وأنا للأذان جنبًا أكره مني للأذان محدثًا، وأنا للإقامة محدثًا أكره مني للأذان محدثًا، وإنما كانت في الجنابة أكثر، لأن أمر الجنب أغلظ من أمر المحدث، لأنه يحرم اشياء لا يحرمها المحدث، ولا ترتفع إلا بالغسل، فربما يطول الفصل بينه وبين الإقامة، وإنما كانت الكراهية في الإقامة من المحدث أكثر، لأن الإقامة يعقبها عقد الصلاة، وهو إذا كانت محدثًا لا يمكنه عقد الصلاة مع الناس، فلو انتظره الإمام شق ذلك عليه وعلي الناس، ولو تركه يظن الناس به ظن السوء، ويتهمونه في دينه.
قال المزني: وأحب رفع الصوت؛ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم به.
قال القاضي حسين: لما ذكرنا أنه شرع للإعلام، يدل عليه ما روى عن النبي

الجزء: 2 - الصفحة: 645

صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي سعيد الخدري، إني أراك رجلا تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك، أو في باديتك، ودخل عليك وقت الصلاة، قم وأذن وارفع صوتك، فإنه لا يسمع صوتك حجر ولا مدر إلا ويشهد لك به يوم القيامة.
والدليل عليه: ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يغفر للمؤذن مد صوته قيل في تفسيره: إنه إذا مدَّ صوته، فكل من يسمعه يستغفر له، فيغفر له بسببه، وقيل: معناه: إنه إذا مده صوته مدت له الرحمة بقدر مد الأذان، والدليل عليه ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبد الله بن زيد بإلقائه على بلال، لأنه كان أندى صوتًا منه.

الجزء: 2 - الصفحة: 646

قال المزني: وألا يتكلم في أذانه، فإن تكلم لم يعد.
قال القاضي حسين: إن تكلم في أذانه، وكان يسيرًا، بحيث إنه لم يطل الفصل يبني عليه.
وإن طال الفصل حكمه حكم الإغماء إذا اعتراه في خلال الأذان، وحكمه حكم ما لو أغمي عليه في خلال الخطبة، وفيه قولان: أحدهما: يبني عليه غيره.
والثاني: لا يبني عليه غيره.
إن قلنا: هناك لا يبني عليه غيره في الخطبة، ففي الأذان أولى.
وإن قلنا: هناك يبني عليه غيره، ففي الأذان وجهان.
والفرق أن في الخطبة لا يؤدي إلى التباس الأمر على الناس، لأن ذاك خطاب للحاضرين بخلاف الأذان، فإنه إذا اختلفت الأصوات التبس الأمر على الناس فيظنونه استهزاء.
فأما إذا أفاق هو، فهل يبني على خطبته أم لا؟ فمرتب على بناء الغير.
إن قلنا: هناك يجوز لغيره البناء، فهو بالبناء عليه أولى، وإلا فوجهان.
والفرق أنه يبنى ذلك على كلام نفسه فبناؤه أولى من بناء غيره؛ لأن ذاك أقرب إليه إن قلنا: في الخطبة يبني هو عليه، ففي الأذان يبني، وإلا فلا، وحكم الكلام فيه حكم ما لو أغمي عليه، وقد ذكرنا.
فأما إذا ارتد في الأذان، قال الشافعي: لا يبني هو وغيره عليه.
اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: فيه قولان كالأعمى سواء.

الجزء: 2 - الصفحة: 647

ومنهم من قال: قول واحد أنه لا يبني في الردة؛ لأن الردة تحبط الأعمال المفروغة عنها بخلاف الإغماء، إلا أن هذا لا يصح، لأن عندنا الردة لا تحبط الأعمال، وإنما ذاك مذهب أبي حنيفة، فعلى هذا قوله: لا يبني هو وغيره، إنما أجاب هذا على أحد القولين، أو ذكر على وجه الاستحباب، أو أراد به إذا ذكر بعض الكلمات في حال الردة لا يبني عليه، بل يبني على ما وجد منه من الكلمات في حالة الإسلام قال المزني: وما فات وقته، أقام ولم يؤذن.
واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم حبس يوم الخندق، حتى بعد المغرب بهوى من الليل، فأمر بلالاً، فأقام لكل صلاة، ولم يؤذن، وجمع بعرفة بأذان وإقامتين، وبمزدلفة بأقامتين، ولم يؤذن فدل على أن من جمع في وقت الأولى منهما، فبأذان، وفي وقت الآخرة، فبأقامة وغير أذن.
قوله: وما فات وقته أقام ولم يؤذن.
قال القاضي حسين: اما إذا فاتته صلاة واحدة لا خلاف أنه يسن له الإقامة، وفي الأذان اختلف قوله فيه.
قال في الجديد: لا يؤذن لها بل يقيم.
وقال في القديم: يؤذن لها ويقيم وقال في الإملاء: إن رجا اجتماع الناس أذن وأقام، وإلا فلا.
ففي القديم جعل الأذان لحق الفرض، في الجديد لحق الوقت.
وفي الإملاء لحق الجماعة.
ووجه قوله القديم وهو مذهب أبي حنيفة أنها صلاة مفروضة فيؤذن لها كسائر الصلوات.

الجزء: 2 - الصفحة: 648

ووجه قوله في (الإملاء)، أن الأذان لدعاء الناس وعمارة الجماعات، والفائتة لا يجتمع فيها العامة، فإن رجا اجتاعهم أذن، وإلا فلا.
ووجه قوله الجديد: ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس يوم الخندق، حتى فاتته صلاة الظهر والعصر والمغرب، فأمر بلالا أن أقام لكل صلاة، ولم يؤذن وفي رواية أذن للأولى وأقام للبواقي.
والدليل عليه ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بعض الغزوات فأعياهم سير الليل، فقالوا: لو عرست بنا يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني أخاف أن يناموا عن صلاة الصبح فمن يكلؤنا، فقال بلال: أنا أكلؤكم، فناموا، واستند بلال إلى رحله، فنام فما أيقظهم إلا حر الشمس، فانتبه من القوم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان جهوري الصوت، فقال الصلاة الصلاة، فانتبه الناس من صوته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ببلا فأتي به، فقال أين ما قلت؟ فقال بلال أخذ بعيني ما أخذ بأعينكم، فقال عليه السلام: صدق بلال، فإن أنفسنا بيد الله، إن شاء أمسكها، وإن شاء حبسها اخرجوا من هذا الوادي فإن به شيطانا فاقتادوا واغير بعيد.
فنزلوا فأمر بلالا بأن أقام للصلاة، دل على أن الأذان لها ليس سنة.
فأما إذا كانت عليه فوائت كثيرة.
ففي قوله الجديد: يقيم لكل واحدة منهن ولا يؤذن.
وفي قوله القديم: يؤذن لها ويقيم للبواقي.

الجزء: 2 - الصفحة: 649

فأما إذا كان عليه فائتة، ودخل الوقت، وأراد فرض الوقت أذن لها، وأقام، ولم يؤذن للفائتة؛ لأنها مؤداة على أثر فرض الوقت، بل يقيم لها، وإن بدأ بالفائتة، فعلى ما ذكرنا من القولين، فإن أقام لها فإنه يؤذن، ويقيم لفرض الوقت، لأنهما صلاتان، منفردتان لا يتعلق حكم إحداهما بالأخرى.
وفيه وجه آخر: أنه يؤذن لفرض الوقت؛ لأنه يؤدي إلى سبق الإقامة على الأذان.
والصحيح هو الأول؛ لأن الأذان لحق الوقت، ولدعاء الناس إلى الصلاة، والناس يشتركون في فرض الوقت.
فأما في الجمع بين الصلاتين، ينظر فيه إذا نقل العصر إلى الظهر يؤذن للظهر، ويقيم ثم يقيم للعصر، وإن نقل الظهر إلى العصر.
إن قلنا: الترتيب شرط، هل يؤذن للظهر أم لا؟ يترتب على الفائتة، إن قلنا: يؤذن للفائتة، فها هنا أولى، وإلا فوجهان.
وإن قلنا: إن الترتيب فيه ليس بشرط يؤذن، ويقيم للعصر، ثم يقيم للظهر.
قال المزني: ولا أحب لأحد أن يصلي في جماعة، ولا وحده إلا بأذان وإقامة، فإن لم يفعل، أجزأه.
قال القاضي حسين: المستحب للمنفرد أن يؤذن ويقي، كما إذا صلى بالجماعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 650

والدليل عليه ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا كان أحدكم بأرض فلاة ودخل عليه وقت الصلاة، فلو صلى بغير أذان ولا إقامة صلى وحده ولو صلى وأقام صلى ومعه ملكاه، ولو صلى بأذان وإقامة صلى معه صف من الملائكة أوله بالمشرق وآخره بالمغرب.
قيل: بأنه أراد به بالمدينة، لأن المدينة على يسار الكعبة، فيصير هناك صف أو له بالمشرق وآخره بالمغرب، وأما في بلادنا هذا لا يتصور ذلك.
وقيل: بأنه اراد به التقدير يعني لو فعل هكذا صلى ومعه صف من الملائكة يبلغ هذا المقدار، قال المزني: وأحب للمراة أن تقيم، فإن لم تفعل أجزأها.
قال القاضي حسين: وأما الأذان لا يستحب لها؛ لأنه شرع فيه رفع الصوت، وليس للمرأة أن ترفع صوتها.
ولهذا قلنا: لا يجوز للمراة أن تجهر في صلاة الجهر، ولا أن ترفع صوتها بالتكبير.
قال المزني: ومن سمع المؤذن، أحببت أن يقول مثل ما يقول إلا أن يكون في صلاة، فإذا فرغ قاله، وترك الأذان في السفر أخف منه في الحضر.

الجزء: 2 - الصفحة: 651

قال القاضي حسين: المستحب للسماع أن يعيد كلمات الأذان على هيئتها إلا الحيعلتين، فإنه يقول في حي على الصلاة والفلاح، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما شاء الله كان، لأن ذلك ليس بثناء، بل دعاء مجرد للناس إلى الصلاة، وإذا كان في أذان الصبح، وقال المؤذن: الصلاة خير من النوم، فيقول السامع: صدقت وبررت، وفي كلمتي الإقامة يقول: اللهم أقمها وأدمها، واجعلني من صالح أهلها.
وفي رواية: اقامها الله وأدامها، ما دامت السموات والأرضون.
وإذا فرغ المؤذن من الأذان، فالسنة للسامع أن يقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الدرجة والوسيلة والرفعة والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، كي يغبطه الأولون والآخرون، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من سمع الأذان وقال مثل مقالته وشهد مثل شهادته، فقد حلت له شفاعتي.
وفي رواية: وجبت له شفاعتي، وهذا كله إذا كان خارج الصلاة.
فأما إذا كان في الصلاة.
قال في الجديد: لا يقول شيئًا.
وقال في القديم: يقوله.

الجزء: 2 - الصفحة: 652

ولا خلاف أنه لا يستحب له إعادة الأذان، وفي (الكبير) قال: يعيدا بعد فراغه من الصلاة، وهل يكره له ذلك في الصلاة أم لا؟ فعلى وجهين: أحدهما: بلى؛ لأن حرمة الصلاة تمنعه من أن يدخل فيها غيرها.
والثاني: لا؛ لأنها أذكار، فأشبه سائر الأذكار، وإذا كان يقرأ القرآن فسمع صوت المؤذن، فالمستحب له إعادة الأذان معه، لأن ذاك يفوت، وقراءته القرأن لا تفوت، فعلى هذا إذا أجاب في الصلاة، إن كان في خلال الفاتحة تبطل القراءة، ويستأنف القراءة، ولا تبطل الصلاة، وإن كان في غير الفاتحة، فإنه لا تبطل الصلاة.
ولو قال في الحيعلتين: لا حول ولا قوة إلا بالله هكذا، فأما إذا قال فيه مثل ما قال المؤذن، إن كان عالمًا بأنه في الصلاة، وأن ذلك خطاب الآدميين تبطل صلاته.
وإن كان جاهلاً بالصلاة لا تبطل.
وإن كان جاهلاً بحكمه ففيه وجهان: إن كان لا تبطل صلاته، فعليه سجدتا السهو، وهكذا لو قال في جواب قوله: الصلاة خير من النوم، صدقت، وبررت بطلت صلاته.
ولو قال: الصلاة خير من النوم هكذا، لأن هذا خطاب مع الآدميين، وإنه كلام وليس بذكر، ولو قال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تبطل صلاته.
ولو قال: قد قامت الصلاة بطلت صلاته، كما لو قال دخل وقت الصلاة.
ولو قال: اقامها الله، أو اللهم أقمها وأدمها لم تبطل صلاته، وهذا لو سلم على المصلي أولا لم يستحق عليه الجواب، ولو فرغ من صلاته لا يلزمه ذلك أيضًا؛ لأنه هو الذي ضيع حقه إذ لم تكن الصلاة محلا للسلام، ولو رد جوابه في الصلاة، إن قال: وعليك السلام، إن كان عالمًا به بطلت صلاته، وإن كان جاهلاً لم تبطل، ولو قال: وعليه السلام لم تبطل صلاته، لأنه دعاء

الجزء: 2 - الصفحة: 653

له، والصلاة محل الدعاء للمؤمنين والمؤمنات، وهكذا إذا شمت عاطسًا في الصلاة، إن قال: يرحمك الله بطلت صلاته إن كان عالمًا به، وإلا فلا.
ولو قال: يرحمه الله لم تبطل، ولو رد السلام بإشارة اليد فلا بأس، والله أعلم.
قوله: (وترك الأذان في السفر أخف منه في الحضر).
قال القاضي حسين: وإنما قال ذلك، لأن الأذان لدعاء الناس إلى الصلاة، والناس يكونون مجتمعين، فلا يحتاجون إلى جامع يجمعهم، وأيضًا السفر يؤثر في إسقاط بعض الفرائض، فأثره في التخفيف في باب السنن أظهر.
وقال أبو حنيفة: تركه في الحضر أخف، وعلل بكثرة المؤذنين في الحضر، فترك الأذان فيه لا يتضمن إبطال ما هو من شعار الإسلام، بخلاف السفر وجوابه ما ذكرنا.
قال المزني: والإقامة فرادي، إلا أنه يقول: قد قمات الصلاة، مرتين، وكذلك كان يفعل أبو محذورة مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي حسين: هذا مذهبه في الجديد.
وقال مالك: يوتر كلمات الإقامة حتى التكبير، فإنه يقول في الابتداء، الله أكبر فحسب، وكذا قال في آخره: الله أكبر لا إله إلا الله، ويقول: قد قمات الصلاة مرة واحدة، وبه قال الشافعي في القديم.
وعند أبي حنيفة الإقامة مثني مثني، كالأذان وفيها زيادة كلمتي الإقامة.
والدليل على صحة قولنا ما روى عن ابن عمر، رضي الله عنه أنه قال: كان الآذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثني مثني، والإقامة فرادى إلا قوله: قد قامت الصلاة، فإنه يقولها مرتين.
وروى عن أنس بن مالك، رضي الله عنه أنه قال: ذكر الناس والناقوس، وذكر النصارى والمجوس فأمر بلال بأن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.

الجزء: 2 - الصفحة: 654

ومن أصحابنا من قال: إن رجع في الأذان، فالسنة أن يثني الإقامة، وإن لم يرجع فيه، فإنه يفرد الإقامة، واحتج فيه بما روى عن أبي محذورة أنه قال: لقنني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات الأذان تسع عشرة كلمة، وكلمات الإقامة سبع عشرة كلمة إذا وجدت مثني مثني، والصحيح: أن الإقامة فرادى، سواء رجع في الأذان، أو لم يرجع.
قال المزني: فإن قال قائل: قد أمر بلال بأن يوتر الإقامة.
قيل له: فأنت تثي (الله أكبر، الله أكبر) فتجعلها مرتين.
قال القاضي حسين: منهم من قال: هذا سؤال من مالك على الشافعي.
ومنهم من قال: هذا سؤال من مذهبه القديم على مذهبه الجديد.
وبيانه أن نقول: يوتر الإقامة، ثم نقول في قوله: قد قامت الصلاة مرتين وفي قوله: الله أكبر مرتين، وهذا يكون مثني مثنى.
فأما وأنت تقول: الإقامة فرادي ثم يثني قوله: الله أكبر مرة في أول الإقامة، ومرة في آخرها فما عممت كلمات الإقامة في الإقامة، إلا أن الصحيح أن نقول: أردنا بقولنا الإقامة فرادى، يعني على شطر كلمات الأذان إلا قوله: قد قامت الصلاة، فإنه يقولها مرتين.
وقال المزني: قد قال في القديم: يزيد في أذان الصبح التثويب، وهو: الصلاة خير من النوم، مرتين، ورواه عن بلال مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم وعن علي رضي الله عنه وكرهه في الجديد، لأن أبا محذورة لم يحكه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال المزني: وقياس قوليه: أن الزيادة أولى به في الأخبار كما أخذ في التشهد بالزيادة، وفي دخول النبي صلى الله عليه وسلم البيت بزيادة أنه صلى فيه، وترك من قال: لم يفعل.
قوله: وقال في القديم، ويزيد في صلاة الصبح التثويب.
قال القاضي حسين: التثويب أن يقول المؤذن في أذان الصبح بعد ما قال حي

الجزء: 2 - الصفحة: 655

على الفلاح مرتين: الصلاة خير من النوم مرتين، وإنما سمى تثويبًا، لأنه يثوب ويرجع من دعائه للناس إلى الصلاة إلى دعائه للناس إلى الصلاة، لأن قوله: حي على الصلاة دعاء لهم الصلاة، ثم بعد الفرغ عن الحيعلتين عاد إلى عائهم إلى الصلاة بقوله: الصلاة خير من النوم.
وكرهه الشافعي في الجديد، وعلل بأن أبا محذورة لم يحكه، وإنما قال ذلك لأن الشافعي رحمه الله اعتمد في الأذان على أذانه، والصحيح أن التثويب مستحب قولا واحدًا؛ لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم تأخر عن الصلاة ذات يوم، فجاء بلال إلى حجرته، وقال الصلاة، وفي رواية: الصلاة خير من النوم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم، اجعلها في أذان الصبح.
وفي رواية: اجعلوها في أذانكم.
وروى عن علي، رضي الله عنه، التثويب، روى أنه كان يقول: حي على خير العمل وبه أخذت الشيعة.
ويحمل قوله في الجديد على أنه لم يبلغه الخبر.
واختار المزني في التثويب: واحتج بأن فيه زيادة، والأخذ بالزيادة في العبادات أولى، ولهذا أخذ الشافعي في التشهد بقول ابن عباس، لأن فيه زيادة، وأخذ.

الجزء: 2 - الصفحة: 656

بقوله من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل البيت، وصلى فيه، وترك قول من روى أنه لم يصل فيه، لأن فيه زيادة كذا هذا.
قلنا: الأخذ بالزيادة إنما يكون أولى، إذا كان ذلك الشيء مستترًا مخفيا مستترًا عن الناس كما رويت الخبرين.
فأما إذا كان شائعًا مستفيضًا فيما بين الناس، فلا يكون فيه الأخذ بالزيادة أولى، ألا ترى أنه لو جاء واحد، وأخبر بأن الخطيب قد سقط عن المنبر يوم الجمعة، واندقت عنقه، وكذبه أهل الجماعة لا يقبل قوله باعتبار أن فيه زيادة.
وكذا لو أخبر بأني رأيت الأمير راكبًا على حمار منكوسًا، ويدور عليه في السوق، وكذبه أهل السوق فإنه لا يقبل قوله، فكذا الأذان بمثابته، لأنه يكون على رأس المئذنة، وكان سمعه أكثر الناس، فلا يكون الأخذ بالزيادة، فيه أولى، بل الصحيح ما ذكرنا من تأويل قوله في الابتداء.
قال المزني: وأحب ألا يجعل مؤذن الجماعة إلا عدلا ثقة لإشرافه على الناس.
قال القاضي حسين: ينبغي أن يكون المؤذن عدلا في دينه، وأن يكون ثقة كي يحافظ على الناس أوقات الصلاة، فأما إذا استخف بالأذان بأن يؤذن مرة في أول الوقت، ومرة في آخرة، ومرة خارج الوقت، أو كان جاهلاً بأوقات الصلاة فإنه يعزل ويولي غيره.
وقوله: لإشرافه على الناس، له تأويلان:

الجزء: 2 - الصفحة: 657

أحدهما: على عورات الناس واطلاعه على منازلهم، لأن المستحب أن يؤذن على مكان مرتفع ليحصل به الإعلام، فإذا لم يكن عدلاً ثقة ربما ينظر إلى عورات الناس.
والثاني: أراد به لإشرافه على مواقيت الصلاة، فينبغي أن يكون أمينًا لكي لا يخون الناس في الأوقات بالتقديم والتأخير.
قوله: (وأحب أن يكون صيتًا).
قال القاضي حسين: لأن المراد به الإعلام فيستحب أن يكون رفيع الصوت لزيادة الإعلام، ويدل عليه قول عليه السلام لعبد الله بن زيد: القه على بلال فإنه أندى صوتًا منك.
قال المزني: وأحب أن يكون صيتًا، وأن يكون حسن الصوت؛ لأنه أرق لسامعهِ.
قال القاضي حسين: وهو كما قال؛ لأنه دعاء إلى العبادة، والداعي إذا كان حسن الصوت تصغى إليه الأذان والطباع، وإذا كان سمج الصوت تبو عنه الطباع والأذان فينبغي أن يكون حسن الصوت لترق به القلوب، وتميل إليه الطباع.
قال المزني: وأحب أن يؤذن مترسلاً بغير تمطيط - ولا يغني فيه.
قال القاضي حسين: والترسل أن يأتي بكلمات الأذان مفصلاً مبنيًا على التؤدة والتأني واحدة بعد واحدة من غير تمطيط، أي: تمديد، ولا يعي فيه، أي: لا محاورة فيه في المد وقريء، ولا يتغني فيه، أي: لا يؤذن بحيث يشبه الغناء.
قال المزني: وأحب الإقامة إدراجًا مبينًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 658

قال القاضي حسين: وهو أن يأتي بكلماتها حدرًا واحدًا فواحدًا، ولا يأتي بها مترسلاً، روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: (إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر).
وفي رواية: فاحزم، واجعل ما بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل عن آكله، والشارب عن شربه، والمعتصر لقضاء حاجته، ولا تقوموا حتى تروني.
معناه: لا تقوموا بعد الإقامة إلى الصلاة حتى تروني وقد قمت.
قال المزني: كيفما جاء بهما، أجزأ.
قال القاضي حسين: معناه كيف ما جاء بإلاان والاقامة مترسلا أو حادرا قائمًا أو قاعدًا، مستقبل القبلة أو مستدبرها، على مكان مرتفع أو على وجه الأرض أجزأه.
قال المزني: وأحب أن يكون المصلي بهم فاضلاً، عالمًا قارئًا، وأي الناس أذن، وصلى أجزأه.
قال القاضي حسين: هذه المسألة ليست من مسائل هذا الباب، لكنه ذكرها في مقابلة ما قال في أن المؤذن لا يجعل إلا عدلا ثقة، ينبغي أن يكون الإمام عالمًا قارئًا، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن استووا فأعلمهم بالسنة، فإن استووا فأقدمهم هجرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 659

قوله: (وأي الناس أذَّن وصلى أجزأه) إذا كا يحسن القراءة على ما سنذكره في بابه إن شاء الله تعالى.
قال المزني: وأحب أن يكون المؤذنون اثنين، لأنه الذي حفظناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلال، وابن أم مكتوم، فإن كان المؤذنون أكثر، أذنوا واحدًا بعد واحد.
قال القاضي حسين: السنة أن يكون المؤذن أكثر من واحد، وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له مؤذنا: بلال وعبد الله بن أم مكتوم.
وقيل: كان أربعة م المؤذنين: بلال، وعبد الله بن أم مكتوم، وسعد القرظي، وأبو محذورة، إلا أن هذا ذكر لعائشة، فأنكرت ذلك وقالت: بل كان له مؤذنان: بلال، وعبد الله بن أم مكتوم، وهو كما قالت، لأن أبا محذورة كان يؤذن بـ (مكة)، وسعد القرظي يؤذن بمسجد (باء).
إذا كان في مسجد مؤذنان فيؤذنان على الترتيب فإن كان في أذان الصبح يؤذن أحدهما قبل طلوع الفجرن والآخر بعده وإذا أذن قبل طلوع الفجر متى يؤذن؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يؤذن بعد ثلث الليل إلى قبيل طلوع الفجر.
والثاني: أنه يؤذن من بعد مضى نصف الليل إلى قبل طلوع الفجر، والوجهان ينبنيان على أن وقت الاختيار لصلاة العشاء إلى متى يمتد؟ وفيه وجهان، والصحيح أنه يؤذن في نحر السحر كي لا يؤدي إلى اشتباه الأمر على الناس أن هذا أذان الصبح، أو أذان العشاء، فأما في سائر الأوقات، إن كان في الوقت سعة هكذا يؤذن واحد بعد واحد على الترتيب، فإن تشاحوا في ذلك أقرع فيما بينهم، فمن خرجت قرعته أولا بدأ هو بالأذان أولا، وإنما يقيم من أذن أولا.
والدليل عليه ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بعض الأسفارـ وكان بلالٌ

الجزء: 2 - الصفحة: 660

غائبًا، فأذن زياد بن الحرث الصدائي قبل طلوع الفجر، فحضر بلال بعد طلوع الفجر والأذان، وأراد أن يقيم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إن أخا صداء أذن وإن من أذن أولا فليقم.
فأما إذا كان في الوقت ضيق، أذن كل واحد منهم في ناحية في المسجد، إن كان في ساحته سعة، بحيث لو أذن كل واحد في كل ناحية منه لا يؤدي إلى التشويش على الناس، وإن اجتمعوا في موضع واحد وأذنوا دفعة واحدة، إن اتفقت أصواتهم يجوز، وإن اختلفت أصواتهم لا يجوز، بل يؤذن واحد منهم كي لا يؤدي إلى تهويش الأمر على الناس، فإذا اجتمعوا في الأذان يقرع فيما بينهم في الإقامة.
قال المزني: ولا يرزقهم الإمام، وهو يجد متطوعًا.
قال القاضي حسين: إذا وجد الإمام من يؤذن متطوعًا فليس له أن يستأجر واحدا بالأجرة، لأن منزلة الإمام من مال بيت المال منزلة الوصي من مال اليتيم، ثم الوصي لو وجد من يعمل في مال اليتيم متطوعًا لس له أن يستأجر من يعمل في ماله بالأجرة كذا الإمام مثله.

الجزء: 2 - الصفحة: 661

قال المزني: فإن لم يجد متطوعًا فلا بأس أن يرزق مؤذنا واحدًا، ولا يرزقه إلا من خمس الخمس سهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن يرزقه من الفيء، ولا من الصدقات لأن لكل مالكًا موصوفًا.
قال القاضي حسين: للإمام أن يرزق المؤذن، لأنه من المصالح بلا خلاف، وله استئجار المؤذن على الأذان، وكذا يجوز الاستئجار على الطاعات عندنا من تعليم القرآن والحج.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وهذا لا يصح، لأنه استأجره على عمل معلوم لا يجب عليه، وينتفع به غيره، لأن نفعه عائد إلى جميع المسلمين، فإنهم يطلعون به على دخول أوقات الصلوات، فيجوز كما لو استأجره لبناء المسجد والقناطر والرباطات، فإن كان البلد يشتمل على مساجد فله أن يرزق عددًا من المؤذنين إن لم يمكن جمع الناس في مسجد محلة واحدة، وإن أمكن جمعهم في مسجد واحد فيها وجهان: أحدها: يستأجر واحدًا فحسب لا حاجة به إلى الزيادة على مؤذن واحد.
والثاني: يستأجر أكثر من واحد، كي لا يؤدي إلى تعطيل المساجد، وأيضًا مهما كثرت الجماعات كثر الثواب؛ لأن أداء الجماعات في المساجد أولى من أدائها في مسجد واحد، فأما إذا وجد من يؤذن متطوعًا، وليس برفيع الصوت، فهل له أن يستأجر من كان حسن الصوت أم لا؟ فيه قولان بناء على ما إذا طلق امرأته، وله منها ولد صغير، ووجد من يرضعه مجانًا، وهي لا ترضعه إلا بالأجرة فيه قولان: أحدهما: أن الأم أولى لقوله تعالى: (فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن)؛ ولأن شفقتها أكثر عليه من شفقة الأجنبية.
والثاني: أن الأجنبية أولى؛ لأنها تطوعت به.

الجزء: 2 - الصفحة: 662

إن قلنا: الأم أولى فهنا يستأجر من كان أحسن صوتًا منه.
وإن قلنا: الأجنبية أولىن فها ها لا يستأجر.
قال القفال: عندي لا يجوز الاستئجار على التأذين، لأنه إن كان على العين، فالأذان كان لأوقات الصلاة، فيصير إجارة في المدة القابلة، وذلك لا يجوز، وإن كان في المدة فهو ينتفع به، كما أن غيره ينتفع به، فلا يجوز، الدليل عليه الإقامة.
قوله: (ولا يرزقه إلا من خمس الخمس سهم النبي صلى الله عليه وسلم):، وهو كما قال؛ لأنه يعد لمصالح المسلمين، وأهم المصالح أمر الأذان وقد أخل المزني بالنقل ها هنا، حيث قال: ولا يجوز أن يرزقه من الفيء، وخمس خمس الفيء من جملته.
والشافعي قال: ولا يجوز أن يرزقه من غيره من الفيء، ولا خلاف أنه لا يرزقه من أربعة أخماس خمس الفيء، ولا من أربعة أخماس الغنيمة، وهل له أن يرزقه من أربعة أخماس خمس الفيء؟ فعلى قولين بناء على أن أربعة أخماس الفيء لم تكن، وفيه قولان: أحدهما: للمرتزقة خاصة.
والثاني: لمصالح المسلمين.
قال المزني: وأحب الأذان؛ لما جاء فيه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأئمة ضمناء، والمؤذنون امناء، فأرشد الله الأئمة واغفر للمؤذنين.
قال القاضي حسين: اختلف أصحابنا في أن التأذين أفضل أم الإقامة؟ منهم من قال: التأذين أفضل لقوله عليه السلام: (المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة).

الجزء: 2 - الصفحة: 663

ولما روي عنه عليه السلام، أنه قال: الأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء، فأرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين.
جعل النبي صلى الله عليه وسلم المؤذن أمينًا، والإمام ضمينًا، ومعلوم أن حال الأمين أحسن وأمثل من حال الضمين، وأيضا دعا للمؤذنين بالمغفرة والأئمة بالرشد، والرشد يقتضي سبق الإضلال.
ومنهم من قال: الإمامة أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تولى الإمامة ولم يؤذن قط.

الجزء: 2 - الصفحة: 664

وأيضا قال: الإمامة، يحتاج فيها الإنسان إلى تعلم أركاها وهيئاتها، وغير ذلك من تنقية الثوب وغيره، فيكون الثواب فيها أكثر لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة في تلك القصة المعروفة: (أجرك على قدر نصبك).
ومن قال بالأول أجاب عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما لم يؤذن، لأن المؤذن ينبغي أن يكون منتظرًا، والإمام منتظرًا فلو أذن صار منتظرًا، وذاك لا يجوز وأيضا الأذان دعاء إلى الصلاة وحث عليها، وكان أمر النبي صلى الله عليه وسلم واجبًا، فلو أذن وجب على من يسمع أذانه الحضور إلى الجماعة، وحضور الجماعة أمر مستحب غير واجب.
والدليل عليه أنه تلزمه الإجابة إذا دعاه النبي صلى الله عليه وسلم ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بمعاذ بن جبل فدعاه وهو في الصلاة فلم يجبه، فلما فرغ من صلاته أتاه معتذرًا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم.
ولهذا قلنا: لو دعا النبي صلى الله عليه وسلم رجلا في الصلاة، فأجابه لا تبطل صلاته؛ لأن ذاك واجب عليه، وأيضا فإنه لو أذن لاحتاج فيه إلى أن يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله والنبي صلى الله عليه وسلم لا يظهر النبوة من نفسه إلا عند دعوة الخلق إلى الله تعالى، فأما فيما سواه من سائر الأعمال فلا، وأيضا فإن فيه ترك النظم الذي هو سنة في الأذان.

الجزء: 2 - الصفحة: 665

قال المزني: ويستحب للإمام تعجيل الصلاة لأول وقتها، إلا أن يشتد الحر فيبرد بها في مساجد الجماعات، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله، وأقل ما للمصلى في أول وقتها: أن يكون عليها محافظًا، ومن المخاطرة بالنسيا والشغل والآفات خارجًا، ورضوان الله، إنما يكون للمحسنين، والعفو يشبه أن يكون للمقصرين، والله أعلم.
قوله: (ويستحب للإمام تعجيل الصلوات لأول وقتها).
قال القاضي حسين: عندنا تعجيل الصلوات في أوائل أوقاتها أفضل إلا في يوم الغيم، فإنه يؤخر قدر ما يتحقق له دخول الوقت، وكذا في العشاء الآخرة قولان، وقد ذكرنا في أول كتاب الصلاة، وهكذا إذا كان في الصيف الصائف في الحر الشديد، لا خلاف أن الإبراد بالظهر مستحب،، وهل يكون التعجيل أفضل أم الإبراد به؟ فيه وجهان: أحدهما: التعجيل أفضل، والإبراد رخصة كما في سائر الصلوات.
والثاني: أن الإبراد أفضل لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا اشتد الحر فأبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم.
وروى عنه عليه السلام انه قال: اشتكت النار إلى ربها فقالت: يارب أكل بعضي بعضا فأذ لها في نفسين، نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدونه من الحر في الصيف م سموم جهنم، وأشد ما تجدونه من البرد في الشتاء من زمهرير جهنم.

الجزء: 2 - الصفحة: 666

ولا نعني بالإبراد أن تؤخر الصلاة إلى آخر وقتها، وإنما نعني به أن يقف ريثما يقع ظل الشمس في وسط السكك، ولا يتأذى الإنسان بحر الشمس في الخروج إلى المساجد، فأما إذا كان يصلي في بيته، أو في مسجد كبير لا يؤذيه حر الشمس فوجهان: أحدهما: لا يستحب له التأخير، إذ لا ضرورة به إلى ذلك.
والثاني: يستحب له ذلك، لأن ذاك ثبت رخصة ثبتت في حق الناس كافة، كما قلنا في رخص المسافرين، فإنه يثبت في حق من كان في المهد ولا يلحقه النصب والثقب، كما يثبت في حق الرجالة الذين تلحقهم المشقة الشديدة، والوجهان ينبنيان على أصل، وهو أن الجمع بين الصلاتين بعذر المطر في مسجد في كن من الأرض هل يجوز أم لا؟ وفيه قولان: إن قلنا هناك لا يجوز، فها هنا يستحب له الإبراد.
وإن قلنا هناك: لا يجوز، فها هنا لا يستحب له ذلك.
وقال أبو حنيفة: التأخير في الصلوات افضل في الصسيف إلا في صلاة المغرب، فإن التعجيل فيها أفضل، فأما في الشتاء التعجيل في الظهر أفضل إلا إذا كان في يوم الغيم فإن التأخير فيه أفضل ليتحقق دخول الوقت له، والتأخير في صلاة العصر أفضل إلا إذا كان في يوم الغيم، فإن التعجيل فيها أفضل؛ لأنه بتأخير الظهر أمن وقوع العصر قبل وقتها، والتعجيل في صلاة المغرب أولى، إذا إذا كان في يوم الغيم، فإن التأخير فيه افضل ليتحقق دخول وقته، والتأخير في العشاء أفضل، إلا إذا كان في ليلة الغيم، والتأخير في صلاة الصبح أفضل إلا غداة الجمع بـ (مزدلفة)، فإن التعجيل فيها أفضل.

الجزء: 2 - الصفحة: 667

والدليل عليه قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى).
قال الشافعي في تأويلها: وأقل ما للمصلى في أول وقتها أن يكون عليها محافظًا، ومن المحافظة بالنسيان والشغل، وإلا فات خارجًا، واختلف الناس في تفسير قوله تعالى: (والصلاة الوسطى).
قال الشافعي: رحمه الله: أراد به صلاة الصبح لقوله تعالى: (وقوموا لله قانتين).
وقال أهل التفسير: أراد به صلاة العصر.
وقيل: أراد به صلاة الظهر.
وقيل: أراد به صلاة المغرب أو العشاء، والدليل عليه ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله.
قال الشافعي: رضوان الله إنما يكون للمحسنين، والعفو يشبه أن يكون للمقصرين.
قال الصديق رضي الله عنه/ رضوان الله أحب إليّ من عفوه.

الجزء: 2 - الصفحة: 668

والدليل عليه أيضًا ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل، وقيل: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، وفي رواية: لأول وقتها، قيل: ثم أي قال: ثم بر الوالدين، قيل ثم أي؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله.
وروى عنه عليه السلام أنه قال لعلى كرم الله وجهه: يا على لا تؤخر أربعًا.
الحديث.
رورى أنه قال: سيكون في آخر الزمان أمراء وأئمة يؤخرون الصلاة عن أول وقتها، فإذا أدركتموهم، فصلوا أنتم في أول مواقيتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة.
أي: نافلة.
قال الشافعي رحمه الله في القديم: العفو عفوان، عفو عن التقصر، وعفو التوسعة، والفضل في غير ذلك إلا أن يؤخر بترك ذلك الغير، وأراد بالعفو عن التقصير إذا عفا عن الجاي والمجرم.
وأراد بعفو التوسعة ما يثبت رخصة من الشارع.

الجزء: 2 - الصفحة: 669

وأراد بقوله: والفضل في ذلك يعني الإتمام أفضل في العبادات إلا إذا أمر بترك الإتمام.
معناه: أن تأخير الصلاة عن أول وقتها رخصة، والتعجيل فيها أفضل إلا إذا أمر أيضًا بالتأخير، كقوله عليه السلام: أبردوا بالظهر، ولهذا قال: الصوم في رمضا في حق المسافر أفضل من الفطر إلا إذا كان مريضًا ضعيفا أجهده الجوع والعطش، فإن الإفطار له افطار، والدليل عليه ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل ينضح له الماء ويظلل، فقيل: من هذا؟ فقال: هذا أبو إسرائيل نذر لله تعالى، أن يصوم، ولا يفطر ويمشى ولا يركب ولا يستظل.
فقال عليه: السلام: إن الله تعالى لغني عن تعذيبه نفسه، مروه فليفطر وليركب وليستظل.
وقوله عليه السلام: المؤذن أولى بالأذان، والإمام أولى بالإقامة، لم يرد به المؤذن يؤذن، والإمام يقيم، بل معناه أن المؤذن يقيم بإذن الإمام، وبإشارته، لأنه ربما ينظر محتشمًا في الدين أو غيره فلا يقيم إلا بإذنه لهذا المعنى، والله أعلم بالصواب.

الجزء: 2 - الصفحة: 670

باب استقبال القبلة ولا فرض إلا الخمس

كانت القبلة في ابتداء الإسلام بيت المقدس، ثم نسخت وحولت إلى الكعبة بدليل ما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم مكث بـ مكة ثلاث عشرة سنة بعد أو اوحي إليه، وقبلته بيت المقدس، وكا يقف بين الركنين اليمانيين، ويستقبل القبلتين فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه استقبال الكعبة، لأن المدينة على يسار الكعبة، ومن استقبل بيت المقدس بـ (المدينة) يكون مستدبر الكعبة، وكان يشق ذلك عليه، وكان يتمني أن تكو قبلته الكعبة، لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام، وأيضا فإن اليهود كانوا يعيرونه بذلك، ويقولون: هذا لو كان نبيا حقا لكان له قبله دون قبلتا، فشاور في ذلك، جبريل عليه السلام يوما، فقال جبريل: إنك لعبد عند الله تعالى بمكان وإنا لا نؤمر بالسؤال فسل الله تعالى تعطه، وفي رواية تجب، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم بعد ما صلى الظهر إلى الصحراء ودعا الله تعالى، وكا يقلب عينيه إلى السماء انتظارًا للوحي، فنزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء)، الآية فسر به النبي صلى الله عليه وسلم سرورًا شديدًا، ثم رجع وصلى العصر نحو الكعبة، وفي القوم رجل من أهل قباء فخرج في الحال إلى قباء وكان القوم في صلاة العصر، فأخبرهم بأن القبلة قد حولت، فاستداروا وبنوا على صلاتهم، فلما سمع اليهود ذلك، قالوا للمسلمين، إذا قد ضاعت صلواتكم التي صليتموها نحو: (بيت المقدس) فأنزل الله تعالى، قوله: (وما كان الله ليضيع إيمانكم)، أي: صلواتكم.

الجزء: 2 - الصفحة: 671

قال المزني: قال الشافعي: ولا يجوز لأحد صلاة فريضة، ولا نافلة، ولا سجود قرآن، ولا جنازة إلا متوجهًا إلى البيت الحرام ما كا يقدر على رؤيته إلا في حالتين: إحداهما: النافلة في السفر راكبًا وطويل السفر وقصيره سواءٌ.
وروى عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته في السفر، أينما توجهت به، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير، وأن عليًا، رضي الله عنه، كان يوتر على الراحلة.
قال الشافعي: وفي هذين دلالة على أن الوتر ليس بفرض، ولا فرض إلا الخمس، لقول النبي صلى الله عليه وسلم للاعرابي حين قال: هل علي غيرها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا إلا أن تطوع.
قال القاضي حسين: قال أصحابنا: استقبال القبلة في جميع الصلوات شرط إلا في حالتين: إحداهما: في النافلة في السفر.
والثانية: في حال المسابقة.
أما النافلة في السفر على الراحلة يجوز إذا كات المواضع التي يلاقيها بدنه

الجزء: 2 - الصفحة: 672

وثوبه طاهرة من السرج، والإكاف والقربوس وغيره، فأما إذا كان آخذا باللجام وكانت الحكمة نجسة، فيه وجهان بناء على ما إذا صلى وبيده حبل، وأحد طرفيه مشدود في عنق كلب، هل تصح صلاته أم لا؟ فيه وجهان كذا وكذا، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، ويوميء فيهما إيماء، ولو سجد على ظهر الدابة، ووضع جبهته على السرج، وكانت الشكيمة بيده يجوز أيضاً، ولكن لا تجب عليه ذلك، فأما إذا وطئت الدابة نجاسة لا تبطل صلاته، كما لو صلى على سرير وقوائمه في النجاسة، وهل يلزمه استقبال القبلة عند افتتاح الصلاة أم لا؟ ينظر فيه، فإن كان سفره نحو القبلة لا خلاف أنه يلزمه استقبال القبلة في جميع أركان الصلاة، فأما إذا لم يكن سفره نحو القبلة، ووجه دابته لا إلى القبلة، ولا إلى الطريق الذي يريده، فإنه يلزمه استقبال القبلة عند افتتاح الصلاة، ثم يحول وجه دابته نحو الطريق.
فأما إذا كان وجه دابته نحو الطريق الذي يريده، نص في موضع على أنه يلزمه أن يستقبل القبلة عند افتتاح الصلاة، ونص في موضع آخر على أنه لا يلزمه ذلك.
اختلف أصحابنا فيه، ومنهم من قال: فيه قولان: أحدهما: لا يلزمه ذلك، كما لا يلزمه أن يستقبل القبلة في سائر أركان الصلاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 673

والثاني: أنه يلزمه ذلك، لأنه لا يشق عليه استقبال القبلة عند الشروع في الصلاة.
ومن أصحابنا من قال: ليست المسألة على قولين، بل المسألة على حالين، حيث قال: يلزمه ذلك أراد به إذا لم تكن الإبل، وكان يتعذر عليه تحويل وجهها إلى القبلة، فأما إذا شرع في الصلاة، ثم حول وجه الدابة عن القبلة، وكان طريقه نحو القبلة، إن كان عامدًا بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا، فإن كان يسيرًا لا تبطل صلاته، وإن كان كثيرًا.
قال الشافعي: ولو تمادى وكان مخطئًا، أو ساهيًا تبطل صلاته.
هذا النص يدل على أن العمل الكثير مع السهو يبطل الصلاة، والأكل الكثير مع النسيان يبطل الصوم، وفي الكل وجه آخر انه يعذر فيه؛ لوجود النسيان، كما لو كان يسيرًا، فأما إذا تحولت الدابة بنفسها، وعدلت عن جهة القبلة، فإن ردها إلى جهة القبلة فلا كلام، وإن تركها كذلك، وكان عالمًا بذلك بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا فعلى ما ذكرنا، فأما إذا أعداها، وأجراها جريًا شديدًا فإن كان له فيه غرض بأن فعل ذلك لخوفه من عدو ونحوه لا تبطل صلاته، وإلا فوجهان.
فأما إذا كان ماشيًا فإنه يلزمه استقبال القبلة في ثلاثة مواضع: عند افتتاح الصلاة، وعند الركوع، وعند السجود، وينبغي أن يسجد على وجه الأرض، ولا يلزمه الجلوس في التشهد والسلام، ولا استقبال القبلة فيما بينهما.
فأما إذا كان سفره نحو القبلة فيلزمه استقبال القبلة في جميع الصلاة، ولو تخطي على النجاسة بطلت صلاته، فأما إذا كانت النجاسة بين خطوتيه على الأرض، ولم يصبها رجلاه، فيه وجها بناء على ما إذا سجد على الأرض، وكان عليها نجاسة بحذاء صدره ولم تلاقها ثوبه، هل تبطل صلاته أم لا؟ فيه وجهان، فأما إذا عدا عدوًا شديدًا إن كان الغرض له في ذلك لا تبطل صلاته.

الجزء: 2 - الصفحة: 674

فيه وجهان وقد ذكرناه.
وقال أبو حنيفة: تجوز النافلة في السفر راكبًا، ولا تجوز ماشيًا.
قلنا: إحدي حالتي السفر فتجوز الصلاة فيها دليله الحالة الأخرى.
قال القفال: سألت الشيخ أبا زيد فقلت له: لماذا جوز الشافعي، رضي الله عنه، صلاة النفل في السفر راكبًا وماشيًا غير مستقبل القبلة؟ قال: لأن للناس أورادًا كثيرة، وربما تحتاج إلى الخروج في السفر في معاشه ومكاسبه، فلو قلنا: إنه لا يجوز له النافلة في السفر، لأدى ذلك إلى أن يشتغل بالأوراد وينقطع عليه معاشه.
وقال أيضا: سألت أبا عبد الله الخضري عن هذا.
فقال: ربما كان للإنسان أوراد كثيرة، وخرج إلى السفر في بعض حوائجه، لأمر معاشه ومعاده، فلو قلنا: لا يجوز له النافلة في السفر لأدى ذلك إلى أن يشتغل بأمر معاشه، وتنقطع أوراده.
قال القفال رحمه الله، انظروا إلى فضل ما بين العقيدتين، فإن أبا زيد كان رجلا زاهدًا عالمًا، وكان مشتغلا بعبادة الله تعالى، فلهذا قدم أمر الدين على أمر الدنيا في الجواب عنه.
فأما أبو عبد الله فإنه كان مشغولا بأمر الدنيا، وكان يصلي مثل ما يصلي الفقهاء في العادة، فلهذا قدم أمر الدنيا على أمر الدين، فأما إذا كان في الحضر عامة أصحابنا على أنه لا تجوز النافلة في الحضر راكبًا.
وحكم عن أبي سعيد الإصطخري أنه كان يقول بأنه يجوز، ووروى أنه كان محتسبًا بـ (بغداد)، وكان يطوف في السكك، ويصلي راكبًأ، فأما إذا صلى ماشيًا في الحضر، فهل يجوز أم لا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 675

يترتب على ما إذا صلى راكبًا، إن قلنا ذاك لا يجوز فهذا أولى به، وإن قلنا بأن ذاك يجوز فها هنا وجهان، والفرقُ أنه إذا كان ماشيًا في الحضر لا ضرورة به إلى ذلك لأنه يمكنه أن يدخل المسجد، ويصلي فيه ما شاء، بخلاف ما إذا كان راكبًا.
فرع إذا كان على الراحلة في السفر، وكان يمكنه أن يصلي النافلة نحو القبلة، فهل يلزمه ذلك أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يلزمه استقبال القبلة في جميع أركان الصلاة؛ لأنه لا يشق عليه ذلك، ولا يجوز له ترك استقبال القبلة بالاختيار من غير ضرورة، كما إذا كان طريقه نحو القبلة.
والوجه الثاني: أنه يجوز له ترك استقبال القبلة، لأن ذلك وقع نادرًا، فصار كما إذا لم يمكنه ذلك، فأما إذا أمكنه أن يصلي على ظهر الفيل قائمًا مستقبل القبلة إن كان الفيل مشدودًا جاز، كما لو كان على سرير وإن كان يسير في الأرض ففيه وجهان: أحدهما: يجوز كما إذا كان في سفينة، وهي تجري في البحر.
والثاني: لا يجوز؛ والفرق بينهما أن العادة جارية بأن الإنسان يبقي في السفينة شهرًا ودهرًان فتجعل السفينة في حقه من البحر كالبيت من الدار في حق البرى وها هنا ما جرت العادة بأن يبقى الإنسا على ظهر الدابة أكثر من يوم أو نصف يوم، وقد قيل بالفرق بينهما أن فعل الدابة مضاف إلى صاحبها بدليل أنه لو طاف راكبًا يجوز وبدليل أنه لو دخل دار إنسانن وهتك حرزه، وأخذ المتاع، ووضعه على ظهر الدابة وأخرج الدابة من الحرز يلزمه القطع، كما لو أخرجه بنفسه بخلاف السفينة إلا أن هذا لا يصح وذلك أن الدابة كما

الجزء: 2 - الصفحة: 676

احتاجت إلى مسير يسيرها، فالسفينة احتاجت إلى مجرى يجريها فلا فرق بينهما، فأما إذا كان في السفينة فلا يجوز له أن يصلى الفرض قاعدًا مع القدرة على القيام، خلافا لأبي حنيفة، واستدل بما روى أنس بن سيرين أن أنس بن مالك كان يصلي في السفينة الفريضة قاعدًا.
قلنا: نحمله على ما إذا كان لعذر من دورا الرأس وغيره، وعندنا إذا كان بهذه الصفة يجوز أيضا، فأما إذا هبت الريح، وحولت السفينة من جانب إلى جانب حتى حولت وجهه عن القبلة، فإنه لا تبطل صلاته، بخلاف ما إذا كان في الصلاة في البر، وجاء إنسان وحول وجهه عن القبلة فإنه تبطل صلاته، والفرق بينهما أن هذا نادر، فلهذا تبطل به الصلاة، وفي البحر عذر عام، لأن الغالب أن الرياح تهب وتحول السفينة من جانب إلى جانب في ساعة واحدة مرارًا كثيرة.
فرع: إذا كان على الدابة في السفر، ودخل عليه وقت الصلاة، وكان يخاف من أنه لو نزل وصلى الفريضة على وجه الأرض ربما ينقطع عن الرفقة، أو يخاف على نفسه، أو على ماله، فإنه يصلي على ظهر الدابة لحرمة الوقت.
وهل يلزمه إعادة تلك الصلاة؟ قال القاضي رحمه الله: يحتمل وجهين: أحدهما: لا يلزمه ذلك كما لو كان في حالة المسابقة، ويخاف على نفسه، فإنه يصلى على حسب حاله ولا يعيدها.
والثاني: أنه يلزمه ذلك؛ لأن هذه عذر نادر لا يدوم بخلاف حالة المسابقة، والله أعلم بالصواب، فأما إذا شرع في صلاة النافلة راكبًا، ثم وصل بلد إقامته،، أو بلغ المنزل فإنه ينزل من البداية، ويبني على صلاته.
إذا قلنا: إنه لا تجوز النافلة على الراحلة في الحضر.

الجزء: 2 - الصفحة: 677

وإن قلنا: بأنها تجوز، فإنه لا يلزمه النزول من البداية، بل له أن يتمها على ظهر الدابة، فأما إذا اجتاز ببلدة في وسط الطريق، ولم ينو الإقامة فيها، بل دخلها مجتازًا ينظر فيه، فإن لم يكن له فيها أهل ومال، فإنه لا يلزمه النزول، بل يصلي راكبًا، وحكمه حكم المسافرين.
فأما إذا كانت بلدة له فيها أهل، ومال وغيرهما مثل أن كان في (مرو الروز) مسافر من بلخ إلى نيسابور، فاجتاز في وسط الطريق بـ (مرو الروز) أم لا؟ فيه جوابا بناء على انه إذا دخل فيها، هل يجوز له الترخص برخص المسافرين من القصر والإفطار ونحوه؟ وفيه قولان بناء على ما لو كان في لجة البحر في سفينة، أو كان في وسط المفازة ونوى الإقامة هل يصير مقيمًا أو لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يصير مقيمًا اعتبارا بالنية والثاني: لا لعدم الأهل والمال وصلاحية المحل.
إن قلنا: هناك يصير مقيمًا لوجود النية، فها هنا لا يصير مقيمًا لعدم النية منه، وإن قلنا: لا يصير مقيمًا لعدم الأهل والمحل، فها هنا يصير مقيمًا فيه لوجودهما.
وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يصلي على راحلته، في السفر أينما توجهت به، وأنه عليه السلام كان يوتر على البعير، وأن عليا كان يوتر على الراحلة.
قال: وفي هذا دلالة على أن الوتر ليس بفرض، وأراد به ردًا على أبي حنيفة: حيث قال: إنه واجب، لأنه لو كان واجبًا لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، على البعير كسائر الواجبات.
والدليل على أنه ليس بواجب ما روى أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، كم علي من الصلوات في كل يوم وليلة؟ فقال عليه

الجزء: 2 - الصفحة: 678

السلام: خمس صلوات، فقال الأعرابي: هل علي غيرها يا رسول الله؟ فقال عليه السلام: لا إلا أن تطوع.
وجه الدليل منه من خمسة أوجه: أحدهما: أنه سئل عن الصلوات الفرض، فقال: خمس صلوات، فلو قلنا: إن الوتر فرض لأدى ذلك إلى أن الفرض ست صلوات، وهذا يخالف قوله عليه السلام فلا يجوز.
والثاني: أنه قال: هل علي غيرها؟ فقال: لا يعني بدون الخمس.
والثالث: قال: إلا أن تطوع سمى ما زاد على الصلوات الخمس تطوعًا.
والرابع: في آخر الحديث الأعرابي، قال، والله لا أزيد ولا أنقص، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أفلح الأعرابي إن صدق.
وفي رواية: دخل الأعرابي الجنة إن صدق.
وفي رواية من أراد أن ينظر إلى وجه رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى وجه الأعرابي، فلما حلف أنه لا يزيد عليه لم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
والخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم مدحه، وأثني عليه إذا سمع منه هذا القول، ولو كان الوتر واجبًا عليه لما استحق به المدح والثناء، وإنما استحق اللوم والتوبيخ والعقاب، لأن حد الواجب ما يستحق اللوم على تركه لا ما يستحق البناء على تركه.

الجزء: 2 - الصفحة: 679

قال المزني: والحالة الثانية: شدة الخوف/ لقول الله عز وجل، فإن خفتم، فرجالا أو ركبانًا.
قال ابن عمر: مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها.
قال القاضي حسين: إنما اشتغل ببيان الوتر في خلال الحالتين، ويكون ذلك اعتراضًا في الكلام، وهذا سائغ في لغة العرب، وقد تقدم ذكره إذا كان في حال المسابقة يجوز له أن يصلي الفريضة ماشيًا وراكبًا، ومستقبل القبلة أو غير مستقبلها، كيف ما أمكنه ذلك، ولا تلزمه الإعادة.
وقال أبو حنيفة: يصلي فيه راكبًا ولا يصلي ماشيًا، والدليل عليه قوله تعالى: فإن خفتم فرجالا أو ركبانًا، الآية.
قال ابن عمر: مستقبلي القبلة وغير مستقبلها.
قال نافع: لا أرى أنه يذكر ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المزني: فلا يصلي في غير هاتين الحالتين، إلا إلى البيت، إن كان معاينًا، فبالصواب، وإن كان مغيبًا فبالاجتهاد بالدلائل على صواب جهة القبلة.
قال القاضي حسين: قد ذكرنا أنه في غير هاتين الحالتين لا تجوز الصلاة إلا مستقبل القبلة، ثم يظر فإن كان بـ: (مكة) لا يجوز له أن يؤدي الفريضة بالاجتهاد لأن الاجتهاد في محل النص محال، سواء كان يصلي مشاهد الكعبة او كان في دار من دور مكة وجب عليه إصابة عين الكعبة إذا كان يصلي مشاهدًا للكعبة، ويجب أن يكون جميع بدنه محاذيا للكعبة إذا كان يصلي مشاهدًا للكعبة ويجب أن يكون جميع بدنه محاذيًا للكعبة دون البعض ففيه قولا يقربان مما إذا طاف بالبيت فإنه يبتديء الطواف من الحجر الأسود، وينبغي أن يحاذي الحجر الأسود بجميع بدنه فلو أنه يحاذي الحجر ببعض بدنهن هل يحسب له ذلك الشوط من الطواف أم لا؟ فيه قولان كذا هذا مثله، فأما إذا صلى بالجماعة عند الكعبة فإن الإمام يقف عند مقام إبراهيم عليه السلام ويستقبل الكعبة.

الجزء: 2 - الصفحة: 680

فأما المأمومون فينبغي لهم أن يقوموا حوالي الكعبة حتى يكون الكل محاذين للكعبة.
فأما إذا سووا الصفوف من وراء الإمام، فكل من كان محاذيًا بالجهة الكعبة بجميع بدنه لا تصح صلاته، وكل من كان محاذيًا للكعبة ببعض بده دون البعض ففيه قولان، وهكذا حكم الصف الثاني والثالث.
وقال أبو حنيفة: تصح صلاة الكل، لأن عنده إصابة عين الكعبة ليست بشرط بل إصابة جهة الكعبة شرط، وهكذا عندنا من كان غائبًا عن الكعبة الصحيح أنه ينوي ويعتقد إصابة عين الكعبة، وفيه قول آخر ينوي إصابة جهة الكعبة، والنص يدل عليه، لأنه قال: وإن كان مغيبًا فبالاجتهاد وبالدلائل على صواب جهة الكعبة، وقال بعده: ومن اجتهد فصلى إلى الشرق، ثم رأى القبلة إلى المغرب استأنف، لأن عليه أن يرجع من خطأ جهتها إلى يقين صواب جهتها، فإن قيل: كيف يعتقد من كان غائبًا عنها إصابة عين الكعبة، ولا يمكن لكل من كان غائبًا أن يقف محاذيًا لها؛ لأن عين الكعبة صغير.
قلنا: الشيء إذا وقع في محاذاة الشيء فكل ما كان أبعد منه كان أقرب منه محاذاة، ألا ترى أن قرص الشمس مثل رغيف في أعيننا، ومع ذلك يمكن لكل واحد من المشرق إلى المغرب محاذاتها مع ما بينهما من البعد، وكذلك لو كان جماعة في صحراء، فظهر لهم ميل، وكل واحد منهم يقول: إنه يحاذي الميل، وإن كان إذا دنا منهم في الحقيقة واحد منهم كان محاذيًا له لا غير كذا هذا مثله.
فأما إذا صلوا خلف الإمام حلقة حول الكعبة، فإن كان بعض المأمومين أقرب إلى البيت من الإمام ينظر فيه، فإن كان في غير الجهة التي توجه الإمام إليها لا يضر، وإن كان في الجهة التي توجه الإمام إليها لا تصح صلاته، والحد منه أنه

الجزء: 2 - الصفحة: 681

إذا تقدم المأموم في الجهة التي يتوجه الإمام إلى تلك الجهة لا تصح صلاته، لأنه لا يتحقق منه الاقتداء به لتقدمه على الإمام في تلك الجهة.
وقال مالك: تصح صلاته كما لو تقدم عليه، وكان في غير الجهة التي توجه إليها الإمام، وهكذا قال في سائر الأماكن قياسًا على هذا الموضع.
وقيل: إن هذا قول قديم للشافعي، والفرق بينهما ما ذكرنا أن في سائر الأماكن فيما إذا كان في الجهة التي توجه الإمام إليها كان مستدبرا للإمام، فلا تصح صلاته بخلاف ما إذا كان في غير الجهة التي توجه الإمام إليها.
فأما إذا كان الإمام والقوم في البيت فإنه لو استقبلهم الإمام وهم يستقبلونه، أو استدبرهم وهم يستدبرونه، أو وقف الإمام بجنب المأموم على يمينه، أو على يساره، فإنه تصح صلاتهم، ولو استقبلهم الإمام وهم يستدبرونه لا تصح صلاتهم، لأنهم تقدموا على الإمام في الجهة التي توجه الإمام إليها، فلا تصح صلاتهم كما لو كان خارج البيت فلو استقبلهم الإمام وهم يستقبلونه تصح صلاتهم، ولو استقبلهم وهم يستدبرونه لا تصح، ولو استدبرهم الإمام وهم يستقبلونه تصح، ولو استدبرهم وهم يستدبرونه أيضًا لا تصح، لأنهم لم يتوجهوا نحو القبلة.
فأما إذا كان الإمام خارج البيت والقوم في البيت، فلو استقبلهم الإمام، وهم يستقبلونه تصح، وإن استدبرهم أو استقبلهم وهم يستدبرونه لا تصح صلاتهم ولو وقفوا بحذاء الباب، وكان الباب مجافًا أو كان مفتوحًا، وكانت العتبة قدر مؤخرة الرحل حكمه حكم سائر الجوانب، وإن كانت لاطئة بالأرض، ولم يبلغ طولها ذلك القدر، وكان يحاذي للباب، فإنه لا تصح صلاته لأنه لم يتوجه إلى غير الكعبة.
وقال مالك: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل مكة، ومكة قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الآفاق.

الجزء: 2 - الصفحة: 682

وقال أبو حنيفة: المشرق قبلة لأهل المغرب، والمغرب قبلة لأهل المشرق، والجنوب قبلة لأهل الشمال، والشمال قبلة لأهل الجنوب.
فأما إذا كان نائيًا عن (مكة) نظر فيه، فإن كان بـ (المدينة) فلا يجوز له أن يجتهد في القبلة أيضا يصلي نحو قبلة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كالنص أيضا، فأما إذا كان في غير المدينة من سائر البلاد، فإذا دخل مسجدًا، وفيه محاريب لا يجوز له أن يجتهد في القبلة، بل يصلي مستقبل القبلة باعتبار تلك المحاريب، ولو استدبر تلك المحاريب لا يجوز.
فأما إذا انحرف عنها قليلا بالاجتهاد يجوز، فأما إذا دخل مسجدا منها في ليلة ظلماء فإن وجد فيه محرابًا يصلي إلى جهته، وإن لم يجد شيئًا من المحاريب يصلي على البحث ويقضي، وإن وجد فيها كوة واحدة فإنها كالمحراب، فأما إذا كان فيه ثقب كثيرة على جوانب المسجد، وكان الكل على نمط واحد، فإنه يصلي ويعيد، فلو كان على واحدة منها علامة المحراب بأن كان بجنبه وتد السراج ونحوه، فإنه يصلي نحوه ولا يعيد.
فأما إذا كان في الصحراء وهناك محراب متخذ من حجر وغيره، فإن كان ذلك الطريق مما يمد به الخلق كثيرًا والجم الغفير، وكان المحراب قديمًا فإنه يصلي نحوه ولا يجتهد في القبلة، فإن كان المحراب محدثًا أو لم يمر به الخلق الكثير فإنه لا يصلي به، بل يجتهد في عين القبلة، فأما إذا كان في الصحراء، ولم يجد المحراب فإنه يجتهد في القبلة، ويصلي حتى لو صلى من غير الاجتهاد على التبخيت فإنه يعيد الصلاة وإن أصاب عين الكعبة كما لو حكم الحاكم من غير الاجتهاد جزافًا فإنه لا يصح، وإن أصاب حكمه موافقًا للنص والقياس.
فأما معرفة دلائل القبلة، هل تكون فرضًا على الكافة، أو فرضًا على الكفاية؟

الجزء: 2 - الصفحة: 683

فعلى قولين: أحدهما: أنه يكون فرضًا على الكافة، لأنه لا يتعذر على كل أحد معرفتها، بخلاف دقائق المسائل.
والثاني: يجب على الكفاية، فعلى هذا إذا كان في الصحراء فإن أدى اجتهاده إلى جهة أو لم يكن م أهل الاجتهاد إن قلنا: إن المعرفة دلائل القبلة تكون فرضًا على الكافة، فليس له أن يقلد أحدًا في ذلك، بل يصلي على التبخيت ويعيد.
وإن قلنا: يكون فرضًا على الكفاية، فعلى هذا يقلد من كان عارفًا بها، ويصلي ولا يعيد، وحكم الأعمي إذا دخل مسجدا في البلدة كحكم البصير إذا دخل ذلك المسجد في ليلة ظلماء وقد ذكرنا.
وأما معرفة القبلة إنما يكون بدلائل كثيرة أقواها القطب، وأضعفها ريح الشمال، فأما القطب فإنه كوكب صغير في بنات نعش الصغرى، فينبغي أنه إذا وقف الإنسان في الصلاة أن يكون ذلك الكوكب خلف أذنه اليمني بحيث إنه لو سلم أول تسليمة يقع بصر عينه اليمني عليه، وقد يستدل أيضًا عليها بالشمس والقمر والنجوم وكذلك إذا هبت ريح الشمال في بعض البلاد، فإنه يمكن أن يستدل بها على جهة القبلة، لأنها تهب على يسار القبلة، فيجعلها الإنسان على يمينه ويصلي إلى تلك الجهة، وتصح صلاته وهو أضعف الدلائل عليه، والله أعلم بالصواب.

الجزء: 2 - الصفحة: 684

مسألة

قد ذكرنا أنه إذا كا في الصحراء فإنه يصلي بالاجتهاد في جهة القبلة حتى لو صلى من غير الاجتهاد على التبخيت فإنه لا يصح، وإن تبين له أنه أصاب جهة القبلة، لأنه ترك ما هو فرض عليه، فإذا دخل عليه وقت الصلاة، فاجتهد في القبلة، وأدى اجتهاده إلى جهة، فإنه يصلي إليها، فإذا دخل عليه وقت صلاة أخرى، فإنه يجب عليه أن يجتهد في القبلة ثانيًا، فلو اجتهد وإن أدى اجتهاده إلى تلك الجهة بعينها فلا كلام.
فأما إذا أدى اجتهاده إلى جهة أخرى ينظر فيه، فإن كان اجتهاده الثاني دون اجتهاده الأول، فإنه لا عبرة به أيضًا، ويصلي إلى الجهة التي صلى إليها أولا، وإن كان مثل اجتهاده الأول، فإنه يكون كالمتحير يصلي إلى أي الجهتين شاء، ويقضي الصلاة الثانية دون الأولى، ولكن لا يعصي بذلك حتى لو صلى إلى جهة ثالثة فإنه يعصي ويأثم، ويلزمه قضاء تلك الصلاة.
فأما إذا كان اجتهاده الثاني أقوي من اجتهاده الأول، فإنه قد تغير اجتهاده، وينحرف إلى الجهة الأخرى، ويصلي إليها، ولا قضاء عليه، وكذلك إذا دخل عليه وقت صلاة ثالثة أو رابعة، وأكثر على التفصيل الذي ذكرنا حتى لو كان اجتهاده الثالث أقوي من الثاني، وأكثر على التفصيل الذي ذكرنا حتى لو كان اجتهاده الثالث أقوي من الثاني، فإنه يصلي إليها، وكذا لو كان اجتهاده الرابع أقوى من الثالث حتى لو صلى أربع صلوات إلى أربع جهات بأربع اجتهادات، فإنه يصح ولا قضاء عليه.
قال أبو إسحاق الإسفراييي الأستاذ الإمام رحمة الله عليه: إنه إذا صلى أربع صلوات إلى أربع جهات بأربعة اجتهادات يلزمه قضاء الكل؛ لأنه تيقن أنه مصيب في واحدة منهن، ومخطيء في الثلاثة ولا يمكنه معرفة الخطأ من الصواب منهن، فيلزمه قضاء الكل ليتحقق فراغ ذمته عن الكل كما لو نسي صلاة من صلوات يوم وليلة، فإنه يلزمه قضاء خمس صلوات لما ذكرنا من المعنى كذا هذا مثله.

الجزء: 2 - الصفحة: 685

قلنا: فرق بينهما، لأن هناك إذا صلى صللاة أو اثنتين، فلا يعتقد يقينًا أنه قد صلى الصلاة المنسية، وأنها سقطت عنه قطعًا، لأنه ربما كانت من الصلوات التي لم يقضها بعد، والأصل شغل ذمته بالصلاة، فقلنا بأنه لا يحكم بفراغ ذمته إلا بقضاء الكل، وأما ها هنا ما من صلاة يصليها إلى جهة إلا ويعتقد أنه أدى ما كلف به، وسقط عنه فرض الوقت، فلهذا لا يلزمه قضاء الكل.
فإن قيل: إذا دخل عليه وقت الصلاة وجب أن يقولوا: إنه لا يصلي بالاجتهاد إلى جهة، بل يصلي تلك الصلاة إلى أربع جهات حتى يتيقن سقوط الفرض عنه قطعًا، كما لو نسي صلاة من صلوات الخمس.
قلنا: فرق بينهما، وذلك لأن هناك لا يلوح له بالاجتهاد والتحري دلالة تدل على أن المنسية ماذا منه؟ فهذا قلنا: إنه لا يشتغل هناك بالاجتهاد، بل يصلي الكل، وها هنا للقبلة أمارات ودلالات، فربما تلوح له دلالة تدله على جهة القبلة، فقلنا بأنه يصلي بالاجتهاد والتحري، فأما إذا دخل في الصلاة بالاجتهاد، وصلي ركعة، ثم تغيرا اجتهاده في الركعة الثانية إلى جهة أخرى، ينظر فيه: فإن كان اجتهاده الثاني أقوى من اجتهاده الأول، فإنه ينحرف إلى الجهة الثانية، ولا تبطل صلاته، وهكذا لو تغيرا اجتهاده في الركعة الثالثة والرابعة إلى جهة أقوى من الجهة التي تقدمت، فإنه يتحول إليها، حتى لو صلى أربع ركعات إلى أربع جهات بأربعة اجتهادات، فهل يصح ذلك أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يصح كما لو صلى أربع صلوات بهذه الصفة.
والثاني: لا يصح، والفرق بينهما أن الصلاة الواحدة عبادة واحدة لا تتجزز في البطلان والصحة، بل آخرها متصل بأولها، ويتداعي فساد آخرها إلى فساد أولها، فجاز أن يقال بأنها تبطل بتغيير الاجتهاد فيها بخلاف الصلوات، لأن كل واحدة منهن لا تكو مرتبطة بالأخرى، وفساد البعض لا يوجب فساد الكل في ذلك، فأما إذا كان اجتهاده الثاني مثل اجتهاده الأول، فإنه لا ينحرف إلى تلك

الجزء: 2 - الصفحة: 686

الجهة، بل يصلى إلى الجهة الأولى، ولا تلزمه الإعادة، والفرق بين هذا وبين ما إذا تغير اجتهاده في الصلاتين في وقتيهما، أن ها هنا انعقد له هذا الاجتهاد، فلو قلنا: إنه تلزمه إعادة الصلاة ينحرف إلى الجهة الثانية لأدى ذلك إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد، والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وهناك لم ينعقد له الاجتهاد في الصلاة الثانية فوجوب القضاء عليه لا يؤدي إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد عروض مسألتا منه الصلاة الأولى هناك أنه لما انعقد له الاجتهاد فيها، وفرع عنها، ثم تغير اجتهاده بعد ذلك، لا جرم لا يلزمه قضاء تلك الصلاة، كي لا يؤدي إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد.
قال المزني: فإن اختلف اجتهاد رجلين، لم يسع أحدهما اتباع صاحبه.
قال القاضي حسين: إذا كان جماعة في الصحراء، ودخل عليهم وقت الصلاة، واجتهدوا في القبلة ينظر فيه، فإن أدي اجتهاد كل واحد منهم إلى جهة، فإن كان واحد منهم يصلي إلى الجهة التي أدى اجتهاده إليها، ولو صلوا جماعة صحت صلاة الإمام، وبطلت صلاة المأمومين، فأما إذا أدى اجتهاد الكل إلى جهة واحدة، فإنه يجوز لهم أن يصلوا جماعة وفرادى، فلو اقتدوا بواحد منهم، ثم تغير اجتهادهم في حال الصلاة، لا يخلو إما أن تغير اجتهاد المأمومين، أو تغير اجتهاد الإمام، فإن تغير اجتهاد المأمومين، أو تغير اجتهاد واحد من المأمومين، فإنه ينحرف إلى الجهة الثانية، وماذا حكم صلاته؟ قال الشافعي: ومن جوز الخروج عن صلاة الإمام بغير عذر، وقال: لا يبني على صلاته، فإنه يستأنف الصلاة، وإنما قال بغير عذر، لأنه إذا تغير اجتهاده

الجزء: 2 - الصفحة: 687

تبين أنه لم يكن معذورًا فيه، بل هو مفرط في ذلك، لأنه وجب عليه في الابتداء أن يبالغ في الاجتهاد، ويستقصي ويمعن النظر فيه، فإذا تغير اجتهاده تبين أنه كان مفرطًا فيه إذا أخرج نفسه عن صلاة الإمام.
اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: فيه قولان، سواء كان معذورًا فيه، أو لم يكن معذورًا فيه، ومنهم من قال القولان فيما إذا كان معذورا فيه، فأما إذا لم يكن معذورًا فيه قوله واحد، أنه تبطل صلاته ومنهم من قال القولان فيما إذا لم يكن معذورًا فيه، فأما إذا كان معذورًا فيه قول واحد: أنه لا تبطل صلاته.
فحصل في مسألتنا من صلاة المأمومين بعدما تحرفوا إلى الجهة الثاية قولان: أحدهما: أنه بطلت صلاتهم.
والثاني: أنها لا تبطل صلاتهم، ولهم أن يبنوا على صلاتهم فأما إذا تغير اجتهاد الإمام، فإنه ينحرف إلى الجهة الثانية، وماذا حكم صلاة القوم قال الشافعي رضي الله عنه: القياس أنه كالمسألة الأولى، اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: فيها قولان، كما في المسألة الأولى.
ومنهم من قال: ها هنا الصحيح أنهم يبنون على صلاتهم، لأنهم كانوا معذورين في ذلك، إذ لا يمكنهم أن يحفظوا اجتهاد الإمام كي لا يتغير ولم يوجد التفريط من جهتهم في ذلك، فعلى هذا تأويل قوله: إنه كان كالمسألة الأولى يعني في إخراج أنفسهم عن صلاتهم الإمام.
قال المزني: فإن كان الغيم، وخفيت الدلائل على رجل، فهو كالأعمي.
وقال في موضع آخر، ومن دله من المسلمين وكان أعمي، وسعه اتباعه، ولا يسع بصيرًا خفيت عليه الدلائل اتباعه.
قال المزني: لا فرق بين من جهل القبلة، لعدم العلم، وبين من جهلها، لعدم البصر، وقد جهل الشافعي من خفيت عليه الدلائل كالأعمى، فهما سواء.

الجزء: 2 - الصفحة: 688

قال القاضي حسين: يحتمل أن المراد بالنص الأول أنه إذا كان عاميًا لا يعرف دلائل القبلة، فيجوز له أن يقلد في ذلك عالما، كالاعمى سواء.
والنص الثاني: يدل على أنه لا يجوز له تقليده، بل عليه أن يتعلم دلائل القبلة، وقد ذكرنا وجهين في أن تعلم دلائل القبلة، هل هو فرض على العين أو فرض على الكفاية؟ والوجها مستنبطان من هذين النصين، ويحتمل أن المراد بالنص الأول أنه إذا كان عارفًا بدلائل القبلة، ولكن كان اليوم يوم الغيم، وخفيت عليه الدلائل، فإنه يجوز له ها هنا التقليد كالأعمى سواء.
والنص الثاني يدل على انه لا يجوز له التقليد في هذه الحالة أيضًا، وقد ذكرنا أيضا في مسائل التقليد، أن العالم إذا نزلت به نازلة في حق نفسه، وضاق به الوقت، هل يجوز له أن يقلد فيه عالمًا أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز له ذلك، لأنه من أهل الاجتهاد.
والثاني: يجوز له ذلك، وروى عن ابن سريج أنه كان يقلد الملاحين في السفينة في البحر في أوقات الصلوات، وكان يقول إذا نزلت بي نازلة، وضاق بي الوقت، وخفت فوت الفريضة على نفسي، فلي أن أقلد فيه من هو في مثل حالي، فأما الأعمي ففرضه التقليد، ولا يجوز له أن يصلي على التبخيث، ولا بالاجتهاد، اللهم إلا أن يدخل مسجدًا في البلدة، ووجد المحراب على جانب من الجوانب الأربعة بالمس باليد، فإنه يصلي إليها، وقد ذكرنا ذلك، وهكذا له أن يتحرى في الإناءين بمثل ذلك بأن اشتم من أحدهما رائحة كريهة، أو وجد الماء يتقلقل في أحد الإنائين دون الثاني، فإنه يستعمل أحدهما بالاجتهاد، وهو والبصير فيه سواء.

الجزء: 2 - الصفحة: 689

وأما إذا كان في الصحراء، فلا يمكنه الاجتهاد في القبلة ألبتة، بل فرضه التقليد فحسب، ولو كان له أوراد معلومة، أو عمل واصب يمكنه أن يعرف بها أوقات الصلاة، ولا يمكنه أن يعرف بها جهة القبلة ألبتة، لأن ذلك لا يدل عليها، فلو أنه أخبره بصير بجهة القبلة، فإنه يصلي إلى تلك الجهة، ثم ينظر، فإن أخبره عن حقيقة الحال بأن قال له: صل إلى هذه الجهة؛ لأن الشمس تغرب في هذه الجهة، أو تطلع الشمس من تلك الجهة، أو كان القطب خلف أذنك اليمني، فإنه إذا دخل عليه وقت صلاة أخرى، وكان جالسًا على ذلك المكان، ولا يتحول عنه، فإنه يصلي إلى تلك الجهة ثانيًا وثالثًا، ولا يسأل أحدًا عن شيء.
فأما إذا أخبره بالاجتهاد، لا بحقيقة الحال، فإنه إذا دخل عليه وقت صلاة أخرى، فإنه يسأل بصيرًا آخر عن جهة القبلة، سواء تحول عن ذلك المكان أو لم يتحول عنه، لأنه لو وجد من يسأل عنه في الكرة الأولى لزمه أنه يسأل عنه ثانيًا، كما أن البصير لو أراد أن يصلي بنفسه ثانيًا يلزمه، الاجتهاد ثانيًا، فحكم الأعمي فيه حكم البصير.
قال المزني: ولا يتبع دلالة مشرك بحال.
قال القاضي حسين: إذا قلنا: بأنه يقلد غيره، فينبغي أن يقلد رجلا مسلمًا عدلا عارفًا بدلائل القبلة، حتى لو كان كافرًا، فلا يجوز له أن يقلده في ذلك، وهكذا لا يجوز أن يعتمد على قول المشرك فيما يرجع إلى أمر الدين لا في المداواة وما أشبهها.
فأما الفاسق فهل يعتمد فيه على قوله أم لا؟ فيه وجهان، فأما العبد والمرأة له أن يعتمد فيه على قولهما.
وأما المراهق قال القفال، سألت أبا زيد عن ذلك، فقال: نص الشافعي على انه لا يجوز له أن يقلد المراهق في أمر القبلة، ثم سألت أبا عبد الله الخضري،

الجزء: 2 - الصفحة: 690

عن ذلك فقال: لا يجوز له تقليده نصًا، فأخبرته بقول أبي زيد فقال: أنا لا أتهمه في ذلك، ويحتمل، أن الشافعي، رحمه الله، أراد بذلك النص إذا دله فإنه يجوز، وبالنص الثاني أراد أراد أنه أخبره بجهة القبلة باجتهاد من قبله.
فأما إذا قال له: إني رأيت الشمس تطلع من هذا الجانب، أو تغرب من هذا الجانب، أو رأيت القطب من هذا الجانب، فإنه يأخذ بقوله، ويصلي إلى تلك الجهة، وليس هذا بتقليد منه له، لأنه لما أخبره عن حقيقة الحال، ولم يخبره عن تحر واجتهاد، فصار هذا كالعالم إذا أفتى عاميًا في مسألة، وأخبره بأنه أفتى له بنص من كتاب أو سنة، فيجوز له أن يفتي لغيره في تلك المسألة، ولو أفتى له العالم بالاجتهاد، فحينئذ لا يجوز له أن يفتي لغيره في تلك المسألة بذلك الاجتهاد.
فأما تقليد المؤذن ينظر فيه، فإن كان عارفاً، لأوقات الصلاة له يقلده في أوقات الصلاة، وإن لم يكن عارفًا بها، فليس له أن يقلده في شيء من أوقات الصلاة.
فأما الديك فهل يجوز أن يعتمد على صياحه في وقت صلاة الصبح، في يوم الغيم، ينظر فيه، فإن اختبره في الأيام المنكشفة، ووجده يصيح في وقت الصبح في جميع الأيام، فإنه يجوز له أن يعتمد فيه صياحه، وإلا فلا، وقد ذكرنا أنه إذا كان للرجل أوراد معلومة، أو عمل واصب، فإنه يجوز له أن يعتمد على ذلك في معرفة أوقات الصلاة دون معرفة القلة.
قال المزني: قال الشافعي: ومن اجتهد فصلى إلى المشرق، ثم رأى القبلة إلى الغرب استأنف، لأن عليه أن يرجع من خطأ جهتها إلى يقين صواب جهتها، قال القاضي حسين: إذا صلى إلى جهة ثم تبين له يقين الخطأ ويقين الصواب، فهل يلزمه إعادة تلك الصلاة أم لا؟ فيه قولاه:

الجزء: 2 - الصفحة: 691

أحدهما: أنه يلزمه ذلك كما لو حكم الحاكم بالاجتهاد، ثم تبين أنه خالف النص في ذلك.
والثاني: لا يلزمه ذلك، لأنه أدى ما كلف، وقول من اجتهد فصلى هذا يدل على أنه إنما تبين له يقين الخطأ من بعد فراغه من الصلاة، لن قوله: فصلى إنما يستعمل فيما إذا فرغ عن الصلاة، فأما قبل الفراغ عنها لا يقال: إنه صلى.
وقوله: استأنف، هذا اللفظ يدل على أنه كان في خلال الصلاة، لأنه لو كان بعد الفراغ عنها، يقال: أعاد ولا يقال: استأنف، فحصل من هذا أنه إذا تبين له ذلك بعد الفراغ من الصلاة قولان.
فأما إذا ظهر له يقين الصواب من الخطأ في حال الصلاة، فيه قولان، مرتبان على ما إذا بدا له ذلك بعد الفراغ من الصلاة.
إن قلنا هناك: يستأنف فها هنا أولى.
وإن قلنا: هناك: لا يستأنف فها هنا وجهان، والفرق أن هناك إنما ظهر له بعد فراغه من الصلاة، وها ها قبل فراغه عن الصلاة، فيكون بالاستئناف أولى إذا تبين له يقين الخطأ، ولم يتبين له يقين الصواب، فيه وجهان مرتبا على الأول.
إن قلنا: إنه إذا تبين له يقين الصواب لا يستأنف، فها هنا أولى وإلا فوجهان: والفرق أن هناك تبين له يقين الصواب، فكان أولى بوجوب الاستئناف بخلاف ما نحن فيه.
قال المزني: ويعيد الأعمى ما صلى معه، متى أعلمه، وإن كان شرقًا، ثم رأى أنه منحرف وتلك جهة واحدة، كان عليه أن ينحرف ويعتد بما مضى، وإن كان معه أعمى، ينحرف بانحرافه، وإذا اجتهد به رجل، ثم قال له رجل آخر، قد أخطأ بك، فصدقه تحرف، حيث قال له، وما مضى مجزئ عنه، لأنه اجتهد به من له قبول اجتهاده.

الجزء: 2 - الصفحة: 692

قال المزني: رحمه الله: قد احتج الشافعي في كتاب الصيام فيمن اجتهد، ثم علم أنه أخطأ، أن ذلك يجزئه، بأن قال: وذلك أنه لو توخي القبلة، ثم علم بعد كمال الصلاة: أنه أخطأ أجزأت عنه، كما يجزئ ذلك في خطأ عرفة، واحتج أيضا في كتاب الطهارة، بهذا المعنى، فقال إذا تأخى في أحد الإنائين، أنه طاهر والآخر نجس، فصلى ثم أراد أن يتوضأ ثانية، فكان الأغلب عنده: أن الذي ترك هو الطاهر، لم يتوضأ بواحد منهما، ويتيمم، ويعيد كل صلاة صلاها بتيمم، لأن معه ماء متيقنًاـ، وليس كالقبلة يتأخاها في موضع، ثم يراها في غيره لأنه ما م ناحية إلا وهي قبلة لقوله.
قال المزني: فقد أجاز صلاته، وإن أخطأ القبلة في هذين الموضعين، لأنه أدى ما كلف ولم يجعل عليه إصابة العين، للعجز عنها في حال الصلاة.
قال المزني: وهذا القياس على ما عجز عنه المصلى في الصلاة، من قيام، وقعود وركوع، وسجود وستر أن فرض الله كله ساقط عنه، دون ما قدر عليه من الإيماء عريانًا، فإذا قدر من بعد، لم يعد فكذلك إذا عجز عن التوجه إلى عين القبلة، كان عنه أسقط، وقد حولت القبلة، ثم صلى أهل قباء ركعة إلى غير القبلة، ثم أتاهم آت، فأخبرهم أن القبلة قد حولت، فاستداروا وبنوا بعد يقينهم، أهم صلوا إلى غير قبلة، ولو كان صواب عين القبلة المحول إليها فرضًا ما أجزأهم خلاف الفرض، لجهلهم به، كما لا يجزيء من توضأ بغير ماء طاهر لجهله (به)، ثم استيقن أنه غير طاهر فتفهم رحمك الله.
قال المزني: ودخل في قياس هذا الباب، أن من عجز عما عليه من نفس الصلاة، أو ما أمر به فيها، أو لها: أن ذلك ساقط عنه، لا يعيد إذا قدر، وهو أولى بأحد قوليه، من قوله فيمن صلى في ظلمة، أو خفيت عليه الدلائل، أو به دم، لا

الجزء: 2 - الصفحة: 693

يجد ما يغسله به، أو كان محبوسًا في نجس: أنه يصلي كيف أمكنه ويعيد إذا قدر.
قوله: ويعيد الأعمي ما صلى معه متى أعلمه، فإذا صلى الأعمي بتقليد من كان بصيرًا، ثم بان للبصير يقين الخطأ ويقين الصواب، ففي كل موضع قلنا: يجب على البصير إعادة الصلاة.
قلنا: إنه يجب على الأعمى إعادتها أيضًا، وفي كل موضع.
قلنا: إنه إذا تغير اجتهاده ينحرف إلى تلك الجهة.
قلنا: إن الأعمى ينحرف إلى تلك الجهة أيضًا، وفي كل موضع قلنا: إنه إذا تغير اجتهاده يمنة أو يسرة.
فإنه ينحرف إليها، فيكون حكم الأعمي فيها حكم البصير الذي قلده الأعمى في ذلك حرفًا بحرف، والنص يدل عليه؛ لأنه قال: وإن كان شرقًا، ثم رأى أنه منحرف وتلك الجهة واحدة، فإن عليه أن ينحرف ويعيد بما مضى، وإن كان معه أعمى انحرف بانحرافه.
... فرع إذا اجتهد رجلان أو جماعة، فاتفق اجتهاد الكل إلى جهة واحدة، وشرعوا في الصلاة بالجماعة، ثم تغيرا اجتهاد المأمومين يمنة أو يسرة، ماذا حكمه؟ نقدم على هذا مقدمة، وهي لو كان في ابتداء الصلاة، وقبل الشروع فيها أدى اجتهاد الكل إلى جهة واحدة إلا أنه تغير اجتهاد الإمام في تلك الجهة يمنة أو يسرة، فهل يجوز لغيره الاقتداء به أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن الشافعي -رحمه الله- قال: لو اختلف اجتهاد رجلين لم يسع لأحدهما اتباع صاحبه.
والثاني: يجوز، ويحمل النص على ما لو تغير اجتهادهما في جهتين مختلفتين،

الجزء: 2 - الصفحة: 694

وها هنا في جهة واحدة، وكان الاختلاف يسيرًا فكان معفوا، فلا يمنع صحة الاقتداء، والله أعلم بالصواب.
قوله: إذا صلى الأعمى بالتقليد، ثم قال له رجل آخر: قد أخطأ بك فلان، ينظر فإن كان في خلال الصلاة، وكان الآخر عنده دون الأول أو مثله، فلا يلتفت إلى قوله، بل يمضي في صلاته، وإن كان أرجح من الأول عنده، فإنه إن قال: أخطأ بك في التحرف يمنة أو يسرة، فإنه ينحرف ويمضي في صلاته، ولا إعادة عليه، وإن قال: أخطأ بك في الجهة، فيخرج على القولين وقد ذكرناهما.
فأما رذا كان قبل الشروع في الصلاة ينظر فيه، فإن كان الثاني دون الأول عنده في الاجتهاد، فإنه لا يصدقه، بل يصدق الأول فيه، وإن كان دون الأول، فإنه كالمتحير يصلي إلى أي الجهتين شاء ويعيد، وإن كان أرجح من الأول، فإنه يصدقه، ويصلي إلى الجهة التي دله عليها.
فأما إذا شرع في الصلاة بدلالة بصير، ثم ارتد بصيرًا في خلال الصلاة، فإن قلنا: يجوز له التقليد في الابتداء لو كان بصيرًا، فها هنا يمضي في صلاته.
وإن قلنا: هناك لا يجوز له التقليد، فها هنا وجهان: أحدهما: وهو الصحيح أنه تبطل صلاته، لأنه بصير، فلا يجوز له التقليد، كما لو كان في ابتداء الصلاة.
والثاني: أنه لا تبطل صلاته؛ لأن صلاته انعقدت في الابتداء بالتقليد، ففي الدوام مثله؛ لأن الدوام ينبني على الابتداء، فأما إذا كف بصره في خلال الصلاة، ثم قال له آخر: فإن احتمل أنه تحول عن ذلك المكان، فإنه يعتمد على قوله في ذلك، وإلا فلا.
فإن قيل: قد قلتم بأنه إذا شك في أنه هل صلى ثلاثًا، أو أربعًا يبني على اليقين، ويطرح الشك، فوجب أن يقولوا ها هنا، لا يصلي بالاجتهاد، بل يؤخر الصلاة حتى يتيقن له إصابة عين القبلة.

الجزء: 2 - الصفحة: 695

قلنا الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن هناك ليس لذلك أمارات ودلالات تلوح له أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا، فلهذا قلنا: إنه يترك الاجتهاد، ويأخذ باليقين، وها هنا للقبلة أمارات ودلالات تعرف بها جهة القبلة، فقلنا: بأنه يجتهد فيها حتى تلوح له تلك الدلالة.
وأيضا إن هناك لو قلنا: إنه لا يجتهد، ويبني على اليقين لا يؤذي إلى إخراج الصلاة عن وقتها، فقلنا: بأنه جائز، وها هنا لو قلنا: بأنه لا يجتهد، ويترك حتى يتبين له يقين الصواب لأدى ذلك إلى خروج الصلاة عن وقتها، وهذا لا يجوز.
وقال أبو حنيفة: لو صلى ثم تبين له يقين الصواب، ويقين الخطأ لا يلزمه الإعادة، وهو اختيار المزني، واحتج عليه بمسائل: منها: أن الأسير في أيدي الكفار إذا اشتبه عليه شهر رمضان، فإنه يصوم شهرًا بالاجتهاد، وإن وافق ذلك الشهر غير الشهر أي شهر رمضان لا قضاء عليه.
قلنا: فيه تفصيل على المذهب، إن وافق ذلك الشهر شهرًا قبل شهر رمضان فإنه يلزمه القضاء، وإن وافق شهرًا بعده لا يلزمه القضاء، لأن الواجب عليه ما أتى به، وفي الجملة الفرق بينهما أن الصوم يجوز له تأخيره عن وقته باختياره مع علمه بذلك بعذر المرض والسفر ونحوهما، فجاز أن يقال بأنه لا يلزمه القضاء، وها هنا لا يجوز له ترك استقبال القبلة باختياره مع علمه بذلك، فقلنا: بأنه يلزمه القضاء إذا تحقق منه ترك استقبال القبلة.
واحتج أيضًا بأن الحجيج لو وقفوا بعرفة غالطين يوم العاشر، فإنه يجزيهم حجهم ولا قضاء عليهم.
قلنا: له فيه تفصيل أيضا، والصحيح أنهم إذا كانوا خلقًا كثيرًا لا يلزمهم الإعادة، والفرق بين هذا وذاك من وجهين:

الجزء: 2 - الصفحة: 696

أحدهما: أنا لو أمرناهم بالقضاء، لأدى ذلك إلى إلحاق الضرر بالخلق الكثير والجمع الغفير، بخلاف ما نحن فيه.
والثاني: أن هناك لا يؤمن من وقوع مثله في القضاء، كما وقع في الأداء، فلو أمرناهم بذلك لأدى ذلك إلى أن يتكرر القضاء عليهم مرارًا، وها هنا إذا تعين له يقين الصواب، لا جرم لا نأمره بقضاء الصلاة لأنه ربما يقع مثله في القضاء كما لو وقع مثله في الأداء، واحتج أيضا في كتاب الطهارة بهذا المعنى في الإناءين إذا أدى اجتهاده، واستعمله، ثم في وقت صلاة أخرى أدى اجتهاده إلى أن الذي نزل هو الطاهر.
قال: لم يتوضأ بواحد منهما، بل يتيمم ويعيد، ولا حجة له فيه، لأن وزان مسألتنا منه أن لو تحقق له أنه استعمل الأول وهو نجس، فلا جرم قلنا بأنه يلزمه إعادة الصلاة.
فأما إذا لم يتحقق له نجاسة الأول، فلا يلزمه إعادتها، فوزانه من مسألتنا أن لو صلى بالاجتهاد إلى جهة، ثم تغير اجتهاده في الصلاة الثانية إلى جهة أخرى لا يلزمه قضاء الأولى دل على أنه لا فرقا بينهما ثم أخذ يفرق بينهما.
فقال: ليس كالقبلة يتأخاها في موضع ثم يراها في غيره، لأنه ليس من ناحية إلا وهي قبلة لقوم، أراد به إذا صلى إلى جهة، ثم تبين له يقين الصواب، فإن تلك الجهة كانت قبلة لقوم في الجملة، فجاز ألا يؤمر بإعادة الصلاة إليها، فأما إذا تيقن أنه استعمل الماء النجس، فإن ذلك لا يكون طاهرا في حق واحد ما، فلهذا قلنا: تلزمه إعادة الصلاة ثانيًا، واختلف أصحابنا في قوله: ليس من ناحية إلا وهي قبلة لقوم.
فمنهم من قال: أراد به أن المشرق قبلة لأهل المغرب، والمغرب قبلة لأهل المشرق على قول بعض الناس.
ومنهم من قال: أراد به أن كل جهة قبلة لصلاة الفرض في حق المستأنف،

الجزء: 2 - الصفحة: 697

والصلاة النفل في حق المسافر والعذر عنه، إن تلك الجهة وإن صارت قبلة لقوم في حال، فإنما صارت قبلة لهم بعذر وبضرورة ثبتت في حقهم، وها هنا لم يوجد ذلك المعنى في حقه، فأشبه ما إذا تطهر ثم تبين له أنه استعمل الماء النجس فيلزمه إعادة الصلاة لكونه غير معذور فيه كذا هذا، وهذا هو الجواب عن قوله: إنه أدى ما كلف.
قلنا لا نسلم، بل أدى غير ما كلف، لأنه مفرط فيه، بل الواجب عليه أن يمعن في الطلب، ويبالغ فيه حتى يبين له في الابتداء ما يبين في الاخرة، فأشبه ما إذا طلب الماء، ونسي الماء في رحله، وصلى فإنه تلزمه الاعادة كذا هذا مثله، واحتج أيضا بما إذا عجز المصلي عنه في الصلاة من القيام، أو القعود، أو الركوع والسجود أو الستر، أو كان محبوسًا في حش، أو به دم سائل، فإنه يصلي كيفما أمكنه، وأن فرض الله كله ساقط عنه دون ما قدر عليه من الإيماء عريانًا، فإذا قدر من بعد لم يعد، والعذر عنه ما ذكرنا في باب التيمم، أن الأعذار على قسمين والفرق بينهما ما ذكرنا من أنه قد تحقق العذر في حقهم فلهذا أسقط عنهم الصلاة ها هنا بعكسه، واحتج أيضًا بقصة أهل قباء، أنهم كانوا في الصلاة، فأخبرهم آت أن القبلة حولت، فاستداروا وبنوا بعد يقينهم انهم صلوا إلى غير قبلة، أو كان صواب عين القبلة المحول إليها فرضًا لما أجزأهم خلاف الفرض لجهلهم به، كما لا يجزئ من توضأ بغير ماء طاهر لجهله، ثم استيقن أنه غير طاهر.
قلنا: الفرق بينهما أن قبلتهم في الابتداء التي توجهوا إليها، فإذا نسخت فحكم النسخ لا يلحقهم إلا بعد بلوغ الخبر إليهم، فلهذا لا يطالبون بقضاء ما مضى قبل بلوغ النسخ إليهم، وها هنا بخلافه.
قال المزني: قال الشافعي: ولو دخل غلام في صلاة، فلم يكملها أو صوم يوم، فلم يكمله، حتى استكمل خمس عشرة سنة، أحببت أن يتم، ويعيد، ولا يبين أن عليه إعادة.

الجزء: 2 - الصفحة: 698

قال المزني: لا يمكنه صوم يوم، هو في آخره غير صائم، ويمكنه صلاة هو في آخر وقتها غير مصل، ألا ترى أن من أدرك ركعة، من العصر قبل الغروب، أنه يبتديء العصر من أولها، ولا يمكنه في آخر يوم أن يبتديء صومه من أوله، فيعيد الصلاة لإمكان القدرة ولا يعيد الصوم، لارتفاع إمكان القدرة، ولا تكاليف مع العجز.
قال القاضي حسين: إذا بلغ الصبي في خلال الصلاة المكتوبة، الصحيح من المذهب أنه يمضى في صلاته ولا إعادة عليه، وفيه قول آخر أن عليه إعادتها، لأنه قيد القول فيه حيث قال: ولا يبين لي إعادة، فأما إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخره، فإنه لا إعادة عليه وجهًا واحدًا.
وقال أبو حنيفة: إنه تلزمه الإعادة هنا هنا، فأما إذا بلغ في خلال النهار، وكان صائمًا فينظر فيه، فإن نوي الصوم من الليل، فإنه لا يلزمه قضاء صوم ذلك اليوم، وإن نوي الصوم من النهار أو كان مفطرًا ماذا حكمه؟ سنذكر هذا فيما بعد إن شاء الله عز وجل، وإما يتصور البلوغ في خلال الصلاة بالسن دون الاحتلام، لأنه إذا احتلم فقد بطلت صلاته.
وقال المزني: إنه إن بلغ في خلال الصلاة تلزمه إعادتها، ولو بلغ في خلال الصوم لا تلزمه إعادته، وعلل بأنه قال: لا يمكنه صوم يوم هو في آخره غير صائم، ويمكنه صلاة هو في آخر قتها غير مصل.
من أصحابنا من قال: إنه أخل بالنقل، لأن مؤدي قوله أن يقول: لا يمكنه صوم يوم هو في أوله غير صائم، لأن مقصوده منه أني لا أوجب عليه صوم باقي اليوم لارتفاع إمكان القدرة لأنه لا يتصور أن يكون في آخر اليوم صائمًا وفي أوله مفطرًا، لأن صوم الفرض لا يتجزأ ولا يتبعض.
ومن أصحابنا من قال: ليس فيه كثير خلل، لأنه إذا لم يكن صائمًا في آخر اليوم لا يكون في أوله أيضاً، بخلاف الصلاة فإنه يجوز أن يصلي في آخر

الجزء: 2 - الصفحة: 699

وقتها دون أوله، وفي أوله دون آخره، فوجد إمكان القدرة فيها، فوجب عليه إعادتها.
قلنا له: أي الرجلين أنت؟ فإن قلت: إذا صلى في أول الوقت، وبلغ في آخر الوقت يلزمه قضاؤها، فالكلام معك فيه كالكلام مع أبي حنيفة، فنقول: صلى وظيفة وقته، وفريضة مثله، فحدوث الكمال بعده لا يوجب عليه الإعادة، دليله: الأمة إذا صلت مكشوفة الرأس في أول الوقت، ثم عتقت في آخر الوقت لا يلزمها قضاؤها، كذلك هذا مثله.
ولئن قلت: إنه لا يلزمه قضاؤها فقد مكنت من ثغرة النحر، ويلزمك الفرق بينهما.
فرع: قال ابن الحداد: إذا صلى الصبي في أول الوقت صلاة الظهر يوم الجمعة، ثم بلغ قبل أن يصلي الجمعة، فإنه تلزمه صلاة الجمعة، ولو صلى العبد أو المسافر في اول الوقت صلاة الظهر يوم الجمعة، ثم عتق العبد، وأقام المسافر قبل أن يصلي الجمعة، فإنه لا يلزمهما صلاة الجمعة.
والفرق بينهما بأن مؤدى الصبي يكون نفلا، فلهذا يؤمر بالجمعة ومؤداهما يكون فرضا، فلهذاا لم يؤمر بالجمعة.
قلنا: من أصحابنا من قال: إنه أخطأ في الفتوى وفي العلة.
إما في الفتوي فإنه أجاب بهذا على مذهب أبي حنيفة، لأن عنده ان الصبي إذا صلى في اول الوقت، ثم بلغ قبل خروج الوقت يلزمه قضاؤها، وكثيرًا ما يغلط إلى مذهب أبي حنيفة.
وأما الخطأ في العلة حيث قال: مؤدى الصبي يكون نفلا وليس كذلك، لأنه أدى فرض مثله، ووظيفة وقته كالبالغ سواء.

الجزء: 2 - الصفحة: 700

قال القفال: رحمه الله الفتوى كما ذكر، ولكن المعنى فيه غيره، وهو أن الصبي مندوب بالحضور إلى الجمعة، ومأمور بذلك، ومضروب عليها إذا تركها فلهذا قلنا: بأنه يلزمه الحضور إلى الجمعة، لأنه ترك ما هو مندوب إليه، حيث صلى في أول الوقت، وأما العبد والمسافر غير مأمورين بالجمعة ولا مندوبين إليها، فلهذا لا يلزمها الجمعة ها هنا، لأنهما لم يتركا ما كان يندبان إليه، والله تعالى أعلم بالصواب.

الجزء: 2 - الصفحة: 701

باب صفة الصلاة وما يجوز منها، وما يفسدها وعدد سجود القرآن وغير ذلك

. قال الشافعي: وإذا أحرم إمامًا أو وحده، نوى صلاته في حال التكبير، لا قبله ولا بعده ولا يجزئه إلا قوله: الله أكبر، أو الله أكبر.
أما إذا أراد الصلاة فإنه يحتاج إلى النية لها، ومتى ينوي لا خلاف أنه لو نوى بعد التكبير، فإنه لا يجوز، وكذا لو نوي قبل التكبير بلفظة ثم عزبت نيته قبل أن يبتديء التكبير، فإنه لا يجوز، فلو وزع النية على حروف التكبير.
من اصحابنا من قال: إنه يجوز، لأن الشافعي رحمه الله قال: وينوي في حال التكبير لا بعده ولا قبله.
والصحيح أنه لا يجوز، لأنه إذا افتتح التكبير، ولم يوجد منه إتيان جميع النية، فقد أخلى بعض أركان الصلاة عن النية فلا يجوز، كما لو نوي بعد التكبير.
وقوله: حال التكبير لا بعده ولا قبله، محمول على ما إذا نوى قبل التكبير، ويستصحب النية إلى أن فرغ عن التكبير، قاله ابو على السنجي رحمه الله عليه والمذهب الصحيح انه لا يجزيء عن هذا.
ومن أصحابنا من قال: وهو القفال رحمه الله، إنه لو نوى قبيل التكبير، ويستصحب النية إلى أن افتتح التكبير، فإنه يكتفي، وإن لم يستصحبها إلى أن فرغ عن التكبير، لأنه قرن النية بالتكبير.

الجزء: 2 - الصفحة: 702

فلو قلنا: إنه يلزمه استصحاب النية إلى الفراغ عنه لكان ذلك تكرارًا للنية، وذلك غير واجب عليه، كما أنه لا يلزمه استصحاب النية في آخر الصلاة، والصحيح هو الأول، وإنما قلنا، ذلك لأن الواجب عليه أن يأتي بالنية عند افتتاح الصلاة، ويداوم عليها إلى أن تنعقد له الصلاة، وإنما تنعقد له الصلاة إذا فرغ عن التكبير ولو أتى ببعض أجزاء التكبير، فإنه لا تنعقد له الصلاة.
وقال أبو حنيفة: لونوى في بيته ان يخرج ويصلي في المسجد، فإنه يصح، وإن عزبت نيته بعد ذلك لا يضره.
قال القاضي رحمه الله: سألت أبا علي النسفي عن هذا، فقال: عندنا إنما يجوز ذلك، إذا لم يخطر بباله شيء آخر إلى أن يدخل في الصلاة، فلو كان الأمر كما ذكر لم يبق بيننا وبينه فيه خلاف، فأما كيفيته فالصلاة على قسمين: فرائض، وغير فرائض.
فأما غير الفرائض على قسمين: نوافل وسنن.
فأما النوافل، فإنه ينوي فيها الصلاة مطلقًا، بأن يقول: نويت الصلاة، أو

الجزء: 2 - الصفحة: 703

نويت أن أصلي، ويكفيه ذلك، فأما السنن، فإنه يحتاج فيها إلى أصل النية، وإلى تعييها بأن يقول: نويت أصلي سنة الوقت، فإن كان صبحًا، فينوي سنة صلاة الصبح، وإن كان مغربًا فينوي سنة صلاة المغرب، وأما الفرائض على قسمين: أداء وقضاء.
فأما الأداء فالأكمل فيه أن ينوي أداء صلاة الظهر فرض الوقت لله تعالى، وإنما قلنا: إنه ينوي أداء؛ لأن الصلاة قد تكون قضاء، وقد تكون أداء، فهو ينوي الأداء كي يتميز به عن القضاء.
وإنما قلنا: ينوي صلاة الظهر، لأن الصلاة قد تكون ظهرًا، وقد تكون غير الظهر فينوي الظهر لكي يتميز عن غير الظهر.
وإنما قلنا: ينوي فرض الوقت؛ لأن الظهر قد تكون فرضًا، وقد تكون غير الفرض بأن يصلي الظهر وحده، ثم أدرك الجماعة ويصليها بالجماعة ثانيًا، فإن إحداهما تكون فرضًا، والأخرى نافلة، وأيضا فإنه يجوز أن تكون الصلاة فرض الوقت عليه، ولا يكون طهرًا بأن يذكر فائتة عليه لقوله عليه السلام: من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها، لا وقت لها غيره، وأيضا قد تكون ظهرًا في الوقت، ولا تكون أداء بأن شرع في صلاة في وقتها، ثم أفسدها وكان الوقت باقيًا يلزمه أن يصليها في الوقت فائتة بنية القضاء وإنما قلنا: ينوي لله تعالى في الإخلاص لقوله تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين، فلو نوى في صلاة الظهر مثلا أداء فرض الوقت لله تعالى، فيه وجهان:

الجزء: 2 - الصفحة: 704

أحدهما: يجوز؛ لأن فرض الوقت لا يكون إلا ظهرًا.
والثاني: لا يجوز لما ذكرناه أنه يجوز أنه يكون فرض الوقت، ولا يكون ظهرًا، وهكذا لو نوى أداء صلاة الظهر، ولم ينو فرض الوقت فيه وجهان: أحدهما: يجوز، لأن صلاة الظهر لا تكون إلا فرضًا.
والثاني: لا يجوز لما ذكرنا أنه يجوز أن تكون صلاة الظهر، ولا تكون فرضا وهكذا لو لم ينو لله تعالى فيه وجهان: أحدهما: يجوز لأن الصلاة لا تقع إلا لله تعالى.
والثاني: لا؛ لأن المبالغة في الإخلاص شرط بدليل الاية، ولا خلاف إنه إذا لم ينو اليوم، ولا أعداد الركعات، فإنه يجوز، وكذلك لو لم ينو الصلاة بأن نوى فرض الوقت ظهرًا، أو ظهرا لوقت فرضًا، فإنه يصح.
فأما إذا كان مأمومًا، فإنه أيضا ينوي الاقتداء بالإمام، فلو ترك ذلك لا تحصل له فضيلة الجماعة، وهل تصح صلاته أم لا؟ فعلى وجهين: أحدهما: لا؛ لأنه وقف أفعاله على أفعال غيره، فلا تصح صلاته.
والثاني: بلى، لأنه أتي بجميع أركان الصلاة وشرائطها.
فأما الإمام فالصحيح من المذهب أنه لا يلزمه نية الجماعة، لأنه لا يقتدي بأحد حتى ينوي ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 705

وقال الأستاذ الإمام أبو إسحاق رحمه الله: إنه ينوي الجماعة، وعلل بأنه أحد ركني الجماعة، فتلزمه نية الجماعة دليله المأموم.
قلنا: بينهما أن المأموم يكون تبعا له في الصلاة فيحتاج إلى نية الاقتداء به لتصح التبعية له في الصلاة، بخلاف الإمام، فإنه يستتبع المأموم في الصلاة.
الدليل عليه: أنه يوجب أشياء على الإمام، والمأموم لا يوجب عليه شيئًا، فأما إذا صلى رجل منفردًا، ثم جاء آخر واقتدى به، فإنه يحصل للمقتدي ثواب الجماعة، وماذا حكم المقتدى به؟ قال القاضي رحمه الله: سألت الشيخ القفال رحمه الله عن هذه المسألة فقال إنما يحال في هذا على فضل الله تعالى، في ألا يحرمه فضيلة الجماعة، لأنه يكون سببًا لتحصيل فضيلة الجماعة لغيره، فالأولى ألا يحرم عنها فأما في الجمعة فالأفضل أن ينوي صلاة الجمعة فرض الوقت لله تعالى مقتديًا بالإمام فرضًا، وإنما ينوي فريضة الاقتداء، لأن الاقتداء بالامام في الجمعة يكون فرضًا وفي سائر الصلوات لا يكون فرضًا، ولو نوي صلاة الجمعة لله تعالى الصحيح من المذهب أنه لا يجوز، لأن الجمعة لا تصح إلا بجميع اركانها وشرائطها، ولا تقع إلا فريضة، ولا تصح إلا في الوقت، ولا يجوز الاقتداء بالإمام، فلو نوى صلاة الظهر مقصورة لله تعالى.
من أصحابنا من قال: هذا بناء على أن الجمعة فرض على حدة أم ظهر، مقصور؟ وفيه قولان: إن قلنا: إنه يكون فرضًا على حدة فلا يجوز، وإلا فجاز، فأما إذا كانت الصلاة قضاء، فإنه ينوي قضاء صلاة الظهر فرضًا لله تعالى، وإن أراد أن ينوي قضاء أول ظهر كانت عليه، أو آخر ظهر كانت عليه، وهذا غير واجب عليه.
وقال أبو حنيفة: إنه واجب عليه، وعندنا لو نوى مطلقًا يجوز، فأما إذا عين اليوم، وأخطأ بأن ينوي قضاء صلاة الظهر الذي فاتت عنه من يوم الخميس،

الجزء: 2 - الصفحة: 706

وذاك يكون في يوم السبت، أو الجمعة، فإنه لا يجوز، ولو عين اليوم في الأداء، ثم أخطأ تصح صلاته.
والفرق بينهما أن في الأداء ينوي فرض الوقت، فقد وجدت الإشارة فيغلب على العبارة، وتصح صلاته، وفي القضاء لم توجد الإشارة حتى يغلب على العبارة.
فقلنا: إنه لا يصح القضاء، فأما إذا نوى الأداء، في صلاة القضاء، أو القضاء في صلاة الأداء، هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن القضاء غير والأداء غير.

الجزء: 2 - الصفحة: 707

والثاني: جاز، لأن الأداء والقضاء في اللغة شيء واحد.
قال الله تعالى فإذا قضيتم مناسككم، أي أديتموها، وقال الله تعالى فإذا قضيت الصلاة، أي أديت، ويقال: اقض ديني، معناه: أد ديني، فعلى هذا لو أفسد صلاة الوقت، فأراد قضاءها، مقتضى قول أصحابنا: إنه ينوي القضاء، لأنه يقضي ما التزمه في الذمة، لأن الشروع يلزم الفرض في الذمة بدليل أن المسافر لو نوي إتمام الصلاة، وشرع فيها، ثم أفسدها لا يقضيها مقصورة، بل تامة، لأنه التزم الإتمام، وهذه المسألة تلزم فيما لو شرع في صلاة التطوع ثم أفسدها، فإن عندنا لا يجب عليه قضاؤها والعذر فيه أنه فرض التزمه بعقده، لأن الفرض على المسافر الإتمام كما على المقيم، إلا أنه جوز له القصر، فإذا لم ينوي القصر، فقد التزم الفرض بعقده.
وأما هذا تطوع شرع فيه، فلم يلزمه بحكم عقده، وإذا أفسد الصلاة التي شرع فيها بنية القصر، وقلنا: لا يقضي المقصورة مقصورة يلزمه الإتمام في الوقت ايضًا، وينوي القضاء على مقتضي قول أصحابنا، وعلى ما قاله الشيخ القفال يتخير فيه بين نية الأداء، ونية القضاء.
فرع وإذا ترك ركعتي الفجر حتى صلى الصبح، أو طلعت الشمس فهي قضاء، فينوي القضاء على طريقة الأصحاب، وقبل طلوع الشمس يحتمل وجهين: أظهرهما: أنها أداء، لأن الوقت قائم، فهذا وقت لها بدليل أنه لو لم يكن صلى الصبح كان هذا وقتًا لها، فعلى هذا ينوي الأداء على طريقة الأصحاب.
والثاني: يكون قضاء، لأن وقتها قبل فعل الفرض، فعلى هذا ينوي القضاء [و] على قول الشيخ ينوي كيف شاء.

الجزء: 2 - الصفحة: 708

فرع: لو اقتدي برجل ظنه إمامًا، فبان أنه مأموم بعد الفراغ من الصلاة.
قال: يجب أن يخرج على الوجهين: لأنه وقف أفعاله على أفعاله، وقد ذكرنا من قبل إلا أنه مشكل، وذلك، لأن من أصلنا أنه لو كان الإمام جنبًا، أو محدثًا لا تلزمه الإعادة، وإن وقف أفعاله على أفعاله.
فصلٌ: رجلان يصلي كل واحد منهما بجنب صاحبه، إن كان الإمام والمأموم بينا لكل واحد منهما فذاك، وإن اشتبه الأمر ففيه أربع مسائل: إحداهما: أن يكون عند كل واحد منهما أنه مقتد بصاحبه، فالصلاتان باطلتان، لأنه لو اقتدى بمن هو مقتد بالغير لم تصح صلاته، فإذا اقتدي بمن هو مقتد به أولى الا تصح.
فإن قيل: اليس أن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه، ويصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقوم كانوا يصلون بصلاة أبي بكر رضي الله عنه.
قلنا: أبو بكر لم يكن إمامًا للقوم، وإنما كان كالمترجم بينهم على أفعاله.
والثانية: أن يشك كل واحد منهما في أنه إمام أو مأموم، فالصلاتان باطلتان أيضا، لأن على المأموم نية الاقتداء يقينًا.
والثالثة: أن يشك أحدهما في أنه إمام أو مأموم، ولم يشك الاخر، بل كان يعرف نفسه إمامًا او مأمومًا.
قال الشافعي: رضي الله عنه، صلاة الشاك باطلة، وصلاة من لم يشك لم تبطل.
قال أصحابنا: صلاة من لم يشك إنما لم تبطل إذا كان عنده أنه إمام أو منفرد، فأما إذا كان عنده أنه مأموم تبطل صلاته، لأنه يجوز أن يكون الثاني

الجزء: 2 - الصفحة: 709

مقتديًا به، ومن صلى خلف رجل ظن أنه مقتد برجل آخر لم يصح، فإذا ظن أنه مقتدى به أولى ألا يصح.
الرابعة: أن يكون عند كل واحد منهما أنه إمام، فالصلاتان صحيحتان، لأن الإمام كالمنفرد، وإذا اقتدى برجلين لم تصح صلاته، لأنهما لا يتفقان، والواجب على المأموم متابعة إمامه، ولا يمكنه متابعة شخصين لاختلاف آرائهما، ولو اقتدى بأحدهما لا يعينه أيضا لا تصح صلاته.
فصل رجل شرع في الصلاة، ثم شك هل نوى أم لا؟ فإن لم يتذكر لم تصح صلاته، لأن الأصل عدم النية، وإن تذكر نظر فيه، فإن تذكر قبل أن عمل عملا على قرب الفصل صحت صلاته، وإن تذكر بعد أن عمل عملا بطلت صلاته، والعمل ما قاله الشافعي: أن يكون قائمًا فيركع، أو راكعًا فيقوم أو قائمًا فيسجد، لأنه نص عليه.
وقال: إنه إن أحدث فعلا بطلت صلاته، وإن لم يحدث فعلا صحت صلاته، فأما إذا شك فيه حالة القيام وسكت سكوتًا طويلا، ثم تذكر فيه وجهان بناء على أنه لو سكت في حالة القيام من غير عرض سكوتًا طويلا هل تبطل صلاته ام لا؟ فيه وجهان: أحدهما: تبطل، يجعل طول السكوت منه بمنزلة إحداث فعل.
والثاني: لا؛ لأنه لم يأت بفعل، ولا ينقطع به نظم الصلاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 710

إن قلنا: إن هناك لا تبطل، فها هنا أولى.
وإن قلنا: هناك تبطل، فها هنا وجهان، والفرق أن هناك لم يكن له غرض ومقصود في السكوت، فأولى أن تبطل به صلاته بخلاف ما نحن فيه، وهكذا لو شك فيه في خلال الفاتحة، وسكت سكوتًا طويلاً فيه وجهان، كما لو كان في قراءة غير الفاتحة.
إن قلنا: تبطل صلاته فلا كلام.
وإن قلنا: لا تبطل صلاته يلزمه استئناف الفاتحة، لأنه إذا سكت سكوتًا طويلا ينقطع به نظم القراءة.
فأما إذا شك فيه قبل قراءة الفاتحة، ثم قرأ الفاتحة في زمان الشك، ثم تذكر أنه نوي الصلاة، المذهب أنه لا تبطل صلاته.
وقال أبو يحيى البلخي: تبطل صلاته، لأن عنده تكريم الفاتحة كتكرير الركوع والسجود، وعلى هذا لو كرر قراءة الفاتحة، هل تبطل صلاته أم لا؟ عند عامة أصحابنا لا تبطل، وعنده تبطل، وقال: لأنه ركن، فأشبه الركوع والسجود.
قلنا: إنه ركن بالقول، وحكم القول أخف من حكم الفعل.
فإن قيل: ما الفرق بينه، وبين ما لو شك أنه صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ عليه ان يقوم ويصلي ركعة أخرى في زمان الشك، ولا تبطل صلاته بهذا الفعل في زمان الشك، ولو شك في أصل النية، ثم أحدث فعلا بطلت صلاته.
قلنا: لأن هناك تيقن انعقاد صلاته، وشك في أفعاله، فلم يغير وها هنا الشك وقع في أصل انعقاد الصلاة، ففعله في حال الشك لا يعتمد عليه أصلا.
فإن قيل: ما الفرق بين ما لو شك في أصل النية ثم تذكرها حكمهم بصحة الصلاة، وبين ما لو شك في نية القصر، ثم تذكر أنه نواه، فإنه يلزمه الإتمام؟ قلنا: الفرق بينهما إذا شك في نية القصر تأدى جزء من صلاته على حكم

الجزء: 2 - الصفحة: 711

الإتمام، والصلاة إذا تأدى جزء منها على حكم الإتمام لزمه الإتمام، كما لو اقتدى بمقيم قبل السلام بجزء، يلزمه إتمام الصلاة، وها هنا يشك في أصل النية، فما بعد الشك إلى التذكر ليس من الصلاة، فأقضى ما فيه أنه أتى بفعل يضاد الصلاة، والفعل اليسير في أثناء الصلاة لا يبطل الصلاة.
فأما إذا شرع في الصلاة، ثم شك أنه هل ترك مسح الرأس في الطهارة أم لا؟ نقدم على هذا مقدمة، وهو أنه لو شك في أنه هل ترك مسح الرأس أم لا بعد فراغه من الوضوء ماذا حكمه.؟ فيه قولان: قال في القديم: لا شيء عليه، لأن الأصل كمال الطهارة.
وفي الجديد، عليه مسح الرأس، لأن الأصل أنه لم يات به جئنا إلى مسألتنا، إن قلنا بالقول القديم، فها هنا لا شيء عليه فلا يضره ذلك الشك وإن قلنا بقوله الجديد، حكمه حكم ما لو شك في نية الصلاة، وقد ذكرناه، ولو شك أنه نوي العصر أو الظهر، وكان عليه فائتة العصر أو الظهر تذكر معقوده.
قال الشيخ القفال رحمه الله، إنه تبطل صلاته، لأن ما مضى في زمان الشك يكون نفلا، فصار كما لو قلب الفرض نفلا، ولو قلب الفرض نفلا يبطل فرضه، فها هنا، وإن لم يغير النية فقد شك في وجودها، فحل محل تغيير النية إلى فرض آخر، وليس كما لو شك في أصل النية، فتذكر بعد العمل، لأن ها هنا شك في صفتها دون أصلها.
قال القاضي رحمه الله: عندي حكمه حكم ما لو شك في أصل النية وقد بينها، ولو شك في نية الاقتداء بالامام، وكان في خلال الصلاة نقدم على هذا مقدمة، وهي أنه إذا تابع الإمام في أفعال الصلاة، ولم ينو الاقتداء به، فيه وجهان: أحدهما: بطلت صلاته لأنه وقف أفعاله على أفعاله.

الجزء: 2 - الصفحة: 712

والثاني: لا يبطل، لأنه يسير، فيعفى عنه، جئنا إلى مسألتنا، إن قلنا هناك: لا تبطل صلاته، فها هنا مثله، وإن قلنا هناك: تبطل صلاته فها هنا حكمه حكم ما لو شك في أصل النية، وقد ذكرنا، وإن شك في نية الاقتداء بعد الفراغ من الصلاة، فحكمه حكم ما لو شك في ركن من أركان الصلاة بعد السلام، فإن كان قد طال الفصل يستأنف، فعلى هذا في وجوب الاستئناف الوجهان.
وفيه قول آخر: أنه يبني، فعلى هذا لا شيء عليه، فأما إذا شك في أصل النية قبل قراءة الفاتحة، قرأ الفاتحة في زمان الشك، وقلنا: إنه لم تبطل صلاته إذا تذكر أنه نوي، فلا تحسب له قراءة الفاتحة، بل عليه أن يقرأ ثانيًا، لأنه قرأ في حال الشك، نظيره المسافر إذا شك أنه مسح في السفر، أو في الحضر فمضى على الشك، ومسح في حال الشك، ثم تذكر أنه مسح في حال السفر، وقد ذكرناه فيما قبل، لا يفيده، والله أعلم بالصواب.

الجزء: 2 - الصفحة: 713

فصل: إذا نوى الخروج من الصلاة أو ردد النية، خرج من صلاته، ولو نوي أن يخرج عن صلاته إذا قدم زيد، أو طلعت الشمس، فلا خلاف في بطلان الصلاة عند وجود الشرط، وفي بطلانها في الحال وجهان:

الجزء: 2 - الصفحة: 714

أحدهما: تبطل لأنه لم يجزم النية، كما لو نوى الخروج عن الإسلام لا يصح إسلامه.
والثاني: لا تبطل.
والفرق أن دوام الإسلام شرط، ولا يحل الخروج عنه بحال، والخروج عن الصلاة يباح في الجملة.
فأما إذا عزم على الخروج عند وجود الشرط حال العقد، فأولى ألا ينعقد؛ لأن المضاد قرنه بالعقد.
ولو نوى الخروج من الصوم فوجهان: أحدهما: يبطل صلاته، لأن الصوم عبادة يبطلها الأكل كالصلاة.
والثاني: لا، والفرق أن الصلاة قربة أعمال يباشرها لا تصير عبادة إلا بالنية، فبطلت برفض النية، بخلاف الصوم، فإنه كف وإمساك، والكف والإمساك لا يحتاج حصولهما، إلى النية كالكف عن الزنا وشرب الخمر، والشريعة تشتمل على الأوامر والنواهي، فما هو من جملة النواهي كالزنا وشرب الخمر، لا يحتاج صحة تركها إلى نية، وما هو من جملة الأوامر لا يصح امتثالها بدون النية.
وإن قيل: لو صح هذا المعنى لوجب ألا توجبوا أصل النية في الصوم.
قلنا: لامتياز العادة عن العبادة؛ لأن ترك الأكل يشرك فيه العادة والعبادة، وتعيين النية ليحصل الإخلاص لله تعالى، إلا أنهم يقولون بهذا المعنى وجب أن يحكموا ببطلانه إذا نوى الخروج منه.

الجزء: 2 - الصفحة: 715

فرع قال صاحب التلخيص: لو كبر وكبر ثلاثًا انعقدت صلاته بالأولى، وبطلت بالثانية، وانعقدت بالثالثة، لأنه خرج عنها بالثانية، ودخل فيها بالثالثة، كما لو قال لامرأته: إن حلفت بطلاقك، فأنت طالق، قاله ثلاث مرات يفرق فيه بين ما لو كان قبل الدخول أو بعده، وبكل مرة تنحل اليمين، وتنعقد أخرى كذا هذا.
قال القفال رحمه الله: لصحة هذه المسألة شرطان: أحدهما: أن ينوي الافتتاح بكل تكبيرة، لأنه لو كبر عشرين مرة، ولم ينو بها الافتتاح بعد انعقاد الصلاة لم يضر الصلاة.
والثاني: ألا ينوي الافتتاح قبل الشروع في التكبرة الثانية، ولو نوى الافتتاح قبل الشروع في الثانية بطلت صلاته بنية الافتتاح، وانعقدت بالثانية، وبطلت بالثالثة، وإنما كان نية الافتتاح في الصلاة المنعقدة مبطلة لها، لأن الافتتاح يقتضي سبق الخروج، فجعل كما لو نوى الخروج، ونظيره ما قال الشافعي، رحمه الله: لو نكح امرأة يوم الخميس على مسمى، ثم نكحها يوم الجمعة على مسمى يلزمه المهران، لأن العقد الثاني لا يكون إلا بعد ارتفاع الأول.

الجزء: 2 - الصفحة: 716

فصل لو غير النية في خلال الصلاة مثل أن شرع في فرض، فغير النية إلى فرض آخر، أو في الفرض فغير إلى السنة، أو في السنة فغير إلى الفرض، أو في سنة فغير إلى سنة أخرى، لا خلاف أنه بطل ما عقده أولا وانصرف عنه، ولا ينصرف إلى الثانية وهل يبطل أصلا الصلاة، أو تنعقد نفلا؟ فعلى قولين: أحدهما: تبطل، لأنه لما انصرف عن الأولى، ولم ينصرف إلى الثانية تعين البطلان إذ لا ثالث، وقد نص الشافعي رحمه الله على أنه لو كان يصلي بالناس قاعدًا للعجز عن القيام، فقدر على القيام في خلال الصلاة، فلم يقم بطلت صلاته، وصلاة من علم بحاله ممن خلفه، ولم يحكم بانقلابه نفلا.
والقول الثاني: انقلبت نفلا، لأنه لم يترك أصل النية، وإنما غير صفتها، ولم يصح التغيير فبقي مطلق النية.

الجزء: 2 - الصفحة: 717

وللشافعي: رحمه الله، ثلاث نصوص تدل على هذا القول: أحدها: إن قال: لو أحرم بالحج قبل أشهر الحج، انعقد إحرامه بالعمرة، كما لو أحرم بالظهر قبل الزوال تنعقد نفلا.
والثاني: لو أن مسبوقًا كبر هاويًا إلى الركوع ليدرك الإمام فيه تنعقد صلاته نفلا.
والثالث: لو أحرم بالصلاة منفردًا، ثم حضر القوم ليعقدوا الجماعة نص على أنه يسلم عن ركعتين، ويكونان له نافلة، ويصلي معهم بالجماعة، ولم يحكم ببطلان الصلاة في المسائل الثلاثة، بل حكم بانعقادها نفلاً ويخرج فيها، وفي النص الأول على البطلان القول الآخر، وإذا غير من النفل إلى النفل، فالظاهر أنه لا تبطل، ويخرج فيه القول الآخر أنه تبطل.

الجزء: 2 - الصفحة: 718

فصل: لو أن إماما شك أنه هل نوى أم لا، فأراد أن يكبر مع نفسه لتنعقد صلاته على اليقين، ولا يطلع عليه القوم، فحكمه حكم الصلاة التي افتتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، ثم خرج منها، ودخل البيت واغتسل، ثم خرج ورأسه يقطر ماء، وأتم بهم الصلاة إلا أن فيه ايضا إشكالاً على المعنى، فأما صلاة الإمام فتنعقد لا محالة.
قوله: ولا يجزيه إلا قوله: الله أكبر أو الله الأكبر.
قال القاضي حسين: عندنا لا تنعقد الصلاة إلا بقوله، الله أكبر، أو الله الأكبر فأما ما عدا التكبير من اسماء الله تعالى، إذا لم يذكره على جهة النداء، أو الدعاء كقوله، الله الجليل، الله العظيم، الرحمن الرحيم، سبحان الله والحمد لله، أو بالفارسية، يقول خداي، أو بالتركي يقول تنكرى.
فأما إذا ذكره على جهة النداء كقوله: يارب يا ألله، أو الدعاء كقوله: اللهم وفقنا في أنه لا تنعقد به الصلاة.
لنا قوله عليه السلام مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، ولأن قوله: الله أكبر كلمة تنبئ عن القدم والعظم على جهة المبالغة، لأن الكبر يطلق على كبر السن، يقال: شيخ كبير وعلى كبر

الجزء: 2 - الصفحة: 719

الجثة، يقال: حبل كبير، وعلى كبر الرتبة، والله تعالى منزه عن كبر السنة والجثة، فكان ذلك في حقه وصفًا لله تعالى، بالقدم على جهة المبالغة.
وما عدا هذه الكلمات لا تتضمن هذين المعنيين.
فأما قوله: الله أكبر، بالألف واللام، فإنه يتضمنها وزيادة؛ لأن الألف واللام تقتضي الحصر والاختصاص، وإطلاق اللفظ دونهما لا يتقضي الاختصاص والقطع عما سواه، ويدل عليه أنك تقول: زيد أعلم، فلا ينبيء ذلك عن كونه أعلم الناس كلهم، ولو قلت: زيد الأعلم اقتضي ذلك كونه أعلم الناس كلهم.
وقوله: الله الكبير لا يتضمن المعيين، إذ هو ليس من ألفاظ المبالغة.
وقوله: الله الكبير الأكبر لم تنعقد به الصلاة، لأنهما كلمتان، والكلمتان يجب ان يتضمنا هذين المعنيين، ولأن ذلك لا يعرف تكبيرًا في العادة.
وقوله: الله أكبر كبيرًا تنعقد به الصلاة، لأنه أتى بالتكبير الصحيح فقوله: كبيرًا زيادة ثناء نه بعد انعقاد الصلاة.
وقوله: الأكبر الله لا تنعقد به الصلاة، وإن تضمن المعنيين، لأنه لا يعرف تكبيرًا، وإن التكبير المعهود أن يقول: الله أكبر، فاختص انعقاد الصلاة به.

الجزء: 2 - الصفحة: 720

وقوله: الله أكبر أولى من قوله: الله الأكبر بالألف واللام، لأن الأخبار فيه وردت، ومن العلماء من لم يجوزه بالألف واللام، وهو مالك، وحكى أبو الوليد النيسابوري قولا آخر عن الشافعي أنه لا تنعقد بقوله: الله أكبر وما نقل المزني هو قوله الجديد، ولو قال: الله أكبار ومده مدا لا تنعقد صلاته، ولو قال: على جهة الاستفهام، لا تنعقد أيضا به صلاته، ولو اعتقده كفر، والتكبير عندنا من الصلاة.
وقال أبو حنيفة: التكبير ليس من الصلاة، وكذلك التسليم عندنا من الصلاة خلافاً له، ولا فائدة للخلاف في التحريمة، لأنهم وافقونا في أنه يشترط في التحريمة جملة شرائط الصلاة من الطهارة والستر واستقبال القبلة، لأن المسالة مشهورة بالخلاف، فنقول: ما افتقر إلى ما تفتقر إليه الصلاة كان من الصلاة كسائر أجزاء الصلاة، وكان القاضي أبو علي يقول: فائدة أن التحريمة ليست من الصلاة على أصلنا إن سبقه الحدث يبني على صلاته، لأنها ليست من الصلاة، فحكمنا ببقائها بعد الحدث حتى أنه إذا عاد لا يحتاج إلى تجديد التحريمة، ويكتفي بالتحريمة الأولى، ولا بقاء للصلاة بعد الحدث.
وأيضا قال: الصلاة تنافي الحدث، ولا تنافي التحريمة.
وقال غيره، فائدته لو كبر متقهقهًا انعقدت صلاته، ولا تبطل طهارته.
وقال غيره: لو أحرم بالظهر قبل الزوال، فلما فرغ من التكبير زالت الشمس صحت صلاته قالوا: الركن ما كان في خلال الصلاة بعد الفراغ عن التكبير، وإنما نحكم بانعقاد الصلاة بعد الفراغ من التكبير.

الجزء: 2 - الصفحة: 721

مسألة

تكبيرة المأموم للافتتاح إذا قارنت تكبيرة الإمام، أو بعضها لم تنعقد صلاة المأموم، نص عليه الشافعي رحمه الله وليست كالركوع والسجود، وسائر الأركان، فإنه لو قارن فعل المأموم فعل الإمام لم تبطل صلاة المأموم بالمقارنة، وإن كان كمال الفضل في المتابعة.
والفرق بينهما أن الاقتداء لا يتصور ما لم يتعين إمام، والإمام لا يصير إماما ما لم يفرغ عن التكبيرة، فإذا ابتدأ المأموم التكبيرة، وصلاة الإمام غير منعقدة بعد فقد مضى بعض صلاة المأموم ولا إمام له.
مسألة أول التبكير إذا عرى عن عين النية لم تنعقد الصلاة، وإن عري آخر التكبير عن النية صحت صلاته إذا لم ينسها، واستصحب ذكرها، فلو نسي ذكرها بعد الفراغ من التكبير لم يضره إذا استصحب حكمها، والفرق أنه إذا نوى مع أوائل التكبيرة لم يمض عليه شيء من أجزاء الصلاة قبل النية، بل أتي بالنية مقرونة على حسب الطاقة بأول العبادة، فجاز ألا تكون بغيرها مقرونة بالجزء الثاني والثالث، فأما إذا نوى في آخر التكبير دون أوله، فقد مضى بعض الصلاة عاريًا عن النية.
فإن قيل: مقتضي هذه النكتة، أن توجب هذه النية قبل إنشاء التكبير حتى لا يوجد جزء من التكبير إلا والنية التامة مقترنة به.
قلنا: النية من أركان الصلاة، وأركانها لا تنفصل ولا تتقدم، ولا تتأخر.
فرع: نص الشافعي: رحمه الله، على انه لو كان بلسانه خرس أو كان مقطوع

الجزء: 2 - الصفحة: 722

اللسان لم يمكنه أن يأتي بالتكبير الصحيح، أتي بما قدر عليه، وحرك لسانه إن كان أخرس.
ولو خلق الله تعالى رجلا أصم أعمي أخرس، قال أصحابنا: ينبغي أن يحنى ظهره، وتوضع جبهته على الأرض، لأن المقدور عليه لا يترك بالمعجوز، عنه.
والمرأة لا ترفع صوتها بالتكبير، كما لا تجهر في صلاة الجهر بالقراءة،، ولا تؤذن فإن صوتها عورة.
وإن قلنا: إنه ليس بعورة فيخاف الافتتان إن لو رفعت صوتها.
قال الشافعي رضي الله عنه، إن كانت إمامًا فترفع صوتها قدر ما تسمع من خلفها.
قال المزني: فإن لم يحسن بالعربية، كبر بلسانه، وكذلك الذكر، وعليه أن يتعلم.
قال القاضي حسين: مثل إن كان تركيا أسلم، وهو لا يحسن العربية فيكبر بلسان الترك، أو هنديًا أسلم فيكبر بلسان الهند، وإن كان يحسن العربية فكبر بلسانه لم يجز، وكذا إن كان لا يحسن العربية، ولكن يمكنه أن يتعلم العربية، فلا يجوز له أن يكبر بلسانه، وإن مضى زمانه إمكان التعليم، ولم يتعلم فإنه يكبر بلسانه لحرمت الوقت، ويصلي فيلزمه إعادة تلك الصلاة.
فأما إذا كان لا يمكنه أن يتعلم بالعربية بأن كان في الوقت ضيق، أو كان لا يطوع له لسانه، أو لم يجد من يعلمه، فإنه يكبر بلسانه ولا يعيد الصلاة، ولكن ينبغي أن يقول: خداي بزرك بر، ولا يقول: خداي بزرك، لأنه لو اقتصر ينبغي أن يقول: خداي بزرك بر، ولا يقول: خداي بزرك، لأنه لو اقتصر عليه كأنه يقول بالعربية، الله الكبير، وقد ذكرنا أنه لا تنعقد به الصلاة، وهكذا حكم التشهد حكم التكبير، وقد ذكرناه.
وقال أبو حنيفة: يأتي بالفارسية كلاهما، وإن كان يحسن العربية ولا شيء

الجزء: 2 - الصفحة: 723

عليه، فأما سائر الأذكار، من دعاء الاستفتاح، وتسبيحات الركوع والسجود والدعاء بعد التشهد ماذا حكمه؟ فلا يخلو إما إن كان يحسب العربية أو لا، فإن كان يحسن العربية، على طريقة المراوزة لا يجوز له أن يأتي شيئًا منها بالفارسية، كالتكبير سواء، وعلى طريقة العراقيين يجوز له ذلك، لأنه ليس بفرض عليه إتيانه بخلاف التكبير، فأما إذا كان لا يحسن العربية على طريقة العراقيين يجوز له أن يأتي الكل بالفارسية، وعلى طريقة المراوزة فيه وجهان: أحدهما: يجوز كما في التكبير والتشهد.
والثاني: لا يجوز، والفرق أن التكبير واجب عليه إتيانه فيه حاجة إلى أن يقوله بالعربية لأنه غير مختار فيه.
وها هنا بعكسه، والوجهان صورهما من لفظ الشافعي، رضي الله عنه حيث قال: وكذلك الذكر، وعليه أن يتعلم، يحتمل أنه أراد به التشهد دون التسبيحات، لأنه قال: وعليه أن يتعلم، فإنما يجب تعلم التشهد دون سائر الأذكار، ويحتمل أنه أراد به الكل، لأن اسم الذكر ينطلق على الكل، وعليه أن يتعلم، ينصرف إلى التشهد.
ولأن الشافعي، رحمه الله قال: حق على كل مسلم أن يتعلم من العربية قدر ما يأتي به في صلاته، وهذا بخلاف الفاتحة، فإنه لا يجزيه بالفارسية، فإن لم يحسنها، إن كان يحسن شيئًا آخر من القرآن أتى به، وإن لم يحسن شيئًا آخر من القرآن من الأذكار بقدر ما يبلغ آيات الفاتحة، والشرط أن يأتي بسبعة أنواع من الذكر، وهل يشترط أن تعادل كلمات الذكر كلمات الفاتحة بعد أن تنوع سبعة أنواع فوجهان: أحدهما: بلى.
والثاني: لا.
وإذا أتي بشيء آخر من القرآن، فالشرط أن يأتي بسبع آيات، فلو أتى بآية

الجزء: 2 - الصفحة: 724

طويلة تعادل الفاتحة وتزيد عليها لم يجز، وهل يشترط أن تبلغ كلماتها كلمات الفاتحة، فعلى وجهين.
فإن لم يحسن الذكر بالعربية قال رضي الله عنه: أتي به بالفارسية، ولا يأتي بالفارسية الفاتحة، لأن الواجب عليه الإتيان بالذكر إذا جهل الفاتحة، وما يقوم مقامه من القرآن، فإذا عجز عنه أتي بمعناه بالفارسية.
وعند أبي يوسف، إن كان يحسن العربية لا تجزئه هذه الأذكار بالفارسية، وإن جهل العربية أجزأه.
وقال أبو حنيفة: سواء كان يحسن العربية، او لا يحسنها تجزيه هذه الأذكار بالفارسية، وكذلك الفاتحة يجوز عنده أن يقرأها بالفارسية.
وزاد عليه فقال: لو قرأ آية من التوراة يوافق معناها معنى آية من القرآن جاز، وهذه المسألة تلقب بترجمة القرآن، وعندنا لا يجوز، وعنده يجوز.
وكان القاضي أبو عاصم رحمه الله، يقول: إنما يجوز ترجمة القرآن، إذا كان مثله في اللفظ والمعنى كقوله، خيرًا وشرًا، ويركب ويسجد، فأما إذا كان يخالفه في اللفظ والمعنى، فلا.
دليلنا: ما روى أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إني لا أحسن شيئًا من القرآن، فعلمني ما يجزئني في الصلاة، فقال عليه السلام: قل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الجزء: 2 - الصفحة: 725

والفرق بين الفاتحة وبين سائر الأذكار، أن في ترجمة الفاتحة ترك النظم، وفي ترك النظم إبطال الإعجاز، وفي إبطال الإعجاز إبطال النبوة، فيؤدي تجويز الترجمة إلى هذا الفساد، ونفرض الكلام معه فيما لو قرأ آية من التوراة، فنقول: الله تعالى أمر بقراءة القرآن بقوله سبحانه، فاقرءوا ما تيسر من القرآن، وأنتم تجوزون قراءة التوراة التي نسخت، وحرم قراءتها.
فرع لو كان له غلام، ولا يحسن شيئا من العربية، فوجب أن يعلمه ذلك، ويتخير فيه بين أن يعلمه بنفسه أو يخليه، والاكتساب حتى يكتسب أجرة المعلم، ولو لم يعلمه واكتسبه في حاجة نفسه يعصي ويأثم بذلك، وكذا يجب على ولي الطفل ووصيه أن يستأجر من يعلمه ما يحتاج إليه في الصلاة، إذا لم يجد من يتطوع بالقراءة، والله أعلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 726

قال المزني: ولا يكبر إن كان إمامًا، حتى تستوي الصفوف خلفه.
قال القاضي حسين: السنة للإمام ألا يفتتح الصلاة قبل فراغ المؤذن من الإقامة عندنا.
وقال أبو حنيفة، يقوم عند قوله: حي على الفلاح، ويفتتح الصلاة عند قوله: قد قامت الصلاة تحقيقًا لقول المؤذن، وإخباره من قيام الصلاة، وعندنا معناه قرب إقامة الصلاة كقوله تعالى: فإذا بلغن أجلهن.
ومعناه: قاربن بلوغ أجلهن، ووافقنا في أن المؤذن لو كان هو الإمام لا يفتتح الصلاة قبل أن يفرغ من الإقامة.
قال رضي الله عنه: أما أنا فأستحب أن يقوم الإمام والقوم عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة، ويفتتح الصلاة بعد فراغه من الإقامة، وما قلناه أولى، لأن فيما قاله أبو حنيفة تفويت فضيلة تكبيرة الأولى على المؤذن، ثم إذا فرغ المؤذن من الإقامة، فالسنة أن يسوي الصفوف، ثم يكبر، ويقول الإمام: استووا، روى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما قول الأئمة: رحمكم الله، أو رضي الله عنكم غير مروي في الحديث، لكنه حسن.
والأصل في تسوية الصفوف ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال تسوية الصفوف من تمام الصلاة.
وما روى أنه عليه السلام، قال: سووا الصفوف وسدوا الفروج، فإني أراكم خلفي كما أراكم أمامي.

الجزء: 2 - الصفحة: 727

وكان عليه السلام مخصوصا بالرؤية في الصلاة من الجوانب الأربعة، ولهذا قال عليه السلام قرة عيني في الصلاة.
وروى أنه قال: لتسون الصفوف، أو ليخالفن الله بين قلوبكم.
وروى أنه قال: تراصوا بينكم في الصلاة، لا يتخللكم الشيطان.
كأنها جاءت حذف، والحذف، صغار الغنم.
قال الراوي: فكنا نلصق الكعب بالكعب، والمنكب بالمنكب، والركبة بالركبة.
فرع لو دخل والمؤذن في الإقامة.
قال الشيخ أبو حامد: المستحب أن يقعد، ثم يقوم للصلاة ليكون قيامه خالصًا للصلاة.
قال: والذي عندي أن المستحب أن يقوم قائمًا حتى يفرغ المؤذن من الإقامة ولا يقعد ليحوز فضيلة الانتظار للعبادة، ولأنه إذا قعد فقد ترك تحية المسجد، والسنة ان يشتغل بشيء بعد دخول المسجد حتى يصلي تحية المسجد.

الجزء: 2 - الصفحة: 728

قال المزني: ويرفع يديه إذا كبر حذو منكبيه.
قال القاضي حسين: السنة أن يرفع يديه إذا كبر حذو منكبيه، عندنا وعند أبي حنيفة حذو أذنيه.
وقال أحمد بن حنبل: رفع اليدين فيه واجب، كما أن التكبير فيه واجب، بخلاف سائر التكبيرات، واختلفت الأخبار في كفيته، روى البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يرفع يديه إلى شحمة أذنيه.
وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر يرفع يديه حذو منكبيه.
وعن أبي حميد الساعدي أنه كان في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أعلمكم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم او قال: أنا أشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ولم ذاك، ولم تكن بأقدامنا له صحبة، ولا بأكثرها له تبعة، فصف لنا، فصلى ابو حميد الساعدي، ورفع يديه حذو منكبيه، فكلهم قالوا له: صدقت.

الجزء: 2 - الصفحة: 729

وحكي أن الشافعي لما دخل بغداد، اجتمعت عليه فقاؤها، حسين الكرابيسي وأبو ثور وأحمد، فقال لهم: كيف وجه الجمع بين الأخبار في رفع اليدين حيث روى أنه رفع يديه حذو منكبيه، وفي رواية حذو أذنيه، وفي رواية إلى فروع أذنيه، وفي رواية إلى شحمة أذنيه، فعجزوا عن ذلك، فقال الشافعي رحمه الله: يحمل على أنه رفع يديه، حيث كان كفاه حذو منكبيه، ورأس إبهامه إلى شحمة أذنيه، ورأس سبابتيه ووسطاه إلى فروع أذنيه، فاستحسنوا ذلك، فإن جمع وفعل هكذا فأولى، وإلا فالسنة عندنا أن يرفعهما حذو المنكبين، ويستحب أن يفرق أصابعه وينشرها إذا رفع يديه ويكون مكشوفًأ.
وروى عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يرفع ذلك وينشرها.
وقيل: إن الشافعي رحمه الله سأل أبا ثور وقال له: بم تفتتح الصلاة؟ قال: بالفرض، قال: أخطأت، قال: بالسنة، قال: أخطأت، ثم قال له: قل بهما، أعني بالفرض والسنة، وأراد به التكبير، ورفع اليدين فيه.
ومتى يرفع؟ فيه أوجه:

الجزء: 2 - الصفحة: 730

أحدها: يبتديء التكبير مع الرفع، وينهيه مع الإرسال، رواه وائل ابن حجر.
والثاني: يرفع يديه غير مكبر، ثم يأخذ في التكبير، وينهيه مع الإرسال، رواه أبو حميد الساعدي.
والثالث: يرفع يديه غير مكبر ثم يكبر، ثم يرسل اليدين، رواه ابن عمر رضي الله عنهما، ولو رفع يديه وتركهما مرفوعتين حتى ركع لم يضره، لأنه هيئة تركها في الصلاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 731

مسائل رفع اليدين نصَّ الشافعي رحمة الله عليه عليها: إحداها: رجل لم يمكنه رفع اليدين حذو المنكبين لعلة، وأمكنه رفعهما دون المنكبين، فيرفعهما دون المنكبين، ولا يترك المقدور عليه بالمعجوز عنه.
والثانية: لم يمكنه رفعهما حذو المنكبين، وأمكنه الرفع فوقهما رفعهما فوق المنكبين، لأنه أتى بالسنة وزيادة هو معذور فيها.
والثالثة لم يمكنه الرفع حذوهما، وأمكنه الرفع دونهما، أو فوقهما يرفع فوقهما؛ لأن ما فيه الإتيان بالسنة، وزيادة هو معذور فيها، وفي الرفع دونهما ترك بعض السنة، ونظيره إذا لم يمكنه القعود في الصلاة، وأمكنه الاضطجاع والقيام، يصلِّي قائمًا لا مضطجعًا، لأنه أقرب إلى القعود من الاضطجاع.
والرابعة: أن تكون بإحدى يديه علَّة يعجز عن رفعها، والثانية سليمة يقدر على رفعها يرفع السليمة التي يقدر على رفعها.
ولو نسي رفع اليدين: أو تعمد تركه حتى أتى ببعض حروف التكبير يرفعهما في باقي التكبير، ولو أتى بالتكبير لا يقضيه، لأن رفع اليدين فائت، وفي قضائها ترك سنة أخرى، لأن السنة ألا يرفع يديه بعد التكبير.

الجزء: 2 - الصفحة: 732

قال المزني: ويأخذ كوعه الأيسر بكفِّه اليمنى.
قال القاضي حسين: وضع اليمين على الشمال سنة في الصلاة لقوله عليه السلام: «ثلاثة من سنن المرسلين تعجيل الفطر، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة»، ولما نزل قوله تعالى: (فصل لربك وانحر).
قال عليه السلام لجبريل: «ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي».
فقال جبريل عليه السلام: ليست هذه من نحائركم، وإنما هي وضع اليمين على الشمال في الصلاة تحت النحر.
ثم السنة عندنا أن يأخذ كوعه الأيسر بكفه اليمنى.
وقال أبو حنيفة: يضع كفه اليمنى على ظهر يده اليسرى.
قال المزني: ويجعلها تحت صدره.
قال القاضي حسين: هذه اللفظة لا توجد للشافعي، وإنما هي من جهة المزني رحمه الله لكنه حسن.
وعند أبي حنيفة يضعها تحت السرة، وما قلنا أولى لحديث جبريل عليه السلام، إنما هي وضع اليمين على الشمال في الصلاة تحت النحر، وهو الصدر، ولأن ما قلناه أقرب إلى الخشوع وأبعد عن العورة فكان أولى.

الجزء: 2 - الصفحة: 733

قال المزني: ثم يقول: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا مسلمًا، وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين.
قال القاضي حسين: إذا أتى بالتحريمة فالسنة أن يأتي بدعاء الاستفتاح والأولى عندنا قوله: وجهت وجهي للذي فطر إلى قوله: وأنا من المسلمين.
وعند أبي حنيفة الأولى في دعاء الاستفتاح: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك.
فإن أراد أن يأتي بقوله: وجهت وجهي، فالسنة عنده أن يأتي به قبل الشروع في الصلاة عند القيام واستقبال القبلة، واحتج بأنه محل الدعاء دون قراءة القرآن، وهذا قرآن.
قلنا: ليس هذا بقرآن، لكنه يوافق نظم القرآن يدل عليه أنه يقول: وأنا من المسلمين، وفي القرآن وأنا أول المسلمين، وأيضًا، قل إن صلاتي وفي القرآن قل إن صلاتي، أيضا وأيضًا قال: حنيفًا وما أنا مسلمًا، وفي القرآن، حنيفا مسلمًا وما أنا من.
وعندنا يستحب أن يجمع بينهما لكنه إذا أراد الاختصار اقتصر على الأول،

الجزء: 2 - الصفحة: 734

روى علي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر يفتتح الصلاة بقوله: وجهت وجهي إلى آخره.
وقد روى الشافعي زيادة في دعاء الاستفتاح، واستحب أن يأتي به مع ما ذكرناه، وذلك اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، عملت سوءا، وظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها، فإنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، المهدي من هديت، أنا

الجزء: 2 - الصفحة: 735

بك وإليك، لا ملجأ ولا ملتجأ منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
وقوله: الشر ليس إليك، لم يرد به أن الشر ليس من جهتك، وإنما أراد لا يتقرب بالشر إليك، روى هذا التفسير عن النضر بن شميل هذا إذا كان منفردًا، فإن كان إمامًا، فالمستحب أن يقتصر على الأول تخفيفًا على القوم.
وقوله: سبحانك اللهم وبحمدك قال رضي الله عنه: يحتمل أن يكون معناه الحمد لله، حيث وفقتني

الجزء: 2 - الصفحة: 736

على التسبيح، ويحتمل أن يكون معناه، أحمدك وأشكرك على سبحتك، وروى أحمد والبيهقي أنه يقول بعده: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الذنوب كما ينقى الثوب الأبيض من الدرن، اللهم اغسلني.
وفي رواية: اللهم اغسل لي خطاياي بالماء والثلج والبرد.
وقال غيره من الفقهاء: إنه يدعو بهذا الدعاء الإمام بين قراءة الفاتحة والسورة.
فرع المسبوق إذا كبر تكبيرة الافتتاح، والإمام في التشهد الأخير، فلما جلس سلم الإمام فقام ولا يسن له دعاء الاسفتاح، لأنه أمر به لافتتاح الصلاة ولما جلس مع الإمام ذهبا لافتتاح، ثم يقوم ويقرأ القرآن، ولو سلم الإمام قبل أن يجلس هو لا يجلس، بل يأتي بدعاء الاستفتاح، فلو أدرك الإمام في القيام في صلاة الجهر، فلما فرغ من تكبيرة الافتتاح، قال الإمام / ولا الضالين آمين، فقال هو أيضًا، عقيب تكبيرة الافتتاح، آمين، فعليه أن يأتي بدعاء الاستفتاح لأن قوله، آمين، دعاء لا يمنعه من الإتيان بدعاء آخر.
قال المزني: ثم يتعوذ، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال القاضي حسين: فالسنة أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومعناه، ألتجيء إلى الله وأعتصم به من الشيطان الرجيم، روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهمزه ونفخه ونفثه.

الجزء: 2 - الصفحة: 737

ويستحب أن يتعوذ هكذا.
والأصل في التعوذ، ما روى أنه عليه السلام كان يقرأ سورة النجم، في صلاة الصبح، فلما بلغ قوله تعالى: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ألقى الشيطان في أمنيته أنه جرى على لسانه تلك الغرانيق العلا، وأن شفاعتهم لترتجى، ففرح به المشركون، وقالوا إن محمدا أثنى على آلهتنا، فأنزل الله قوله تعالى وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته، أي في قراءته، فينسخ الله ما يلقي الشيطان، الاية، ونزل قوله تعالى فإذا قرات القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ومن أصحابنا من قال: إنما جرى على لسان النبي سهوًا، والصحيح أنه لم يجر على لسانه، لأنها كلمة الكفر، بل ألقى الشيطان في تلاوته.
وقال أبو هريرة: يتعوذ بعد القراءة أخذا بظاهر القرآن، وعندنا معناه، فإذا أردت قراءة القرآن كقوله تعالى، إذا قمتم إلى الصلاة.
أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة كقول القائل: إذا أتيتني فتطلس، أي إذا أردت أن تأتيني فتطلس.
وهل يجهر بالتعوذ، أو يسر به، فقولان:

الجزء: 2 - الصفحة: 738

أحدهما: يسر به، وهو قوله الجديد، لأنه ذكر مشروع قبل الفاتحة كدعاء الاستفتاح.
والثاني: يجهر به، وهو قوله القديم، لأنه ذكر مشروع بعد دعاء الاستفتاح كالفاتحة والتأمين.
وهل يسن التعوذ في كل ركعة أو في كل ركعة الأولى؟ فوجهان.
أحدهما: في كل ركعة، لأن القرآن في كل ركعة قراءة منفردة، وما تخلل من الأركان يقطع الأولى من الثانية.
والثانية: يسن في الركعة الأولى لا غير، لأن القراءة في الصلاة كلها قراءة واحدة.
ونص الشافعي يدل عليه، حيث قال: لو ترك القعود في الركعة الأولى يقضيه في الثانية، ولو كان في الثانية يسن على جهة الأصل لما سماه قضاء، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: ثم يقرأ مرتلا بأم القرآن.
قال القاضي حسين: أي مفصلا مبينا من قولهم: ثغر رتل، إذا كان منفرجًا منفلجًا، ويكره ترك الترتل والإسراع في القراءة لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسرع في القراءة، فقال: أهذا كهذا الشعر، أو قال: كهد الاعراب، وقد قال تعالى: ورتل القرآن ترتيلا، وقراءة الفاتحة متعينة في الصلاة لا يجزئه غيرها مع القدرة عليها.

الجزء: 2 - الصفحة: 739

وقال أبو حنيفة: لا تتعين، ثم له فيها روايتان:

الجزء: 2 - الصفحة: 740

إحداهما: يقرأ آية طويلة، أو ثلاث آيات قصار.
والثانية: يكفيه أن يقرأ آية واحدة، وإن قصرت كقوله: ثم نظر، وقوله مدهامتان، وقال أبو حنيفة: السنة أن يقرأ الفاتحة، حتى لو تركها يلزمه سجود السهو.
دليلنا ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال، كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج.
ولأنه ركن في الصلاة، فوجب أن يتعين قياسًا على سائر أركانها، وقد قالوا: لو نسي الفاتحة، وقرأ ثلاث آيات ثم ركع فتذكر في الركوع أنه نسي الفاتحة عليه أن يعود إلى القيام، ويقرأ الفاتحة، وهذا من أقوى الأدلة لنا عليهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 741

قال المزني: ويبتدئها بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بأم القرآن وعدها آية.
قال القاضي حسين: التسمية عندنا آية من الفاتحة وهل هي آية من كل سورة من سائر السور؟ فعلى قولين.
ومن أصحابنا: من قال: القولان في أنها أثبت في رأس كل سورة للفصل، أو لكونها قرآنا، فأحد القولين، أنها للفصل.
والثاني: تكون قرآنا في رأس كل سورة.
وعند أبي حنيفة هي ليست من القرآن إلا في سورة النمل، فإنها تكون نصف آية منها، ولا خلاف في أنه لا يكفر جاحدها، لأن التكفير نتيجة الإجماع، ولا يظهر الخلاف مع أبي حنيفة في وجوب قراءتها في الصلاة، لأن عند أبي حنيفة قراءة الفاتحة لا تجب في الصلاة، وإنما يظهر الخلاف معه في الجهر، فعندنا يجهر بالتسمية، لأنها من الفاتحة، وعند أبي حنيفة لا يجهر بها بل يسر، وظهر الخلاف مع مالك في وجوب القراءة، فإنه يقول: قراءة الفاتحة واجبة، والتسمية ليست من الفاتحة، ثم إثبات التسمية طريقة طريق القطع، أو طريق الحكم؟ فعلى وجهين: أحدهما: طريقه طريق القطع،، فعلى هذا لا يجوز إثباته بأخبار الآحاد، بل بإجماع الصحابة على كتابتها بين السورتين بعلم القرآن وخبره وخطه في مواضع كثيرة، ولو لم تكن من القرآن لما أثبت فيه، ولكانوا يعترضون على مثبتيه فيه، لأنهم كانوا أحوط في دين الله من أن يثبتوا غير القرآن في القرآن على نسق واحد.
والثاني: طريقه طريق الحكم، فعلى هذا يثبت بأخبار الآحاد، وفيه أخبار

الجزء: 2 - الصفحة: 742

منها ما روى العلاء بن عبد الرحمن عبد أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فاتحة الكتاب سبع آيات إحداهن، بسم الله الرحمن الرحيم.
وروت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ فاتحة الكتاب، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، وعدها آية، ووافقنا أبو حنيفة في أن الفاتحة سبع آيات إلا أنه يجعل الآية السابعة من قوله، (غير المغضوب) إلى آخرها، وعندها من قوله: (صراط الذين) إلى آخرها، وما قاله غير صحيح؛ لأنه قوله: (غير) كلمة استنثاء، ولا يبتديء بها الآية، إلا أن توجد كلمة الاستثناء في أول الآية كقوله تعالى: (إلا آل لوط)، وغيره موجود في القرآن.
فإن قيل: لو كان هذا من القرآن لكفر جاحده، قلنا: لو لم يكن من القرآن لكان يكفر مثبتها، وحكى القفال عن أبي نصر المؤذن أنه قال: اتفق قراء الكوفة على أن التسمية آية من الفاتحة، واتفق قراء المدينة على أنها ليست بآية من الفاتحة، واتفق قراء (المدينة) على أنها ليست بآية من الفاتحة، واتفق فقهاء المدينة على أنها آية من الفاتحة.
فصل: الترتيب في آي الفاتحة يشترط فلو ترك بسم الله الرحمن الرحيم حتى قرأ الفاتحة أو بعضها لم يحسب له ما قرأ حتى يرجع إلى التسمية فيقرؤها، ويستأنف الفاتحة، وجملة ما يلزمه فيها سبعة أشياء: أحدها: أن يعتقد فيها الفرضية، وكون التسمية فيها، والترتيب في آيها،

الجزء: 2 - الصفحة: 743

ومراعاة النظم حتى لو أتي بها بلسان آخر لا يجوز، ويأتي بالموالاة، حتى لو سكت سكوتًا طويلاً لا يعتد به، فيأتي فيها أربعة عشرة تشديدة، وألا يدخل في خلالها ما ليس منها، ولو كرر آية واحدة منها لا يضره، وحد القراءة أن يتلفظ بالحروف ويسمع نفسه، فإن لم يسمع نفسه ففكره، وليست بقراءة فلا يجزيء.
فأما إسماع الغير ليس بشرط في موضع الإسرار بل هو مكروه.
حكى عن أبي إسحاق المروزي أنه قال: ما ناظرت عاميًا إلا وقد غلبني إلا في هذه المسألة، فإنه قال أعرابي بـ (بغداد)، أنت تقول: يقرأ بحيث يسمع نفسه، وأنت تقرأ في الصلاة ولا أسمع قراءتك، فقلت له، أنا قد قلت: يقرأ ويسمع نفسه، ونفسك ليست بنفسي فسكت.
فأما إذا قرأ شيئًا آخر من القرآن في خلال الفاتحة.
قال الشافعي: إن كان متعمدًا انقطع النظم، وعليه أن يستأنف الفاتحة، وإن كان ساهيًا بني ورجع إلى الموضع الذي قطع، هذا إذا قطع ولم يتلفظ بحرفين، فإن تلفظ بحرفين بعد الذكر انقطع النظم، وعليه الاستئناف، ولو سكت في خلال الفاتحة إن كانت سكتة يسيرة للاستراحة لم يضره، وإن طال ذلك انقطع النظم، هذا إذا سكت متعمدًا.
فأما إذا سكت ناسيًا نص الشافعي على أنه إن طال سكوته بني على القراءة، ولو نوي القطع إن جرى مع هذه النية على سرد قراءته لغت نيته، وإن سكت انقطع النظم ويستأنف، لأنه اتصل قطع القراءة بنية القطع فانقطع النظم، نظيره إذا جلس في الركعة الأولى على تقدير أنه في الثانية ليتشهد، ثم تذكر أنه لم يزد على جلسة الاستراحة، ولم يكن أخذ في قراءة التشهد لا يلزمه سجود السهو، وإن كان قد أخذ في قراءة التشهد سجد للسهو، لأنه اتصل به القراءة، فمنعت حملها على جلسة الاستراحة.
ونظيره المودع ينوي استعمال الوديعة والتعدي فيها، فلا يضمن بمجرد النية، فإن نقلها إلى مكان آخر مع النية دخلت في ضمانه قبل الاستعمال؛ لأن فعله

الجزء: 2 - الصفحة: 744

انضم إلى نيته، ولو كا مقتديًا بالإمام، فقرأ إمامه الفاتحة وهو في خلالها، فأمن أو أرتجت القراءة على إمامه، ففتح عليه، ولقنه، أو سجد للتلاوة، فتابعه في السجود، أو قرأ أمامه بآية رحمة فسألها، او آية عذاب فاستعاذ، لم ينقطع به نظم الفاتحة.
ومن أصحابا من قال: انقطع به نظم القراءة، فأما إذا أرتج على غير إمامه فلقنه، أو عطس هو أو غيره فشمته، أو سلم عليه، فقال: وعليه السلام، أو أجاب المؤذن فإنه تبطل قراءته، والفرق أن هذه ليست من مصلحة صلاته بخلاف ما قبله، فإن ذلك من مصلحة صلاته، وهذا ما لو قال: بعتك داري هذه بألف، وارتهنت عبدك هذا منك، فقال: اشتريت ورهنت يجوز، وإن وجد أحد مصراعي عقد الرهن قبل وجوب الثمن؛ لأنه مصلحة العقد، وبمثله لو قال لعبده: كاتبتك على ألف منجم بنجمين، وبعتك عبدي هذا، فقال العبد: قبلت الكتابة والبيع، لم يجز، لأن بيع العبد ليس من مصلحة الكتابة، ولو لحن في الفاتحة إن [كان] لحنًا يحيل المعنى إن تعمده بطلت صلاته، لأنه كلام عمد، وإن كا ساهيًا سجد للسهو، وينقطع به نظم الفاتحة، وإن كان غير قادر على الصواب، فهو الأمي الذي تصح صلاته قبل إمكان التعليم، وإذا مضى زمان إمكان التعليم، ولم يتعلم يعيد ما صلى بعده، ولو كان لحنًا لا يغير المعنى، مثل أن يقول: الهمد لله بدل الحمد، أو خفض مرفوعًا أو منصوبًا مثل أن يقول: اهدنا الصراط المستقيم بالخفض، أو رفع مخفوضًا مثل أن يقول: الرحمن الرحيم لم تبطل صلاته.
فرع لو شك في القيام أنه قرأ الفاتحة أم لا؟ فصبر ساعة وسكت حتى تذكر أنه هل قرأ أم لا؟ جاز، ومثله في الركوع شك أنه هل قرأ الفاتحة أم لا؟ لزمه في الحال أن يعود إلى القيام، وكذا في السجود لو شك أنه هل ركع أم لا؟ عليه

الجزء: 2 - الصفحة: 745

أن يعتدل قائمًا ثم يركع، لأنه هوية إلى السجود كان غلطًا، ولو صبر في السجود ساعة كي يتذكر تبطل صلاته.
والفرق بين القيام والركوع والسجود أن في أحد محتمليه أنه ليس عليه الركوع ولا السجود، وهناك في كل محتمليه، فالقيام عليه واجب، وهو في القيام الواجب يعد حتى لو عاد إلى القيام من السجود، ثم يفكر ساعة لا يضر.
فرع إمام نسي السجدة الأخيرة فقام، والمأموم يسجد ولم يعد، فعلى المأموم في الحال أن يخرج نفسه من متابعته، ويشتغل بالسجود حتى لو سجد، ولم يخرج نفسه من متابعته بطلت صلاته، ولو صبر كي يعود إليه الإمام أيضا تبطل صلاته، لأن الجلسة بين السجدتين ركن مقصود لا يحتمل التطويل.
قال المزني: فإذا قال: ولا الضالين، قال: آمين، فيرفع بها صوته، ليقتدى به من خلفه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أمن الإمام، فأمنوا، وبالدلالة عن رسول الله صلىى الله عليه وسلم، أنه جهر بها، وأمر الإمام بالجهر بها.
قال الشافعي: رحمه الله وليسمع من خلفه أنفسهم.
قال القاضي حسين: قوله: آمين لا يصله بالقراءة، بل يفصله عنها بقدر يسير، لأنه ليس من القرآن، وإنما هو دعاء، ومعناه: اللهم اسمع واستحب وهو مخفف، ويجوز ممدودًا ومقصورًا، ولا يجوز بالتشديد، وهو أول لحن سمع من الحسين بن فضل البلخي لما دخل خراسان.

الجزء: 2 - الصفحة: 746

ثم الإمام يجهر بالتأمين على الصحيح من المذهب لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قال: ولا الضالين، يقول: آمين يرفع بها صوته، وفي المأموم قولان: أحدهما: وهو قوله الجديد أنه يجهر بها.
والثاني: وهو قوله القديم يسر بها، وعند أبي حنيفة يسر بالتأمين الإمام والمأموم، وربما يقولون الإمام لا يؤمن، وإنما يؤمن المأموم ويسر به.
دليلنا: ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أمن الإمام أمنت الملائكة، فأمنوا فمن وافق تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه.
وروى أنه عليه السلام كان إذا قال: ولا الضالين، أمن وأمن الناس، حتى إن للمسجد لضجة أو لرجة أو للجة، وأما المنفرد فيسر به كما بالفاتحة،

الجزء: 2 - الصفحة: 747

قال المزني: ثم يقرأ بعد أم القرآن بسورة.
قال القاضي حسين: فالسنة إذا فرغ من قراءة الفاتحة أن يقرأ سورة، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها.
فلو قرأ السورة قبل الفاتحة لم يحسب.
وقال الشافعي نصًا، أستحب له أن يعيد السورة بعد الفاتحة هذا في الركعتين الأوليين وفي الأخيريين قولان: أحدهما: قرؤها كما في الأوليين.
والثاني: لا؛ لأن مبناهما على التخفيف بخلاف الأوليين هذا كله في المنفرد والإمام، فأما المأموم ما حكم قراءته؟ سنذكره فيما بعد إن شاء الله عز وجل.

الجزء: 2 - الصفحة: 748

فرع فلو قام على إحدى قدميه، قال رضي الله عنه: ينبغي أن يجوز لوجود القيام، ولو طأطأ رأسه قليلا لم يضر؛ لأنه من الخشوع والخضوع، ولو حنى ظهره بحيث بلغ هيئة الراكعين، أو قربًا منها لم يجزه، لأنه ليس بقائم في هذه الحالة.
قال المزني: فإذا فرغ منها، وأراد أن يركع، ابتدأ التكبير قائمًا، فكان فيه، وهو يهوي راكعًا، ويرفع يديه حذو منكبيه، حين يبتديء التكبير، ويضع راحتيه على ركبتيه، ويفرق بين أصابعه، ويمد ظهره وعنقه، ولا يختفض عنقه عن ظهره، ولا يهوي راكعًا، ويرفع يديه حذو منكبيه، حي يبتديء التكبير، ويضع راحتيه على ركبتيه، ويفرق بين أصابعه، ويمد ظهره وعنقه، ولا يخفض عنقه عن ظهره، ولا يرفعه ويكون مستويًا ويجافي مرفقيه عن جنبيه، ويقول إذا ركع: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وذلك أدنى الكمال.
قال القاضي حسين: الركوع ركن في الصلاة،، وإذا ركع فالسنة أن يكبر وكذلك في كل انتقال من ركن إلى ركن، وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يكبر في كل خفض ورفع، ثم السنة أن يمد التكبير إلى أن يهوي إلى الركوع أو يجزمها جزمًا فعلى قولين:

الجزء: 2 - الصفحة: 749

أحدهما: وهو قوله الحديث، وهو الأظهر يمده إلى أن يهوي إلى الركوع حتى لا يخلو جزء من أجزاء الصلاة عن الذكر.

الجزء: 2 - الصفحة: 750

والثاني: وهو قوله القديم يجزم التكبير جزمًا لقوله عليه السلام: التكبير جزم، والتسليم جزم.
ويرفع يديه مع التكبير، وقال أبو حنيفة: لا يسن رفع اليدين في الصلاة إلا عند الافتتاح، لنا ما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في ثلاثة مواضع: إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ويهوي بحيث لو أراد أن يضع يديه على ركبتيه لنالت يداه ركبتيه، هذا هو الواجب، ولا يجب وضع اليدين على الركبتين، بل هي سنة، ويفرق بين أصابعه ويجافي مرفقيه عن جنبيه، روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع يجافي مرفقيه عن جنبيه، بحيث لو لم يكن عليه ثوب ترى عفرة إبطيه، ويسوى بين ظهره وعنقه، لا يخفض عنقه ورأسه عن ظهره، ولا يرفعها.
روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع يسوى ظهره وعنقه، وبحيث لو وضع قدح ماء على ظهره ما انصب، أو قال: لم ينصب.
والطمأنينة ركن في الركوع، وذلك أن يبقى لحظة بعد هويه إلى حال، تنال يداه ركبتيه، خلافاً لأبي حنيفة لنا حديث الأعرابي الذي أساء الصلاة، روى أن أعرابيًا دخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فصلى وأساء الصلاة، ثم جاء وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد الجواب، ثم قال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع فصلى ثم عاد وسلم عليه، فرد عليه الجواب، ثم قال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فقال الأعرابي: لا أحسن غير هذا، فعلمني ما يجزيني، فقال عليه السلام: توضأ كما أمرك الله، ثم استقبل القبلة، ثم قل: الله أكبر،

الجزء: 2 - الصفحة: 751

ثم اقرأ ما معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع رأسك حتى تعتدل جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل كذلك في كل ركعة.
فالشافعي رحمه الله جعل حديث الأعرابي، وحديث أبي حميد الساعدي حين وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه إمامًا في الصلاة، ثم السنة أن يسبح الله تعالى في الركوع، ويقول: سبحان ربي العظيم.
وروى أنه لما نزل قوله تعالى: (فسبح باسم ربك العظيم) قال عليه السلام: (اجعلوها في ركوعهم)، ولما نزل قوله تعالى/ (سبح اسم ربك الأعلى)، قال عليه السلام: (اجعلوها في سجودكم).
وروى أنه قال عليه السلام: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فإنه قمن أن يستجاب لكم)، ثم السنة أن يسبح ثلاثًا.
قال الشافعي: ويقول: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وذلك أدني الكمال، ولم يرد به أنه لا يجزئ أقل من الثلاث، لأنه لو سبح مرة أو مرتين، كان آتيا بسنة التسبيح، وإنما أراد أن أول الكمال هو الثلاث.

الجزء: 2 - الصفحة: 752

قال عليه السلام: (إذا ركع أحدكم فليقل: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وذلك أدناه، وإذا سجد فليقل، سبحان ربي الأعلى ثلاثًا وذلك أدناه)، أراد به أدنى الكمال، وأول الكمال، ولو سبح خمسًا أو سبعًا أو تسعًا أو أحد عشر كان أفضل وأكمل، غير انه إذا كان إماما فالسنة ألا يزيد على الثلاث مراعاة لمن خلفه، وقد ورد في الخبر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال في ركوعه اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت، أنت ربي، خشع سمعي وبصري وعظامي وعصبي وشعري وبشري، وما استقلت به قدمي لله رب العالمين.
ويستحب أن يجمع بينهما للمنفرد دون الإمام، ولو أراد الاختصار اقتصر على الأول، ولو قال: سبحان ربي العظيم وبحمده فحسن، ويروى ذلك في الأخبار ومعناه الحمد لله على ما وفقني للتسبيح أو معناه أحمده مع تسبيحي له، وتسبيحات الركوع والسجود غير واجبة عندنا، والأخبار محمولة على بيان الكمال، والمستحب عن أحمد بن حنبل رحمه الله هي واجبة، واحتج بأنه ركن في الصلاة، فوجب أن يكون فيه ذكر مشروع كالقيام.
دليلنا: حديث الأعرابي الذي أساء الصلاة، فعلمه عليه السلام ما يجزيه،

الجزء: 2 - الصفحة: 753

ولم يأمره بالتسبيحات، وليس كالقيام، لأنه ينقسم إلى العادة والعبادة، فاحتاج فيه إلى ذكر لامتياز العادة عن العبادة، بخلاف الركوع، والسجود، فإنه عبادة محضة، ولا تشترك فيه العادة، لأنه لا يجوز السجود للمخلوقين.
روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو جاز لمخلوق أن يسجد لمخلوق، لجاز للمرأة أن تسجد لزوجها).
وروى أن أعرابيًا، أتي النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إني آمنت بك فأرني علامة أزداد بها إيمانا، فقال له النبي عليه السلام: اذهب إلى تلك الشجرة، وقل لها: إن النبي صلى الله عليه وسلم يدعوك.
فذهب إليها وأدى الرسالة، فجعلت الشجرة تتحرك يمنة ويسرة حتى انقلعت من الأرض، وجعلت تجر الأرض حتى أتت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: عليه السلام للاعرابي، قل لها: ارجعي إلى مكانك، فقال: فرجعت إلى مكانها، وثبتت كما كانت، قال: فجاء الأعرابي، وقال ائذن لي رحمك الله حتى أقبل رأسك فإذن له: فقبل رأسه، ثم قال: ائذن لي حتى أقبل يدك فأذن له، فقبل يده، ثم قال: ائذن لي حتى أسجد لك، فقال عليه السلام: لو أذنت لمخلوق أن يسجد لمخلوق، لأذنت للمرأة أن تسجد لزوجها.

الجزء: 2 - الصفحة: 754

فرع لو نسي تسبيحات الركوع والسجود حتى اعتدل قائمًا لم يجز له أن يعود إلى الركوع لأجلها، لأنه فرض، والتسبيحات سنة، ولا يجوز قطع الفرض بسبب السنة، كما لو قرأ آية السجدة فهوى ليسجد، فلما بلغ حد الركوع، توقف راكعًا لا يقع ذلك عن الركوع، لأن هويه كان نفلا والركوع فرض، فلو عاد إن كان عالمًا بطلت صلاته، لأنه زاد ركوعا، ولو كان ناسيًا لم تبطل، وعليه سجود السهو، ولو أدركه مسبوق في هذه الحالة لا يصير مدركًا للركعة، لأن هذا الركوع غير محسوب له، ولو ادرك الركعة الخامسة التي قام الإمام ساهيًا إليها، فصلاها معه حسب له ركعة.
والفرق أن هناك يأتي بالركعة فحسب له فعله وفيما نحن فيه هذا فعل إمامه، وفعل الإمام غير محسوب للمأموم فلم يكن محسوبًا له.
نظيره أن لو أدرك الإمام في الركوع في الركعة الخامسة لا يصير به مدركًا للركعة، وإنما يدرك المسبوق الركعة إذا هوى في الكوع، واجتمع مع إمامه في الحالة التي لو أراد كل واحد منهما أن يضع يديه على ركبتيه لنالت يداه ركبتيه فإن كان هو في الهوى، والإمام في الارتفاع لم يصر مدركًا للركعة، لأنه لم يدركه في الركوع.
قال المزني: وإذا أراد ان يرفع، ابتدأ قوله مع الرفع: (سمع الله لمن حمده) ويرفع يديه حذو منكبيه، فإذا استوى قائمًا قال أيضًا: (ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد) ويقولها من خلفه، وروى هذا القول عن النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هوى ليسجد، ابتدأ التكبير قائمًا، ثم هوى مع ابتدائه، حتى يكون انقضاء تكبيره مع سجوده، فأول ما يقع منه على الأرض ركبتاه، ثم يداه، ثم جبهته وأنفه، ويكون على أصابع رجليه، ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى: ثلاثًا، وذلك أدنى الكمال، ويجافي مرفقيه عن جنبيه،

الجزء: 2 - الصفحة: 755

حتى إن لم يكن عليه ما يستره، رئيت عفرة إبطيه، ويفرج بين رجليه، ويقل بطنه عن فخذيه، ويوجه أصابعه نحو القبلة.
قال القاضي حسين: إذا فرغ من الركوع واعتدل قائمًا وهما ركنان عندنا، وقال أبو حنيفة: الاعتدال ليس بركن، ثم اختلفوا فيه.
فمنهم من قال: يهوي من الركوع إلى السجود فيجوز.
ومنهم من قال: يرفع رأسه من الركوع، بحيث يكون أقرب إلى القيام منه إلى الركوع.
دليلنا: حيث الأعرابي الذي أساء الصلاة، وتبتدأ مع الرفع.
قوله: سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه حذو منكبيه، وإذا استوى قائمًا يقول: ربنا لك الحمد، إمامًا كان أو مأمومًا أو منفردًا.
ومعنى قوله: سمع الله لمن حمده، أي: قبل الله حمد من حمده.
وقال أبو حنيفة: الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، والمأموم يقول: ربنا لك الحمد، ويجمع المنفرد بينهما، واحتج بأنه دعاء وسؤال من الله تعالى قبول الحمد، فينوب فيه الإمام عن المأموم، ولو كان كما قال لوجب أن يبدأ المأموم بقوله: ربنا لك الحمد، ثم الإمام يقول: سمع الله لمن حمده.
دليلنا: ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: سمع الله لمن حمده وإذا قال: ربنا لك الحمد، فتلك بتلك.
وروى عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع، قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد.

الجزء: 2 - الصفحة: 756

وفي بعض الروايات: ملء السموات والأرض وما بينهما.
وفي رواية: أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد.
وروى حق ما قال العبد، كلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
منهم من قال: لا يفع ذا النسب في الدنيا نسبه في الآخرة.
ومنهم من قال: معناه لا ينفع ذا الحظ في الدنيا، حظه في العقبي.
وقيل: الجد منك، الجد بالخفض، والأصح أنه بالنصب على التفسير الذي ذكرنا.
ويروى: أهل الثناء والمجد، على جهة النداء.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: سمع الله لمن حمده حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فقال عليه السلام: رأيت عدة من الملائكة يكتبون ما قلت.
وفي رواية يبتدرون بالثواب، يعني بكتب الثواب.
فرع لو أن رجلا في الاعتدال، تذكر أنه ترك الركوع، أو شك، هل تركه؟ عاد إلى الركوع، فلو ثبت على حالته، ولم يعد لحظة، بطلت صلاته،

الجزء: 2 - الصفحة: 757

ولو أطال القيام في الاعتدال بطلت صلاته، لأنها قومة قصيرة، فلا يجوز أن يمدها.
قوله: فإذا هوي ليسجد ابتداء التكبير قائمًا.
الركن بعد الاعتدال قائمًا في الركوع، هو السجد فيهوي إلى السجود مكبرًا، وهل يمد التكبير إلى أن يهوي إلى السجود، أو يجزمه جزمًا فعلى قولين كما ذكرنا، ولا يرفع اليدين، وأول ما يقع منه على الأرض ركبتاه ثم يداه ثم جبهته وأنفه.
وقال أبو حنيفة: أول ما يقع منه على الأرض ركبتاه ثم يداه، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلى أحدكم فلا يبرك بروك البعير.
دليلنا: ما روى ابن عمر أنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بتقديم الركبتين على اليدين.
وعن مصعب بن سعد، أنه قال: كنا نقدم اليدين على الركبتين، فأمرنا بتقديم الركبتين على اليدين، ولأن الركبتين أول معاطف من الأرض، فوضعهما على الأرض أولا أحسن من أن يتهافت على الأرض.
وقوله عليه السلام: فلا يبرك بروك البعير، حجتنا، فإن البعير يبدأ بوضع اليدين، إلا أن ركبتيه في يديه، ويجب وضع الجبهة على الأرض عندنا.
وقال أبو حنيفة: لا يجب وضعها على الأرض، ولو وضع الأنف جاز.
وقال أبو يوسف: إن كان بجبهته علة، وضع الأنف على الأرض، وإلا وضعها على الأرض، وعندنا إذا كان بجبهته علة يدنيها من الأرض، ولا يجزيه وضع الأنف على الأرض.

الجزء: 2 - الصفحة: 758

دليلنا: ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرباح مولى ابن عباس: مكن جبهتك من الأرض، ولو كان به صداع، لا يمكنه أن يضع جبهته على الأرض، ولكن لو وضع وسادة، يمكنه أن يضع جبهته عليه، ولا يخرج بوضع جبهته عليه من حد السجود يجب عليه وضع الوسادة، وهل يجب وضع اليدين على الأرض؟ فعلى قولين: أحدهما: يجب كالجبهة، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أمرت أن أسجد على سبعة اعضاء، وفي رواية: على سبعة أعظم، وفي رواية: على سبعة آراب، اليدان، والركبتان، والقدمان، والجبهة، وأمرت ألا أكف شعرًا ولا ثوبًا، وفي رواية لا أكفت شعرا ولا ثوبًا.
ومعناه: لا يضم الرجل شعره في الصلاة ولا ثوبه.
والقول الثاني: لا يجب لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رباح أمر بوضع الجبهة، وخص الجبهة بالذكر.

الجزء: 2 - الصفحة: 759

فأما وضع الركبتين على الأرض، مرتب على وضع اليدين، وها هنا أولى بألا يجب، لأنه أبعد عن المسجد، وكذا وضع القدمين، مرتب على وضع الركبتين.
وإن قلنا: وضع هذه الأعضاء على الأرض، لا يجب، فلا كلام.
وإن قلنا: يجب، فهل يجب كشفها؟ أما الركبتان، فلا يجب كشفهما، ولا يجوز لقربهما من العورة، والقدمان كذلك، لاستتارهما غالبًا، وفي اليدين قولان: أحدهما: لا يجب كشفهما لأنهما يكونان مستورتين في الغالب.
والثاني: يجب، روى عن خباب بن الأرت، أنه قال: شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا، فلم يشكنا، أي لم يزل شكوانا، ولم يرخص لنا فيه.
وعلى المذهب لا خلاف في أنه يجب كشفه الجبهة، وأن يمس مسجده بجبهته، ولو سجد على كور العمامة لا يجوز، وكذلك ما يرتفع بإرتفاعه وينخفض بانخفاضه، لا يجوز أن يسجد عليه، مثل أن يسجد على ذيله، أو ثوبه، أو على طرف عمامة طرفها الآخر في رأسه، سواء كان يتحرك أو لا يتحرك أو كان قد عصب رأسه بعصابة أو كان أغمر يستر الشعر جبهته، فلا يجزيه حتى يلصق الجبهة بالأرض، ويباشرها بها.

الجزء: 2 - الصفحة: 760

وقال أبو حنيفة: إذا سجد على كور العمامة أو كمه، أو ذيله جاز.
ودليلنا حديث خباب بن الأرت، ونقيس على ما لو سجد على كفه إلا أنهم يقولون: لو وضع الكف على الأرض وسجد عليها، جاز وإنما لا يجوز إذا رفعها وسجد عليها، هذا إذا لم يكن بعض جبهته مكشوفًا.
فأما إذا كان بعض جبهته مكشوفًا، بحيث إذا وضع ذلك القدر على الأرض كان من جملة الساجدين جاز، لأنه لا يجب وضع جميع الجبهة على الأرض، بل يجب وضع القدر الذي يدخل به في حد الساجدين، وإنما يدخل في حد الساجدين أن يتحامل على الأرض بثقل ظهره ورأسه، ووضع الجبهة عليها، فلو سجد على مكان رخو، مثل أن يسجد على القطن والحشيش إن تحامل عليه، بحيث يلاصقه، أجزأه وإلا فلا، لأنه ليس بوضع وإنما هو مس ولو سجد على ظهر إنسان، أو مكان آخر مرتفع، فإن كان الارتفاع قليلاـ، بحيث أنه يعرف ساجدًا لا يضره، وإلا فلا يجوز له والحد فيه ينبغي أن يكون أعالي بدنه

الجزء: 2 - الصفحة: 761

دون أسافل بدنه في حال السجود؛ لأن حد السجود أن يعتمد بجبهته على مسجده، متحاملا عليه بثقل عنقه ورأسه وأن يكون أسفل بدنه عاليا، ولو سجد على مكان رخو، ولم يتحامل عليه، أو سجد على كفاه لا يحتسب سجوده.
فلو رفع رأسه وأتى بسجدتين، نظر إن كان عالمًا بأنه لا يجوز ذلك، وفعله متعمدًا، قال: ينبغي أن تبطل صلاته، ولو كان جاهلا بذلك لا تبطل صلاته، ولو سجد على مكان خشن، بحيث يجرح جبهته، فرفع رأسه عنه ووضعه مكان آخر، تبطل صلاته، وإن تزحف من ذلك الموضع إلى موضع آخر، لا تبطل صلاته، ولو وضوع جبينه على الأرض، قال رضي الله عنه: لا يجوز، لأن الجبهة لا تنطلق عليه، وإنما هو أمر بوضع الجبهة على الأرض.
فرع لو أنه رأى في خلال الصلاة ورقة ملتصقة بجبهته، وتيقن أنها لم تكن حال الشروع في الصلاة، يأخذ بأسوأ الأحوال، وهو أنها التصقت بجبهته في السجود الأول، فيجزيه السجود الأول، لأنه يسجد على ورقة على الأرض، وعليه إعادة ما بعده، لأنه لم يماس المسجد بالجبهة، بل سجد على متصل به.
قال القاضي رضي الله عنه: إذا شعر بها لا يخلو إما أن يكون بعد هو في الصلاة أو بعد السلام، فإن كان قد سلم عن الصلاة، فرأى في جبهته ورقة، إن لم يضع على الأرض بعد السلام، إن كان الفصل قريبًا، يبنى على صلاته، كما ذكرنا، وإن طال الفصل حكمه حكم ما لو شاء أنه ترك ركنًا من أركان الصلاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 762

وفيه قولان: في الجديد يستأنف الصلاة، كذا ها هنا يعيد الصلاة.
وفي القديم: الأمثل صحة الصلاة، كذا ها هنا لاحتمال أنه التصق بجبهته في السجدة الأخيرة، وبقيت صلاته على الصحة والسداد، وإن كان يسجد هو بعد الفراغ من الصلاة سجدة التلاوة، أو وضع جبهته على الأرض، لا شيء عليه كما لو صلى، ثم بعد الفراغ منه رأي على ثوبه نجاسة لا يؤمر بقضاء الصلاة، لاحتمال أن النجاسة أصابته بعد الفراغ من الصلاة، كذا ها هنا طال الفصل أو لم يطل.
فرع ولو هوى من القيام، فخر على الأرض، وسقط على خده.
قال الشافعي رحمه الله: إن وضع الجبهة على الأرض بنية الاعتماد لم يحسب عن سجوده، والسنة أن يجافي مرفقيه عن جنبيه، بحيث لو لم تكن سترة، ترى عفرة إبطيه، روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وعفرة الإبطين، سوادهما، إلا إنه يكني عنه بالعفرة، كما يقال للحبشي، أبو البيضاء، ويقل بطنه عن فخذيه.
روى أنه عليه السلام كان إذا سجد خوى.
والتخوية: إقلال البطن عن الفخذين، ويسجد على أصابع رجليه، فيتصبهما، ويفرج بين رجليه، بحيث لو أرادت شاة أن تنفذ بينهما لنفذت.

الجزء: 2 - الصفحة: 763

وقوله: ويوجه أصابعه نحو القبلة.
قال القاضي حسين: قيل: إنه من زيادات المزني، لأنه إذا وجهها نحو القبلة، لا يمكنه أن ينصبها، ويسجد عليها.
ويسبح لله تعالى، في السجود، كما قلنا في الركوع، ويقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثا، وذلك أدني الكمال.
وروى أنه عليه السلام قال في سجوده، اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته فتبارك الله أحسن الخالقين عملت سوءا، وظلمت نفسي، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
فلو جمع بينهما، فحسن، ولو اقتصر على أحدهما، فعلى الأول اولى.
وروت عائشة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سجوده، في ليلة البراءة: سجد لك خيالي وسوادي، وآمن بك فؤادي، وهذه يداي التي جنيت بهما على نفسي يا عظيم يا رجاء كل عظيم، اغفر لي الذنب العظيم، فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا الرب الكريم ثم رفع رأسه وسجد ثانيًا، وقال فيه: (أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، أقول ما قال أخي داود: أغفر وجهي في التراب لسيدي وحق لسيدي أن تعفر له الوجوه، فلو قال غيره في صلاته، هذا، أقول ما قال أخي داود بطلتـ، لأنه خطاب آدمي، والرسول عليه السلام لعله لم يكن في الصلاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 764

ولو شك في سجوده، هل ركع أم لا؟ عاد إلى الركوع فإن لم يعد بطلت صلاته.
قال المزني: ثم يرفع مكبرًا كذلك، حتى يعتدل جالسًا على رجله اليسرى، وينصب رجله اليمني، ويسجد سجدة أخرى كذلك، فإذا استوى قاعدًا، نهض معتمدًا على الأرض بيديه حتى يعتدل قائمًا، ولا يرفع يديه في السجود، ولا في القيام من السجود.
قال المزني: إذا فرغ من السجود الأول رفع رأسه من السجود، وجلس حتى يعتدل جالسًا، والجلسة بين السجدتين ركن عندنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 765

وقال أبو حنيفة: ليست بركن، ثم اختلفوا.
فمنهم من قال: يرفع رأسه، بحيث يمر حد السيف بين جبهته، وبين الأرض.
ومنهم من قال: يرفع رأسه، بحيث يكون أقرب إلى الجلوس منه إلى السجود، ثم يفترش في هذه الجلسة عندنا.
والافتراض أن يبسط رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمني، ولو أطال هذه الجلسة بطلت صلاته؛ لأنها جلسة خفيفة، فلا يجوز مدها، فالشافعي لم يذكر دعاء الجلوس بين السجدتين، وقد روى على رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في جلوسه بين السجدتين، اللهم اغفر لي وعافني وارزقني واجبري.
وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم اغفر لي، وارحمني واهدني، وعافني وارزقني، ثم يسجد سجدة أخرى مثل الأولى، ثم يرفع رأسه ويجلس للاستراحة جلسة خفيفة، ثم يعتمد بيديه على الأرض حتى يستوي قائمًا، كذا نقل المزني.
وفيه قول آخر أنه لا تسن جلسة الاستراحة، وبه قال أبو حنيفة، والمذهب هو الأول رواه أبو حميد الساعدي.

الجزء: 2 - الصفحة: 766

وعن ابن عباس أنه قال: كان سجود النبي صلى الله عليه وسلم وجلوسه بين السجدتين قريبًا من السواء، ويفترش أيضا في هذه الجلسة.

الجزء: 2 - الصفحة: 767

ومتى يبتديء تكبيرة الانتقال؟ فأوجه: أحدها: يبتديه مع رفع الرأس من السجود، ويمتده إلى أن يقوم حتى لا يخلو جزء من الذكر.
والثاني: يبتديه من الرفع، ثم يقوم غير مكبر.
والثالث: يرفع غير مكبر، ثم يقوم مكبرًا، وللشافعي رحمه الله، ما يدل عليه في صلاة العيدين، لأنه قال: ويكبر في الركعة الأولى سبعًا سوى تكبيرة الافتتاح، وفي الركعة الثانية خمسًا سوى تكبيرة القيام من الجلوس، أضاف التكبير إلى القيام، ومن قال بالأولين أول نص الشافعي، وقال: إنما أضاف إلى القيام لقربه من الجلوس،، ولا خلاف في انه لا يكبر تكبيرتين: تكبيرة القيام، وتكبيرة للرفع، ولا تسن جلسة الاستراحة في سجود التلاوة، بخلاف سجود الأصل.

الجزء: 2 - الصفحة: 768

قال المزني: ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك، ويجلس في الثانية، على الرجل اليسرى، وينصب اليمني، ويبسط يده اليسرى، على فخذه اليسرى.
قال القاضي حسين: الركعة الثانية كالأولى، إلا أنه لا يجب فيها تجديد التحريمة والنية، وبل يشمل عليها النية الأولى، ولا يسن التعوذ على أحد الوجهين، وهذا النص يدل على أنه يسن التعوذ في الركعة الثانية، كما في الأولى، ولا يسن فيها دعاء الاستفتاح، ويقرأ فيها مثل قراءته في الأولى لا تغاير بينهما في قدر ما يقرأ، بل يسوى بينهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 769

فصل ويجلس في الثانية على رجله اليسرى.
إذا كانت الصلاة ذات أربعة أو ثلاثة كالمغرب، تشهد في الثانية، وهو سنة عندنا.
وقال أحمد: التشهد الأول وجب كالأخير، ووافقنا في أنه إن تركه ساهيًا، لا يمنع الاحتساب بالصلاة.
دليلنا: ما روى عن عبد الله بن بحينة، أنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي الظهر أو العصر: فسبحنا فلم يعد، فلما كان في آخر صلاته انتظرنا تسليمه فسجد سجدتين ثم سلم.
ولأنه لو كان ركنًا، لكان تركه ساهيًا يمنع الاحتساب كسائر الأركان.
والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، هل يسن في التشهد الأول، فعلى قولين، وهو الجديد: يسن، قال الله تعالى: ورفعنا لك ذكرك.
قيل: معناه: لا أذكر إلا وتذكر معي.
والثاني: وهو القديم، لا يسن، ولو ترك هذا التشهد إن كان ساهيًا سجد للسهو، وإن كان عامدًا فعلى وجهين:

الجزء: 2 - الصفحة: 770

أحدهما: لا يسجد، لأنه سجود مضاف إلى السهو، يلقب به، ولا سهو.
والثاني: يسجد؛ لأنه لما سجد للسهو، فلما تعمد أولى، وإذا ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقلنا: إنه يسن على قوله الجديد، فحكمه حكم التشهد في سجود السهو، والصلاة على آل النبي عليه السلام، على القول الذي يقول: تسن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هل تسن أم لا؟ يحتمل وجهين بناء على وجهين الوجوب في التشهد الأخير في الصلاة على الآل، فلو قام إلى الثالثة، فترك التشهد الأول إن كان قد اعتدل قائمًا لم يعد وإن عاد عالمًا بطلت صلاته، لأن القيام فرض، والتشهد سنة فلا يجوز قطع الفرض بالسنة.
وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: يعود، لأن عنده التشهد الأول واجب كالثاني وإن لم يعتدل قائمًا إن كان أقرب إلى الأرض بأن لم تنتصب ساقاه عاد، وليس عليه سجود السهو، وإن انتصب ساقاه يعود وسجد للسهو، ويفترش في هذه الجلسة عندنا، ولو أطال التشهد الأول يكره، روى ان عليه السلام كان يقوم من التشهد الأول كأنه على الرضف.
قال رضي الله عنه: ويجب أن تبطل صلاته؛ لأنها جلسة خفيفة، كالجلسة بين السجدتين، ويحتمل ألا تبطل، لأنه محل الدعاء.
قال المزني: ويضع (أصابع يده) اليمنى على فخذه اليمني، إلا المسبحة، يشير بها متشهدًا.
قال المزني: ينوي بالمسبحة الإخلاص لله عز وجل.
قال القاضي حسين: إذا جلس للتشهد يبسط أصابع يده اليسرى على فخذه

الجزء: 2 - الصفحة: 771

اليسرى، ويضع يده اليمني على فخذه اليمني، وماذا يفعل بالأصابع؟ فيه أقوال: أحدهما: يقبض الحنصر والبنصر والوسطى، ويرسل السبابة، وماذا يفعل بالإيهام؟ على هذا القول فوجهان: أحدهما: يضجعها على وسطاه.
والثاني: على بطن الكف بجنب الأصابع الثلاثة.
وقيل: إنه يقبضه، كأنه عاد ثلاثة وعشرين في وجه، وفي وجه: كأنه عاد ثلاثة وخمسين.
والقول الثاني: يقبض الخنصر والبنصر، ويرسل السبابة، ويحلق الإبهام والوسطى، وإذا بلغ قوله: (إلا الله)، في الشهادة بالوحدانية يشير بالسبابة، وينوي الإخلاص لله تعالى.
وهل يحرك المسبحة؟ فوجهان: ولا يشير بإصبعين، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا في الصلاة يشير بأصبعين فقال: إلهين اثنين، أحد أحد.
أي: أشر بإصبع واحدة، وإما يشير إذا بلغ قول: لا إله دون قوله: لا إله.
قال المزني: فإذا فرغ من التشهد، قام مكبرًا معتمدًا على الأرض بيديه؛ حتى يعتدل قائمًا، ثم يصلي الركعتين الأخريين (مثل ذلك)، يقرأ فيهما بأم القرآن، سرًا.
قال القاضي حسين: إذا أتى بالتشهد الأول في صلاة ذات تشهدين، قام إلى الركعة الثالثة، معتمدا بيديه على الأرض، حتى يعتدل قائمًا، ويصلي الركعتين الآخريين، مثل الأوليين، يقرأ فيهما بأم القرآن.
وقال أبو حنيفة: لا تجب القراءة في الأخريين

الجزء: 2 - الصفحة: 772

وحقيقة مذهبه أنه يوجب القراءة في الركعتين من الأربعة، إما في الأولين، أو في الآخريين.
لنا أن نقول: قيام واجب، فكانت القراءة فيه واجبة، كالأوليين، ويتصور على أصله أربع ركعات، لم تكن فيها قراءة مسبوق بركعتين، والإمام قد قرأ في الأوليين، وما قرأ في الآخريين عنده جاز.
ثم المسبوق إذا قام، وقضى ما فاته، من الركعتين، وما قرأ فيهما؟ قال: جاز؛ لأنه وصل صلاته بصلاة قد وجد فيها قراءة.
وقال سفيا رحمه الله: يسبح في الأخريين، ولا يقرأ ولا يجهر بالقراءة في الأخريين؛ لأن مبني الأخريين على التخفيف.
وفي قراءة السورة قولان: وعند أبي حنيفة، لا يقرأ السورة السورة بناء على أصله.
قال المزني: فإذا قعد في الرابعة، أماط رجليه جميعًا، وأخرجهما جميعًا عن وركه اليمني، وأفضى بمقعده إلى الأرض، وأضجع اليسرى، ونصب اليمني، ووجه أصابعها إلى القبلة، وبسط كفه اليسرى على فخذه اليسرى، ووضع كفه اليمني على فخذه اليمني، وقبض أصابعها إلا المسبحة، وأشار بها متشهدًا.
قال القاضي حسين: إذا فرغ من الركعتين الأخريين قعد للتشهد، والقعود للتشهد ركن، وقراءة التشهد ركن.

الجزء: 2 - الصفحة: 773

وقال أبو حنيفة: قراءة التشهد ليس بركن، وإنما هو مسنون.
دليلنا ما روى عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما كان يعلمنا السورة من القرآن، التحيات المباركات.
وأراد بالسورة فاتحة الكتاب، كذا فسروه.
وعن ابن عباس أنه قال: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد، السلام علي الله، السلام على جبريل وميكائيل، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا التحيات المباركات، ... إلى آخره.
دل على أنه واجب، ولأنه ركن تشترك فيه العادة والعبادة، وفوجب أن يكون فيه ذكر شروط، كالقيام وليس كالتشهد الأول، لأن القعود، فيه ليس بركن.
ويتروك في التشهد الأخير، وصورته: أن يميط رجليه ويخرجهما عن وركه اليمني، ويفضي بمقعدته إلى الأرض، ويضع اليسرى وينصب اليمني، ويوجه أصابعهما إلى القبلة.
قال أصحابنا: والجلسان في الصلاة أربع: يفترش في ثلاث منها، وهي الجلسة بين السجدتين، وجلسة الاستراحة، وفي التشهد الأول ويتورك في الرابعة، وهي الجلسة في التشهد الأخير.
وكان الشيخ، رحمه الله، يقول وهو الصحيح: كل جلسة لا يسلم عنها يفترض فيها، وكل جلسة يسلم عنها يتورك فيها إلا في مسألة واحدة، وهو إذا

الجزء: 2 - الصفحة: 774

كان مسبوقًا، ويكون خليفة للإمام، فيتورك في التشهد الأخير، ولو كان على المستخلف سهو يسجد سجدتين حينئذ، والقوم يخرجون أنفسهم من صلاته، ويسلمون، ويقوم هو، ويصلي بقية صلاته.
وعند القفال: خليفة الإمام يراعي نظم صلاة الإمام، ألا ترى أنه يقنت في صلاة الصبح إذا كان مسبوقًا بركعة، وفي صلاة العشاء إذا كان مسبوقًا بركعتين يترك الجهر ويسر؟ وعنده- رضي الله عنه - يجلس مفترشًا، لأنه يريد أن يقوم، والقنوت والجهر خلاف ظاهر وهذا خفي.
وأما المسبوق بركعة إذا جلس متابعة للإمام في تشهده الأخير يفترش فيها، وإذا كان عليه سجود يفترش في التشهد الأخير، لأنه يريد السجود، وألا يسلم عنه.
وعند أبي حنيفة: يفترش في التشهدين.
وعند مالك: يتورك فيهما.
وما قلناه أولى؛ لأنه إذا غاير بين الجلستين أمن الخطأ والنسيان، ويستدل المسبوق بها على بقية الصلاة في التشهد الأول يريد القيام، ولأن الافتراش أقرب إلى القيام فيتفرش ليكون القيام أسهل عليه.
قال المزني: ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويذكر الله، ويمجده، ويدعو قدرًا أقل من التشهد، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ويخفف على من خلفه.
قال القاضي حسين: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة.
وقال أبو حنيفة: لا تجب، دليلنا ما روى أنه قال عليه السلام، من صلى

الجزء: 2 - الصفحة: 775

ركعة، ولم يصل على فيها فلا صلاة له، ولأن ما شرع فيه ذكر الله تعالى فرضًا، شرع فيه ذكر الرسول عليه السلام، كالإيمان والأذان، فأما الصلاة على الآل، فعلى وجهين: أحدهما: تجب كالصلاة على النبي.
والثاني: لا تجب، وإنما تخص هو بالصلاة لعظم حرمته.

الجزء: 2 - الصفحة: 776

ثم يذكر الله ويمجده، ويدعو بما شاء من أمر دينه ودنياه، ولا يختص الدعاء بما ورد به الشرع، حتى لو قال: اللهم ارزقني دارًا قوراء، وجارية حوراءـ وسأل ما شاء أن يسأل جاز، لكنه لا يجوز بالفارسية.
وقال أبو حنيفة: إنما يدعو دعاء ورد به الشرع، فأما لم يرد به الشرع من الأدعية لا يجوز في الصلاة الفريضة، وما يجوز من الدعاء سنده بالعربية يجوز بالفارسية.
ثم إذا كان إمامًا السنة أن يقتصر على الدعاء تخفيفًا على من خلفه، ولا يزيد على قدر أقل التشهد، والصلاة على النبي عليه السلام.
قال المزني: ويفعلون مثل فعله إلا أنه إذا أسر، قرأ من خلفه، وإذا جهر، لم يقرأ من خلفه.
قال المزني، رحمه الله، قد روى أصحابنا عن الشافعي أنه قال: يقرأ من خلفه وإن جهر بأم القرآن.
قال: محمد بن عاصم، وإبراهيم يقولان: سمعنا الربيع، يقول: قال الشافعي: يقرأ خلف الإمام، جهر أو لم يجهر، بأم القرآن.
قال محمد: وسمعت الربيع، يقول: قال الشافعي: ومن أحسن، أقل من سبع آيات من القرآن، فأم أو صلى منفردًا، ردد بعض الآي، حتى يقرأ به سبع آيات فإن لم يفعل لم أر عليه، يعني إعادة.
قال الشافعي: وإن كان وحده، لم أكره أن يطيل ذكر الله، وتمجيده، والدعاء، رجاء الإجابة.

الجزء: 2 - الصفحة: 777

قال القاضي حسين: قد ذكرنا حكم المنفرد في الصلاة فأما المصلي بالجماعة لا خلاف في أنه يجب عليه الإتيان بأركان الصلاة كما كان على المنفرد إلا القراءة، فإنه إن كانت صلاة جهر يتحملها الإمام عنه فيما روى المزني في ثلاثة مواضع: ها هنا، وفي صلاة الجمعة، وفي العيدين أن المأموم لا يقرأ إذا كان الإمام يجهر بالقراءة.
وهذا كله منقول عن القديم وهو مذهب مالك.
فأما مذهبه الجديد: أنه يجب عليه القراءة، كما روى أصحابنا عن الشافعي رحمه الله قال القاضي رضي الله عنه: يمكن حمل هذه النصوص علي مذهبه الجديد، ويجعل في الجديد في وجوب القراءة على المأموم قولين.
وروى أصحابنا عن الشافعي: أنها تجب عليه في الجهر والسر، وحيث قال: لا تجب في صلاة الجهر حكى مذهب مالك.
وعند أبي حنيفة: لا تجب القراءة خلف الإمام، وربما قالوا: تكره قراءته، وربما قالوا: لو قرأ يخرج عن فضيلة الجماعة.
والغلاة منهم يقولون: تبطل صلاته.
لنا: ما روى عن عبادة بن الصامت أنه قال: صلينا العشاء خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ واحد منها سورة والشمس، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني لأقول: مالي أنازع القرآ، إذا كنتم خلفي، فلا تقرءوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأها.

الجزء: 2 - الصفحة: 778

وإليه ذهب معظم الصحابة.
أوردها أبو زيد المروزي عن نيف وعشرين، منهم: عمر، وعثمان وعلي ومعاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وعمران بن حصين، وجابر بن عبد الله، وحذيفة وأبو سعيد الخدري والعبادلة ابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، وابن عمرو بن العاص، وابن المغفل، وابو الدرداء، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت وعائشة، وبي بن كعب.
والمعنى فيه أنه ركن في الصلاة، فلا تسقط عنه بمتابعة الإمام، كسائر الأركان، دليل كونه ركنًا أنه لا يسقط عنه بالسهو حتى لو تركه ساهيًا لم يحتسب بصلاته، ولأنه لا يخلو إما أن تسقط عنه القراءة للاقتداء، أو لتحمل الإمام عنه بطل أن يقال: إنه سقط بالاقتداء، لأن الاقتداء إنما يؤثر اكتساب الفضيلة، دون إسقاط الفرائض، وإلى هذا أشار صاحب الشرع عليه السلام، حيث قال: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة.
فلم يجعل للجماعة أثرًا، إلا في اكتساب الفضيلة بها، وبطل أن يقال يحملها الإمام عنه؛ لأن أصل الصلاة لا تجزي فيها التحمل، فكذا أركانها، ولأن سائر الأركان لا يجزي فيها التحمل، فكذلك هذا الركن الواحد.

الجزء: 2 - الصفحة: 779

وأيضا للإمام يجب عليه القراءة، فلو كان يتحملها عن المأموم لم يجز له الاقتصار على القراءة مرة واحدة، لأن الشيء الواحد لا يتأدى به حقان، كما لو ضمن ألفا عن إنسان لواحد، وله عليه ألف أخرى، فبالألف الواحد لا يتأدى الألفان، ألف الأصل وألف الضمان.
قالوا: الإمام يتحمل عنه بدليل المسبوق.
قلنا: كيف يتحمل عنه قراءة لم تلزمه تلك القراءة ونستسلمهم.
فنقول: هل تسلمون لنا أن القيام واجب عليه؟ فإن سلموا مكنوا من ثغرة النحر، لأن القيام لا يغني لعينه، وإنما يغني للقراءة بدليل أنه يتعذر بالقراءة، فلولا أن وجوبه لمكان القراءة لما تقدر بها.
فنقول: من وجب عليه قيام القراءة وجبت عليه القراءة كالمنفرد.
فإن قيل: أليس أن القيام واجب على المأموم بقدر قراءة السورة التي يقرؤها الإمام، ثم السورة غير واجبة عليه، ولا يستدل بوجوب القيام على وجوب القراءة؟ قلنا: لا يلزم، ولأنا قلنا: من لزمه القيام بقدر القراءة لزمه القراءة، وثم يكون لأجل المتابعة، لا لأجل القراءة.
وإن منعوا وقالوا: لا تجب القراءة، فمحال؛ إذ لو لم تجب لجاز القعود، وإن ارتكنوا وقالوا: يجوز القعود.
فنقول: القادر على القيام لا يجوز له القعود في صلاة الفرض، كالمنفرد غير أنهم يقولون: القيام ساقط عنه، وإنما وجب الإتيان به متابعة لإمامه، كما يلزمه متابعته في سجود السهو، وسجود التلاوة، وإن لم يجب واحد منهما عليه.
وهم يقولون: القراءة مما تسقط عن المأموم بإمامه، كما في المسبوق.
قلنا: هناك القيام ساقط عن المسبوق، فتسقط القراءة، بخلاف ما نحن فيه، وما يجب عليه من القيام ذاك قيام التكبير دون القراءة.

الجزء: 2 - الصفحة: 780

غير أنهم يقولون: عندنا قيام القراءة بقدر أن تقول: ثم نظر ... ، والفجر، وذلك القدر يحصل ضرورة.
ومن أصحابنا من قال: لا نقول بالتحمل، لكنه سقط عن المسبوق، لأن إمامه أتى به، فإن قالوا: عليه لو لم يتحمله عنه لا يلزمه القراءة إذا بان إمامه جنبًا، أو كان قد نسي القراءة.
قلنا: إنما تسقط القراءة عنه، إذا أتى بها إمامه، فيحسب له فعله.
وفي المسألتين لم توجد القراءة من الإمام.
الجواب الصحيح: أن المسبوق تسقط القراءة عنه بالضرورة ترغيبًا له في الجماعة وحثًا على حضورها، لأنه غاب عن أول الصلاة.
فلو قلنا: إذا فاتته القراءة لا يدرك الركعة، أدى إلى أن يرغبوا عن حضور الجماعات، فحكمنا بإدراكها إذا أدرك معظمها، فهو في الحقيقة منزوع من الأصول، مخصوص من القياس، فلا يقاس عليه غيره.
التفريع على القولين: إن قلنا: تجب القراءة على المأموم في صلاة الجهر، فلا كلام.
وإن قلنا: لا تجب فلو كان بعيدًا عن الإمام لا يبلغه صوته، ففي وجوب القراءة عليه وجهان: أحدهما: تجب؛ لأن صفة الصلاة جهر.
والثاني: لا؛ لأنه ليس يبلغه قراءة الإمام، كما لو كان صلاة سر، وهكذا لو كان أخرس، فيه وجهان، وهما كالوجهين في وجوب الإنصات، إذا كان بعيدا عن الإمام لا يسمع الخطبة، ولو جهر في السر، أو أسر في الجهر فوجهان: أحدهما: تعتبر صفة الصلاة، دون فعل الإمام، وهو الأظهر.
والثاني: يعتبر وصفه قراءته، ولو قرأ قبل الإمام.

الجزء: 2 - الصفحة: 781

من أصحابنا من قال: لا تحتسب عن قراءته قياسًا على سائر الأركان سبق فيها إمامه، فعلى هذا لا تبطل به الصلاة في ظاهر المذهب.
وعلى طريقة أبي يحيى البلخي: تبطل؛ لأن عنده لو كرر الفاتحة، بطلت صلاته.
وظاهر المذهب أنه يحسب عن القراءة، لكنه يكره بخلاف سائر الأركان.
والفرق أنه ركن قولي، فلا تظهر فيه المخالفة، ولا تتفاحش، بخلاف الأركان الفعلية، فإن المخالفة فيها تتفاحش.
فرع إذا أدرك الإمام راكعًا، فركع معه صار مدركًا للركعة، وليس عليه إعادة الركعة.
وحكى الداركي عن أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وهو قول أبي هريرة: أنه يعيد الركعة.
روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أدرك الإمام راكعًا فليركع معه وليعد الركعة، ولأنه فاته قيام الركعة والقراءة، فصار كما لو أدركه بعد الركوع.
والأصح أنه يصير مدركًا للركعة، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة، وبه قال جماعة من الصحابة.

الجزء: 2 - الصفحة: 782

فرع والسنة أن يقرأ في سكتة الإمام، فإن المستحب أن يسكت الإمام بين قراءة الفاتحة والسورة.
روى عن أبي هريرة أنه قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سكتتان؛ إحداهما قبل القراءة وإنما عنى بها دعاء الاستفتاح، والأخرى بعد القراءة.
فقيل له: ما تقول في سكتتيك يا رسول الله؟ فقال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما بعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الذنوب كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني بالماء والبرد والثلج.
ولو قرأ مع الإمام فجائز.
فأما السورة قال أصحابنا: لا يقرؤها المأموم في صلاة الجهر.
وفي السر وجهان: أحدهما: يقرؤها كالفاتحة.
والثاني: لا، كما في الجهر، لأنه في السنن، فيتحملها الإمام عنه، كسجود السهو.
قال رضي الله عنه: والذي عندي أن المأموم يقرأ السورة في الجهر والسر.
وهذا التفصيل لا يوجد للشافعي، وإنما قاله أصحابنا ليستقيم لهم تأويل قوله عليه السلام: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة.

الجزء: 2 - الصفحة: 783

والشافعي رحمه الله لم يشتغل بتأويله، لأن لم يصح عنده، فإن رواية جعفر الجعفي وهو مردود عند أهل الحديث.
هذا في الركعتين الأوليين.
أما في الأخريين إن كانت الصلاة جهرًا.
إن قلنا: إنه يقرأ السورة في الأوليين يقرؤها في الأخريين، وإلا ففيه وجهان.
والفرق أنه يستغل باستماع قراءة الإمام في الأوليين دون الآخريين.
وإن كانت الصلاة سرًا: إن قلنا: لا يقرأ في الأوليين ففي الأخريين أولى، وإلا فوجهان.
والفرق أن مبناها على التحفيف، بخلاف الأوليين، والله أعلم.
قوله: وإن كان وحده لم أكره أن يطيل ذكر الله وتمجيده.
قال القاضي حسين: روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلى أحدكم وحده فليطل ما شاء، وإذا صلى بالناس فليخفف.
وروى أنه عليه السلام، كان أخف الناس صلاة للناس، وأطولهم صلاة لنفسه.
وعن أنس قال: ما صليت خلف أحد أخف صلاة، ولا أتم من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 784

وينبغي ألا يزيد دعاء التشهد الأخير على مجموع التشهد، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
قال عليه السلام في الدعاء في التشهد الأخير: «فليتحرَّ أحدكم من الدعاء أعجبه إليه».
قال المزني: ثم يُسَلِّم عن يمينه «السلام عليكم، ورحمة الله»، ثم عن شماله «السلام عليكم، ورحمة الله».
حتى يرى خداه.
قال القاضي حسين: التسليم ركن في الصلاة عندنا.
وقال أبو حنيفة: ليست من الصلاة، ولا يتعين السلام، بل إذا فعل فعلا يضاد الصلاة، ويبطل في خلالها مختارًا، تمت به الصلاة مثل أن يقعد قدر التشهد، ثم يحدث متعمدًا، أو يمشي أو يأكل، أو يقذف محصنة، فلو أحدث ناسيًا، قالوا: لا تتم صلاته، بل يخرج ويتوضأ، ولو ضرط، أو يفسو مختارًا تتم صلاته.
ووافقنا في المبطل للصلاة إذا وقع من غير اختياره أنه لا تتم به الصلاة، مثل طلوع الفجر، وانقضاء مدة المسح، وخرق الخف، وانقطاع دم المستحاضة، ورؤية الماء في حق المتيمم، والعاري إذا وجد الكسوة، والموميء إذا قدر،

الجزء: 2 - الصفحة: 785

والأمي إذا تعلم شيئًا من القرآن، دليلنا قوله عليه السلام: «مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم».
والواجب في السلام أن يقول: السلام عليكم.
وأما قوله ورحمة الله فهو سنة، وكذا التسليمة الأخرى سنة.
وقال في الجديد: ويسلم تسليمتين: إحداهما عن يمينه، والأخرى عن يساره.
وقال في القديم: يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه.
وقال في رواية الربيع: إن كان المسجد كبيرًا، وفي الناس كثرة يسلم تسليمتين، وإن كان صغيرًا فتسليمة واحدة تلقاء وجهه.
والصحيح هو الأول.

الجزء: 2 - الصفحة: 786

ولو قال: سلام عليكم، من غير الألف واللام لم يتحلل عن الصلاة، نص الشافعي رحمه الله على أنه إذا نقص حرفًا منه تبطل به صلاته.
ولو قال: سلام عليكم، وزاد التنوين، ونقص الألف واللام، فيه وجهان: أحدهما: يقوم التنوين مقامه، فيقع به التحلل.
والثاني: لا.
فلو قال: سلام عليكم من غير التنوي مرتب على المنون.
إن قلنا: لا يخرج به عن الصلاة، فها هنا أولى، وإلا فوجهان: أحدهما: يخرج به عن الصلاة كذلك، لأن إسقاط التنوين لا يغير معناه.
فهو كما لو قال منونًا.
ولو قال: عليكم السلام، فالمذهب أنه يتحلل به عن الصلاة.
وقال ابن سريج: لا يتحلل به عن الصلاة، بخلاف قوله: الأكبر الله لا تنعقد به الصلاة.
والفرق أن قول القائل: عليكم السلام يعرف تسليمًا في العرف، والمعهود بخلاف قوله: الأكبر الله، فإنه لا يعرف تكبيرًا في العرف والعادة.

الجزء: 2 - الصفحة: 787

ولو قال: عليكما السلام، فيه وجهان: أحدهما: لا يخرج به عن الصلاة، لأنه غير السلام.
والثاني: بلى، لأنه أتي بحروف السلام، وزاد فيه ألفا.
وكما قلنا في هذه المواضع، لا يخرج به عن الصلاة إن تعمد بذلك بطلت صلاته، وإلا فيسلم ثانيًا، ويسجد سجدتي السهو قبل السلام.
ولو قال: وعليه السلام، أو عليهم السلام لا يخرج به عن الصلاة، ولكن لو تعمده لا تبطل صلاته، لأنه ليس فيه خطاب مع الحاضرين، بل دعاء محض.
ولو قال: سلامي عليكم، لا يتحلل به عن الصلاة.
وكذا لو قال: سلام الله عليكم، بل يجب عليه أن يعمم السلام، ويقول: السلام عليكم.
والمستحب أن يقوم المسبوق لقضاء الفوائت، بعد أن يسلم الإمام تسليمتين، ولو سلم تسليمة واحدة جاز له أن يقوم، وقبله لا يقوم، فإن قام، وهو عالم بالحال بطلت صلاته.
وهل تجب نية الخروج من الصلاة.
الصحيح أنه لا يجب، لأن نية الصلاة تشتمل على السلام، كما في سائر الأركان، ولأن الخروج يتعين على الإنسان فيه، لاستحالة أن يخرج عن غير ما شرع فيه، فإذا أطلق السلام تعين للصلاة، وعند الشروع وجبت النية، لامتياز العادة عن العبادة.
وقال صاحب التلخيص، تجب نية الخروج من الصلاة، لأن السلام أحد طرفي الصلاة، فيفتقر إلى النية كالتحريمة.

الجزء: 2 - الصفحة: 788

فإن قلنا: نية الخروج واجبة، فينوي عند السلام، فلو نوي قبله بطلت صلاته.
وإذا سلم عن يمينه، وهو إمام أو منفرد ينوي الخروج على هذا المذهب، والسلام على من على يمينه من الملائكة، ومسلمي الجن والإنس.
وإذا سلم عن يساره، فلا ينوي الخروج، لأنه تحلل عنها بالأولى، لكنه ينوي السلام على من على يساره من الملائكة، ومسلمي الجن والإنس.
فأما المأموم إن كان على يمين الإمام، فإذا سلم الإمام عن يمينه سلم، وينوي الخروج من الصلاة، والرد على الإمام، والسلام على من على يمينه من الملائكة، ومسلمي الجن والإنس.
وإذا سلم عن يساره لم تجب نية الخروج من الصلاة، وإنما ينوي السلام علي من على يساره، ومن على يسار الإمام المستحب له ألا يسلم إذا سلم الإمام عن يمينه حتى يسلم عن يساره ليمكنه الرد عليه إذا سلم عن يمينه.
ومن خلف الإمام يستوي في حقه اليمين واليسار، فإن شاء سلم إذا سلم الإمام عن يمينه، وإن شاء سلم إذا سلم الإمام عن يساره، وإنما ينوي الرد عليه إذا سلم عن اليمين، لأن التيامن مستحب في كل شيء، وينوي الخروج والسلام على الملائكة والمسلمين كما ذكرنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 789

فرع لو نوى الخروج عن غير ما هو فيه، إن كان عامدًا بطلت صلاته، سواء شرطنا نية الخروج عليه أو لم نشترطها لأنه أبطل ما هو فيه بنية الخروج عن غيره، وإن كان ساهيًا إن قلنا بظاهر المذهب: إنها غير واجبة صح السلام، إن أوجبناها سجد سجدتي السهو، وسلم ثانيًا.
ولو سلم المأموم مقارنًأ مع الإمام ما حكمه.؟ إن قلنا: نية الخروج من الصلاة شرط، فلا يجوز كتكبير الافتتاح، لما كانت النية فيه شرطًا، فالمأموم يكبر للافتتاح بعد فراغ الإمام من (راء) التكبير.
وإن قلنا: نية الخروج عن الصلاة ليست بشرط فإذا سلم مع الإمام مقارنًا لم يضر، لأنه ركن كسائر الأركان، وفي سائر الأركان لو قارن المأموم فيه جاز، كذا هذا مثله.
ولو سلم قبل الإمام إن لم ينو الخروج منها، فقد أبطل صلاته، إن كان عامدًا، وإن نوى الخروج من الصلاة، فحكمه حكم ما لو أخرج نفسه من متابعة الإمام، وهو غير معذور فيه.
وفيه قولان.
قوله: حتى يرى خديه.
قال القاضي حسين: قيل: يراد به أنه يرى أحد خديه في التسليمة الأولى من جانب اليمين، والأخرى في الثانية من جانب اليسار.
وقيل: أراد به: يرى خديه من كل جانب.
قال المزني: فلا يثبت ساعة يسلم إلا أن يكون معه نساء، فيثبت، لينصرفن قبل الرجال، وينصرف حيث شاء عن يمينه وشماله.
قال القاضي حسين: لم يرد به القفز ووثوب الفصيل، وإنما أراد الإسراع في القيام.

الجزء: 2 - الصفحة: 790

قال عليه السلام: وإذا صلى إمامكم ولو يقم فانخسوه، وإنما ذلك، لأن الأولى للقوم ألا يقوم حتى يقوم الإمام، فكأن السنة ألا يثبت الإمام مكانه، ليتفرغ قلب القوم، فينصرفون إلى منازلهم، ولأنه إذا قام عن مكان الصلاة يستدل من بعد منه به على تحلله من الصلاة، ويستدل المسبوق بذلك، فلا يغتر بكونه في الصلاة.
هذا إذا كان خلفه الرجال دون النساء.
فإن كان خلفه نساء ورجال، فالمستحب أن يثبت على مكانه بقدر ما ينصرف فيه النساء، لأنه لو قام قام الرجال واختلطوا بالنساء.
ثم إن كانت الصلاة مما يتنقل بعدها كالمغرب والعشاء والظهر يتأخر عن مكان صلاته إن أراد فعلها في المسجد، وروى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والأولى نقل النفل إلى البيت.
قال عليه السلام: افضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة.
وأيضا قال عليه السلام: اجعلوا شيئا من صلاتكم في البيت، لا تتخذوها مقابر.
وإن كانت صلاة لا تنفل بعدها، كالصبح والعصر، فإن أراد المقام في المسجد ساعة يستند إلى المحراب.

الجزء: 2 - الصفحة: 791

ثم من أصحابنا من قال: ينصرف إلى جانب اليسار، ويستند إلى يمين المحراب.
وبه قال أبو حنيفة، والصحيح أنه ينصرف إن شاء الله عن جانب اليمين، وإن شاء عن جانب اليسار، لأنه ربما يكون معه مأموم واحد على يمينه، فإذا ولي وجهه عليه كان أحسن من أن يولي قفاه عليه.
وإذا كان المأموم على يساره له أن ينصرف إلى جانب اليمين، لأنه ضيع حقه بالوقوف على اليسار.
وإن كان خلفه استوى في حقه الجهتان.
وإن أراد الخروج من المسجد انصرف إلى جهة حاجته، أي جهة كانت والحاجة مثل أن يكون الظل في جناب، أو كان له شغل يريد أن يسلك ذات اليسار.
وإن لم يكن له حاجة انصرف إلى جانب اليمين ليحوز فضيلة التيامن، كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في كل شيء، حتى في طهوره إذا تطهر، ونتعاله إذا انتعل، وفي شأنه كله.
قال المزني: ويقرأ بين كل سورتين بسم الله الرحمن الرحيم، فعله ابن عمر قال القاضي حسين: من أصحابنا من قال: إنما أجب عن قوله: البسملة آية من كل سورة.
ومنهم من قال على القولين يقرؤها بين كل سورتين، لأنا وإن قلنا: إنها ليست بآية منها فيسحب قراءتها.
روى عن ابن عمر: أنه كان يقرؤها بين كل سورتين.
وعن ابن عباس: من ترك بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية من كتاب الله تعالى.

الجزء: 2 - الصفحة: 792

قال المزني: وإن كانت الصلاة ظهرًا، أو عصرًا، أسر بالقراءة في جميعها، وإن كانت عشاء الآخرة أو مغربًا، جهر في الأوليين منهما، وأسر في باقيهما، وإن كانت صبحًا، جهر فيها كلها.
قال القاضي حسين: فرائض الصلاة مقسمة إلى ما يجهر فيها، وإلى ما يسر فيها.
فأما التي يجهر فيها: الصبح وركعتان من المغرب والعشاء.
وأما التي يسر فيها: فالظهر والعصر، والركعة الثالثة من المغرب، والركعتان الأخريان من العشاء الآخرة.
وعقد الباب فيه أن كلا صلاة يفعلها بالليل يجهر فيها بالقراءة، وكل صلاة يفعلها بالنهار إن كان لها نظير بالليل يسر فيها بالقراءة، كالظهر والعصر، وإن لم يكن لها نظير بالليل جهر فيها بالقراءة، كالصبح والجمعة والعيدين.
فأما خسوف الشمس، فيسر فيها، لأن لها نظيرًا بالليل، وهو خسوف القمر لأنه خسوف أحد النيرين.
وصلاة الاستسقاء يجهر فيها بالقراءة، لأنها لا تؤدي ليلا: إذ السنة أن يصليها والقوم صيام وذاك في النهار.
وصلاة الجنازة يسر فيها بالقراءة بالنهار وبالليل فوجهان: أحدهما: يجهر فيها بالقراءة لأنها صلاة مفعولة بالليل.
والثاني: يسر فيها بالقراءة؛ لأنها قومة شرعت فيها الفاتحة دون السورة كالأخرس في العشاء أو الثالثة في المغرب.
ولو صلى التطوع بالليل، فالسنة ألا يخفض صوته، ولا يرفع أيضًا، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف ليلة على أبي بكر، فكان هو يصلي، ويقرأ في صلاته سرًا، وعمر كان يصلي ويقرأ جهرا، وبلال كان يقرأ آية في موضع، وآية في موضع آخر، فلما كان من الغد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، لأبي بكر:

الجزء: 2 - الصفحة: 793

ماذا صنعت البارحة؟ فقال: كنت أناجي الرب، فقال عليه السلام: ارفع صوتك قليلا، وقال لعمر ماذا صنعت البارحة؟ فقال: كنت أوقظ الأهل والجيران، فقال: اخفظ من صوتك قليلا، وقال لبلال: ماذا صنعت البارحة، فقال كنت أضم الطيب إلى الطيب، فقال: اقرأ من موضع واحد.
وإن فاتته صلاة بالليل، فقضاها بالنهار، او بالنهار فقضاها بالليل فوجهان: أحدهما: يعتبر فيه أصل الصلاة في الأداء.
والثاني: يعتبر وقت القضاء.
الوجهان يبنيان على انه إذا قضى صلاة في أيام التشريق، فاتته، في غيرها من الأيام هل يكبر خلفها وفيه قولان: وقال أبو يوسف في خسوف الشمس: يجهر، فنقول: هذه صلاة يؤديها بالنهار، ولها نظير بالليل، فلا يجهر فيها بالقراءة، كالظهر والعصر.
وكان في الابتداء السنة في الصلاة كلها الجهر، إلا أن المشركين كانوا يسبون

الجزء: 2 - الصفحة: 794

القرآن، ومن أنزله إذا سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإسرار في الظهر والعصر، والجهر في المغرب والعشاء والصبح لاشتغالهم في هذه الأوقات بالأكل في منازلهم.
وقال عليه السلام: صلاة النهار عجمًا، أي: لا يجهر فيها بالقراءة، وفي رواية: وصلاة الليل جهرًا إلا أنها ليست بواضحة.
ويدل عليه قوله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا).
قيل: معناه، ولا تجهر في جميع الصلوات ولا تخافت بها، أي: لا تسر في الجميع، وابتغ بين ذلك سبيلا، أي اجهر في البعض وأسر في البعض.
وقيل: معناه: لا تجهر جهرًا بليغًا ولا تخافت بها، أي لا تخفض خفضًا بليغًا وابتغ بين ذلك سبيلا، أي بين الجهر والسر سبيلا، فإن خير الأمور أوساطها، وكان عليه السلام يصلي في الكعبة، ويجهر بالقراءة، والمشركون كانوا يستمعون إلى قراءته، وكان ذلك سبب إسلام بعضهم، منهم عمر بن الخطاب استمع إلى قراءة الرسول عليه السلام، ذات ليلة مستترا بأستار الكعبة، فكان ذلك سبب إسلامه.

الجزء: 2 - الصفحة: 795

وروي أن أبا سفيان وأبا جهل كانا يختفيان بأستار الكعبة ويستمعان إلى قراءته، عليه السلام، فانصرفا ليلا، فالتقيا فصدق كل واحد منهما لصاحبه ما قصده فقالا: إن هذا أمر يضرنا، ويؤدي إلى فساد ديننا، فتعاهدا على ألا يرجعا في الليلة الثانية، فلما كانت الليلة الثانية حدثت نفس كل واحد منهما أن صاحبه عهد ألا يرجع فرجعا، فلما انصرفا التقيا، فقالا: ألسنا كنا عهدنا ألا نرجع، لأن هذا أمر لا يتم إلا بإيماننا، فحلف كل واحد منهما لصاحبه ألا يرجع، فلما كان في الليلة الثالثة حدثت نفس كل واحد منهما أن صاحبه حلف ألا يرجع فرجعا، فلما انصرفا التقيا فقالا: إن هذا أمر لا يتم إلا بأن يلازم كل واحد منا صاحبه، فاتفقا على أن يحضر أو سفيان دار أبي جهل في ليلة، ويلازمه وهو في داره.
وبهذا نجيب عن قول الأعمش حيث قال: إن صلاة الصبح من صلاة الليل، بدليل أنه يجهر فيها بالقراءة.
وعندنا يسن الجهر للمنفرد، وكما يسن للإمام.
وعند أبي حنيفة، لا يسن ذلك للمنفرد.
فنقول: هيئة قراءة الإمام هيئة قراءة المنفرد، كالإسرار في صلاة السر، ولا يلزم رفع الصوت بالتكبير، لأنه للإعلام، والمنفرد ليس يحتاج إلى إعلام أحد.
قال المزني: وإذا رفع رأسه من الركعة الثانية من الصبح، وفرغ من قوله: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، قال، وهو قائم اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت، والجلسة فيها كالجلسة في الرابعة في غيرها.
قال المزني: حدثنا إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن عمرو الغزي، قال حدثنا أبو نعيم، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك، قال: ما

الجزء: 2 - الصفحة: 796

زال النبي صلى الله عليه وسلم يقنت حتى فارق الدنيا، واحتج في القنوت في الصبح بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت قبل قتل أهل بئر معونة، ثم قنت بعد قلتهم في الصلاة سواها، ثم ترك القنوت في سواها، وقنت عمر، وعلي رضي الله عنهما بعد الركعة الآخرة.
قال القاضي حسين: القنوت في صلاة الصبح بعد رفع الرأس من الركوع في الركعة الثانية منه عندنا.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: هي بدعة.
دليلنا ما روى عن ابن سيرين أنه قال: قلت لأنس، رضي الله عنه: هل قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح؟ فقال: نعم، فقلت: قبل الركوع أو بعده، فقال بعده.
وعن أنس أنه قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم، صلاة الغداة، فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا، وصليت خلف أبي بكر صلاة الغداة، فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا، وصليت خلف عمر، فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا.
وعن عثمان أنه قنت قبل الركوع في صلاة الصبح، وإنما كان يقنت قبل الركوع، لأن الناس كانوا لا يبكرون إلى الجماعات، لما كان قد وقع لعمر رضي الله عنه.
ودعاء القنوت ما روى عن الحسن بن علي أنه قال علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني كلمات أقولهن في القنوت:

الجزء: 2 - الصفحة: 797

اللهم اهدني فيمن هديت، ... ، إلى آخره.
وفي بعض الروايات: ولا يعز من عاديت.

الجزء: 2 - الصفحة: 798

وفي بعض الآثار: ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ربنا ونتوب إليك.
فلو بدلها بكلمات أخر جاز؛ لأنه ذكر مسنون فيجوز إبداله بغيره.
ثم لا يخلو إما أن يكون منفردًا، أو إمامًا، أو مأمومًا: فإن كان منفردًا أسر به، وإن كان إمامًا فوجهان: أحدهما: يسر به، فعلى هذا يقرؤه من خلفه.
والثاني: وهو الأصح، يجهر به، فعلى هذا يؤمنون في الكلمات الخمس التي هي دعاء ويقولون: الثلاثة الأخيرة معه، لأنها ثناء أو يسكتون إن شاءوا.
والسنة للإمام ألا يخص نفسه بالدعاء بل يعم، ويقول: اللهم اهدنا .. إلى آخره.
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا خص الإمام نفسه بالدعاء فقد خان.
ولو أبدل دعاء القنوت بغيره لا بأس.
حكى عن محمد بن الحارث أنه كان يقرأ في القنوت، اللهم يسرنا للخير كله ويسره لنا وعافا واعف عنا، وأعذنا من الشر كله، وتب علينا، وآتنا الحكمة، وصل على نبينا محمد وآله.
بخلاف التشهد، فإنه لو أبدله بغيره لم يجز، لأنه ليس من جنسه ما هو مفروض في الصلاة، ومن جنس التشهد ما هو مفروض في الصلاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 799

وعلى هذا نقول أيضًا في الدعاء في الجلسة بين السجدتين: يجب ألا يخص الإمام نفسه.
وهل يسن رفع اليدين في القنوت؟ كان الشيخ القفال: رحمه الله يحكي عن ابي زيد المروزي رحمه الله أنه كان يقول: السنة أن يرفع يديه في دعاء القنوت، ويمسح بها وجهه، لأنه دعاء، وكان رحمه الله يقول: لا يسن عندي رفع اليدين فيه، ولا مسح الوجه بهما، لأنه دعاء في الصلاة، والأدعية المشروعة في الصلاة لا يسن فيها رفع اليدين، كقوله: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات في الشهد.

الجزء: 2 - الصفحة: 800

ولو ترك القنوت حتى ألصق الجبهة بالأرض لم يعد إليه، ثم إن كان ساهيًا سجد للسهو، وإن كان عامدًا، فعلى وجهين، وهذا أصل، وهو أن كل ما تركه سهوًا، يقتضي سجود السهو، فتركه عمدًا هل يقتضيه أم لا؟ فوجهان: فإن عاد إلى القنوت إن كان عالمًا بالتحريم بطلت صلاته، وإن كان جاهلا لم تبطل صلاته.
ولو لم يكن ألصق الجبهة بالأرض، إن كان أقرب إلى القيام، فعاد لم يلزمه سجود السهو.
ولا يسن في القنوت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لأن الصلاة ركن عندنا في الصلاة كالتشهد، فلو أتى به في غير محله لا يجوز كالتشهد.
فرع لو قنت قبل الركوع، كما فعل عثمان هل تبطل صلاته أم لا؟ فعلى وجهين كما لو تشهد قائمًا فيه وجهان.
ولو أطال القنوت بعد الركوع، فمكروه إن جاوز العادة.
قال القاضي رحمه الله: يحتمل أن يقال: تبطل به الصلاة؛ لأنها قومة قصيرة مدها بالذكر الممدود، كالجلسة بين السجدتي والاعتدال في الركوع، ويحتمل الفرق، لأنها محل الدعاء، كما قلنا في التشهد الأول.

الجزء: 2 - الصفحة: 801

وهو رضي الله عنه، في الحكم بإبطال الصلاة إذا طال القنوت والجلوس في التشهد الأول متردد جدًا.
فأما في سائر الصلوات، فلا يسن القنوت إلا في الوتر في النصف الأخير من رمضان بعد بعد الركوع.
وإذا نزل بالمسلمين نازلة، فزاد في دعاء القنوت فحسن، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقع قتل أهل بئر معونة، زاد اللعن في القنوت والدعاء عليهم.
واحتج أبو حنيفة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت شهرًا ثم ترك، فلما أجاب الشافعي رحمه الله بأنه كان يقنت في الصبح في جميع الأوقات فلما وقع قتل بئر معونة، زاد القنوت في جميع الصلوات، وكان عليه السلام قنت

الجزء: 2 - الصفحة: 802

شهرًا، ثم تركه، وكان يقنت بعد ذلك في الصبح بدليل ما روينا من الأخبار وقصة أهل بئر معونة ما روى أن أبا البراء الملقب بملاعب الأسنة أتي النبي عليه السلام بهدايا، وكان وفد وم فقال النبي عليه السلام إنك مشرك وإني لا أقل هدية المشركين، فإن شئت أن أقبلها فأسلم، فقال: أعرض على الإسلام، فعرض عليه الإسلام، فقال: هذا دين حسن، ولكني وفد قومي، فلا أقطع أمرا دونهم، فابعث معي جماعة من أصحابك ليعرضوا عليهم الإسلام حتى يسلموا، وأسلم معهم، فقال عليه السلام، أخاف عليهم نجدًا، فقال: إني جار لهم، يريد خفيرًا لهم، فبعث عليه السلام ستين نفرًا من أصحاب الصفة، كلهم قراء وأمر عليهم المنذر بن عمرو، ولم يكن لواحد منهم فرس إلا له، فركب فرسه فأنعق، فقال عليه السلام: إن المنعق ليموت، فلما بلغوا بئر معونة، كانوا قد استنجدوا بقريش فأنجدهم رعل، وذكوان وعصية، وقتلوهم وألقوهم في بئر معونة، ولم ينقلب منهم إلا رجلان: أحدهما أنصاري، والآخر عمرو بن أمية الضمري كانا قد خرجا في طلب بعير لهما ند، فلما رجعا استقبلتهما جارية، فقالت لهما: أنتما من أصحاب هذا الذي يقال أنه نبي؟ فقالا نعم، فقالت النجاة النجاة، قتل أصحابكم وألقوا في البئر، فقال الأنصاري: أنا لا أرغب عن مصرع صرع فيه المنذر بن عمرو، وقال عمرو، اصبر حتى أركب وأتوارى، فركب البعير وتوارى وسل الأنصارى سيفه، وكبر عليهم وقاتل حتى قتل، فجاء جبريل وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالحال ونزل بهذه الآية، أخبروا إخواننا أن قد لقينا ربنا، فرضي عنا، وأرضانا إن الله كان غفورًا رحيما.
ثم نسخت تلاوتها، فكان عليه السلام بعد هذه النازلة يقنت في جميع الصلوات ويلعنهم ويقول: اللهم العن رعلا وذكوان وعصية وأنج الوليد بن الوليد وعياش وسفيان والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعل سنيهم كسني يوسف.

الجزء: 2 - الصفحة: 803

نزل قوله تعالى (ليس لك من الأمر شيءٌ) فمنع من القنوت عليهم بعد شهر، وإنما ذلك لأنه كان في القبيلة من أسلم وفيهم من قضى الله تعالى له بالإسلام في سابق علمه.
روى أنه أسلم رجل منهم يقال له: الجار، فقيل له: ما كان سبب إسلامك؟ فقال: صعنت في رجل من المسلمين، ونفذته من ظهره، فأخذ قطرة من دمه ورماها نحو السماء، وقال فزت ورب الكعبة، فزت ورب الكعبة، فقلت: كيف فاز، وقد نفذت الطعنة إلى ظهره؟ فقيل: فاز بالشهادة.
فرع: وينبغي أن يكون خشوعًا في الصلاة خاشعًا بقلبه، وبجميع أعضائه، والخشوع بالقلب ألا يتفكر في شيء من أشغال الدنيا، والخشوع بسائر الأعضاء، إن كان في حالة القيام ينظر إلى مسجده، وإن كان في حالة الركوع أن ينظر إلى

الجزء: 2 - الصفحة: 804

ظهر قدميه، وإن كان في حالة السجود أن ينظر إلى أنفه، وإن كان في التشهد أن ينظر إلى فخذيه، والله تعالى أعلم بالصواب.
قال المزني: قال الشافعي رحمه الله: والتشهد أن يقول: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله سلام عليك، أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، يقول: هذا في الجلسة الأولى، وفي آخر صلاته، فإذا تشهد صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
قال حدثنا الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى الكوفي قال: حدثنا أبو نعيم عن خالد بن إلياس، عن المقبري عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتاني جبريل عليه السلام فعلمني الصلاة فقام النبي صلى الله عليه وسلم فكبر بنا، فقرأ بنا: بسم الله الرحمن الرحيم، فجهر بها في كل ركعة.
قال القاضي حسين: الكلام في التشهد المختار وأقل ما يجزيه منه: فأما المختار فتشهد ابن عباس.
قال الشافعي رحمه الله: كنا صبيانا في المكتب ونحن نعلم التحيات لله الزكيات الصلوات الطيبات لله، فلما كبرنا كتبنا الأحاديث.
عن عمر رضي الله عنه أنه كان يعلم الناس على المنبر هذا الذي قلناه، ثم بلغنا وكتبنا الأحاديث.
كتبنا عن ابن عباس أنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن يعني فاتحة الكتاب: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله.

الجزء: 2 - الصفحة: 805

وعند أبي حنيفة: التشهد المختار تشهد ابن مسعود: روى عن عبد الله مسعود أنه قال: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على فلان، وعلى فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، الصلوات الطيبات، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
والدليل على أن المختار ما قاله، وهو الأولى أن ابن عباس من متأخري الصحابة، وأن ابن مسعود من متقدميهم، والمتأخر يقضي على المتقدم، وابن عباس ممن دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، وفيما رواه زيادة المباركات، والأخذ بالزيادة أولى، ويقرب من نظم القرآن من قوله تعالى: (تحية من عند الله مباركة طيبة)، وهم يقولون فيما قلناه زيادة الألف واللام، والإقرار بالعبودية فنقول: التنوين مما يقوم مقامهما على أن السلام في القرآن كله منون من غير الألف، واللام إلا في قوله: والسلام على من اتبع الهدى، وقوله: والسلام على يوم ولدت، وهو اخبار عن قول عيسى.
وأما الإقرار بالعبودية مقابلة التصريح باسم الله تعالى، وأيهما أتى به اجزأه، ولا يستحب الجمع بينهما، فإن خلط أحدهما بالآخر.
قال القاضي رضي الله عنه: يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 806

ولو أبدل التشهد بغيره، وأتى بمعناه لم يجز، لأنه - وإن لم يكن معجزًا - فهو ذكر مفروض متعين كالتكبير، بخلاف القنوت، وإنه سنة، وليس بركن فيجوز فيه الإبدال.
والترتيب شرط في التشهد كما في الفاتحة.
وحكى عن الشافعي قول آخر: أن الترتيب فيه ليس بشرط؛ لأنه ليس بمعجز.
فأما أقل التشهد؛ قال الشافعي رحمه الله: أن يقول: التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله، سلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
وقال ابن سريج: أقل ما يجزيه في التشهد أن يقول: التحيات لله، السلام عليك أيها النبي، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وأشهد أن لا إله الا الله وأن محمدا رسوله.
فالشافعي: رحمه الله اعتبر أقبل ما رود في الأخبار.
وابن سريج اعتبر المعنى، لما وجد الرحمة داخلة في السلام حذفها، ولما وجد قوله: سلام علينا، داخلا في قوله: على عباد الله الصالحين، ويلزمه أن يقول: سلام عليك أيها النبي وعلى عباد الله الصالحين، وأن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، اللهم صل على محمد وآله، ولا يقول: وعلى آله.
وقال الحليمي: ولو حذف الصالحين جاز، لأن مطلق اسم العباد يقع على عباد الله، الصالحين، كقوله، تعالى: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان، ثم ذكر الصلاة على النبي عليه السلام وقد ذكرنا أنها واجبة في التشهد الأخير وفي الأول قولين، وكيفية الصلاة أن يقول: اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم.
فأما قول القائل: وارحم محمدًا، وآل محمد، كما ترحمت على

الجزء: 2 - الصفحة: 807

إبراهيم، أو رحمت، غير مروى في الخبر، ولا تساعده العربية أيضًا، لأنه يقال: رحمه الله، ولا يقال: رحم عليه.
ومن قال: وترحمت فأبعد عن الصواب، لأن الترحم للتكلف، والله تعالى، لا يوصف بالتكلف للرحمة، وتسميته محمدًا صلى الله عليه وسلم واجب، ولا يجوز أن يقال: احمد وغيره، يدل علىه أنه لما نزل قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما.
قال المسلمون: عرفنا السلام عليك يا رسول الله، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم.
واختلفوا في الآل، فمنهم من قال: آله: صحابته وعترته.
ومنهم من قال: آله، الاتقياء من المسلمين.
روى: أنه عليه السلام سئل عن آله، فقال: كل مؤمن تقي.

الجزء: 2 - الصفحة: 808

وروي: «كل من آمن بي إلى يوم القيامة».
قال المزني: ومن ذكر صلاة وهو في أخرى، أتمها، ثم قضى، قال: حدثنا إبراهيم، قال الربيع: أخبرنا الشافعي، قال: التشهد بهما مباح، فمن أخذ بتشهد ابن مسعود، لم يعنف، إلا أن في تشهد ابن عباس زيادة.
قال القاضي حسين: عندنا الترتيب ليس بشرط في قضاء الفوائت بعضها مع البعض، ولا في قضاء الفوائت مع فرائض الأوقات، حتى لو ذكر خمس صلوات له أن يقضيها مرتبًا وغير مرتب.
ولو ذكر صلاة، وقد دخل عليه وقت الفرض، إن كان في الوقت سعة يخير بين أداء فرض الوقت، وبين قضاء الفائتة، غير أن المستحب أن يبدأ بقضاء الفائتة، لأنها استقرت في ذمته، ولو مات قبل فعلها يعصي الله تعالى مذهبًا واحدًا، وفرض الوقت لم يتأكد استقراره، لأنه لو مات قبل فعله لا يقضيه على أحد الوجهين، وإن كان في الوقت ضيق، فيبدأ بفرض الوقت، ثم بقضاء الفائتة حتى لا تفوت صلاة هذا الوقت، وأداء إحدى الصلاتين في الوقت، والأخرى خارج الوقت أحسن من أدائهما خارج الوقت، ولو تذكر صلاة، وهو في أخرى أتم التي هو فيها، ثم يقضي التي ذكرها، ولا فرق عندنا بين أن تدخل الصلوات الفوائت في حد التكرار بأن زاد على صلوات يوم وليلة، أو لم يدخل في حد التكرار، بأن كانت صلوات يوم وليلة أو دونها.
وقال أبو حنيفة: الترتيب شرط في قضاء الفوائت، ما لم تقع في حد التكرار، ولو ترك الترتيب لم يعتد به، إلا أن يتركه ناسيًا، فحينئذ يعتد به.
ووافقنا فيما لو وقع في حد التكرار، أو زادت عليه صلوات يوم وليلة، فلو ذكر صلوات يوم وليلة عنده يقضيها مرتبة، فلو عكسها، وبدأ بالعشاء، فصلاها، ثم المغرب، ثم العصر، وثم الظهر، وثم الصبح، فالصلوات الأربعة لا تصح إلا صلاة الصبح، وإذا دخل اليوم الثاني صحت الصلوات كلها؛ لأنها وقعت في حَدِّ التكرار.

الجزء: 2 - الصفحة: 809

ولو ذكر صلاة، وعليه فرض الوقت، إن كان في الوقت سعة يلزمه عنده أن يبدأ بالفائتة، فلو بدأ بفرض الوقت لم تنعقد.
ووافقنا فيما لو كان في الوقت ضيق أن يبدأ بفرض الوقت.
ولو ذكر صلاة، وهو في أخرى، وفي الوقت سعة أكمل التي هو فيها نفلًا، ثم يقضي الفائتة ثم يعيد الصلاة التي كان فيها لما ذكر الفائتة.
وإذا فاته صلاة الصبح مثلًا، لم ينعقد عنده ظهره، ولا عصره، ولا المغرب والعشاء حتى يدخل حتى يدخل اليوم الثاني، ويفترض عليه صبح اليوم الثاني، فتصح الصلوات التي لم يحكم بصحتها لوقوعها في حد التكرار.
دليلنا على أن لا ترتيب في قضاء الفوائت ما روى عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ذكر صلاةً، وهو في أخرى، فليتم التي هو فيها، ثم ليقض التي ذكرها».
وهم يرون عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ذكر صلاة وهو في أخرى، فليتم التي هو فيها، ثم ليقض التي ذكرها، ثم ليعد التي صلى».
وعندنا: هو محمول على الاستحباب، والمعنى فيه ترتيب يسقط بالنسيان، فلا يستحق أصلًا، كترتيب الشمال على اليمين في الطهارة، فإن قيل: ترتيب مستحق في الأداء، فوجب أن يستحق كترتيب أركان الصلاة بعضها على البعض.
قلنا: الترتيب في الأداء، إنما يستحق لحق الوقت، فإذا فات واجتمع الكل صارَ دَيْنًا في الذمة، وفات الوقت، فيسقط الترتيب كما في الصيام يجب الترتيب في أدائه، فإذا فات يسقط الترتيب.

الجزء: 2 - الصفحة: 810

فرع رجل عليه فوائت لا يدري قدرها وعددها.
كان القفال رحمه الله يقول: يقال له: قدم وهمك، وخذ ما تتيقن فما تيقنت وجوبه في ذمتك، فعليك قضاؤه، وما شككت في وجوبه فلا، بخلاف ما لو شك في فرض أداء لوقت يلزمه فعله، لأن الأصل وجوبه، واشتغال ذمته به، ووقع الشك في سقوطه عن ذمته، وفيما نحن فيه شك في أصل الوجوب فبناء على اليقين.
والطريق فيه أن يقال: إذا كان عليه عدد من الصبح والظهر، هل يتيقن صبحًا او ظهرا واحدا.
فإن قال: نعم قلنا: عليك فعلها، ثم نقول له: هل تتيقن صبحين أو ظهرين.
فإن قال: نعم فنقول عليك فعلها هكذا إلى أن ينتهي إلى حالة يشك فيها، فنطرح عنه المشكوك، ونكلفه أداء اليقين.
قال القاضي حسين رحمه الله: عندي يقال للمصلي: كم تيقنت من فرائض هذه السنة قد أديتها، فالقدر الذي تيقنت سقط عنك، والباقي في ذمتك، لأن الأصل اشتغال ذمتك بالفريضة.
وأما ما قاله القفال يخرج على قوله القديم: إنه لو شك أنه هل ترك ركنا من أركان الصلاة فعلى قوله القديم، الأصل مضية على السلامة.
وفي الجديد: يلزمه الاستئناف؛ لأن الأصل اشتغال ذمته به.
ولو أنه على الشك قضى فائتة، فالذي يرجى فيها من فضل الله تعالى، أن يجبر بها خللا في الفرائض، ويحسبها له نفلاً.
قال: وسمعت بعض أصحاب القاضي أبي عاصم رحمه الله يقول: إنه قضى صلوات عمره كلها مرة، وقد استأنف قضاءها ثانيًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 811

ومن مذاهب أبي حنيفة أن من عليه فوائت، فأراد أن يقضيها ينوي أولى صبح فاته، أو أولى ظهر فاته، ثم بعد ذلك ينوي ما يليه، أو ينوي آخر ظهر أو صبح فاته، ثم بعد ذلك ما ينوي ما يليه، أو ينوي آخر ظهر أو صبح فاته، ثم بعد ذلك ينوي ما يليه، فيحتسب أن ينوي على هذا الوجه، ولو أطلق النية فنوى قضاء فائتة الصبح، أو الظهر جاز.
قال المزني: ولا فرق بين الرجال، والنساء في عمل الصلاة، إلا أن المرأة يستحب لها أن تضم بعضها إلى بعض، وأن تلصق بطنها [في السجود] بفخذيها، كأستر ما يكون، وأحب ذلك لها في الركوع، وفي جميع عمل الصلاة وأن تكثف جلبابها، وتجافيه راكعة وساجدة، لئلا تصفها ثيابها، وأن تخفض صوتها، وإن نابها شيء في صلاتها، صفقت فإنما التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وعلى المرأة، إذا كانت حرة: ان تستتر في صلاتها، حتى لا يظهر منها شيء، إلا وجهها وكفاها، فإن ظهر منها شيء سوى ذلك، أعادت الصلاة، فإن صلت الأمة مكشوفة الرأس، أجزأها.
قوله: (ولا فرق بين الرجال والنساء في عمل الصلاة).
قال القاضي حسين: حكم الرجل والمرأة واحد في الصلاة لا نفارقه، إلا فيما يعود من أعمالها إلى الستر.
وعند صاحب التلخيص: الخصال التي تفارق المرأة الرجل فيها في أمر الصلاة ثنتا عشرة خصلة، فالكل يرجع إلى ما به الستر: فمن ذلك أن المستحب للرجل أن يصلي في المسجد ولها أن تصلي في جوف بيتها، قال عليه السلام: صلاتها في جوف بيتها أفضل من صلاتها في صحن دارها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في صفها.

الجزء: 2 - الصفحة: 812

ومن ذلك أن السنة للرجل الأذان للصلاة، والجهر بالقراءة في صلاة الجهر، ولا يسن لها الأذان ولا الجهر، بل السة ألا تؤذن، وتخفض صوتها في الصلوات كلها.
فإذا قلنا: صوتها عورة أو ليس بعورة؟ ولأصحابنا في صوت المرأة وجهان: أحدهما: هو عورة، لأن السامع يتلذذ به، فعلى هذا لو رفعت صوتها في الصلاة بطلت صلاتها.
والثاني: لا، وهو الأصح؛ لأن العورة مما يشاد ويمس، ويستمتع بها، ولأن النساء يروون الأحاديث من وراء حجاب، ولم ينكر عليهن منكر؛ لأنا وإن لم نجعل صوتها عورة، فنخاف الافتتان لو رفعت صوتها، وهذا كما أنا لا نجعل وجه المرأة عورة، لكن لا يجوز النظر إليها عند خوف الفتنة، والملاح من المرد وجوههم ليس بعورة، ويحرم النظر إليهم عند خوف الفتنة، كما يحرم النظر إلى النساء، ثم لانأمرها بالإسرار كإسرار الرجل في صلاة السر، بل لها أن تجهر أدنى جهر، بحيث تسمع نفسها قليلاً، وإن كان حولها محارمها، فلا بأس أن تسمعهم.
ومن ذلك: أن الرجل في الصلاة يجافي مرفقيه عن جنبيه راكعًا وساجدًا، ويقل بطنه عن فخذيه، ويفرج بين رجليه في السجود، والمرأة تضم بعضها إلى البعض كأستر ما تكون.
ومن ذلك أن الرجل في الصلاة لا يلزمه ان يستر من بدنه إلا ما بين السرة والركبة، وعلى المرأة أن تستر جميع بدنها إلا الوجه والكفين، فلو بدت شعرة منها لم تصح صلاتها.
قال الشافعي رحمه الله: وأن تكنف جلبابها، أي تتخذه صفيقا، غليظ الغزل شديد النسج، بحيث لا يظهر منه لون بدنها، ولا لون ثيابها ومجافيها

الجزء: 2 - الصفحة: 813

في الركوع والسجود، ولا تلصقه، لأنها تجافي عورتها، ويصف هزالها وسمنها، وإذا نابها أمر في الصلاة صفقت.
والتصفيق أن تضرب بطن كفها اليمنى، على ظهر كفها اليسرى، ولا تضرب بطن إحدى الكفين على بطن كفها الأخرى، لأنه يشبه اللهو واللعب.
والرجل إذا نابه أمر في الصلاة يسبح، قال عليه السلام: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، وتمام الحديث ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بين فئتين شجر بينهما، فاستأخر مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل وقت العصر، فأذن بلال فجاء إلى أبي بكر رضي الله عنه وقال: تؤم الناس لأقيم؟ فقال: إن شئت، فأقام بلال وتقدم أبو بكر فدخل النبي عليه السلام المسجد، وجعل يخرق الصفوف، فكانوا يصفقون له، ويضربون أيديهم على أفخاذهم، وأبو بكر لا يلتفف إلى ذلك، فلما أحس بأنهم يطرقون للداخل، فعلم بذلك أنه النبي عليه السلام، لأنهم كانوا لا يطرقون لغيره، فأراد أن يتأخر فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على كتفه، وقال اثبت مكانك، فرفع رأسه نحو السماء، وحمد الله تعالى، حيث جعله أهلا بأن يقتدى به رسوله صلى الله عليه وسلم ثم تاخر فتقدم النبي عليه السلام فجعل أبو بكر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، فلما سلم النبي عليه السلام أقبل عليهم، وقال: أحسنتم هكذا افعلوا، وأراد أن يزيل الخجلة عنهم حيث أقاموا دونه، ولم ينتظروه، ثم قال لأبي بكر، مالك لا تثبت مكانك إذ أمرتك؟ فقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم على رسول الله

الجزء: 2 - الصفحة: 814

صلى الله عليه وسلم ثم قال للقوم: مالي رأيتكم تصفقون؟ إذا نابكم أمر في الصلاة فلتسبحوا، فإنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء.
والله أعلم.
قوله: وعلى المرأة إذا كانت حرة أن تستتر في صلاتها.
قال القاضي حسين: الكلام في هذا الفصل في ستر العورة، وهو واجب في الصلاة، وخارج الصلاة، قال الله تعالى، خذوا زينتكم عند كل مسجد.
وقال عليه السلام: صلاة بعمامة أفضل من سبعين صلاة بغير عمامة.
ثم الكلام فيما هو عورة: أما الرجل، فعورته فما بين السرة والركبة، فعليه أن يستر هذا القدر في الصلاة.
فأما الحرة فجميع بدنها عورة، إلا الوجه والكفين، قال الله تعالى، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، قيل في التفسير: ما ظهر منها: الوجه والكفان.
وفي أخمص قدميها وجهان:

الجزء: 2 - الصفحة: 815

أحدهما: ليس بعورة كالفين.
والثاني: هو عورة لكونه مستورًا في الغالب.
ويعني بالكفين، يديها، من الكوعين إلى رءوس الأصابع.
ومن أصحابنا من قال: ظهور كفيها عورة، والمعنى بالكفين بطون كفيها والأصح هو الأول.
وأما الأمة فلأصحابنا فيما هو عورة منها وجهان: أحدهما: عورتها كعورة الرجل.
والثاني جميع بدنها عورة، إلا ما يبدو منها عند المهنة والفضلة، كالعنق، والساقين والساعدين.
وفي الجملة: رأسها ليست بعورة.
والفرق بين الحرة والأمة أن الأمة تكون مبتذلة في الأسواق لقضاء الأوطار، وإنجاح الطلبات غالبًا، وليس في ذلك إسقاط مروءتها، والحرة تكون مستورة في خدرها، ملازمة لقعر بيتها غالبًا، وفي بروزها وكشف رأسها إسقاط مروءتها، فلو انكشف جزء من عورة الرجل أو المرأة في الصلاة مع القدرة على ستره لم تصح الصلاة عندنا.
وقال أبو حنيفة: العورة عورتان: عورة مغلظة، وعورة مخففة، فالمغلظة كالفرج فيجب ستره عنده، ويعفى عن قدر درهم، وما دونه منه، فأما ما زاد على درهم، فلا يعفى عنه.
والمخففة لجميع البدن، أي بدن المرأة، والفخذين والماكمين من الرجل لا يعفى عن در الربع منه وما فوقه، ويعفى عما دون الربع، ولو استوعب العورة بالستر، وشرع في صلاة، فهبت ريح، وكشفت عن عورته، أو انكشفت بنفسها، فإن سترها في الحال لم يضر الصلاة، وإن مضى زمان، ثم سترها

الجزء: 2 - الصفحة: 816

بطلت صلاته، سواء كان جاهلا بانكشافها أو عالمًا به نظيره نجاسة حافة تقع على المصلى رفضها في الحال صحت صلاته، وإن مضى زمان ثم رفضها بطلت صلاته سواء كان.
عالمًا به أو جاهلاً.
ولو وقعت على مسجده نجاسة يابسة، فإن تنحى عنها وسجد جاز، ولو ستره بثوب آخر جاز، ولو نحاه عنه بكمه تبطل صلاته، ولو أخذ قدا من الأرض ونحاه عن مسجده فيها وجهان ولو أخذ طرفا من مسجده، وزعزعه حتى سقط منه.
الظاهر: أنه لا تبطل صلاته.
ثم الكلام فيما يقع به الستر: أما الثياب الصفيقة التي يستر العورة لونها، وخلقتها، إذا سترها صحت صلاته.
وأما الثوب الشفة التي تستر الجسد، والخلقة ولا تستر اللون لا يقع به الستر حتى لو لبس قميصًا شفا مهلهل النسج، أو سراويل بهذه الصفة لم تصح صلاته؛ لأنه يصف ما تحته.
ولو لبس قميصًا شفا، وسراويل تحته إن عقد التكة على المعقد المعتاد لم تصح صلاته؛ لأن فوقه إلى السرة يلي العورة، وإن عقدها على السرة صحت صلاته.
وعلى هذا لو لبس زجاجة إن تصور إن كان يصف لون العورة لم تصح صلاته، وإن سترت العورة لونها وخلقتها صحت صلاته، ولو اقتدى بإمام لبس شفًا مهلهل النسج، إن علم به حالة الإحرام لم تنعقد صلاته، وإن كان جاهلاً به، ثم علم من بعد لا يتابعه، فإن تابعه بطلت صلاته.
ولو طلي على عورته الطين، فوجهان: أحدهما: حصل الستر؛ لأنه ستر اللون، والمصود ستر اللون دون ستر الجسد والخليقة.

الجزء: 2 - الصفحة: 817

والثاني: لا؛ لأنه يتشقق إذا هوى إلى الركوع والسجود، فتظهر منه العورة.
ولو وقف في ماء صاف ترى منه عورته من الجنب والأسفل لم تصح صلاته، وإن كان كدرًا لا ترى عورته من جنبه، فعلى وجهين: أحدهما: يقع به الستر، قاله صاحب التلخيص كما بالطين.
والثاني: لا؛ لأنه لم يتخذ ساترًا، بل احتجب بالماء عن الأبصار، كما لو دخل بيتًا في ليلة ظلماء، وصلى مكشوف العورة لا تصح صلاته.
ولو حفر حفيرًا في الأرض، ووقف فيها وصلى على جنازة جاز.
ولو جمع التراب، وصلى مضطجعًا على الجنب، والتراب ساتر له صحت صلاته، ولو لبس قميصًا إن كان ضيق الجيب لا يرى عورته من وقف بجنبه صحت صلاته، وإن لم يشد الأزرار، وإن كان واسعًا وشد الأزرار، بحيث لا يرى عورته من الأعلى من وقف تحته صحت صلاته وإن كان عورته ترى من الأسفل.
وكذا إذا اتزر بإزار لا ترى عورته من الأعلى، ومن الجنب، ووقف على طرف سطح، بحيث يرى عورته من وقف تحته صحت صلاته.
فإن قيل: ما الفرق بين الملابس للخف إذا ظهر قدماه من الأعلى جاز له المسح، ولو ظهر قدمه من الأسفل لم يجز له المسح؟ قلنا: الفرق أن الخف إنما يتخذ للبس الأسفل في العادة، فاعتبر ستر الأسفل، والقميص إنما يتخذ ليستر الأعلى به، دون الأسفل، فاعتبر ستر الأعلى به، وإن كان جيب القميص واسعًا، والرجل أمرد يرى عورته من وقف بجنبه لم تصح صلاته.
وإن كان صاحب لحية عريضة تستر عورته، وتمنع نفوذ الأبصار، فيها وجهان: أحدهما: يجزيه لوجود الستر.
والثاني: لا؛ لأنه ستر بعضه ببعضه.

الجزء: 2 - الصفحة: 818

ولو كان في إزاره خرق فوضع اليد عليها وسترها باليد، فعلى هذين الوجهين ولو جمعه وأخذه بكفه، فوجه واحد: أنه يجوز.
ولو وضع الغير اليد عليها، وستر الغير باليد، قال رضي الله عنه: حرام عليه ذلك لأنه يمس عورته ولكن تصح صلاته كما لو ستر عورته بالديباج وإن دخل في دن وكان رأسه ضيقًا صحت صلاته على الجنازة منه، وإن كان رأسه واسعا لا يجوز.
وإذا وجد ثوبًا نجسًا، هل يلزمه ستر العورة؟ فعلى وجهين: أحدهما: بلى، كما يلزمه سترها في حق الآدميين.
والثاني: لا؛ لأن الصلاة لا تصح مع النجاسة، والمقصود بهذا الستر جواز الصلاة وفي حق الآدميين المقصود منع الابصار والنجس يمنع الأبصار كالظاهر.
فأما الثياب المتخذة من الإبريسم يجوز للنساء استعمالها، وستر العورة بها، فأما الرجال إن قلنا: يلزمه استعمال النجس، فهذا أولى، وإلافوجهان.
والفرق أن المتخذ من الإبريسم حرم استعماله لما فيه من الريبة، لكنه ظاهر لا ينافي صحة الصلاة، بخلاف النجس، فإنه ينافي صحة الصلاة.
والثوب المغصوب إذا لبسه، وصلى فيه صحت صلاته، وإن عصى بلبسه.
ومن أصحابنا من قال: لا تصح صلاته، وهذا مذهب المعتزلة، وهكذا إذا تيمم بتراب الغير، أو توضأ بماء الغير تصح طهارته، وإن كان عاصيًا بفعل التوضؤ والتيمم بالمغصوب، ولو وقع في أرض الغير لا يجوز له أن يتيمم بترابها، ولا أن يصلي فيها، بل يصلي ماشيًا لحق الوقت، ثم يعيد، ولو صلى فيها صحت صلاته، فإذا دخل عليه وقت الصلاة، وهو في شارع نجس لا يجوز له أن يدخل أرض الغير ليصلي فيها، بل يصلي على المكان النجس لحرمة الوقت، ثم يعيد الصلاة.
قوله: (فإن صلت الأمة مكشوفة الرأس أجزأها) فهو كما قال؛ لأن رأسها

الجزء: 2 - الصفحة: 819

ليس بعورة كما بينا، فلو شرعت في الصلاة مكشوفة الرأس، ثم عتقت لم يجز فيها أن تمضي على صلاتها مكشوفة الرأس، بل يلزمها الستر، فإن كان الساتر قريبًا منها سترت وبنت، وإن كان بعيدًا منها فمشت إليه، وسترت به الرأس بطلت صلاتها في ظاهر المذهب.
وخرج فيه قول آخر: من سبق الحدث تبني على صلاتها، ولو صبرت حتى أتيت بالساتر، فمرتب على ما إذا مشت إليه، إن قلنا هناك: لا تبطل صلاتها فها هنا أولى، وإلا فوجهان.
ولو عتقت، فصبرت ساعة لم تستر الرأس بطلت صلاتها، سواء كانت عالمة بالعتق أو جاهلة به.
قال المزني: وأحب أن يصلي الرجل في قميض ورداء، وإن صلى في إزار واحد أو سراويل، أجزأه وكل ثوب يصف ما تحته، ولا يستر لم تجزيء الصلاة فيه.
قال القاضي حسين: وليس يختص الاستحباب بهذين، بل المستحب أن يتعمم مع القميص والرداء أو بتطيلس، لأن فيه زيادة الزينة، قال الله تعالى، (خذوا زينتكم عند كل مسجد) وفي الآثار، العمائم تيجان العرب.
وقال عليه السلام: صلاة بعمامة أفضل من سبعين صلاة بغير عمامة.
وقال عليه السلام: زر ولو بشوكة وارتد ولو بحبل.
وقال عليه السلام: أيعجز أحدكم أن يتخذ لجمعته ثوبين.
فإن صلى في ثوب واحد مع وجود غيره أجزأه.

الجزء: 2 - الصفحة: 820

روي عن جابر أنه صلى في داره ورداؤه على المشجب، فقال واحد: أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم تصلي في إزار، ورداؤك على المشجب؟ فقال: عمدًا فعلت ليراني جاهل مثلك، فيعلم أن ذلك جائز، فأينا كان له على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثوبان.
فإن أراد أن يقتصر على ثوب واحد، فالمستحب أن يلبس القميص، وإن كان معه إزار وسراويل، وأراد أن يقتصر على أحدهما، فالإزار أولى، لأنه لا يلتصق بالعورة بل يجافيها فلا يجافي العورة ولا يصف سمنها وهزالها.
ثم ذكر الشافعي رحمه الله حكم الشف المهلهل الذي يظهر منه لون العورة أن الصلاة فيه لا تجوز، وقد ذكرنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 821

فصل قد ذكرنا أن من وجد الستر لا يجوز له تركه، وكذلك من قدر على تحصيله بأن كان معه ثمنه، ويباع بثمن المثل، أو يعار منه، فلزمه قبوله.
ولو استعار ثوبًا، فلم يعطه ليس له أن يكابره، بل يصلي عريانًا، بخلاف ما يحتاج إليه لشدة البرد له أن يكابر، لأن فيه استيفاء مهجته، ولو وهب منه الثوب لم يلزمه قبوله.
والفرق أن المستعير للساتر لا تلحقه منة عظيمة كالمتهب للماء، والمتهب للساتر تلحقه المنة العظيمة، كالمتهب لثمن الماء.
ولو أن جماعة من العراة كانوا في موضع واحد، ومع واحد منهم ثوبًا يعيره منهم واحدًا فواحدًا، إن علم أن الثوب ينتهي إليه قبل خروج الوقت لم يجز له أن يصلي عريانًا، وإن علم أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد خروج الوقت نص ها هنا على أنه يؤخر الصلاة عن الوقت مراعاة لحق الستر.
ونص على أن جماعة لو كانوا في سفينة، وفيها موضع واحد للقيام، وعلم أن النوبة لا تنتهي إليه، إلا بعد خروج الوقت يصلي قاعدًا مراعاة لحق الوقت.
فمن أصحابنا من جعل في المسألة قولين نقلا وتخريجًا.
ومنهم من فرق بينهما بأن للقيام بدلا ينتقل إليه وهو القعود، ويجوز تركه مع القدرة عليه في صلاة النفل بخلاف الستر، فإن الستر ليس له بدل ينتقل إليه، ولا يجوز تركه مع القدرة عليه.
فأما إذا وجد الثوب النجس.
إن قلنا: يلزمه استعماله يصلي فيه ويعيد.
وإن قلنا: لا يلزمه استعماله يصلي عريانًا ثم يصلي قائمًا، أو قاعدًا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 822

فعلى قولين: أحدهما: قائمًا، وهو الأظهر- لأن المقدور عليه من أمر الصلاة لا يسقط بالمعجوز عنه، فعلى هذا لا تلزمه الإعادة.
والثاني: يصلي قاعدًا ليكون أستر، فعلى هذا يضع الجبهة على الأرض أو يدنيها من الأرض، فوجهان: أحدهما: يضع الجبهة على الأرض؛ لأن السجود لا يتم عندنا إلا بوضع الجبهة.
والثاني: يدنيها من الأرض ليكون أستر.
وعلى الوجهين تلزمه إعادة الصلاة في ظاهر المذهب، إلا على طريقة المزني، ومن يخرج ذلك على اصل الشافعي أن من ترك شرطًا، أو ركنًا للعجز لا إعادة عليه.
وعند أبي حنيفة، العاري يتخير بين أن يصلي قائمًا، او يصلي قاعدًا، واحتج بأنه اجتمع له فرضان: ستر العورة، والقيام، وتعذر الجمع بينهما فيخير فيهما.
فرع لو اجتمع جماعة من العراة، فالمستحب لهم أن يصلوا جماعة أو فرادى.
قال في الجديد: هم بالخيار بين الصلاة جماعة وفرادى.
وقال في القديم: يصلون فرادى، فإن صلوا جماعة أجزأهم، ثم إذا صلوا جماعة وقف إمامهم وسطهم، كإمامة النساء تقف وسطهن، فإن تقدم جاز، وإن كان فيهم لابس فالأولى أن يتقدم اللابس، فلو تقدم عار جاز عندنا للابس أن يقتدى به.
وقال أبو حنيفة: اقتداء اللابس بالعاري لا يجوز، وإن وجد بعض ما يستر به

الجزء: 2 - الصفحة: 823

العورة لزمه ستر ذلك القدر، بخلاف ما لو وجد من الماء ما يكفيه لبعض أعضاء طهارته لا يلزمه الاستعمال في أحد القولين؛ لأن المقصود من استعمال الماء رفع الحدث، والحدث لا يتبعض، والمقصود من استعمال الثوب ستر العورة، والستر مما يتبعض.
وإن وجد من الساتر ما يكفيه، إما لقبله، او لدبره، فوجهان: أحدهما: يبدأ بالدبر.
والثاني: بالقبل.
والصحيح: أنه يتخير فيهما لاستوائهما في وجوب الستر، وتغليظ حكمهما، ومن قال: ستر الدبر أولى، قال: لأنه يتفاحش في الركوع، والسجود تفاحشًا كثيرًا.
والصحيح أن القبل أولى، لأنه يستقبل به القبلة، ألا ترى أنه لا تستقبل لبول ولا غائط، والدبر يستره الأليتان حال القيام بخلاف القبل؟ وقال الإمام رضي الله عنه: في الرجل: الدبر أولى، وفي المرأة: القبل أولى.

الجزء: 2 - الصفحة: 824

فصل المحبوس في مكان نجس إذا وجد ثوبًا يكفيه، إما للستر، أو للبسط على النجاسة، فبأيهما يبدأ؟ فعلى قولين: أحدهما: بالستر؛ لأن فيه حقين؛ حق الله تعالى وحق الآدميين، فكان أولى بالتقديم.
والثاني: بالبسط على النجاسة؛ لأن حكم العرى أخف من حكم النجاسة، بدليل أن العاري يصلي، ولا إعادة عليه، ومن على بدنه نجاسة لا يصلي إلا بشرط الإعادة.
فإن قلنا: يبسطه على النجاسة ويصلي عاريًا، فحكمه ما مضى.
وإن قلنا: يستر به العورة، ويصلي به على النجاسة، فهل يلزمه وضع الجبهة عليها أو يدنيها منها؟ إن كانت النجاسة رطبة يدني الجبهة منها، إذ لو وضعها عليها أدى إلى التلويث وتفاحش النجاسة.
وإن كانت يابسة فوجهان.
وعلى الوجهين يعيد الصلاة.
والله أعلم بالصواب.
قال المزني: ومن سلم أو تكلم ساهيًا، أو نسي شيئًا من صلب الصلاة، بني ما لم يتطاول ذلك، وإن تطاول، استأنف الصلاة.
قال القاضي حسين: أما السلام في خلال الصلاة إن تعمدت بطلت صلاته، لأنه خطاب آدمي منهي عنه في الصلاة وإن كان ساهيًا لم تبطل به صلاته، ووافقنا فيه أبو حنيفة.

الجزء: 2 - الصفحة: 825

وأما الكلام إن كان عمدًا بطلت به صلاته، سواء كان من مصلحة الصلاة، أو لم يكن من مصلحتها.
وقال مالك: كل كلام هو من مصلحة الصلاة، كقوله للإمام إذا قعد في محل القيام قم، أو قام في محل القعود: اقعد لا تبطل به صلاته، واحتج بحديث ذي اليدين.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إحدى صلاتي الظهر أو العصر، فسلم على ركبتين، فخرج سرعان القوم وقالوا: قصرت الصلاة، قصرت الصلاة، وقام النبي صلى الله عليه وسلم، وجلس على خشبة المسجد كالمتفكر، وهبنا أن نسأله، وكان في القوم رجل إحدى يديه أطول من الأخرى، يقال له ذو اليدين، فقام، وقال: أقصرت الصلاة أم نسيتها يا رسول الله؟ فقال عليه السلام: كل ذلك لم يكن.

الجزء: 2 - الصفحة: 826

فقال: لقد كان بعض ذلك، وكان في القوم أبو بكر وعمر فقال لهما عليه السلام: أكما قال ذو اليدين؟ فقالا: نعم، فقام وأتم الصلاة، وسجد سجدتين.
فدليلنا ما روى عن معاوية بن الحكم أنه قال: كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فعطس رجل في القوم فشمته وقلت له، يرحمك الله، فرأيت القوم يرمونني بأبصارهم فقلت: واثكل أماه، ما لكم ترمقونني بأبصاركم، فجعلوا يضربون أيديهم على أفخاذهم، فعملت انهم يسكتونني لكني سكت، فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم دعاني، فو الله ما كهرني ولا شتمني ولا زجرني، وما رأيت معلمًا أرفق بي، ثم قال: إن صلاتنا هذه لا يصحل فيها شيءٌ من كلام الآدميين إنما هي تسبيح وتهليل وتكبير وتمسكن ويا رب يارب.
وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: قدمت من أرض الحبشة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فسلمت عليه، فلم يرد على فأخذني ما قرب وما بعد، وروى ما قدم وما حدث، فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا تتكلموا في الصلاة.
وقوله: ما قرب وما بعد، يحتمل أنه أراد ما قرب من عهدنا بإباحة الكلام في الصلاة، وما بعد منه، ويحتمل أنه اراد غاضني ذلك، وأخذ في طبع الجاهلية، ولا حجة له في حديث ذي اليدين، لنه كان جاهلا بتحريم الكلام،

الجزء: 2 - الصفحة: 827

وكونه في الصلاة؛ لأنه كان تعذر قصر الصلاة والزمان وزمان النسخ، والنبي عليه السلام كان أيضا غير عالم أنه في الصلاة، وكلام الجاهل لا يبطل الصلاة عندنا.
وأما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فقد روى أنهما أشارا برؤسهما أي نعم، ولم يتلفظا به.
وإن صح أنهما تلفظا به، فكان هو خطاب الرسول عليه السلام، وهو عليه السلام مخصوص بأن يخاطبه المصلي، ولا تبطل صلاته، يدل عليه أنه أمر الله كل مصلي بخطابه في التشهد، وذلك قوله: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فإنه عليه السلام إذا دعي يلزمه الإجابة، ولا يسوغ له ترك إجابته دليله حديث أبي بن كعب.
وأما كلام الناسي والجاهل، قليله لا يبطل الصلاة عندنا، وفي كثيرة وجهان: أحدهما: لا يبطل الصلاة كالقليل.
والثاني: يبطل.
ولأي معنى يبطل معينان: أحدهما: إمكان الاحتراز عنه.
والثاني: قطعه نظم الصلاة، والأكل ناسيًا في الصوم إن كان يسيرًا لا يبطل الصوم، وإن كان كثيرًا فمرتب على الكلام الكثير في الصلاة: إن قلنا: لا تبطل به الصلاة، فها هنا أولى، وإلا فوجهان بناء على المعنيين إن جعلنا المعنى فيه إمكان الاحتراز بطل به الصوم.
وإن لنا: بالمعنى الاخر لم يبطل، إذ ليس في الصوم نظم يقطع بالفعل، ولو ابتلغ قدر السمسمة في الصلاة، أو وضع ما يندي في فمه، ومصه وابتلع ماءه، فوجهان.

الجزء: 2 - الصفحة: 828

وقال أبو حنيفة: كلام الناسي والجاهل يبطل الصلاة، ككلام العامد، واحتج بحديث ابن مسعود ومعاوية.
دليلنا: حديث ذي اليدين وهو نص في محل النزاع.
والمعنى فيه أنه خطاب آدمي، عمده يبطل الصلاة، فسهوه لا يبطلها، دليله السلام.
ورده لا يلزم لوجهين: أحدهما: لفظا والثاني: إن رده لا يبطل الصلاة، بل يبطل الإيمان، ثم يترتب عليه بطلان الصلاة.
وأما نسيان الركن من صلب الصلاة، إن ذكره على قرب الوقت عاد وبني على صلاته، وإن ذكره بعد طول الفصل، فقياس مذهبه في الجديد أنه يستأنف.
وفي القديم: يبني، وهما كالقولين، فيما لو سلم ناسيًا لسجدتي السهو ذكرهما بعد طول الفصل يعود في القديم، ويأتي بهما.
وفي الجديد: لا يعود.
من أصحابنا من قال قولا واحدًا: يلزمه الاستئناف في نسيان الركن، كما نص عليه ها هنا، بخلاف ما لو ترك سيجدتي السهو، والفرق بأن سجود السهو سنة تتم الصلاة بدونه، فكان حكمه أخف بخلاف الركن.
هذا كله في الأركان الفعلية.
فأما القراءة إذا تركها ناسيًا حكمه في الجديد حكم سائر الأركان الفعلية.
وفي القديم يسقط النسيان، قلد فيه الشافعي عمر بن الخطاب رضي الله عنه في القديم، روى أنه سئل عمن صلى، وقد نسي القراءة فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ فقالوا: حسن

الجزء: 2 - الصفحة: 829

فقال: لا بأس إذا.
ولا خلاف أنه لو ذكرها قبل الركوع يلزمه أن يأتي بها، وبعد الركوع لا يلزمه ذلك على مذهبه القديم.
قال القاضي رضي الله عنه: ويحتمل أن يقال: ما لم يسلم يلزمه أن يأتي بالقراءة إذا تركها ناسيًا، لأن الظاهر من حديث عمر أنه إنما سئل بعد الفراخ من الصلاة حتى رخص في تركها.
والقولان في سقوط القراءة بالنسيان، كالقولين في سقوط الترتيب بالنسيان.
والقولان في وجوب الإعادة إذا صلى مع النجاسة ناسيا والأظهر في المسائل كلها أنه لا يعذر بالنسيان.
فإن قيل: ما معنى قوله في الكلام: ما لم يتطاول الفصل، فإن تطاول استأنف، وإنما يستقيم هذا الاستثناء فيما لو سلم ناسيًا، أو ترك ركنًا من صلب الصلاة ناسيًا.
قلنا: هو الصحيح في الكلام، كهو في نسيان الركن والسلام.
ومعناه إذا تكلم ناسيًا للصلاة، ثم تذكر أنه في الصلاة بعد زمان إن لم يطل الفصل بني وإن طال استأنف كام لو سلم ناسيًا في خلال الصلاة، ثم بعد زمان ذكره إن لم يطل بناه، وإن طال استأنف.
سئل القاضي رحمه الله: ما حد الفصل القريب والبعيد؟ قال: الفصل القريب ما بين الخطبة والشروع في الصلاة، أو ما بين الصلاتين إذا أراد الجمع بينهما، ثم إنما يجوز له البناء إذا لم يطأ النجاسة، وبعدما تذكر ليس له أن يرجع إلى الموضع الذي سلم فيه، بل في الموضع الذي سلم تذكر يبني ويصلي.
قال المزني: وإن تكلم، أو سلم عامدًا، أو أحدث فيما بين إحرامه، وبين سلامه استأنف لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تحليلها التسليم.

الجزء: 2 - الصفحة: 830

قال القاضي حسين: قد ذكرنا حكم الكلام عامدًا أو ناسيًا.
فأما الحديث، فعمده يبطل الصلاة، وإذا أحدث الإمام لم يبطل صلاة من خلفه عندنا.
وقال أبو حنيفة: إذا أحدث الإمام متعمدًا بطلت صلاته، وصلاة من خلفه، بناه على أصله، وهو أن المأموم يؤدي صلاته بصلاة إمامه، فإذا بطل صلاة الإمام، وهي الأصل بطلت صلاته، لأنها كالفرع والتبع، وعلى هذا الأصل بنوا مسائل: منها: إن المأموم لا تجب عليه القراءة عنده؛ لأنه يؤدي صلاته بصلاة إمامه، فيحملها عنه إمامه.
ومنها: أنه لا يجوز اقتداء القاريء بالأمي، واللابس بالعاري، والموميء بالقائم والقاعد عنده، لأنه يؤدي صلاته بصلاة إمامه، والإمام عجز عن الإتيان بما افترض عليه من السنن والقراءة، وإذا بأن الإمام جنبًا يوجب الإعادة على هذا الأصل.
وإذا وقفت المرأة بجنب رجل في الصلاة، واقتدت به بطلت صلاته، وصلاتها عنده، لأن الإمام افترض عليه تأخيرها، فلما لم يؤخرها ترك فرضًا، فبطلت صلاته، وإذا بطلت صلاته بطلت صلاتها.

الجزء: 2 - الصفحة: 831

ووافقنا في أن القاعد يقتدي بالقائم، والمتوضيء بالمتيمم، ولكان يتحمل عنه سائر الأركان، كما قلتم في القراءة.
فأما إذا سبقه الحدث.
ففي الجديد: يستأنف؛ لأن كل حدث يبطل الطهارة يبطل الصلاة كالعمد.
وفي القديم: يبني وبه قال أبو حنيفة إلا أن عنده: إنما يبني بشرطين.
أحدهما: أنه يعود إلى مصلاه، وأن يستخلف حين خروجه للتوضؤ.
وعندنا على قول البناء لو لم يستخلف جاز، ولا يجوز له أن يعود إلى مكانه، فضلا عن أن يجب عليه، ولا فصل عندنا بين الحدث والمني والودي.
وعند أبي حنيفة: لو سبقه المني، أو أصابته نجاسة لا يزيلها إلا الماء، تبطل صلاته.
فرع الشافعي رحمه الله على قول البناء، فقال: لو خرج، وبال لم تبطل صلاته، لأن الطهارة انقضت بما سبق من الحدث، فبقية البول لا أثر لها في إبطال الطهارة، وهو عمل قليل، فلا يعثر في إبطال الصلاة.
وهذا القول توقيف، لا محل للقياس، ومداره على الحديث الذي روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قاء أو رعف أو أمني فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم.
ثم شرط صحة البناء ألا يعرج على شيء، إلا على الطهارة حتى لو كان للمسجد بابان: أحدهما أقرب إلى الماء، والآخر أبعد لا يخرج من الأبعد، فإن خرج على غير الطهارة بطلت صلاته.

الجزء: 2 - الصفحة: 832

قال المزني: وإن عمل في الصلاة عملا قليلا، مثل دفعه المار بين يديه، أو قتل حية، أو ما أشبه ذلك لم يضره، وينصرف حيث شاء عن يمينه وشماله، فإن لم يكن له حاجة، أحببت اليمين، لما كان عليه السلام يحب من التيامن.
قال القاضي حسين، العمل قسمان: قليل لا يبطل الصلاة وكثير يبطلها.
والأصل في أن العمل لا يبطل الصلاة ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اقتلوا الأسودين ولو في الصلاة: الحية والعقرب.
وما روى أنه قال عليه السلام، إذا مر بين يدي أحدكم مار فليدفعه، فإن أبى فليدفعه، فإن أبي قليقاتله فإنه شيطان.
وفي هذا الخبر دليل على أن العمل القليل لا يبطل الصلاة، وأن المرور بين يدي المصلي مكروه، وإنما يكره ذلك إذا كان بينه وبين المار حائل بأن يقف بقرب جدار، أو أسطوانة أو عند خشبة أو كان في صحراء، ولم يكن بينه وبين الخشبة إلا قدر ما يسعه المسجد.
قال عليه السلام: لو علم المار بين يدي المصلي ما عليه لوقف أربعين.

الجزء: 2 - الصفحة: 833

قيل: أربعين يومًا.
وقيل: أربعين ساعة.
والحد الفاصل بين العمل القليل والكثير، منهم من قال: ما يتراه الناظر من البعد أنه خارج الصلاة، فهو الكثير، وما لا يتراه الناظر أنه ليس في الصلاة فهو القليل.
قال القاضي رحمه الله: وكان القفال رحمه الله يقول: سمعت أبا نصر المؤذن ببخارى، يقول: كل عمل يتأتي بإحدى اليدين كحل الإزار، ووضع العمامة، وحل الزر، فهو قليل لا يبطل الصلاة، وما لا يتأتي إلا بكلا اليدين كتكوير العمامة، وعقد الأزرار، فهو كثير يبطل الصلاة.
والصحيح أن المرجع فيه إلى العرف والعادة وفيما يعد قليلا في العادة فهو قليل، وما يعد كثيرًا فهو الكثير.

الجزء: 2 - الصفحة: 834

فخرج من هذا انه لو حك نفسه في الصلاة مرة، أو مرتين لم تبطل صلاته، وإن حك نفسه ثلاث مرات، فأكثر على التوالي بطلت صلاته، ولو قتل حية في الصلاة بضربة أو ضربتين لم يضر، فإن والي عليه الضربات بطلت صلاته.
ولو مشي في الصلاة خطوة أو خطوتين لم تبطل، وإن مشي خطوات على التوالي، بطلت صلاته، ولو مشي خطوات في كل ركن خطوة، أو خطوتين، أو في كل ركن ممتد بدفعات لم تبطل صلاته.
وإن أكل في الصلاة: إن كان المأكول أقل من سمسمة لم تبطل صلاته، وإن كان بقدر سمسمة فوجهان: أظهرهما: أنه يبطل الصلاة، لأنه عبادة يبطلها الأكل كالصوم.
والثاني: لا يبطل لأنه عمل قليل في الصلاة.
ولو وضع في فمه علكا: إن كان جديدًا ينماع، ويختلط بالريق، فيصل إلى الجوف بطلت صلاته، وإن لم يمضغ لم تبطل صلاته، كما لو وضع درهمًا في فمه.

الجزء: 2 - الصفحة: 835

فصل نص الشافعي على ان الأنين والتنحنح وانفح لا يبطل الصلاة.
قال الشافعي: هذا إذا لم يظهر منه حرفان، فإن ظهر حرفان بالنفخ والتنحنح ولم يك مغلوبًا عليه فيه بطلت صلاته، وإن كان مغلوبًا عليه لم تبطل صلاته، ولو بكي في صلاته، وظهر حرفان بطلت صلاته إذا لم يكن فيه مغلوبًا عليه بمكاء لمصيبة الدنيا، أو لمصيبة الآخرة فهو سواء.
وقال أبو حنيفة: إن بكي لمصيبة الدنيا بطلت صلاته، وإن بكي لمصيبة الآخرة لم تبطل، ولو تقهقه في صلاته بطلت صلاته، وإن تبسم لم تبطل حتى لا يظهر حرفان.
وإن كان في حلقه نخامة أراد إخراجها، فليضم شفتيه حتى لا يظهر حرفان، فإن لم يضمها حتى ظهر حرفان بطلت صلاته.
وإن تنحنح إمامه: إن علم أنه مغلوب عليه لم يضر صلاته، وإن شك في ذلك خرجها الأصل على وجهين: أحدهما: تبطل صلاته لأن الظاهر من حالة الصحة، وأنه غير مغلوب عليه، كما لو شهد شهود على إقرار الإنسان مطلقا تقبل شهاتدهم، ويحمل إقراره على الصحة، وإن احتمل عوارض تمنع صحة الإقرار.

الجزء: 2 - الصفحة: 836

والثاني: لا تبطل صلاته، لأن الأصل بقاء العبادة وأنه لا يقدم علي المفسد، ولو استقاء عامدًا، بطلت صلاته.
ولو نزلت نخامة من رأسه: فإن تيسر إخراجها ولفظها، فابتلعها حكمه حكم الأكل.
فأما إذا قلنا: أنه إذا تنحنح بالوجه الأول يلزمه إخراج نفسه عن الصلاة، وإن قلنا: بالوجه الثاني لا يخرج نفسه عن صلاته، ثم ننظر، فإ، سجد الإمام للسهو في آخر الصلاة سجد فيه، وإلا فيسجد هو سجدتي السهو.
قوله: إذا ناب المصلي شيء في الصلاة، فله أن ينبه بذكر من الأذكار.
قال القاضي حسين: لا يفصل بين أن ينوبه ذلك بسبب إمامه، مثل أن يزيد إمامه بغلط فيقصد تنبيهه بشيء من القرآن، أو بذكر من الأذكار، أو بسبب غير إمامه مثل أن يقرع عليه الباب فيقول: الله أكبر، أو يقول: سبحان الله، أو يقرأ شيئًا من القرآن، وقصد به قراءة القرآن، وينبهه ليعلم أنه في الصلاة، فكذلك له أن يقول: ادخلوها بسلام آمنين، يقصد به قراءة القرآن وإذنه في الدخول، ولو قال هناك من اسمه يحيى: يا يحيى خذ الكتاب بقوة، وقصد به قراءة القرآن جاز أو يقصد لواحد: اخلع نعليك، ويقصد به قراءة القرآن، أو يفتح القراءة على إنسان.
وقال أبو حنيقة: إذا نبه إمامه، وفتح القراءة جاز، وإلا فلا.
قال رضي الله عنه: قضية ما قلناه أن يقال: لو قال في صلاته حديث: كن يا زيد مقطعًا، وقصد به قراءة القرآن، لم تبطل الصلاة، لأن كل ذلك في القرآن.
ولو روى خبرا في الصلاة مثل قوله: لا صلاة إلا بطهور، ومثل قوله: الخراج بالضمان بطلت صلاته، ولو قال: السلام لم تبطل لأنه في القرآن وهو اسم من أسماء الله تعالى.

الجزء: 2 - الصفحة: 837

ولو قال: قال الله تعالى، أو قال رسول الله، بطلت صلاته.
قال القاضي: إلا أن يقصد به قراءة القرآن، وأتي به مقطعًا فلا تبطل صلاته.
قوله: إذا قرأ في الصلاة من المصحف صحت صلاته عندنا، وكذا إذا قرأ من موضع مكتوب فيه من جدار، أو غيره، سواء أمكنه القراءة عن ظهر القلب، أو لم يمكنه ذلك.
وقال أبو حنيفة: بطلت صلاته، ولو وقع بصره على شيء مكتوب في المحراب، سوى القرآن، وجعل ينظر فيه، ولم يتلفظ به لم تبطل صلاته، وإن تلفظ به بطلت صلاته، وإن اشتغل في الصلاة بالتخريجات، واستنباط المسائل، ففي غاية الكراهة، ولا تبطل به الصلاة.
وإن عد الايات، فإن عدها لفظًا، فهو كلام يبطل الصلاة، وإن عدها بالإصبع، فإن لم يدخل في حد الكثرة لم تبطل به الصلاة، وإن دخلت في حد الكثرة، والعمل الكثير، كما يبطل عمده الصلاة، فكذلك سهوه يبطلها، لأنه يقطع النظم، قاله رضي الله عنه.
وكلام العمد إن كان يسيرًا يبطل الصلاة، والعمل القليل لا يبطلها .. والفرق أن الصلاة قد تجوز مع العمل العمد الذي هو ليس من جنس الصلاة، في الجملة، وهو صلاة الخوف ينزل عن الدابة، أو يركب في أثناء الصلاة، فلهذا قلنا: قليله عند الاستنغناء عنه لا يبطلها، كاستقبال القبلة يجوز تركها في حالة الضرورة، فعند القدرة لو انحرف يسيرًا لم يضر، بخلاف كلام العمد، فإنه لا تجوز الصلاة معه بحال من الأحوال، فقلنا بأنه يبطل الصلاة أينما وجد كالحدث.
والمعنى فيه: أن المصلي لا يمكنه الاحتراز، من العمل القليل بالا يتحرك في نفسه، ولا يحك نفسه، أو يمر يديه مار فيدفعه، أو يقتل حية أو عقربًا على مسجده، بخلاف الكلام، فإنه يمكنه الاحتراز عنه إذا كان عملا، ويكره أن

الجزء: 2 - الصفحة: 838

يصلي على مسجده عليه خطوط ونقش، لأن المصلي مأمور بأن ينظر في مسجده إذا كان قائمًا.
قال المزني: وإن فات رجلا مع الإمام ركعتان من الظهر، قضاهما بأم القرآن، وسورة كما فاته، وإن كانت مغربا وفاتته منها ركعة، قضاها بأم القرآن، وسورة وقعد وما أدرك من الصلاة، فهو أول صلاته.
قال المزني: قد جعل هذه الركعة في معنى الأولى، لقراءة أم القرآن وسورة وليس هذا من حكم الثالثة، وجعلها في معنى الثالثة من المغرب بالقعود، وليس هذا من حكم الأولى، فجعلها آخرة اولى، وهذا متناقض، وإذا قال: ما أدرك فهو أول صلاته فالباقي عليه آخر صلاته وقد قال بهذا المعنى في موضع آخر.
قال المزني: وقد روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن ما أدرك، فهو أول صلاته.
وعن الأوزاعي أنه قال: ما أدرك فهو أول صلاته.
قال المزني: فيقرأ في الثالثة بأم القرآن، ويسر، ويقعد ويسلم فيها، وهذا أصح لقوله، وأقيس على أصله، لأنه يجعل كل مصل لنفسه، لا يفسدها عليه بفسادها على إمامه.
وقد أجمعوا أنه يبتديء صلاته بالدخول فيها بالإحرام بها، فإن فاته مع الإمام بعضها، فكذلك الباقي عليه منها آخرها.
قال القاضي حسين: نقل المزني رحمه الله: أن المسبوق في الظهر بركعتين إذا صلى مع الإمام الأخريين، وقام لقضاء الأوليين يقضيهما بأم القرآن والسورة، ثم اعترض وقال من أصل الشافعي رحمه الله أن ما أدركه المصلي، فهو أول صلاته وأنه لا يسن قراءة الصورة في الأخريين، فيجب أن يقول يقضيهما بأم

الجزء: 2 - الصفحة: 839

القرآن سرًا في نفسه، دون السورة لأنه يتناقض أن تكون الركعة الأولى أخرى، قال القاضي رحمه الله أما قوله: ما أدركه المصلي، فهو أول صلاته، فكما ذكر عندنا، خلافًا لأبي حنيفة.
قال رضي الله عنه: وكان القفال رحمه الله يقول: تعرضت لطلب فائدة الخلاف في هذه المسألة، وسألت عنها كثيرًا من مشايخهم، فما حصلت على طائل، وذلك أنهم يقولون: إذا أدرك الركعة الثالثة مع الإمام في المغرب، ففي القضاء يتشهد في الثانية، وفي الثالثة، وقضية كون المدرك آخر الصلاة ألا يتشهد إلا في الثالثة.
وأيضا أن مذهبهم أنه إذا أدرك الركعة الثالثة، من الوتر مع الإمام وقنت معه، يقضي الركعتين الفائتتن يقنت في آخرهما.
وقضية كون المدرك آخر الصلاة ألا يقنت، لأنه قنت في محله ولهم رواية أخرى أنه يقنت، فعلى هذا يظهر للخلاف فائدة.
وأيضا من مذهبهم أنه لو أدرك الركعة الثانية من صلاة العيد، ففي القضاء يقرأ ثم يكبر.
وقضية كون المدرك أخر الصلاة أنه يكبر ثم يقرأ؛ لأن عندهم لا يوالي بين القراءتين في صلاة العيد، فيكبر في الركعة الأولى قبل القراءة، وفي الثانية بعدها، إلا أن المسألة اشتهرت بالخلاف، فيحتج فيها بما روى عن علي رضي الله عنه، أنه قال: ما أدركه، فهو اول صلاته، ولأن المدرك يكون ما أدرك أول صلاته حسا وحكمًا.
أما الحس فهو أن أول كل شيء ما يبتدأ به، وآخره ما ينتهي إليه، وأول الصلاة ما يعقب الافتتاح، وآخرها ما يتقدم التسليمة.
وأما الحكم، فإنه سيحتاج بالتحريمة في أداء ما أدركه، ولا يحتاج إليها في قضاء الفوائت.

الجزء: 2 - الصفحة: 840

ثم اختلف أصحابنا في الجواب عما ألزمه المزني.
فمنهم من قال: أجاب الشافعي على القول الجديد الذي يقول فيه: تسن القراءة، أي: قراءة السورة في الأخريين، وفي الركعات كلها.
ومنهم من قال على القولين تسن قراءة السورة في الأخريين؛ لأن سنة قراءة السورة فاتته في أول الصلاة، وكل سنة تفوت المرء في صلاته، وأمكنه تلافيها من غير أن يوقع خلللا بترك سنة فيها، فعليه تداركها.
نص الشافعي رحمه الله على أنه لو ترك التعوذ في الركعة الأولى يقضيه في الثانية.
ونص في الكبير على أنه لو ترك قراءة السورة في الركعتين الأوليين يقضيهما في الأخريين، وقد نص على أن السنة أن يقرأ بسورة الجمعة في الركعة الأولى من صلاة الجمعة، وسورة المنافقين في الثانية، فلو ترك سورة الجمعة في الركعة الأولى قرأها مع سورة المنافقين في الركعة الثانية، بخلاف ما لو ترك الرمل في الأشواط الثلاثة، لا يقضيه في الأشواط الأربعة، لأنه لا يمكن تلافيهما إلا بترك سنة أخرى مثلها؛ لأن السنة أن يرمل في الثلاث، ويمشي في الأربع فعلى هذه الطريقة لو تمكن من قراءة السورة في الركعتين مع الإمام، وقرأها فيهما، ففي القضاء لا يقرأ السورة، وإن تمكن من قراءتها، ولم يقرأ ففي القضاء يقرأ السورة، ولو أدرك الركعة الأولى مع الإمام من المغرب، وتمكن من قراءة السورة، وقرأها، فيقرؤها في الثانية دون الثالثة، ولو لم يقرأها في الثالثة مع الإمام، أو لم يتمكن من قراءتها يقرأها في الثانية والثالثة إذا قضاهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 841

فصل المسبوق إذا أدرك الإمام في ركن سوى القيام، إن كان في الركوع، فلا خلاف في أنه يكبر للافتتاح، ويكبر للهوي إلى الركوع، وإن أدركه في السجود الأول، أو الثاني، أو في التشهد، هل يكبر للانتقال إليه بعد أن يكبر للافتتاح؟ قال رضي الله عنه، دخلت على القفال رحمه الله، فسألني عن هذه السألة، فقلت: يكبر للانتقال إلى الركن الذي وجد الإمام فيه.
فقال: أخطأت، إن انتقل عن القيام إليه مكبرًا، كالركوع والسجود الأول، يكبر ليكون متابعًا للإمام، لأنه يريد أن ينتقل إليه عن القيام، وان انتقل إليه لا عن القيام، فلا يكبر كما لو كان في السجود الثاني: أو التشهد.
قال رضي الله عنه: والوجه الأول صحيح: لأن الإمام انتقل إليه مكبرًا، فتابعه في الانتقال إليه، ويوافقه في التكبير.
قال: ورأيت لأصحابنا فيه وجهًا آخر: إنه، وإن وجد الإمام في السجود الأول ينتقل إليه غير مكبر، لأنه غير محسوب له، وإن أدرك الإمام في التشهد، او ركن آخر لا يحسب له مثل السجود والجلسة بين السجدتين، فالسنة للمسبوق أن يفتتح الصلاة، ولا ينتظر الإمام ليقوم، ويصير إلى ركن يحسب له إذا تابعه، فإن انتظر قيامه، كان ذلك من غباوته، وإذا كبر للافتتاح، وهو في ركن من هذه الأركان، فعليه أن ينتقل إليه، فلو لم ينتقل وبقي قائمًا ينتظره بطلت صلاته، وإذا تابعه في الفعل هل يتابعه في الذكر؟ فوجهان: أظهرهما: أنه يتابعه فيه، كما تابعه في الفعل.
والثاني: لا؛ لأنه غير محسوب له، والمتابعة في الفعل كانت، حتى لا يؤدي إلى المخالفة الظاهرة، وها هنا لا يؤدي إلى ذلك فإذا قام عن التشهد إن

الجزء: 2 - الصفحة: 842

كان مع الإمام بأن أدركه في التشهد الأول، يكبر الإمام عند القيام، فيكبر متابعة له، وإن سلم الإمام إن كان محل تكبيرة بأن أدركه في الركعة الثالثة، فيكبر للقيام، وإن لم يكن محل تكبيرة بأن أدركه في الركعة الرابعة، أو في التشهد لم يكبر للقيام، لأنه ليس بمحل تكبيرة، وذاك لأنه كبر عند رفع الرأس من السجود، والتشهد لم يكن محسوبًا له، فوقع تكبيرة الانتقال إلى القيام، فهذا الانتقال مما كبر له مرة، فلا يكبر ثانيًا.
وهل يسن للمسبوق دعاء الاستفتاح.؟ نظر إن أدرك جزءا من الصلاة مع الإمام، ولم يقرأ دعاء الاستفتاح، وإن لم يدرك جزءا من الصلاة مع الإمام، مثل أنه كما كبر للافتتاح سلم الإمام، فإنه يقرؤه، لأنه افتتاح.
وفي الصورة الأولى إذا قام هو غير مفتتاح للصلاة، لأن الجزء الذي أدركه من صلاة الإمام غير محسوب له في استحقاق الفضيلة والثواب، وفي هذه الصورة هو مفتتح الصلاة.
والله أعلم بالصواب.

الجزء: 2 - الصفحة: 843

فصل روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: التكبيرة الأولى خير من الدنيا وما فيها.
فاختلفوا فيما يدرك به التكبيرة الأولى، ويحوز فضيلتها فمنهم من قال: بأن يدرك الإمام قبل الشروع في الفاتحة، لأنه إذا شرع فيها فقد انتقل إلى الركن.
ومنهم من قال: وهو الأصح، بأن يدرك الإمام قبل الهوي إلى الكوع، لأنه إذا هوى إلى الركوع، فقد انتقل إلى ركن فعلي من غير جنس هذا الركن، إذ هو قولي، وبه قال أبو حنيفة.
وقيل: بأنه وإن أدركه في الركعة لم يصر مدركا لتلك الفضيلة، لأنه ما أدرك الركعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 844

فصل إذا قام الإمام إلى الركعة الخامسة ساهيًا، فجاء مسبوق، واقتدى به انعقدت صلاته غير أنه إن كان عالمًا بسهوه، وكونه في الخامسة، فتابعه بطلت صلاته، وإن كان جاهلاً باحال لم تبطل صلاته، وتحسب له هذه الركعة، ولو أدرك الإمام في الركوع في هذه الركعة، وهو جاهل بالحال تابعه لم يصر مدركًا لتلك الركعة، لأنها غير محسوبة للإمام، وها هنا أربع مسائل: المسبوق بإدراك الركوع لا يكون مدركًا لتلك الركعة أحدها هذه.
والثانية: إذا نسي الإمام القراءة، فركع، فجاء المسبوق، واقتدى به.
والثالثة: الإمام إذا كان جنبًا، فالمسبوق جاء، واقتدى به في الركوع.
الرابعة: إذا نسي الإمام تسبيحات الركوع، فتذكر بعد ما اعتدل قليلا عليه أن يقرأ ن فلو عاد إلى الركوع، فإن كان جاهلا، فاقتدى به لم يصر مدركًا لتلك الركعة.
ولو أن رجلا كان يطالع أحوال إمام في صلاة، فترك سجدة من الركعة الأولى، فقام إلى الثانية، فاقتدى به انعقدت الصلاة، غير أنه إن تابعه بطلت صلاته حتى ينتقل إلى السجود الذي تركه، فيتابعه فيه ولا يحتسب له تلك السجدة، وإنما تابعه فيه، لأنه محسوب للإمام.

الجزء: 2 - الصفحة: 845

فصل لو اقتدى شفعوي بحنيفي ما حكمه؟ من أصحابنا من قال تصح صلاته، لأنا لا نقطع ببطلان صلاته، وهو اختيار القفال رحمه الله.
وقال الشيخ أبو حامد رحمه الله إن قرأ الفاتحة والتسمية صحت صلاته، وإلا فلا، واختاره القاضي رحمه الله.
وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني رحمه الله: لا تصح صلاته، وإن قرأ الفاتحة؛ لأنه لا يعتقد وجوبها، واعتقاد الوجوب في الفاتحة شرط، ولو اقتدى بحنيفي في صلاة الصبح، فلم يقنت، فهل على المأموم أن يسجد للسهو؟ قال القاضي رحمه الله: سألني الشيخ ابو القاسم الفوراني عن هذه المسألة، فقلت: لا يسجد للسهو؛ لأنه اقتدى به، وجعله إمامًا، وصححنا الاقتداء بناء على اعتقاد الإمام، وعنده أنه غير ملزم لسجود السهو، والذي يقع لي الآن أنه يلزمه سجود السهو، لأن عند المأموم إن تركه القنوت ملزم للسجود، إلا أنه ترك السجود، والإمام إذا ارتكب ما يوجب سجود السهو على المأموم أن يسجد وإن تركه الإمام، وإنما ذلك، لأن المأموم يبني الأمر على اعتقاد نفسه دون اعتقاد إمامه.
يدل عليه أنه لو اقتدى بمن على ثوبه نجاسة بقدر درهم، أو لمس امرأة، أو مس ذكره، أو لم يرتب في الوضوء، أو توضأ بنبيذ التمر لا تصح صلاته، وإن كان الإمام يعتقد صحة صلاة نفسه، والوجهان ينبنيان على جواز الصلاة خلفهم.
إن قلنا: تجوز لا يسجد للسهو.

الجزء: 2 - الصفحة: 846

وإن قلنا: إذا لم يقرأ الفاتحة لا يصح، فيغلب سجود السهو، لأنه ما اعتبر اعتقاد الامام.
والقفال اعتبر اعتقاد الامام دونه، ولو اقتدى بمن توضأ من الحنيفية من ماء بلغ قلتين، وقعت فيه نجاسة، أو بمن تكلم ناسيًا في الصلاة، أو احتجم وافتصد، أو لقاء ولم يتوضا صحت صلاته، وإن كان الامام يعتقد بطلان صلاة نفسه، لو اقتدي بحنيفي، فوقف في موضع القنوت، ولم يقرأ دعاء القنوت، فقنت المأموم صح، لأنه عنده أن على إمامه سنتين سنة القيام، وسنة قراءة دعاء القنوت فقد أتي إحداهما، وترك الأخرى، هذا كما أنه لو جلس الإمام للتشهد الأول، ولم يقرأ التشهد بقراءة المأموم، كذا ها هنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 847

فصل من لا يعرف أركان الصلاة وأبعاضها، وهيئاتها، هل تصح صلاته ام لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تصح كما لو جهل فرضية أصل الصلاة.
والثاني: يصح، لأن هذا مما يشق على العوام، ويخفي على أكثر الناس، فلو لم تصح صلاتهم، أدى ذلك إلى الفساد، بخلاف فرضية أصل الصلاة، فإنها لا تخفي إلا على حديث العهد بالإسلام.

الجزء: 2 - الصفحة: 848

فصل الإمام إذا سها، فنبهه القوم، وسبحوا، فإن فطن لسهوه أخذ به، وإن لم يفطن لذلك، هل له أن يقلدهم نظر، إن كان خلفه واحد، أو اثنان، أو ثلاثة، لا يركن قلبه إلى قولهم، ويغلب على ظنه صدقهم هل له أن يقلدهم وجهان: أظهرهما: يقلدهم، لأنه يبعد التواطؤ عليهم.
والثاني: لا يقلدهم، لأن هذا واقع في نفسه، فيبني فيه على اليقين، وكذلك المأموم، بعضهم مع البعض، إذا وقع الغلط لواحد منهم، وشك في ركن له أن يقلد فيه الآخرين، فعلى هذا التفصيل لو كان خلفه مأموم واحد، فهل يقلد إمامه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا.
والثاني: نعم، لأن الامام كان أوعى وأضبط لركعات الصلاة.
قوله: ويصلي الرجل، وقد صلى مرة مع الجماعة، كل صلاة.
قال المزني: قال الشافعي، ويصلي الرجل، قد صلى مرة مع الجماعة، كل صلاة، والأولى فرضه، والثانية سنة، بطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم، لأنه قال: إذا جئت، فصل، وإن كنت قد صليت.
قال القاضي حسين: المستحب لمن صلي صلاة منفردا أن يصليها ثانيًا إذا أدرك الجماعة، ولا يفصل بين صلاة وصلاة.
ووافقنا أبو حنيفة رحمه الله في الظهر والعشاء، وخالفنا في الصبح والمغرب

الجزء: 2 - الصفحة: 849

والعصر، بناه على أصله، وهو أنه لا ينتقل بعد الصبح والعصر، وعلل في المغرب بأنه وتر النهار، فلو أعاده مع الجماعة لصار شفعًا، ولبطلت الوتر به.
دليلنا: ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم، صلى صلاة الصبح يومًا، فلما انقلب من الصلاة رأي رجلا منعزلا عن الناس، فقال له: لم لم تصل معنا؟ فقال: لأني كنت صليت في رحلي، فقال: إذا جئت فصل معنا وإن كنت صليت في رحلك.
وروى أنه عليه السلام، صلى الصبح في مسجد الخيف، فلما نقلب من الصلاة رأي رجلين منعزلين عن الناس في ناحية المسجد، فقال عليه السلام على بهما، فأتي بهما ترعد فرائصهما، فقال لهما النبي عليه السلام، هونا على أنفسكما، لست أنا بملك، وإنما أنا ابن امرأة من قريش، كانت تأكل القديد، ألستما رجلين مسلمين، فقالا: بلى يا رسول الله، فقال: لم لم تصليا معنا؟ فال: لأنا كنا صلينا في رحالنا، فقال عليه السلام إذا جئتما فصليا معنا وإن كنتما صليتما في رحالكما.
وفي رواية: تكن لكما سبحة، أي: نافلة.

الجزء: 2 - الصفحة: 850

ثم إذا أداها بالجماعة، فالفرض منها ماذا؟ المنصوص عليه ها هنا، وهو مذهبه الجديد: أن الفرض هي الأولى، والثانية نقل، لأن الأولى وقعت عن الفرض، واستحال أن تنقلب نفلا بفعلها ثانيا.
وخرج فيه قول آخر: أن الفرض من الصلاتين، إحداهما لا بعينها، يحتسب الله له بأكملهما وأفضلهما، وعلى الطريقتين ينوي إعادة ما صلى أو فعل ما صلى لأنا وإن قلنا: الثانية نفل، فهو يريد أن يكتسب بها فضيلة للفريضة المؤداة، وهي فضيلة الجماعة، فكأن فضيلة الجماعة تلتحق إلى الأول، وبقيت هي نفلا، وفي صلاة المغرب، إن قلنا: الثانية نفل، يضم إليها ركعة أخرى، لأن المستحب في النوافل ألا يسلم عن الثلاث، بل عن الأربع إذا زادت على اثنين، فإذا صلى صلاة في الجماعة، ثم أدرك جماعة أخرى، فلأصحابنا فيه وجهان: أحدهما: يستحب أن يصليها ليحوز بها زيادة فضيلة.
والثاني: لا يستحب ذلك، والصبح والعصر والمغرب، لأنه لا يستحب التنفل بعد الصبح، والعصر، إذا لم يكن له سبب.
والعلة في المغرب أنه وتر النهار، وفي الظهر والعشاء يستحب، وتكون نافلة إذ التنفل بعدهما سائغ.
قال القاضي: يحتمل أن يقال: إن كانت الجماعة الثانية أوفر، وإمامهم أورع وأهدى لأركان الصلاة وشرائطها، وهيئاتها، يستحب له ان يعيد الصلاة التي صلاها مع الجماعة الأولى، لأنه يكتسب به زيادة فضيلة لم تحصل له في الأولى، وإن كانت الجماعة الثانية مثل الأولى، أو دونهم لا يستحب، والله أعلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 851

قال المزني: ومن لم يستطع إلا أن يومئ، أومأ، وجعل السجود أخفض من الركوع.
قال القاضي حسين: أما القادر على القيام، ففرضه القيام في الصلاة، فإن عجز عن القيام وقدر على القعود ففرضه القعود، فإن عجز عن القعود، صلى مضطجعًا على الجنب إيماء بالرأس.
قال الله تعالى: الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم.
قيل في التفسير: قيامًا، يصلون إذا قدروا على القيام، وقعودًا، إذا عجزوا عن القيام، وعلى جنوبهم إذا عجزوا عن القعود.
وروى عن عمرن بن الحصين أنه قال: كانت بي علة البواسير، فسألتُ رسول الله صلى الله عليه وسم فقال: صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب.
فإن عجز عن الإيماء بالرأس صلى مومئًا بالعين، فإن عجز عن الإيماء بالعين فكر بالقلب أركان الصلاة فعلها وقولها وأبعاضها وهيئاتها، فلا تسقط الصلاة عن بالغ مع بقاء العقل عندنا بحال.
وقال أبو حنيفة: إذا عجز عن الإيمان بالرأس، سقط عنه الفرض، لأن عماد الصلاة الفعل، فإن عجز عن الفعل، امتنع عليه الاتيان بما هو عماد لهما، فسقطت، ثم المصلي بالإيماء يركع مؤمنًا، ويسجد مؤمنا، ويجعل السجود أخفض من الركوع، وإذا عجز عن وضع جبهته على الأرض لا يسجد على الوسادة، وروى أنه عليه السلام عاد مريضا رآه قد وضع وسادة يسجد عليها، فأخذها

الجزء: 2 - الصفحة: 852

ورماها، وقال: إذا عجزت عن السجود أوميء رأسك واجعل السجود أخفض من الركوع، وإذا صلى قاعدًا، ففي كيفية القعود الذي هو بدل عن القيام وجهان: أحدهما: يقعد متربعًا في محل القيام ليغاير بين هذه القعدة، وسائر القعدات، في حق القيام في الصلاة.
والثاني: يقعد متربعًا؛ لأنها قعدة لا يسلم عنهما في التشهد الأول، وبين السجدتين والاستراحة، وإذا صلى مضطجعًا، ففي كيفية الاضطجاع وجهان: أحدهما: يضطجع مستلقيًا على قفاه، كما يضطجع الميت على المغتسل؛ لأن المستلقي على القفا أقرب إلى صواب القبلة.
يدل عليه أنه لو قام كان مستقبلا بجميع بدنه القبلة.
والثاني: يضجع على جنبه الأيمن، كما يضطجع الميت في اللحد، فلو اضطجع على جنبه الأيسر أجزأه، ولو ترك سنة؛ لأن التيامن مستحب في الأمور كلها، والقادر على القيام لو افتتح الصلاة قاعدًا لم ينعقد الفرض، ولا ينعقد له النفل في ظاهر المذهب.
ويخرج فيه قول آخر: أنه ينعقد نفلا، والمصلي قاعدًا إذا قدر على القيام، فلم يقم إن صلاته تبطل، ولم تنقلب نفلا.
ويخرج فيه القول الآخر: أنها تنقلب نفلا، وإذا قدر على القيام بعد الفراغ من القراءة، نص الشافعي رحمه الله على أنه يرتفع إلى القيام، ثم بعد أن قام قائمًا يهوي إلى الركوع، ولا يرتفع من القعود إلى الركوع، وإنما كان ذلك؛ لأن الشرط أن يتنفل من الركن إلى الركن، وإذا قدر على القيام، وعجز عن القعود، وقدر على الاضطجاع، صلى قائمًا غير مضطجع، لأن القيام أقرب

الجزء: 2 - الصفحة: 853

إلى القعود من الاضطجاع، لأنه قعود وزيادة، نظيره ما حكيناه عن الشافعي رحمه الله عليه نصًا في رفع اليدين إذا عجز عن رفعهما فوق المنكبين، ودونهما يرفع فوق المنكبين، وإذا أمكنه أن يصلي قائمًا منفردًا، ولو صلي بالجماعة لا يمكنه القيام.
اختار المزني الانفراد بحق القيام، وكذلك لو أمكنه أن يصلي بأم القرآن دون السورة قائمًا، ولو صلى بأم القرآن دون السورة قائمًا، ولو صلى بأم القرآن والسورة لم يمكنه القيام اختار ترك السورة؛ لأن القيام فرض، والسورة والجماعة سنتان، فكان الإتيان بالفرض أولى من الإتيان بالسنن، وإذا قام إلى الصلاة مستندًا إلى شيء، قد ذكرا أنه يجزيه، فلو قام في الصلاة، وخفض رأسه للخشوع جاز، وإن انحنى ظهره لم يجز، وإن لم يبلغ حد الركوع، كذا قال القاضي رحمه الله.

الجزء: 2 - الصفحة: 854

فصل المربوط على الخشب، والمصلوب إذا دخل عليه وقت الصلاة يلزمه أن يصلي، نص الشافعي رحمه الله إن صلى مستقبل القبلة لا إعادة عليه، وإن صلى غير مستقبل القبلة، فعليه الإعادة، وكذلك الغريق في البحر إذا كان على خشبة هكذا، ثم إذا أعاد الصلاة ففي الفرض من الصلاتين أوجه قد ذكرنا ذلك في الطهارة، مسألة راكب السفينة لا يجوز له ترك القيام في الفريضة مع القدرة عليه عندنا، فإن عجز عن القيام صلى قاعدًا ولا إعادة عليه.
وعند أبي حنيفة يتخير بين الصلاة قائمًا، وقاعدًا مع القدرة على القيام، فنقيس على ما لو كان في البر وعلى سائر الأركان، فإن تركها لا يجوز مع القدرة عليه.
قال المزني: وأحب إذا قرأ آية رحمة أن يسأل أو آية عذاب أن يستعيذ والناس.
قال المزني: وبلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك في صلاته.
قال القاضي حسين: قوله: والناس أراد به المؤمومين، فالمستحب للمصلي إذا مر بآية رحمة الله أن يسأل الله تعالى الرحمة، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ وإذا مر بآية تنزيه أن يسبح، إمامًا كان أو منفردًا أو مأمومًا.
وقال أبو حنيفة: لا يستحب.
دليلنا: ما روى عن حذيفة بن اليمان أنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ سورة البقرة، فما مر بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية عذاب إلا تعوذ، ولا بآية تنزيه إلا سبح، ولا بآية مثل إلا فكر.

الجزء: 2 - الصفحة: 855

وكان الشيخ رحمه الله يحكي عن حذيفة أنه كان يقول: لو أردنا، ما مات النبي صلى الله عليه وسلم، كنا نسائله عن أشياء في ديننا، ولكن الله تعالى لا يقبضه من بين أظهرنا، ولنا في الدين معضل.
أي: كان مبعوثًا لبيان الشرائع، فكان الله لا يقبضه، ولا يخرجه من بين الخلق، وقد بقي مشكل في الشرع.
وروى عن أبي ليلى أنه قال: سمعت النبي عليه السلام، يقول في الصلاة: أعوذ بالله من التأويل لأهل النار وإذا قرأ سورة والتين، فالمستحب أن يقول بعد الفراغ منها: بلى، وأنا على ذلكم من الشاهدين.
وهكذا قال: إذا قرأ سورة لا أقسم بيوم القيامة، وإذا قرأ سورة والمرسلات، فالمستحب أن يقول [عند قوله تعالى]، فبأي حديث بعده يؤمنون، لا إله إلا الله، أو آمنت بالله، وإذا قرأ سورة الملك: (فمن يأتيكم بماء معين)، يقول: الله، وبهذا ورد الخبر، وهذا مستحب للإمام والقوم، لقول الشافعي في المسألة الأولى: والناس.

الجزء: 2 - الصفحة: 856

فرع المستحب للمصلى تطويل القراءة في القيام، والقيام فيها أشد استحبابًا بأمر القيام في سائر الأركان، إلا إذا كان إمامًا، وهل يكون جميع قيامه فرضًا أو يكون الفرض منه قدر قراءة الفاتحة.
فوجهان: قال المزني: قال: وإن صليت إلى جنبه امرأة صلاة، هو فيها، لم تفسد عليه.
قال القاضي حسين: عندنا إذا وقفت المرأة بجنب رجل في الصلاة، وشرعت في الصلاة مقتدية به، لم تبطل صلاة الرجل بحال.
وقال أبو حنيفة: إذا وقفت بجنبه في صلاة ذات ركوع وسجود، وشاركته في صلاته بطلت صلاته إذا اجتمعا في الركوع.
ووافقنا على أنه إذا وقفت بجنبه في صلاة الجنازة لا تبطل صلاته، وقبل الركوع وافقنا في أنها لا تبطل، فإذا وقفت خلف الإمام، يقول: تبطل صلاة من على يمني المرأة وعلى يسارها وخلفها، ولا تبطل صلاة من أمامها، ولو وقف صف من النساء خلف الإمام، وصف من الرجال خلفهن، يقول: صلاة الرجال الذين في محاذاة النساء باطلة، ومن خرج عن محاذاتهن، فصلاته صحيحة، حتى لو زاد صف الرجال على النساء بواحد، صحت صلاة الواحد الذي لم يكن في محاذاة النساء، ولو وقف صف آخر وراء هذا الصف، قال: تصح صلاتهم متابعة لهذا الرجل الواحد.
دليلنا: ما روت عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة، فكان إذا سجد غمز رجلي فقبضتهما، وإذا قام مددتهما.
قال: قال صاحبنا رضي الله عنه: وعائشة في صلاتها مع النبي صلى الله عليه وسلم أحسن

الجزء: 2 - الصفحة: 857

حالاً منها نائمة بين يديه، ثم لم تبطل صلاته، وهي نائمة بين يديه، فإذا كانت معه في الصلاة، فلأن لا تبطل الصلاة أولى، ولأنها أخطأت في موقف المأمومين، وهذا لا يبطل صلاة الإمام، كالمأموم الواحد، إذا وقف على يسار الإمام أو خلفه.
قال المزني: وإذا قرأ آية السجدة (سجد) فيها، وسجود القرآن أربع عشرة سجدة، سوى سجدة (ص) فإنها سجدة شكر، وروى عن عمر رضي الله عنه أنه سجد في سورة الحج سجدتين، وقال: فضلت بأن فيها سجدتين، وكان ابن عمر يسجد فيها سجدتين.
قال: وسجد النبي صلى الله عليه وسلم في (إذا السماء انشقت)، وعمر في (والنجم).
قال الشافعي: وذلك دليل على أن في المفصل سجودًا، ومن لم يسجد فليس بفرض، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد وترك.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إن الله عز وجل، لم يكتبها علينا إلا أن نشاء.
قال القاضي حسين: لا خلاف بين العلماء أن سجود التلاوة مشروع، وأن في القرآن عزيمة السجود، وليست بواجبة عندنا.
وقال أبو حنيفة: هي واجبة، وليست بفريضة والواجب عنده درجة بين النفل والفرض، لا يكفر جاحده، لكنه يعضى بتركه كالوتر.
دليلنا: ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم: سجد وترك.
وعن عمر رضي الله عنه أنه قرأ آية السجدة على المنبر فنزل وسجد فلما

الجزء: 2 - الصفحة: 858

كان في الجمعة الثانية قرأ آية سجدة، فتشزن الناس للسجود، فقال: أيها الناس على رسلكم، إن هذا شيء، لم يكتبه الله تعالى علينا إلا أن نشاء.
فلأنه سجود يجوز فعله على الراحلة كسجود الشكر.
واختلف العلماء في عدد عزائم السجود.
فمذهب الشافعي في الجديد أنها أربع عشرة سجدة، أربع منها في النصف الأول، وثلاث في المفصل، والباقي بينهما.
وقال في القديم، وهو مذهب الإمام مالك: عزائم السجود إحدى عشرة، وليس في المفصل سجود.
وروى عن ابن عباس أنه قال: ما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المفصل منذ انتقل إلى المدينة.
ومن قال بالجديد أجاب عن هذا بأن ابن عباس لم ينقله، لأنه لم يره، وغيره نفل سجوده عليه السلام في المفصل بعد الهجرة.
روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: سجد في سورة إذا السماء انشقت وعن عمر أنه سجد في سورة والنجم.
قال الشافعي رحمة الله في القديم: وأحب أن يسجد في سورة: إذا السماء انشقت، وفي سورة اقرأ، مع قوله: ليس في المفصل سجدة.
وقال على رضي الله عنه: عزائم السجود أربع في: الم تنزيل، السجدة، وحم، والنجم، وسورة اقرأ.

الجزء: 2 - الصفحة: 859

وقال أبو حنيفة: عزائم السجود أربع عشرة إلا أن عنده سجدة (ص) من عزائم السجود، وفي الحج سجدة واحدة، وهي الأولى، وعندنا في الحج سجدتان، وسجدة (ص) ليست من العزائم.
قال ابن سريج: هي من العزائم كما قاله أبو حنيفة، واحتج أبو حنيفة بما روى عن عبد الله بن عمر بن العاص قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم آيات السجدة، فذكر من جملتها سجدة (ص).
دليلنا: ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الخطبة سجدة (ص)، فنزل وسجد، فلما كان في الجمعة الثانية قرأها، فتشزن الناس للسجود، فنزل وسجد، فلما صعد قال: إن هذه توبة نبي لكني رأيتكم تشزنتم فسجدت لكم.
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة (ص)، إلا لقوله تعالى: (أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده).
والدليل على أن في الحج سجدتين ما روى عن عقبة بن عامر أنه قال: سألت رسول الله صلى الله أفي الحج سجدتان؟ فقال: نعم، من لم يسجدهما فلا يقرأهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 860

وعن عمر أنه قرأ سورة الحج، وسجد سجدتين، وقال فضلت بسجدتين، وعن ابن عمر مثل ذلك، ولأن قوله تعالى: (واسجدوا واعبدوا ربكم)، أمر صريح بالسجود، وفي الموضع الذي لم يصرح بسجود أمر به، فها هنا أولى، فلو قرأ سورة (ص)، وسجد إن كان جاهلاً بالحكم لم تبطل صلاته، وإن كان عالمًا بأنها ليست من العزائم، فوجهان: أحدهما: بطلت صلاته؛ لأنه سجود شكر، كما لو سجد في خلال الصلاة بتجديد نعمة أو انكشاف بلية.
والثاني: لا يبطل؛ لأنه سنة التلاوة، وإذا سجد إمامه في سورة ص فعلى التفصيل الذي ذكرنا، إن كان جاهلا لم تبطل، وإن كان عالمًا فوجهان.
ثم الشافعي رحمه الله بين محل السجدات كلها، إلا سجدة (حم) السجدة، فإنه لم يبين محلها، فاختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال: محلها إذا فرغ من قوله: (إن كنتم إياه تعبدون)؛ لأنه تتم به الآية، وهو الصحيح، قال ابن سريج، إن محلها عند قوله، (وهم لا يسأمون) ـ، رجح ابن سريج هذا بشيئين.
أحدهما: أن الكلام إنما يتم ها هنا، وإن تمت الآية بقوله: (يعبدون)، ومحل السجود عند تمام الكلام أولى، يدل عليه انه في سورة النحل، يسجد عند قوله: (ويفعلون ما يؤمرون)، وإنما تمت الآية عند قوله، (وهم لا يستكبرون).
والثاني: أن الشافعي رحمه الله أخذ في التسمية بقول قراء (الكوفة)، وفقهاء المدينة، ولم يأخذ بقول فقهاء الكوفة، وقراء المدينة.
ومذهب قراء الكوفة، أن محل السجود عند قوله، وهم لا يسأمون

وكان القفال يذكر لهذا ترجيحًا آخر ويقول: إن كان محل السجود ما قاله ابن سريج، فذاك وإن كان عند قوله: (إن كنتم إياه تعبدون)

الجزء: 2 - الصفحة: 861

فلا يضره التأخير، لأن هذا القدر يسير لا يقطع النظم، ولا يطول به الفصل، ثم التالي لآية السجدة لا يخلو إما أن يكون هو أو غيره، فإن كان هو التالي، فلا يخلو، إما أن يكون في الصلاة، أو خارج الصلاة، فإن كان في الصلاة فيكبر للهوي إلى السجود، ولرفع الرأس منه.
وقال ابن أبي هريرة: لا يكبر لرفع الرأس منه، ولا يسقط سنة السجود بالركوع عندنا.
وقال أبو حنيفة: لو ركع سقط عند سجود التلاوة، وهذا هو الدليل على كونه مسنونًا، إذ لو كان واجبًا لما سقط بالركوع في الصلاة كسائر الواجبات، وإن كان خارج الصلاة، فيكبر للافتتاح.
قال القاضي رضي الله عنه: والمستحب عندي أن يقوم قائمًا، ثم يكبر للافتتاح، ليحوز فضيلة القيام: لأن للقيام من الفضيلة ما ليس للقعود، قال عليه السلام: صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم.
ثم يكبر للهوي، ويسجد حتى يطمئن ساجدًا، ثم يكبر لرفع الرأس، ولا يجلس للاستراحة، بخلاف السجدة التي هي من صلب الصلاة، وهل يتشهد ويسلم؟ حكى البويطي أنه يتشهد ويسلم.
فمن أصحابنا من أخذ به.
ومنهم من قال: لا يتشهد ولا يسلم، ومنهم من قال، وهو اختيار القفال، وهو الأصح: إنه لا يتشهد، ويسلم لأن التسليمة معدلة بالتحريم، مقابلها، والتحريمة مشروعة في سجود التلاوة، فكذا التسليمة، وإن كان التالي غيره، فلا يخلو:

الجزء: 2 - الصفحة: 862

إما أن يكون في الصلاة، فلا يسجد لتلاوته.
وإن كان خارج الصلاة، فيسجد بثلاث شرائط: أحدها: أن يسجد التالي.
والثاني: أن يكون مستمعًا لتلاته.
والثالث: أن يكون على الطهارة، فإن لم يسجد التالي لم يلزمه السجود.
روى ان رجلا قرأ بين يدي النبي عليه السلام آية سجدة وسجد، فسجد النبي عليه السلام، ثم قرأ رجل آخر بين يديه آية سجدة، ولم يسجد، فلم يسجد النبي عليه السلام فقال يا رسول الله، سجدت لقراءة فلان، ولم تسجد لقراءتي، فقال عليه السلام أما إنك كنت إمامًا فلو سجدت لسجدنا.
ثم إن هذا المستمع يصير تابعًا، ومقتديًا بالتالي حتى يلزمه ألا يسلم إلا بعد سلامه، ولو كان التالي قرأ آية السجدة في الصلاة، والمستمع خارج الصلاة، وسجد التالي، فيستحب له أن يسجد، ولو سها في سجدة التلاوة، أو قرأ في سجدة التلاوة آية التلاوة لتلك الآية، أو أخرى لا يسجد ثانيًا، لأن تحريمها انعقد لفرد سجدة، فلا يجعلها شفعًا.
وإن كان التالي في الصلاة، فقرأ آية السجدة، قبل قراءة الفاتحة، له أن يسجد، لأن القيام كله محل للقراءة، بخلاف ما لو قرأ في الركوع والسجود والتشهد لا يسجد، لأنه ليس بمحل قراءة القرآن، وكل شرط يسترط في الصلاة من الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة، والوقوف على مكان ظاهر، يشترط في سجود التلاوة.
والمستحب أن يقول: سبحان ربي الأعلى، وبحمده ثلاثًا، فظاهر قوله -

الجزء: 2 - الصفحة: 863

عليه السلام، لما نزل قوله: (سبح اسم ربك الأعلى)، قال: اجعلوها في سجودكم.
وهو في سورة ألم تنزيل، أكثر استحبابًا لقوله تعالى: (وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون).
فلو قال فيه: سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، فتبارك الله أحسن الخالقين، والأول هو الأولى، وفي سجدة الفرقان، في قوله تعالى: وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن، فيستحب أن يقول: سجدت للرحمن، وآمنت بالرحمن، فاغفر لي يا رحمن، وإذا كرر في مجلس واحد، أو ركعة واحدة من الصلاة آيات السجود، يستحب أن يسجد في كل مرة، إلا أنه لا يستحب أن يجمع آيات السجود ليقرأها دفعة واحدة لأجل السجود، ولو كرر آية السجدة مرارًا يكفيه سجدتان.
وعند أبي حنيفة إن كان في مجلس، وقرأ آيات السجود يكفيه سجدة واحدة، وإن قرأ آية، وسجد لها، ثم قرأها في هذا المجلس، لا يسجد لها ثانيًا.
وفي مجلس آخر له فيه روايتان، ويسجد للتلاوة في الأوقات المنهية، لأن له سببًا، ولو ترك سجود التلاوة لم يقضه، سواء تركه بعذر أو غير عذر، فالعذر مثل: أن يكون على غير الطهارة ونحوه، قال: ويحتمل أن يقال: إذا تطهر يقضيه، كما قال الشافعي رحمه الله في الأذان إذا سمع المؤذن يؤذن، وهو في الصلاة لا يجيبه، وإذا فرغ من الصلاة قاله.
وقال أبو حنيقة: لا يسجد في الأوقات المنهية، ثم يقضية بعد خروج الوقت المنهي، وكذلك يقول: لو لم يكن متطهرًا، فعليه القضاء إذا تطهر، وإذا ترك سجود التلاوة في الصلاة، وافقنا في أنه لا يقضيه خارج الصلاة، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: ويصلي في الكعبة الفريضة والنافلة، وعلى ظهرها، إن كان عليه من البناء ما يكون سترة لمصل، فإن لم يكن لم يصل إلى غير شيء من البيت.

الجزء: 2 - الصفحة: 864

قال القاضي حسين: وهو كما قال عندنا: وقال مالك: يجوز فعل النافلة في الكعبة دون الفريضة، ولعله برع فيه إلى أنه عليه السلام: لم يصل الفريضة في الكعبة، وصلى النافلة فيها.
لنا: أن هذه بقعة يجوز فيها فعل النفل، فكذا إن فعل الفرض كغيرها من البقاع، إلا أن المستحب عندنا ألا يصلي الفريضة في الكعبة أيضًا، لأنه عليه السلام، لم ينقل عنه أنه صلى الفريضة فيها للخروج من الخلاف.
كذا قال رضي الله عنه: وإذا صلي خارج البيت توجه إلى أي جانب شاء، وإذا صلى على ظهر الكعبة إن كان بين يديه شي من البيت بقدر مؤخرة الرجل، أو نبت شجر على ظهر الكعبة جاز، وإن لم يكن بين يديه من بناء البيت نظر، فإن غرز خشبة، فيها وجهان: أحدهما: لا يجوز، لأنها ليست من بنائها، وإنما غرزت فيه للقطع، لا للتأبيد.
والثاني: يجوز، ولو وضع أمتعة بين يديه أو مد حبلا بين يديه لم يجز، وكذا لو أرخى سترًا بين يديه، لا يجوز، وهذا نظير ما لو باع دارًأ، وفيها منقولات، مثبتة في الأرض لا للتأييدـ هل يتبعها في البيع؟ فعلى وجهين، وإن كانت غير مثبتة في الأرض لم يتبعها فيه.
وعند أبي حنيقة: الصلاة على ظهر الكعبة جائزة، وإن لم تكن بين يديه سترة، وهذا لا يصح، لما روى، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن الصلاة في سبع مواطن، وذكر ظهر الكعبة من جملتها.
ولأن الكعبة إمام المصلي، والامام في الصلاة لا يعلى، ولأنه لم يتوجه إلى

الجزء: 2 - الصفحة: 865

جزء من البيت، ولا إلى جميع هواء البيت، فصار كما لو وقف على طرف السطح.
فأما إذا انهدمت الكعبة والعياذ بالله، فوقف في صحنها إن لم يكن بين يديه شيء من البيت لم يجز، وإن كان بين يديه شيء من بناء البيت بقدر سترة المصلى، جاز، وإن غرز خشبة بين يديه، فوجهان، ولو وقف على أبي قبيس، أو سطح المسجد جاز، لأنه متوجه إلى جهة الكعبة، وهوائها، ولو حفر حفرًا في البيت، ووقف فيه جاز، لأنه متوجه إلى جزء من البيت، ولو جمع الآلات والنقض، وبناها في موضع آخر، وتوجه إليها لا يجوز له ذلك، لأنها ليست بجهة الكعبة.
قال المزني: ويقضي المرتد كل ما ترك في الردة.
قال القاضي حسين: عندنا، المرتد يقضي ما ترك من الصلوات في زمان الردة، إذا عاد إلى الإسلام.
وقال أبو حنيقة: لا يقضيها وعلى هذا الردة عندنا لا تسقط الأعمال المستقرة في الذمة، ولا تحبط المفروع عنها، خلافًا لأبي حنيفة، وأصل هذه المسألة أن عندنا إسلام المرتد إسلام بناء، لا إسلام ابتداء.
وعنده إسلامه إسلام ابتداء كإسلام الكافر الأصلي.
فرع المرتد إذا جن، ثم أفاق، فأسلم، يلزمه قضاء ما مضى من الصلوات في زمان الردة على الجنون إذا عاد إلى الإسلام، وإذا حاضت، ثم أسلمت، ثم طهرت، لم يلزمها قضاء الصلوات في زمان الحيض، والفرق أن سقوط الصلاة عن الحائض عزيمة، وعن المجنون رخصة، والرخصة لا تثبت للعاصي، والردة رأس المعاصي.

الجزء: 2 - الصفحة: 866

وحقيقة الفرق أن الحائض من أهل الخطاب، لأن الحيض لا يسلب التكليف، فخوطبت بترك الصلاة.
يدل عليه أنها لو صلت تعصي الله تعالى.
وأما المجنون فإنه ليس من أهل الخطاب، وإنما سقطت الصلاة عنه رخصة له، يدل عليه أنه لو صلى لم يعص الله تعالى.
قال صاحب التلخيص، لو سكر فجن تلزمه قضاء الصلوات، لأن السكر معصية، فيمنع ثبوت الرخصة، إلا أنه في السكر إنما يتصور هذا في صلاة أو صلاتين، لأن مدة السكر لا تمتد بخلاف الردة.
فروع شتى لو قرأ آية التلاوة في الصلاة، بعد قراءة الفاتحة، فهوي ليسجد سجدة التلاوة، فلما بلغ حد الركوع بدا له أن يركع.
قال القاضي رضي الله عنه: عليه أن يعود إلى القيام، ثم يركع، لأن هوية كان لأجل كان لأجل النفل، والركوع فرض، كما قال الشافعي رحمه الله: لو رفع رأسه من السجود لتنفل عليه أن يعود إلى السجود ثانيًا، لأن رفعه لم يكن بنية الفرض، ولو قرأ آية السجدة، ووقع له ألا يسجد ويرفع، فلما بلغ حد الركوع بدا له أن يسجد سجدة التلاوة.
قال رضي الله عنه: ينظر إن بلغ حد الركوع ليس له ذلك؛ لأنه انتقل إلى ركن آخر، وإن لم يلغ حد الركوع جاز له ذلك، ولو سجد الإمام سجدة التلاوة، فلو لم يتابعه بطلت صلاته، ولو أن الإمام ترك سجدة التلاوة، ليس له أن يسجد، بخلاف سجدتي السهو، لأنه يورث خللا في صلاته، وأيضا أنه يفعله بعد ما خرج الإمام من الصلاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 867

فرع لو قرأ الإمام آية التلاوة، وسجد، ولم ينتبه المأموم حتى فرغ الإمام وقام، بأن كان بعيدًا منه، ليس له أن يشتغل بسجدة التلاوة، ويترك متابعة الإمام، لأن المتابعة فرض، وسجدة التلاوة سنة.
منه لو جلس الإمام في التشهد الأول، وقام، ثم علم المأموم، أو أتي بالقنوت في الصبح، ولم يعلم المأموم، ثم علم بعد الفراغ منهما ليس له أن يشتغل بالقنوت، ولا بالتشهد الأول، لما ذكرناه، فلو أراد أن يفارق الإمام، ويأتي بالتشهد الأول، أو بالقنوت بالنية له ذلك، وفي سجدة التلاوة ليس له ذلك.
والفرق أنهما من أبعاض الصلاة، فتركهما يوجب نقصا في الصلاة، وسجدة التلاوة ليست من أبعاض الصلاة، وتركها لا يوجب نقصًا وخللاً في الصلاة.
فرع لو ترك الإمام والمأموم السجدة الأخيرة في الصلاة ناسيًا، ثم تنبه المأموم في حال التشهد وجب عليه أن يخرج نفسه من متابعة الإمام، ويسجد ثم يستأنف التشهد، ويسجد سجدتي السهو، وليس له أن يصبر، ويقول: ربما يتذكر الإمام فيسجد فيتابعه، أو يسلم حينئذ ويسجد، ويستأنف التشهد، لأن قراءة التشهد قبل السجود باطل غير جائز، والمتابعة فيما هو باطل، توجب بطلان الصلاة.
فرع.
لو تنحنح الإمام في الصلاة، فهل عليه أن يخرج نفسه من متابعته، ويحمل ذلك على أنه فعله عمدًا؟ فوجهان، وبمثله لو سجد إمامه في آخر الصلاة سجدتي السهو، ولم يظهر

الجزء: 2 - الصفحة: 868

منه السهو، يجب عليه أن يتابعه، ولو لم يتابعه بطلت صلاته، وكذا لو سجد إمامه في أثناء القيام في صلاة السر، عليه أن يتابعه، ويحمل ذلك على سجدة التلاوة، والفرق أن التنحنح ليس من الأذكار، والأعمال المشروعة في الصلاة، وكذا لو قام إمامه إلى الخامسة، ليس له أن يتابعه، ويحمل ذلك على أن إمامه قد ترك فاتحة الكتاب في ركعة ناسيًا، وقد تذكر الآن، بخلاف سجدة التلاوة وسجدتي السهو، لأنهما من الأعمال المشروعة في الصلاة المسنونة في الشرع، ولا تبطل صلاته بهذا القدر، لأن سجدة التلاوة مشروعة في الصلاة، وهذا كما لو سها في صلاته، فاقتصر على سجدة واحدة جاز كذا ها هنا مثله فرع المستحب للمصلي أن يراعي الترتيب في قراءة السورة بعد الفاتحة، والسنة أن يقرأ سورة تامة.
وحكي عن القاضي بن صاعد أنه قرأ: (قل أعوذ برب الناس) ـ في الركعة الأولى بعد الفاتحة، ثم قام، وقرأ من أول البقرة في الركعة الثانية، وحكي عن الحاكم الإمام عن الإستراباذي، رحمة الله أنه قرأ قل أعوذ برب الناس، في الركعة الأولى بعد الفاتحة، فقرأ منها بعضها وركع، ثم أتم الباقي في الركعة الثانية.
فرع ولو قرأ في الصلاة ما كان قرآنا، ثم نسخ تلاوته؛ مثل قوله: الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما ألبتة، تبطل صلاته، لو قرأ في الصلاة بالقراءات الشاذة، مثل إن قرأ: إنا أنطيناك الكوثر، لا يستحب، ولكن لا تبطل صلاته.
ويستحب أن يقرأ القرآن في الصلاة بقراءة السبع.

الجزء: 2 - الصفحة: 869

وقد قال عليه السلام: أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف.
واختلفوا في تفسيره.
قيل: معناه، أنزل على لغة سبع قبائل من العرب، والنبي عليه السلام كان لا يعرف إلا لغة قريش، كي لا يقولوا بأنه عليه السلام اخترعها من عند نفسه.
فرع لو قرأ في الصلاة: الحمد لله، بفتح اللام، لا يجوز، وكذا لو قال: إياك نعبد، من غير تشديد، إن كان عامدًا يكفر، لأن الإياه هي ضوء الشمس، وإن كان ساهيًا يستأنف القراءة.
فرع.
رجل سلم عن صلاته، فقال له آخر، سلمت في غير موضعه، فقال: لا، بل سلمت في موضعه، ثم تذكر أنه ما سلم في موضعه، هل تبطل صلاته أم لا؟ نظر، إن وقع له شك بقوله، فحالة الشك إجابة تبطل صلاته، وإن لم يقع له شك بقوله، ثم تذكر، فعليه أن يبني علي صلاته إن كان الفصل يسيرًا، وإن طال الفصل يستأنف.

الجزء: 2 - الصفحة: 870

فرع رجل في السجود تيقن أنه ترك ركنًا، وأشكل عليه ذلك الركن، لا يدري أنه ترك القراءة أو الركوع، أو الاعتدال من الركوع، فعليه أن يأخذ بأسوأ الأحوال، ويعود إلى القراءة.
فرع رجل شرع في قضاء الفائتة، فدخل الإمام مع جماعة، وافتتحوا صلاة الوقت بالجماعة، لا يستحب له أن يقتصر على ركعتين يكونان له نافلة حتى يصليها مع الإمام بالجماعة، أو يصلى صلاة الوقت، بخلاف صلاة الوقت، فإنه إذا شرع، ثم كذا الإمام مع الجماعة شرعوا في الصلاة.
نص الشافعي رحمه الله على أنه يقتصر على ركعتين يكونان له نافلة؛ لأن الفائتة لاتقتضي بالجماعة، ولا يسن لها الجماعة بخلاف صلاة الوقت، وبمثله لو كان جماعة دخلوا المسجد، ووجدوا الإمام في القعدة الأخيرة، فالمستحب لهم أن يقتدوا به، ولا يتركون الاقتداء به حتى يسلم الإمام، وهم يصلون الجماعة ثانيًأ، لأن تلك الفضيلة متحققة، وها هنا موهومة، ولو كان يوم غيم فشرع في صلاة فائتة فتقشع الغيم، وبان أنه لم يبق من الوقت إلا قدر صلاة الوقت، يستحب له أن يقتصر على ركعتين نافلة، ويستعد لفريضة الوقت، لأنه لما جاز له قطع الفريضة لأجل إدراك الجماعة، فلأن يجوز قطعها لأجل أدائها في وقتها وألا تصير قضاء أولى.
فرع رجل قال لامرأته: إن صليت اليوم صلاة الظهر، فأنت طالق، فإن صليت الظهر وقرأت الفاتحة، ولم تأت بالتشديد لا يقع الطلاق، لأنها ما صلت.

الجزء: 2 - الصفحة: 871

فرع إذا صلى ركعتي الفجر، السنة أن يضطجع على جنبه الأيمن، هكذا روى في الأخبار أن النبي عليه السلام، فعله.
فرع لو قال في الصلاة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: تبطل صلاته، ولو قال: قال الله، إن قصد به القرآن لا تبطل صلاته، وإن لم يقصد به القرآن تبطل صلاته، ولو روى خبرًا في أحكام المعاملة كقوله عليه السلام: الخراج بالضمان، تبطل صلاته.
فرع مسبوق رأي الإمام في الركعة الأولى، سجد سجدة ساهيًا، فلو قام إلى الثانية اقتدي به.
وقلنا: يصح اقتداؤه، فلا يتابعه في القيام والركوع، لأنه غير محسوب له، بل يجلس وينتظره في السجدة الأولى، إن جلس الإمام بين السجدتين، أو لم يجلس.
وقلنا: القيام يقوم مقامه الجلسة الأولى، فإذا هوي الإمام إلى السجود تابعه فيه، ثم إذا رفع الإمام رأسه من السجود، وقام هو، يقوم أيضًا معه، وإن اشتغل بالسجدة الثانية، فلا يتابعه، بل قوم وينظره، فإن سلم حينئذ تكمل الصلاة لنفسه.

الجزء: 2 - الصفحة: 872

فرع مأموم نسي الفاتحة، فذكرها بعدما هوي إلى الركوع، وهو بعد قائمًا، فيه وجهان: أحدهما: يقرأ الفاتحة، ثم يجري على أثر الإمام ما لم يزد على ثلاثة أركان، لأنه معذور.
والثاني: يتابع الإمام، ثم إذا سلم الإمام، يقوم ويقضي ركعة، ولو تذكر بعدما هوي إلى الركوع لم يعد وجهًا واحدًا، لأنه لم يكن في محل القراءة، ولو شك قبل أن يركع، هل قرأ الفاتحة أم لا؟ قرأ الفاتحة، ثم يجري على أثر الإمام، وإذا شك في الركوع لا يعود، فإذا سلم الإمام يقوم ويقضي ركعة.
فرع المأموم الموافق إذا قرأ دعاء الاستفتاح، فلما فرغ منه هوى إمامه إلى الركوع عليه أن يقرأ الفاتحة وجهًا واحدًا، ثم يجري على أثر الإمام كما بينا، والمسبوق لو اشتغل بدعاء الاستفتاح.
فقيل: إن قرأ الفاتحة ركع الإمام، ففيه أوجه سنذكرها إن شاء الله.

الجزء: 2 - الصفحة: 873

باب سجود السهو وسجود الشكر

قال المزني: قال الشافعي رحمه الله تعالى -: ومن شك في صلاته، فلم يدر، أثلاثًا صلى، أم أربعًا، فعليه أن يبني على ما استيقن، وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال القاضي حسين: بدأ في الترجمة بسجود الشكر، وفي الشرح ببيان حكم سجود السهو، لأن أمره أهم، وجملة السهو في الصلاة قسمان، سهو في أصل الصلاة في الأصل، فمثل أن يشك أنه هل صلى أم لا؟ فالأصل أنه لم يصل، فيبني على اليقين، وهذا أصل ممهد في الشريعة، وهو أن ما تحقق ثبوته، وشك في زواله، لا يترك اليقين، السابق، بالشك الطاري، بل بيقين أقوى منه أو مثله، والأصل فيه ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الشيطان يأتي أحدكم، فينفخ بين أليتيه، ويخيل إليه أنه قد أحدث، فإذا وجد أحدكم ذلك فلا ينصرف عن صلاته، حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا.
وقال عليه السلام: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
فأما الشك في أبعاض الصلاة فلا يخلو أما أن يقع في خلال الصلاة، أو بعد الفراغ منها، فإن وقع في خلال الصلاة مثل أن شك في أنه هل صلى ركعة أو ركعتين؟

الجزء: 2 - الصفحة: 874

فيبني على اليقين، ويعود إلى الموضع الذي وقع له الشك في فعله، يأتي به، وما أتي على الشك بعده، ولا يفصل بين أول صلاة يعرض له هذا الشك فيها، وبين الصلاة بعدها إذا صار ذلك عادة له.
وقال أبو حنيقة إذا اعترض له الشك أولا، بطلت صلاته، وإن كان ذلك وقع له معتادًا اجتهد إن أدى اجتهاده إلى أحد الأمرين، عمل به، أخذًا بغلبة الظن، فإن استوى الأمران عنده يبني على اليقين.
دليلنا ما روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا، فليبن على ما استيقن، وليضف إليها ركعة أخرى وليسجد سجدتين ثم ليسم، فإن كانت خمسًا شفعتها السجدتان، وإن كانت أربعًا، فالسجدتان ترغيمتان للشيطان.
قوله: شفعتها السجدتان، لم يرد أنها بالسجدتين تصير ستة، إذ: السجدتان لا يقومان مقام ركعة كاملة، وإنما أراد به أن السجدتين يردانها إلى الأربعة، ويحذفان الزيادة، لأن سجود السهو كما يجبر النقصان يرفع الزيادة.
وقوله: وإن كانت أربعًا فالسجدتان ترغيمتان للشيطان، أراد به أنه إن كان قد أتم صلاته، ولم يزد فيها شيئًا، يسجد سجدتين، فيترغم بهما الشيطان، ولا تزداد بهما الصلاة.
وقيل: لا يترغم الشيطان بقربة كما يترغم بالسجود، يقال: إذا سجد ابن آدم، يقول الشطيان: واويلاه، أمر ابن آدم بالسجود، فأطاع، فله الجنة، وأمر هو بالسجود فعصى، فله النار، ويترغم بالأذان والإقامة أيضا غاية الترغم.

الجزء: 2 - الصفحة: 875

روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط أو حصاص فإذا فرغ أقبل، فإذا أقام أدبر، فإذا فرغ أقبل، ويدخل ما بين المرء ونفسه، ويذكره أشياء، لا يذكرها فإذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا؟ فليين على ما استيقن.
ولأن ما وجب البناء في أصله على اليقين، وجب البناء على عدد على اليقين كالطلاق، وإن شك بعد الفراغ من الصلاة في عدد الركعات أو الأركان، عن كان الفصل يسيرًا عاد، وبني على صلاته، وإن طال الفصل استأنف في الجديد، وبني في القديم.
ونظير هذا، المرأة المعتدة بالإقراء إذا ارتابت هل بها حمل أم لا؟ وكانت في خلال العدة لا يحكم بانقضاء عدتها، فإن كانت قد انقضت عدتها، فنكحت، فعلى قولين: أحدهما: لا ينعقد النكاح.
والثاني: ينعقد موقوفًا.
وجه الشبه أن الريبة هناك طرأت بعد الحكم بانقضاء العدة، فأوجبت نقض الحكم والحكم ببقاء العدة، فكذا ها هنا، الريبة إذا طرأت توجب نقض الحكم بصحة الصلاة، ويلزم الاستئناف.
قال المزني: فإذا فرغ من صلاته بعد التشهد، سجد سجدتي السهو قبل التسليم، واحتج في ذلك بحديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم وبحديث ابن بحينة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد قبل [السلام].

الجزء: 2 - الصفحة: 876

قال القاضي حسين: مذهب الشافعي رحمه الله في الجديد أن سجدتي السهو، قبل السلام، زيادة كانت السهو أو نقصانًا.
وقال في القديم: إن وقع السهو بالزيادة سجدهما بعد السلام، وإن وقع بالنقصان سجدهما قبل السلام، وهو مذهب مالك.
وفرق بأن السهو إذا كان نقصانا ينجبر بهما إذا سجدهما قبل السلام، وإذا كان زيادة يؤدي إلى الزيادة على الزيادة لو سجدهما قبل السلام.
ومن قال بالأول أجاب عنه بأن قال: سجود السهو كما يجبر النقصان يحذف الزيادة، فإذا كانت السهو زيادة سجدهما قبل السلام لينحذف الزيادة.
واحتج مالك أيضا بحديث ذي اليدين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سجدهما بعد السلام، ولأن سهوه كان بالزيادة، وهو الكلام والسلام، وبما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة ذات أربع خمسًا، فقيل له: أزيدت الصلاة يا رسول الله؟ فقال عليه السلام: لماذا؟ فقيل: صليت خمسًا فسجد سجدتين، وسلم.
ومن قال بالمذهب الجديد أول حديث ذي اليدين، وحمل السلام المذكور فيه قبل السلام على السلام المشروع في التشهد وهو السلام على النبي، وعلى عباد الله الصالحين على أنه روى في حديث ذي اليدي أنه سجد سجدتين، ثم سلم.
وأما الخبر الاخر، فلا دليل فيه، لأن السجدتين وقعتا بعد السلام للضرورة؛ لأنه عليه السلام ذكر السهو بعد السلام.
وقال أبو حنيفة سجدتا السهو بعد السلام بكل حال دليلنا: حديث أبي سعيد الخدري على ما روينا، وحديث عبد الله بن بحينة روى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي الظهر أو العصر، فقام إلى الثالثة،

الجزء: 2 - الصفحة: 877

ولم يجلس فسبحنا فلم يعد، فلما كان في آخر الصلاة انتظرنا تسليمه، فسجد سجدتين ثم سلم.
قال الشافعي: روى السجود قبل السلام وبعده، وآخر الأمرين قبل السلام، والأخذ به أولى، وروى عن الزهرى أنه قال: سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل السلام للسهو، وسجد بعد السلام، وكان سجوده قبل السلام آخرًا.
وقال ابن عباس: كنا نأخذ من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأحدث فالأحدث.
ولأن هذه السجدة لجبر خلل وقع في الصلاة، فيأتي بها في الصلاة، لينجبر الخلل، إذ لو أخرها بقي الخلل في الصلاة.
فقيل: إذا شك في خلال الصلاة، أما في عدد الركعات أو الأركان، إن تذكر في الحال لم يلزمه سجود السهو، وإذا تذكر بعد مضى زمان، والإتيان بجزء من الصلاة ما حكمه؟ كان القفال رحمه الله يقول: إن كان مفعوله بعد الشك إلى التذكر ما يقطع المعيب، أن عليه فعله لم يكن سهوه ملزمًا السجود، وإن كان مفعوله بعد الشك إلى التذكر مما لا يقطع على المعيب أن عليه فعله، بل احتمل أن يكون ذلك زيادة في الصلاة، كان سهوه ملزمًا السجود.
وبيان ذلك رجل في صلاة المغرب شك في التشهد الأخير، أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا، لا يلزمه سجود السهو، إذ لم تنكشف حقيقة الحال، أو بان انها كانت ثالثة، لأنه كان يقطع على المغيب أن ما أتي به بعد الشك عليه فعله، وليس في

الجزء: 2 - الصفحة: 878

أحد محتمليه أنه زيادة في الصلاة؛ إذ التشهد فرض، سواءٌ كان قد زاد ركعة أو لم يزدها، وإن انت رابعته فعليه سجود السهو، لأنه تحقق زيادة ركعة في الصلاة، وإن لم يكن في التشهد، وكان إما في الركوع، أو السجود، فإن انكشف له في الحال فلا سجود عليه لما بنا، فإن مضى زمان، وأتي بجزء من الصلاة، فعليه سجود السهو، سواء بأن له أنها كانت ثالثته أو رابعته، لأن ما أتي به بعد الشك إلى التذكر كان لا يقطع على المغيب أن عليه فعله، بل كان في أحد محتمليه أنه زيادة منه في الصلاة، ولو شك في صلاة الصبح، أنها كانت أولاه أو ثانيته، فإن تذكر قبل القيام إلى الثانية، لم يلزمه سجود السهو، لما بينا، وإن تذكر بعد القيام إلى الثانية، فعليه سجود السهو، لأنه أتي ما هو زيادة في أحد محتمليه بعد الشك، وهو القيام، ولو شك في صلاة الظهر، أنها أولاه أو ثانيته، فإن تذكر قبل القام إلى الثانية، لم يلزمه السجود، وإن تذكر بعد القيام إلى الثانية فعليه السجود، لأنها إن كات ثانيته، فقد ترك التشهد الأول، وإن بانت أولاه، ففي أحد محتمليه أنه أتى بما ليس عليه، لأن عليه أن يتشهد قبل القيام إلى الثالثة.
ويحتمل أن يقال: ليس عليه سجود السهو، بخلاف ما ذكرنا من الصبح، فإن بان أن المفعول أولاه، عليه سجود السهو، لأن في أحد محتمليه أن المفعول ثانيه، وهذا ثالثه، والركعة الثالثة ما لا يجب عليه قط بكل حال.
وفي هذه المسألة، هذه الركعة التي قام إليها ما يجب عليه بكل حال، التشهد الأول بوجوب سجود السهو إذا كان متروكًا، فهو لم يترك ها هنا شيئًا، فليس عليه سجود السهو، وإن شك أنها ثالثته أو رابعته، فإن تذكره قبل القيام إلى الرابعة، لم يلزمه السجود، وإن تذكر بعده، فعليه السجود، لأنها إن

الجزء: 2 - الصفحة: 879

بانت رابعته، فقد زاد في الصلاة، وإن بانت ثالثته، ففي أحد محتمليه أنه تارك للتشهد، وفاعل ما ليس عليه فعله.
فرع في صلاة ذات أربع، شك أن الركعة التي هو فيها ثالثته أو رابعته، تشهد فبان أن التي شك فيها رابعته، والتشهد التي هو فيها التشهد الأخير، ليس عليه سجود السهو، ولو شك في التشهد الأخير أنه صلى أربعًا أو خمسًا ليس عليه سجود السهو إن لم يتذكر شيئًا، لأنه شك في السهو، والأصل أنه ما سها، قال المزني: وإن ذكر انه في الخامسة سجد أو لم يسجد قعد في الرابعة أو لم يقصد فإنه يجلس للرابعة، ويتشهد ويسجد للسهو.
قال القاضي حسين: إذا قام إلى الخامسة ساهيًا، ثم ذكر أنه في الخامسة عاد عندنا، ويتشهد للرابعة، وسجد سجتين ثم سلم، سواء كان قد قعد في الرابعة أو لم قعد، وسواء قيد الخامسة بسجدة، او لم يقيدها بسجدة.
وقال أبو حنيقة: إن لم يكن قيد الخامسة بسجدة عاد، وصلاته صحيحة، وإن كان قد قيدها بسجدة، إن لم يكن قعد في الرابعة، بطلت صلاته، وإن كان قد قعد في الرابعة، ضم إليها ركعة أخرى تكونان له نفلا، وإنما بني هذا على أصلين: أحدهما: أن الركعة الواحدة ليست بصلاة عنده، فيضم إليها أخرى لتصير صلاة.
والثاني: أن عنده الفعل المنافي للصلاة في آخر الصلاة، تتم به الصلاة، فإذا كان قعد في الرابعة، فبقيامه إلى الخامسة بطلت صلاته، وهذا ليس بصحيح،

الجزء: 2 - الصفحة: 880

لأن القيام فعل واحد، فيستحيل أن تتم به صلاة، ويشرع به في أخرى، لأن الخروج والشروع ضدان، فلا يحصلان بمعنى واحد.
قال القفال رحمه الله: العجب من محمد بن الحسن صدر الجامع بهذه المسألة، وذكر فيها التفصيل الذي ذكرنا، ثم عطف عليه الخبر الذي رويناه أنه عليه السلام: صلى صلاة ذات أربع خمسًا إلى آخره، ولم يستأنف الصلاة ولا ضم إليها ركعة أخرى.
فالحديث مخالف لمذهبه من كل وجه، لأنه عليه السلام كان لا يخلو، إما أن يكون قد قعد في الرابعة، أو لم يقعد، فإن كان قد قعد في الرابعة، لكان يضم إليها ركعة أخرى على قضية مذهبه، وإن لم يكن قد قعد في الرابعة، لكان يستأنف الصلاة، ثم إن الشافعي رحمه الله، لما قال: يعود إلى الرابعة ويتشهد اعترضوا، فقالوا: لم أمره بالتشهد ثانيًا إذا كان قد تشهد مرة؟ اختلف أصحابنا في الجواب عنه على طرق.
منهم من قال: جمع الشافعي رحمه الله بين مسألتين: إحداهما: أن يكون قد قعد في الرابعة.
والأخرى: ألا يكون قد قعد في الرابعة.
وقوله: يعود ويتشهد، راجع إلى إحداهما، وهي إذا لم يكن قد قعد في الرابعة، ومنهم من قال: قوله: قعد أو لم يقعد، تشكيك إن كان شاكًا، هل قعد أم لا؟ وقوله: سجد او لم يسجد، تنويع المسألة إذا شك، هل قعد أم لا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 881

فالأصل أنه لم يقعد وعليه أن يتشهد وقد يجمع في الكلام الواحد بين التنويع والتشكيك، هذا كما قال في خبر الربا، ونقص أحدهما التمر والملح تشكيك في أن المقبوض من التمر والملح، وفي الناقص مسلم بن يسار أو صاحبه.
وقوله: زاد أو ازداد، فقد أربى تنويع من جهة النبي صلى الله عليه وسلم ومعناه: ومن أعطى الزيادة، وأخذ الزيادة فقد أربى.
وقيل: هو تشكيك أيضا أي شك الراوي أنه عليه السلام، قال: زاد أو ازداد.
ومنهم من قال: قصد بقوله: قعد او لم يقعد، الرد على أبي حنيفة حيث فصل بينهما.
ومنهم من قال: الشافعي رحمه الله لم يقل: تشهد في الرابعة أو لم يتشهد، وإنما قال: قعد في الرابعة أو لم يقعد.
وعندنا لا يكتفي بالقعدة، بل لابد من انضمام قراءة التشهد إليها، فإنما أمر بالتشهد، وإن كان قد قعد، لأن عليه فرض قراءة التشهد، ولا يمكنه قراءة التشهد إلا بقعدة معها، ولعله قصد به أيضًا على أبي حنيقة، حيث قال: القعود يكتفي به دون قراءة التشهد.
فمن قال بأحد الطرق الأربعة يقول: إذا كان قد تشهد في الرابعة لا يتشهد إذا رجع عن الخامسة التي قام إليها ساهيًا.
ومن أصحابنا من قال: وإن كان قد تشهد في الرابعة يعود، ويتشهد ثانيًا، وبه قال ابن سريج، ولأي معنى لزمه التشهد ثانيًا؟ فيه معنيان: أحدهما: أن الشرط هو أن ينتقل من ركن إلى ركن يدل عليه أن الشافعي رحمه الله نص على أنه لو قدر على القيام بعد القراءة، وكان يصلي قاعدًا يرتفع

الجزء: 2 - الصفحة: 882

إلى القيام، ثم منه يهوي إلى الركوع، ولا يرتفع من القعود إلى الركوع ليكون الانتقال من الركن إلى الركن الذي يتصل به.
وقال المزني: في المنثورات: لو رفع المأموم رأسه قبل إمامه من السجود لتنقل فعليه أن يعود إلى السجود، ثم يرفع رأسه، لأن رفعه الأول لم يكن للانتقال من السجود إلى الجلسة، وإنما كان للنفل، وعلى هذا لو صلى قاعدا للعجز عن القيام، ثم قدر على القيام في خلال الفاتحة، فإنه يسكت ويقوم، ثم يبني على القراءة، ولا يقرأ في حالة القيام من القعود، وحتى يعتدل قائمًا.
والمعنى الثاني: أن المولاة شرط بين الأركان، وإن ما كان ركنًا من الصلاة، لابد وأن يتصل أحد طرفيه بالصلاة، والسلام ركن، فلا يجوز أن ينفرد بنفسه، فأوجبنا التشهد ليتصل أحد طرفيه بجزء من الصلاة؛ لأن ما أتى به ساهيًا ليس من الصلاة، وعلى هذين المعنيين مسألة، وهي أنه لو ترك السجدة الثانية من الركعة الأولى من صلاة الصبح ساهيًا، وقام إلى الثانية، ثم ذكرها، فعليه أن يعود إلى الموضع المتروك، ثم يلزمه أن يسجد واحدة، أو سجدتين؟ فعلى وجهين بناء على المعنيين: إن جعلنا المعنى الانتقال من الركن إلى الركن سجد سجدتين، لينتقل إلى الركن عن الركن الذي يتصل به، وإن جعلنا المعنى اتصال أحد طرفيه بجزء من الصلاة اقتصر على السجدة المتروكة، لأن إحداهما، يتصل بجزء من الصلاة، وهو القيام، وإن لم يتصل أولها بما هو محسوب من الصلاة.
فرع لو سمع حسًا، ظن أن الإمام رفع رأسه من الركوع، أو من السجود، فرفع رأسه، فإذا الإمام لم يرفع رأسه، فعليه أن يعود، ولو كان هو في القعود، والإمام في الارتفاع، أيضا يجب عليه أن يعود إلى تمام السجود.
وفيه وجه آخر: أنه لا يجب عليه أن يعود، بل يتابعه ولو رفع رأسه منه قبل

الجزء: 2 - الصفحة: 883

الإمام متعمدًا لا تبطل صلاته، ولو عاد متعمدًا تبطل، فلو بدا له ألا يعود إلى السجود، هل تبطل صلاته أم لا؟ يحتمل أن يقال: تبطل صلاته، كما لو رفع رأسه لتنفل، يجب عليه أن يعود، ولو لم يعد بطلت صلاته.
ويحتمل ان يقال: لا تبطل، والفرق أن هناك رفع رأسه لتنفل، ولم يقصد قطع السجود، بدليل أنه لو وافقه الإمام في ذلك أيضًا لم يجز.
وفي مسألتنا قصد بالرفع قطع السجود بدليل أنه لو كان الإمام رافعًا رأسه، كما ظن ليس عليه العود، هذا هو الأصح، والله أعلم.
قال المزني: فإن نسي الجلوس من الركعة الثانية، فذكر في ارتفاعه، وقبل انتصابه، فإنه يرجع إلى الجلوس، ثم يبني على صلاته، وإن ذكر بعد اعتداله، فإنه يمضي.
قال القاضي حسين: إذا ترك التشهد الأول، وقام إلى الثالثة، ثم ذكر أنه تركه إن كان قد اعتدل قائمًا لم يجز له أن يعود إلى الجلوس والتشهد، لأن القيام فرض، والتشهد الأول سنة، ولا يجوز قطع الفرض بسبب السنة، فإن عاد بطلت صلاته، إن كان عالمًا بالعود بأنه لا يجوز، وإن كان جاهلاً به، فالمذهب أن صلاته لا تبطل، لأن هذا مما يخفي على العوام، ومما يبتلون به.
وقال أحمد: عليه العود، وإنما بناه على أصله، لأن التشهد الأول فرض عليه عنده.
فأما المأموم: فإنه يتابع الإمام إذا عاد إلى التشهد، بل يخرج نفسه عن صلاته، أو يقوم حتى يعود الإمام إلى القيام، ويقدر كأنه جلس ناسيًا أو جاهلاً في وجه.
فأما إذا ذكر قبل الاعتدال قائمًا نظر، فإن كان أقرب إلى الجلوس بأن لم ينتصب ساقاه عاد، وتشهد، ولا يلزمه سجود السهو، لأن هذا القدر لو زاده عمدًا في الصلاة لم تبطل صلاته، وان انتصب ساقاه، وبلغ هيئة الراكعين عاد أيضًا، وسجد للسهو، لأنه لو زاد هذا القدر في الصلاة عمدًا، بطلت

الجزء: 2 - الصفحة: 884

صلاته، ولو ارتفع عن هيئة الراكعين، وكان من هيئة الراكعين والقائمين هل له القعود؟ يحتمل وجهين: أحدهما: يعود كما لو كان في هيئة الراكعين، فعلى هذا يسجد للسهو.
والثاني: كما لو بلغ هيئة القائمين، فعلى هذا إن عاد حكمه ما قلنا،، ولو قام في الصلاة هكذا منحيًا ظهره، بحيث يكون بين هيئة الراكعين، والقائمين، هل يجوز،؟ يحتمل وجهين، ولو ترك القنوت ساهيًا، حتى ألصق الجبهة بالأرض لا يعود، وإن عاد وهو عالم بطلت صلاته، وإن كان جاهلاً لم تبطل، ولو بلغ هيئة الراكعين عاد إلى القنوت، وسجد للسهو، وإن كان أقرب إلى الأرض منه إلى هيئة الراكعين، غير أنه لم يلصق الجبهة بها في العود، يمكن أن يخرج هذا على الوجهين، والصحيح أنه يعود.
قال المزني: وإن جلس في الأولى، فذكر قام، وبني، وعليه سجدتا السهو، وإن ذكر في الثانية، أنه ناس لسجدة من الأولى، بعد ما اعتدل قائمًا، فليسجد للأولى، حتى تتم قبل الثانية.
قال القاضي حسين: إذا جلس في الركعة الأولى للتشهد على ظن أنها ثانيته، ثم ذكر إن كان قد أخذ في قراءة التشهد، فعليه أن يسجد للسهو؛ لأنه لو زاد هذا القدر عمدًا في الصلاة بطلت صلاته، وإن لم يكن قد أخذ في قراءة التشهد نظر.
إن كان جلوسه بقدر جلسة الاستراحة لم يلزمه السجود للسهو، ووقعت عن جلسة الاستراحة، وإن كان قد زاد على جلسة الاستراحة، فعليه أن يسجد للسهو، ونظيره ما بينا في الفاتحة إذا نوى قطعها.
قال المزني: وإن ذكر بعد أن يفرغ من الثانية، أنه نسي سجدة من الأولى فإن عمله في الثانية كلا عمل، فإذا سجد فيها، كانت من حكم الأولى، وتمت الأولى

الجزء: 2 - الصفحة: 885

بهذه السجدة، وسقطت الثانية، وإن ذكر في الرابعة؛ أنه نسي سجدة من كل ركعة، فإن الأولى صحيحة إلا سجدة، وعمله في الثانية كلا عمل، فلما سجد فيها سجدة، كانت من حكام الأولى، وتمت الأولى، وبطلت الثانية، وكانت الثالثة ثانية، فلما قام في ثالثة قبل أن يتم الثانية، التي كانت عنده ثالثة، كان عمله كلا عمل، فلما سجد فيها سجدة، كانت من حكم الثانية، فتمت الثانية، وبطلت الثالثة، التي كانت عنده رابعة، ثم يقوم فيأتي بركعتين، ويسجد للسهو بعد التشهد وقبل السلام، وعلى هذا الباب كله وقياسه.
قال القاضي حسين: إن كان قد جلس بين السجدتين عاد، وسجد السجدة الثانية كما بينا، وإن لم يكن جلس بين السجدتين، فالقيام إلى الركعة الثانية، هل يقوم مقام الجلسة بين السجدتين، فوجهان: أظهرهما: لا؛ لأن القعود والقيام مختلفان يدل عليه انه لا يجري واحد منهما في محل الآخر، والثاني: بلى؛ لأن القيام قعود وزيادة.
يدل عليه أن الشافعي رحمه الله نص على أنه لو عجز عن القعود، فقدر على القيام والاضطجاع، يصلي قائمًا غير مضطجع، لأن في الإتيان بالقيام إتيان بالقعود وزيادة.
وفائدة الوجهين: إذا تذكر أنه ترك سجدة من الركعة الأولى، فتذكر بعد التشهد الأول، إن قلنا: القيام يقوم مقام الجلسة، فالسجدة الأولى الركعة الثانية محسوبة له.
وإن قلنا: لا يقوم مقامه، فالسجدة الثانية محسوبة له، ولو تذكر في الركوع، أو القيام أنه ترك سجدة.
إن قلنا: يقوم القيام مقام الجلسة، يعود إلى السجدة، وإلا فيجلس ثم

الجزء: 2 - الصفحة: 886

يسجد، ولو جلس للاستراحة، فهل تقوم هذه الجلسة مقام الجلسة بين السجدتين، يترتب على القيام.
إن قلنا: يقوم مقامها، فجلسة الاستراحة أولى، وإلا فوجهان.
والفرق أن هذه الجلسة من جنسها؛ لأن كل واحدة منهما جلوس، بخلاف القيام، فإنه ليس من جنس الجلوس، ونظير الوجهين، الوجهان في أنه لو ترك لمعة من المرة الأولى، في غسل الوجه في الطهارة، وتغسلت في المرة الثانية والثالثة.
ووجه الشبه، أن معقود نيته في الوضوء تشتمل على المرات الثلاث، ألا يغسل الثانية إلا بعد الأولى، والثالثة إلا بعد الثانية، فكذا معقود نيته في الصلاة، اشتمل على جلستين، أعني الجلسة بين السجدتين، وجلسة الاستراحة، وألا يأتي بجلسة الاستراحة إلا بعد السجدة الثانية.
ومنهم من عكس الترتيب، وفرق بأن القيام فرض، وما تركه فرض فيتجانسان، بخلاف الجلسة للاستراحة، فإنها سنة، فلا تقوم مقام الفريضة، وإذا جلس للتشهد الأول هل يقوم مقام الجلسة بين السجدتين، فعلى الوجهين، كما في الجلسة للاستراحة، وإذا جلس للتشهد الثاني قام مقامها، لأنها جلوس من جنسها، وفرض مثلها.

الجزء: 2 - الصفحة: 887

فصل نص الشافعي رحمه الله على أنه لو أطال القيام بعد رفع الرأس من الركوع، فذكر الله، أوقنت ساهيًا، يسجد للسهو فاختلف أصحابنا في معناه.
فمنهم من قال: المعنى فيه أنه مد الركن المقصود بالذكر الممدود.
ومنهم من قال: المعنى فيه انه نقل الذكر المقصود المشروع من محل إلى محل، وعلى هذين المعنيين، قالوا: لو تشهد في حالة القيام، أو قرأ الفاتحة في حالة التشهد ساهيًا، إن جعلنا المعنى فيه أنه مد الركن المقصور بالذكر الممدود لم يلزمه سجود السهو، لأن القيام والقعود للتشهد ركنان ممدودان، وإن جعلنا المعنى أنه نقل الذكر الممدود من محل إلى محل، لزمه السجود، إذا تعمد إطالة القيام من الركوع، أوقنت متعمدًا بطلت صلاته، لأنه لو أتي به ساهيًا لزمه سجود السهو، فإذا أتي به عامدًا بطلت به الصلاة، وإذا تعمد قراءة التشهد في القيام، وقرأ الفاتحة في التشهد، ففي بطلان الصلاة وجهان، كالوجهين في سجود السهو، إذا فعلها ساهيًا لا تبطل صلاته، فإذا فعلها عامدا لا تبطل صلاته.
وإن قلنا: هناك يسجد للسهو، فإذا فعله عامدًا، هل تبطل صلاته ام لا؟ على وجهين فها هنا أصل، وهو أن كل عمل يلزمه سجود السهو، إذا أتى به ساهيًا، فإذا أتى به عامدًا بطلت صلاته.
وإن قلنا: لا يلزمه سجود السهو، لا تبطل صلاته إذا فعله متعمدًا إلا في مسألة واحدة: إذا عمل عملا قليلاً، لا من جنس الصلاة، يلزمه سجود السهو، إن تعمد، لا تبطل صلاته.

الجزء: 2 - الصفحة: 888

فصل لو جلس بين السجدتين، وتشهد، ثم بعد ما فرغ من التشهد ذكر أنه كان بين السجدتين.
قال أصحابنا: يسجد السجدة الثانية، ولا يلزمه سجود السهو؛ لأن ما بين السجدتين من محل الجلوس بخلاف ما لو جلس بعد الاعتدال قائمًا وقبل السجود، يسجد للسهو، لأنه ليس بمحل الجلوس، إذ لا جلوس بعد الركوع.
قال القاضي رضي عنه: وهذا عندي فيه إشكال عظيم، لأن الجلسة بين السجدتين ركن مقصود، كالاعتدال من الركوع، وقد مده بالذكر الممدود، فيجب أن يقال: إنه يسجد للسهو على أحد الوجهين، وأنه إذا تعمدها تبطل صلاته.
وقضية ما قال الأصحاب من أنه يلزمه السجود إذا تشهد فيها ناسيًا أن الصلاة لا تبطل، إذا تشهد فيها عامدًا.
قوله: وإن ذكر في الثانية أنه ناس لسجدة من الأولى.
قال القاضي حسين: والترتيب في أركان الصلاة شرط، لو ترك الترتيب إن كان عامدًا، مثل أن يسجد قبل الركوع، أو يركع قبل القيام، بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا عاد إلى الموضع المتروك، وبني ولم يحسب له ما أتى به بعد الترك ناسيًا، فلو كان في صلاة الصبح في التشهد تذكر أنه ترك سجدة، إن علم أنه تركها من الثانية، واستأنف التشهد، وإن علم أنه تركها في الأولى، قام وصلى ركعة أخرى، وتمت أولاه بسجوده في الثانية، والعمل بعد ترك سجدة في الأولى إلى أن سجدها في الثانية، فلا عمل، وإن اشتبه عليه، لم يدر أنه تركها في الأولى، أو في الثانية يأخذ بأسوأ الأحوال، وأسوأها أن يكون تاركًا لها من الأولى، فحصل له ركعة، ويضيف إليها ركعة أخرى، ولو ذكر

الجزء: 2 - الصفحة: 889

أنه ترك ركوعًا إن علم أنه تركه من الثانية، قام وركع، وسجد السجدتين بعدَه، واستأنف التشهد، وإن علم أنه تركها من الأولى، تمَّت الأولى بالثانية، وأضاف إليها ركعة أخرى، وما عمل بينهما كلا عمل، وإن اشتبه عليه أخذ بأسوأ الأحوال كما بَيَّنَا، وإذا كان في الركوع تَيقَّن أنه ترك الفاتحة في القيام إن مكث ساعة ثم عاد، تبطل صلاته، وإن عاد إلى القيام حال ما تذكر، وقرأ ثم ركع ثانيًا، لا تبطل صلاته، وبمثله لو تذكر قبل الركوع أنه ترك الفاتحة، ومكث ساعة، ثم قرأها، لا تبطل صلاته.
والفرق أن ها هنا القيام، محل قراءة الفاتحة، فمكثه لا يضر بخلاف الركوع، فعلى هذا إذا كان في الركوع وتيقن أنه ترك الفاتحة، في إحدى القيامين، ولا يدري في أيهما.
قال القاضي رضي الله عنه، يحتمل أن يقال: لا تحسب له إلا التحريمة، فيقوم ويقرأ ويتم الركعة، ثم يصلي ركعة أخرى، ويأخذ بأسوأ الأحوال في الطرفين، فمن حيث يحتمل أنه تركها من الثانية يقوم ويقرأ، ومن حيث يحتمل أنه تركها من الأولى، لم يحسب له الركوع في الأول، لاستحالة أن يحسب له الركوع قبل القراءة، وهذا نظير ما قلنا في الجمع بين الصلاتين، إذا تيقن أنه ترك سجدة من إحدى الصلاتين ولم يدر أنه تركها من الظهر أو العصر، يأخذ بأسوأ الأحوال في الطرفين.
فنقول: عليه استنئاف إعادة الظهر لاحتمال أنه تركها من الظهر، ولا يصلي العصر بحق الجمع، لاحتمال أنه تركها من العصر، وقد طال الفصل، وانقطع نظم الجمع، فكذا هاهنا لاحتمال أنه تركها من الثانية، لم تحسب له القراءة، والجادة الصحيحة التي عليها يجري نظائر هذه المسألة، ومسائل الباب، أنه يحسب له قيام بقراءة، ويمضي على سرد صلاته من الموضع الذي بلغ، فيتم الركعة، ثم يضيف إليها ركعة أخرى، لأنه تيقن القراءة مرة، وإن كان قرأها في الأولى تمت له ركعة، وإن كان قرأها في الثانية، يأتي ببقية الركعة، ولو كان في صلاة ذات

الجزء: 2 - الصفحة: 890

أربع، ثم تيقن أنه ترك سجدة في آخر الصلاة، إن علم أنه تركها من الرابعة سجدها، واستأنف التشهد، وسجد للسهو، وإن علم أنه تركها من الأولى أو الثانية أو الثالثة، أو شك أنه تركها من الأولى أو الثانية أو الثالثة قام وصلى ركعة أخرى، وإن تيقن أنه ترك سجدتين، ولا يدري في أي الركعات تركها، يأخذ بأسوأ الأحوال، وأسوأها أن يكون قد ترك سجدة من الأولى، أو ترك سجدة أخرى من الثالثة، فتنجبر الأولى بالثانية والثالثة بالرابعة، فتحصل له ركعتان، لأن عمله بعد تركها في ركعة إلى أن يأتي بهما في ركعة أخرى، كلا عمل، ولو تيقن أنه ترك ثلاث سجدات، ولم يدر من أي الركعات تركها أخذا بأسوأ الأحوال، وأسوأها أن يكون قد ترك من الأولى سجدة، ومن الثالثة سجدة ومن الرابعة سجدة، أو ترك من الاولى سجدة، ومن الثالثة سجدتين، فيحصل له ركعتان أيضا، تتم بالأولى بالثانية، والثالثة بالرابعة، وإن تيقن أنه ترك أربع سجدات، فأسوأ الأحوال أن يكون قد ترك من الأولى سجدة، ومن الثانية سجدتين، ومن الرابعة سجدة، أو من الثالثة سجدة، ومن الرابعة سجدتين، فيحصل له ركعتان إلا سجدة، وإن تيقن أنه ترك خمس سجدات، أو شك في فعلها، فأسوأ الأحوال، أن يكون قد ترك من الأولى سجدة ومن الثالثة سجدتين، ومن الرابعة سجدتين، فتحصل له ركعة، وتتم الأولى بالثانية، ولو تيقن أنه ترك ست سجدات، فكذلك يحصل له ركعة، لأنه أتي بسجدتين، فإن أتى بهما في ركعة فذاك، وإن أتى بهما في ركعتين تمت المتروكة بالمفعول فيها، ولو ترك سبع سجدات، حصلت له ركعة إلا سجدة، ولو ترك ثماني سجدات لم يحصل له إلا قيام وركوع.
والمسائل كلها مصورة فيما لو علم أنه جلس بين السجدتين، وعلى هذا الأصل الذي أصلنا غير مرة، وهو أن اليقين لا يترك بالشك.
وقال ابن سريج: إنما تنجبر الأولى بالثانية.
فأما إذا لم يتحاشاها بنيته، أنه لم ينو في الثانية أنه سجد من الثانية.
فأما إذا حاشاها بنيته، ونوى أنه يسجد من الثانية لا تتم بها الأولى قال:

الجزء: 2 - الصفحة: 891

وهذا كما قال الشافعي رحمه الله، لو هوي إلى السجود فسقط على الأرض، إن نوى الاعتماد على الأرض، لا يحسب له عن فرض السجود، فإن نوي السجود، واستدام نيته الأولى، لم يحدث نية الاعتماد على الأرض، حسب له عن فرض السجود.
وقال أبو حنيقة: إذا ترك أربع سجدات في كل ركعة سجدة، يأتي بها في آخر الصلاة، وتلتحق كل سجدة بمحلها، وتمت صلاته، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: وإن شك هل سها أم لا، فلا سهو عليه.
قال القاضي حسين: وهو كما قال: وكذلك لو شك هل سها، ثم بني على اليقين، أو لم يسه أصلا، فلا سهو عليه، إذ الأصل أن لا سهو فتمسك به، وله ثلاثة أحوال: إن شك في الجملة، هل سها أم لا؟ ولا يعرف بعينه أنه زيادة أو نقصان، فلا سجود عليه، إذ الأصل أنه لم يسه، وكذلك إن شك ولم يدر، هل شك في عدد الركعات، وبني على الأقل أو لم يشك أصلا، وأتم الصلاة، فلا سجود عليه، وكذا إن شك في زيادة، هل فعلها أم لا؟ مثل ركوع زائد أو كلام ناسيًا؟ فلا سجود عليه؛ إذ الأصل أنه لم يفعل، ولو شك في ترك مأمور من ترك القنوت، أو التشهد الأول، فعليه السجود، لأن الأصل أنه ما أتى بهما.
قال المزني: وإن استيقن السهو، ثم شك، هل سجد للسهو أم لا، سجدهما، وإن شك، هل سجد سجدة أو سجدتين، سجد أخرى.
قال القاضي حسين: وهو كما قال؛ لأن الأصل أنه لم يسجدها، فأما إذا سها في سجود السهو، مثل إن تكلم ناسيًا بين سجدتي السهو، أو سلم ناسيًا، فلا يلزمه سجود السهو، وهذه المسألة التي سأل عنها أبو يوسف الكسائي، حكى أنه جمعهما مجلس، فادعى الكسائي أن من تهدي إلى علم وتبحر فيه، يهتدى إلى العلوم كلها، فأنكره ابو يوسف وقال: إنه أنت متبحرٌ

الجزء: 2 - الصفحة: 892

في حرفتك من النحو والأدب، فأسألك عن مسألة من الفقة؟ فقال: هات، فقال: ما تقول فيمن سها في سجود السهو؟ فقال: لا يلزمه السجود، فقال: لم قلت؟ فقال: لأن التصغير لا يصغر، إذ لو صغر التصغير، لصغر تصغير التصغير، فيؤدي إلى ما لا يتناهى، والتعليل ما أشار إليه، وذلك لأن سجود السهو شرع للجبر في الصلاة، فلو قلنا: السهو فيه غير مجبور، لا نأمن السهو في جبر الجبر، ثم في جبر جبر الجبر، فيؤدي إلى ما لا يتناهي، وما لا يتناهى فنهايته في بدايته.
قال القاضي رضي الله عنه: ولو سها في سجود السهو، لا يلزمه السجود، ولو سها بسجود السهو، يلزمه السجود، والسهو بسجود السهو، أن يسهو هل ترك القنوت أم لا، فسجد سجدتي السهو، ثم تركه أنه قد كان قنت فسجد ثانيًا سجدتين، لأنه سجد سجدتين ساهيًا، ولو سها بعد سجدتي السهو وقبل السلام، فيه وجهان: أحدهما: لا سجود عليه؛ لأن السجدتين يجبران النقصان الذي وجد في الصلاةـ والثاني: يلزمه ذلك، لأن السجدتين إنما يجبران الخلل الذي يقع قبلهما دون ما وجد بعدهما.
قال المزني: وإن سها سهوين، أو أكثر، فليس عليه إلا سجدتا السهو قال القاضي حسين: هو كما قال عندنا، وقال ابن أبي ليلى أو الأوزاعي، سجود السهو يتعدد، بتعدد السهو، ويلزمه أن يسجد لكل سهو سجدتين، واحتج بما روى ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لكل سهوٍ سجدتان.

الجزء: 2 - الصفحة: 893

دليلنا: حديث ذي اليدين فإنه عليه السلام، سها في تلك الصلاة أكثر من واحد، حيث سلم ناسيًا: وتكلم بكلمات ناسيًا، ثم اقتصر على السجدتين؛ ولأنه لو كان يحتاج لكل سهو إلى سجدتين لكان سجدهما في محل السهو، ألا ترى أنه لو كان يحتاج إلى سجود التلاوة في كل مرة، قرأ آية السجود، وسجدها في محلها، ولا يؤخرها إلى آخر الصلاة، فلما آخر السجود إلى آخر الصلاة، علم أنه لا يلزمه أكثر منهما تعدد السهو أو لم يتعدد؛ لأن فائدة التأخير أن يجمعها أنواع السهو كلها، وما رواه يحتمل أنه أراد به لكل نوع من السهو زيادة كانت أو نقصانًا، قولاً كان أو فعلاً سجدتان.
وقال صاحب التلخيص: لا يسجد للسهو أكثر من سجدتين إلا في مسائل، فمنها في صلاة الجمعة إذا سجد سجدتي السهو، ثم قبل السلام خرج الوقت يلزمه إكمالهما ظهرًا، وأن يقضي السجدتين في آخر الصلاة، والمسافر إذا سجد سجدتي السهو، ثم نوى الإقامة أو الإتمام قبل السلام، أو صار مقيمًا باتصال السفينة بالبلد حتى لزمه الإتمام، يقضيها في آخر الصلاة، والمسبوق إذا سها إمامه سجدهما مع الإمام متابعة له ويقضيهما في آخر الصلاة، والكل تلبيس، لأنا إنما ننكر أكثر من سجدتين محسوبتين، وفي هذه المسائل السجدتان غير محسوبتين له بوجودهما في غير محل السجود.
فرع: المأموم المسبوق إذا سمع حسًا، فظن أن الإمام قد سلم فقام إلى قضاء ما فاته، فبان أنه لم يكن إمامه سلم بعد ما جلس هو، لا يلزمه سجود السهو ولا تحسب له تلك الركعة، بل يقوم ويصلي ثانيًا، ولو كان هو في القيام، وسلم الإمام، هل يعود إلى القعود؟ فعلى وجهين: فأما المنفرد، إذا سلم ساهيًا عن ركعتين، وكانت الصلاة ذات أربع، وقام وافتتح، صلاة النافلة، ثم تذكر، ينظر فإن كان الفصل قريبًا، يعود ويبني على صلاته، ويسجد سجدتي السهو، وإن كان طويلا، يستأنف الصلاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 894

وإن قلنا: يبني على صلاته، فهل يحسب له ما أتي به من صلاة النفل عما عليه من الفرض؟ عامة أصحابنا على أنه لا يحسب له ذلك، لأن ما عليه يكون فرضًا، وما أتى به يكون نفلا، والنفل لا يقوم مقام الفرض، فيلغي ذلك.
قال القاضي رحمه الله: يحتمل فيه وجهين، كما قلنا في جلسة الاستراحة والتشهد الأول: إنها هل تقوم مقام الجلسة بين السجدتين أم لا؟ وفيه وجهان: وكما قلنا: فيما لو ترك لمعة من المرة الأولى، ويغسل في المرة الثانية، إن قلنا: يقوم مقامه، فلا يلزمه الجلوس، وإلا فيلزمه أن يجلس، ثم يقوم من الجلوس على الصحيح من المذهب.
فرع: المسافر إذا صلى ركعتين بنية القصر، ثم وقع له سهو، ولم يسلم حتى صلى أربعًا، ثم تذكر ونوى أنه جعله كأنه نوى الإقامة، بل يقول: كأني نويت الإقامة، فإنه لا يكون محسوبًا له ما زاد على الركعتين، بل يصليهما ثانيًا، ويسجد للسهو.
قال المزني: وما سها عنه من تكبير سوى تكبيرة الافتتاح، أو ذكر في ركوع أو في سجود، أو جهر فيما يسر بالقراءة، أو أسر فيما يجهر فلا سجود للسهو، إلا في عمل البدن.
قال القاضي حسين: أفعال الصلاة على ثلاثة أقسام: أركان، وأبعاض، وهيئات، فالأركان تركها عمدًا أو سهوًا يمنع الاحتساب بالصلاة، ولا ينجبر بسجود السهو.

الجزء: 2 - الصفحة: 895

وأما الأبعاض، كالقنوت والتشهد الأول، والصلاة على النبي عليه السلام في التشهد الأول على مذهبه الجديد، إذا تركها ساهيًا ينجبر بسجود السهو، ولو تركه عامدًا، فعلى وجهين، وهذا أصل، وهو أن كلما كان تركه ساهيًا يقتضي سجود السهو، ففي تركه عامدًا وجهان: أحدهما: يقضيه؛ لأن العمد فوق السهو، فكان أولى بإلزام سجود السهو، والثاني: لا يقضية، وبه قال أبو حنيفة، لأن هذا السجود إنما أضيف إلى السهو، لا لاختصاصه به، لكن لأن السهو هو يقع غالبًا، فإن المصلي لا يتعمد ترك جزء من الصلاة، فأضيف إلى ما يقع من موجباته في الغالب.
وأما الصلاة على الآل في التشهد الثاني، إن قلنا: هي واجبة، لا ينجبر بسجود السهو.
وإن قلنا: هي مسنونة، فتنجبر بسجود السهو، كالصلاة على النبي عليه السلام في التشهد الأول.
وأما الهيئات، فما عدا الأبعاض، والأركان، من التسبيحات وتكبرات الانتقالات، والجهر والإسرار، والتعوذ ودعاء الاستفتاح، وهيئة اليدين في الرفع والوضع، وغيرها، فلا يقتضي ترك شيء منها سجود السهو عمدًا أو سهوًا.
وقال أبو حنيفة: إذا ترك قراءة السورة ساهيًا، يلزمه سجود السهو.
قال القاضي رضي الله عنه: والذي أختاره: أن ترك السورة يقتضي سجود السهو، لأن هذه سنة مؤكدة، ولعلها آكد من القنوت، والتشهد الأول.
وقال عليه السلام: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها).
ومن سار إلى أن تركها لا يقتضي السجود، سار إليه لظاهر قول الشافعي

الجزء: 2 - الصفحة: 896

رحمه الله: ولا سجود إلا في عمل البدن، وهو مؤول على حسب ما يبين على أن هذا مما ينطلق عليه اسم العمل، غير أنه عمل اللسان، والعمل قسمان: عمل اللسان، وعمل الأركان، وإذا جهر في صلاة السر، أو أسر في صلاة الجهر، لم يلزمه سجود السهو عندنا.
وقال أبو حنيفة: إذا جهر في السر، لزمه سجود السهو، ثم منهم من قال: إنما يلزمه السجود، إذا جهر بقدر ثلاث آيات.
ومنهم من قال: بقدر آية واحدة.
ومنهم من قال: إذا جهر بأكثر القراءة، يلزمه السجود، وإلا فلا، فإذا أسره في الجهر، وافقنا على أنه لا يسجد للسهو، وربما يقولون: إذا أسر بالأكثر، أو بثلاث آيات، يلزمه سجود السهو، ولو ترك تكبيرات العيد، لا يلزمه سجود السهو.
وقال أبو حنيفة: يلزمه، كالسورة.
فأما قوله: ولا سجود إلا في عمل البد.
قيل: أخل المزني فيه؛ إذ هو مدخول عليه طردًا وعكسًا؛ لأن الالتفات اليسير في الصلاة، من جملة العمل ولا يقتضي سجود السهو، والكلام والسلام ناسيًا من الأقوال دون الأعمال، لم يقتض سجود السهو، وإنما علل الشافعي رحمه الله بهذا التعليل في مسألة أخرى، وهي أن رجلا كان في التشهد، فشك أنه في التشهد الأول أو الثاني، ثم بعد أن أتى بجزء من التشهد أو به كل، تذكر حقيقة الحال.
قال الشافعي: لا يلزمه السجود، لأنها فكرة فكرها، ولم يعمل عمل البدن.
وقد ذكرنا: أنه لا سجود في الفكرة في الصلاة، والمستحب للمصلي أن

الجزء: 2 - الصفحة: 897

يتفكر في مفرده فحسب، فلو تفكر في أمور الآخرة، فلا بأس، ولو تفكر في أمور الدنيا يكره له ذلك، ويخاف أن يحرم فضيلة الجماعة، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: لا صلاة لأمريء، لا يحضر قلبه فيها.
قال المزني: وإن ذكر سجدتي السهو بعد أن سلم، فإن كان قريبًا، أعادهما وسلم، وإن تطاول ذلك، لم يعد.
قال القاضي حسين: إذا ترك سجدتي السهو، فسلم ثانيًا، إن كان الفصل يسيرًا، عاد وأتى بهما، وإن طال الفصل، أو سلم عامدًا، والفصل قريب، فهل يعود ليأتي بهما؟ ففي الجديد: لا يعود، وفي القديم: يعود.
وجه قول القديم: هو أنه جبران العبادة، فجاز أن يتراخي فيها، كالجبرانات في الحج.
ووجه قول الجديد: هو أن سجود السهو جزء من الصلاة، فلا يتراخي عن الصلاة، لأن الصلاة مرتبط بعضها بالعبض بخلاف الحج، ومثل هذين القولين القولان: فيما لو ترك ركنًا من اركان الصلاة ناسيًا، ثم ذكر بعد السلام وطول الفصل.
أحدهما: يستأنف والثاني: يبني، فيعود إلى الموضع المتروك، ويأتي به وبما بعده، ومن أصحابنا من قال القولان في سجدتي السهو.

الجزء: 2 - الصفحة: 898

فأما إذا ترك ركنًا ناسيًا، ثم طال الفصل بعد السلام، يستأنف الصلاة قولا واحدًا.
والفرق أن سجود السهو تتم الصلاة دوه؛ لأنه ليس بفرض، وإنما هو سنة، بخلاف الأركان، ثم في الموضع الذي يعود يسجدهما، هل يعود حكم الصلاة؟ فوجهان: أحدهما: يعود حكم الصلاة، ويلغو السلام، لأنه جزء من الصلاة، فلا يتأدى خارج الصلاة.
فعلى هذا: لو تكلم عامدًا، أو أحدث، تبطل صلاته، وأيضًا لا يحتاج إلى التكبير، ولا يعير التشهد بعد ما سجد، وأنه لو كان في الجمعة وخرج الوقت، أو كان مسافرًا ونوى الاتمام أو الإقامة، في هذا الوقت يلزمه الإتمام.
والوجه الثاني: لا يعود حكم الصلاة؛ لأنه تحلل منها، والصلاة تتم دونه.
فعلى هذا: لو تكلم أو أحدث لا تبطل صلاته، وهل يحتاج إلى التشهد؟ فعلى هذين الوجهين: إن قلنا: عاد حكم الصلاة، لا يحتاج إلى التشهد، لأنا ألغينا السلام، فيجتزيء بالتشهد السابق.
وإن قلنا: لا يعود حكم الصلاة تشهد، لأن التشهد المفعول في الصلاة وقع للصلاة، فلا يتأدى به تشهد السجدتين للسهو، أو لا يسجد سجدتي السهو ثم يتشهد.
نص الشافعي رحمه الله: على أنه، لو سجدهما قبل السلام، أجزاه التشهد، الأول، ولو سجدهما بعد السلام، تشهد لهما.
واختلف أصحابنا في هذا النص:

الجزء: 2 - الصفحة: 899

فمنهم من قال: إنما قصد الشافعي رحمه الله بهذا بيان حكم هذه المسألة على أصله، فعلى هذا التشهد لسجدتي السهو بعد السلام منصوص عليه.
ومنهم من قال: إنما هذا على أصل الغير، وهو أبو حنيفة، ومالك في السهو، للزيادة، فعلى هذا لا يتشهد لهما.
فرع قد ذكرنا: أن اقتداء الشافعي بالحنفي جائز على مذهب القفال رحمه الله، وإن لم يقرأ الفاتحة فلو ترك الطمأنينة في الركوع والاعتدال عن الركوع، لا يجوز للمأموم أن يتابعه، لأن هذا في ظاهر الأفعال، بخلاف القراءة.
قال المزني: ومن سها خلف إمامه، فلا سجود عليه، وإن سها إمامه، سجد معه، فإن لم يسجد إمامه، سجد من خلفه، فإن كان قد سبقه إمامه ببعض صلاته، سجدهما بعد القضاء؛ اتباعًا لإمامه، لا لما سها من صلاته.
قال المزني: القياس على أصله أنه إنما أسجد معه ما ليس من فرضي، فيما أدركت معه، اتباعًا لفعله، فإذا لم يفعل، سقط عني اتباعه، وكل يصلي عن نفسه.
قال المزني: سمعت الشافعي رحمه الله، يقول: إذا كانت سجدتا السهو بعد التسليم، تشهد لهما، وإذا كانتا قبل التسليم، أجزأه التشهد الأول.
قال الشافعي: فإذا تكلم عامدًا، بطلت صلاته وإن تكلم ساهيًا، بنى، وسجد للسهو، لأن أبا هريرة رضي الله عنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تكلم بالمدينة ساهيًا، فبنى وكان ذلك دليلا على ما روى ابن مسعود، من نهيه عن الكلام، في الصلاة بمكة، لما قدم من أرض الحبشة، وذلك قبل الهجرة، وأن ذلك على العمد.

الجزء: 2 - الصفحة: 900

قال الشافعي: وأحب سجود الشكر، ويسجد الراكب إيماء، والماشي على الأرض، ويرفع يديه حذو منكبيه، إذا كبر، ولا يسجد إلا طاهرًا.
قال المزني: وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأي نغاشًا، فسجد شكرًا لله، وسجد أبو بكر، حين بلغة فتح اليمامة، شكرًا.
قال المزني: النغاش: الناقص الخلق.
قال القاضي حسين: هو كما قال، لقوله عليه السلام: الأئمة ضمناء، ومن شأن الضامن التحمل عن المضمون عنه، فيحمل عنه سجود السهو، ولو سها إمامه، لزمه سجود السهو، وإنما ذلك، لأن على المأموم متابعة الإمام في الصلاة بكل حال، فإذا انفرد الامام بسهو، سجدهما متابعة له، فإذا انفرد هو به، تركهما متابعة له، هذا كما أن المأموم لو قرأ آية السجود لا يسجد، ولو قرأ إمامه سجدهما متابعة له.
والمعنى في أن المأموم إذا انفرد بالسهو، لم يلزمه سجود السهو، أنه يلزمه ذلك بسبب إمامه، فيحمل عنه إمامه، بخلاف القراءة، ثم عندنا لا فرق بين أن يسجد الإمام لسهوه، أو يتركه، في أن على المأموم سجود السهو، لأن سهوه أوقع خللاً في صلاته، ثم إنما يسجد إذا تركها إمامه بعد سلام الامام والخروج من صلاته.
وقال المزني، والبويطي، لا يلزمه سجود السهو، إذا تركه إمامه، واحتجا بأن المأموم، إنما كان سجدهما تبعًا للإمام، فإذا لم يسجد المتبوع لم يسجد التابع وهذا كما أن الإمام لو ترك التشهد الأول، لا يأتي به المأموم، بل يتابعه في تركه وإذا ترك سجود التلاوة، تركه المأموم أيضاً، متابعة له، وهذا لا يصح، لأن سهوه أوقع خللا في صلاته، وإذا خرج عن صلاة الإمام كان عليه

الجزء: 2 - الصفحة: 901

جبر ما وقع فيها من الخلل، كما لو جلس الإمام للتشهد الأول، ولم يقرأ لا يكلف المأموم ترك قوله، وليس كما لو قام إلى الثالثة من غير أن يتشهد، لأنا لو قلنا: يتخلف المأموم عنه، لكان التشهد أدني إلى المخالفة المتفاحشة، وفيما نحن فيه، لا يؤدي إلى ذلك، لأنه يسجدهما بعد الخروج عن صلاة الإمام.

الجزء: 2 - الصفحة: 902

فصل الإمام إذا سها في صلاته سهوًا، يلزم به سجود السهو، فسها عن سجود السهو، ففيه أربع مسائل: إحداهما: أنه سلم جاهلا بأن عليه سجود السهو، فقبل أن يسلم المأموم تذكر وعاد إلى الصلاة، وسجد سجدتي السهو، فهل يجب على المأموم أن يتابعه أم لا؟ يبني على الوجهين في أن الإمام هل عاد إلى حكم الصلاة ام لا؟ إن قلنا: عاد إلى حكم الصلاة لزمه متابعته، وإلا فهو يسجد ويسلم، ولا يتابعه.
الثانية: سلم الإمام جاهلاً بسجود السهو، والمأموم اشتغل بسجود السهو، فلما سجد المأموم، تذكر الإمام بأن عليه سجود السهو، عاد وسجد، فوجه واحد: أنه لا يجوز للمأموم أن يتابعه، لأنه لو تابعه يؤدي إلى زيادة سجدة، ولأنه لما اشتغل بالسجود، صار قاطعًا نفسه عن صلاته.
الثالثة: لما سلم الإمام، سلم المأموم عامدًا، أو ذاكرًا لسهوه، ثم الإمام عاد وسجد لا يلزمه متابعته.
الرابعة: سلما جاهلين، ثم تذكر، هل يجب عليه أن يتابعه، فعلى الوجهين.
فرع لو سلم المسبوق مع إمامه ساهيًا، فتذكر، فإنه يلزمه سجود السهو، لأنه سها، ولم يكن خلف إمامه، لأنه خرج من الصلاة ولو سلم إمامه، فعليه أن

الجزء: 2 - الصفحة: 903

يقوم في الحال، فلو لم يقم في الحال، وقد سلَّم إمامه بطول الدعاء نُظر: إن لم يكن محل تشهده بأن أدركه في الركعة الثانية، أو في الرابعة، بطلت صلاته، لأنه قعد في محل القيام، وإن كان محلُّ تشهده، لا تبطل صلاته.
فرع الإمام إذا قام إلى الخامسة ساهيًا، فجاء مسبوق، واقتدى به، نظر إن كان عالماً.
عند عامة أصحابنا: لا تنعقد صلاته بالجماعة، بل تنعقد منفردًا.
وقال القفال رحمه الله: تنعقد صلاته بالجماعة، لأن قيامه إلى الخامسة، لم يخرجه من الصلاة، فانعقد تحريمه خلفه، إلا أنه لا يتابعه في شيء، وإن كان جاهلا بحال الإمام، واقتدى به وتابعه، تحسب له تلك الركعة، ولو أدركه في الركوع، لا تحسب له تلك الركعة، لانعدام القراءة منها، ولكونه غير محسوب للإمام حتى يتحمل ذلك عنه.
فعلى هذا، لو كان في صلاة الجنازة، فجاء مسبوق، واقتدى به في صلاة الفرض.
عند عامة أصحابنا: لا تنعقد صلاته بالجماعة.
وعند الشيخ رحمه الله: تنعقد، ولا يتابعه، حتى لو كبَّر ثانيًا، لا يكبر، وكذا لو اقتدى به، وهو في سجود التلاوة، على هذا الاختلاف، والله أعلم بالصواب.
فرع إمام نسي الفاتحة، وهوى إلى الركوع، فلا يجوز له أن يركع معه، بل يقوم قائمًا حتى يعود الإمام إلى القيام، ويقرأ الفاتحة، ثم يتابعه، فإذا سَلَّم إمامه،

الجزء: 2 - الصفحة: 904

قام وقضى لنفسه ركعة، وفي صلاة السر، إمَّا الظهر أو العصر، أو في الآخرتين من العشاء، أو في الثالثة من المغرب، لو سجد إمامه في خلال القراءة، ترك الركوع، وهوى إلى السجود، عليه أن يتابعه، ويحمل ذلك على سجدة التلاوة، ثم إن عاد إلى القيام فذاك، وإن لم يُعده، وانتقل إلى السجدة الثانية، حينئذ هو بالخيار: إما ان يصير قائمًا حتى يعود الإمام إلى القيام، وهوي إلى الركوع، فيتابعه، ولا يخرج نفسه عن متابعته.
وبمثله: لو قام إمامه إلى الخامسة، لا يتابعه بحال، ولا يحمل ذلك على أن إمامه، ربما ترك الفاتحة في ركعة ما، والان تذكرها يريد أن يقضيها، لأنه لو تحقق ذلك، ليس عليه أن يتابعه، لأنه قرأ الفاتحة في أربع ركعات.
فإن قيل: لو كان مسبوقًا بركعة، هل عليه أن يتابعه؟ ويحمل ذلك على أن إمامه ترك الفاتحة في ركعة، أو شك المأموم بأنه، هل قرأ الفاتحة في ركعة، عليه قضاء ركعة، إن سلم إمامه عن أربعة، هل عليه أن يتابعه؟ قال القاضي رحمه الله: ليس عليه أن يتابعه، لأن ما عليه من الصلاة الواجبة، عليه فعلها وقضاؤها منفردًا، لا مع الامام، فلو صلى صلاة مع الامام إلى آخرها، ثم سجد الامام سجدة قبل السلام، فإنه يتابعه، ويحمله على أنه وقع له سهو في الصلاة، ويسجد له، ثم إن سجد سجدة أخرى فذاك، وإن لم يسجد سجدة أخرى، فالمأموم يأتي بسجدة أخرى، ويحمل على أن الامام نسي السجدة الأخرى، فرع منفرد تكلم ناسيًا في صلاة الصبح، ففي آخر الصلاة، نسي أنه تكلم ناسيًا، أو شك أنه قنت أم لا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 905

سجد سجدتي السهو لأجل ترك القنوت، ثم لو تذكر أنه قد قنت، أو تذكر أنه تكلم ناسيًا.
قال: عليه أن يسجد سجدتي السهو ثانيًا، لأنه أتى بالجبران عما هو مجبور، لم يدخل عليه قفص، ولم يأت بالجبران عما هو محتاج إلى الجبر.
وفيه وجه آخر: أنه لا ياتي به ثانيًا.
فرع رجل كبر، وشرع في الصلاة، فنسي أنه كبر، فكبر ثانيًا، بنية الافتتاح، لم تبطل صلاته، لأنه ساه.
فرع مأموم في التشهد تيقن أنه ترك الفاتحة في ركعة من صلاته، فإذا سلم الإمام قام، وأضاف إليها ركعة أخرى، لا يلزمه سجود السهو، لأن السهو بترك الفاتحة في محلها، وقع خلف الامام، فتحمله الامام عنه، ولو شك هل ترك الفاتحة في ركعة أم لا؟ فإذا سلم الإمام، يقوم ويصلي ركعة أخرى، كما في المسألة الأولى، وهل يلزمه سجود السهو؟ قال رضي الله عنه: كنت أقول: في الأول يلزمه سجود السهو؛ لأن ما يأتي به بعد خروجه من صلاة الامام، زيادة منه في الصلاة، فيلزمه سجود السهو، كالمسبوق، إذا سها في قضاء ما فاته من الصلاة، يلزمه سجود السهو، لأن هذه التي يفعلها بعد سلام الامام صادرة عن تشكيك وترديد في حالة، هو فيها غير مؤاخذ بالسهو، فلم يقتض سجود السهو اعتبارًا بالحالة التي صدر الشك عنها،

الجزء: 2 - الصفحة: 906

بخلاف المنفرد إذا فعل ما هو زيادة منه في أحد محتمليه، لأنه صادر عن تشكيك في حالة، هو مؤاخذ فيها بالسهو، ولو أن مأمومًا سلم إمامه، ثم شك، هل ترك التشهد أم لا؟ قرأه ولا سجود عليه.
لأن أقضى ما فيه، أنه كرر قراءة التشهد، وتكرير قراءة التشهد، لا يقتضي سجود السهو، وكذا إذا قرأ التشهد مرة أخرى، ولو سها في قراءة هذا التشهد بعد سلام الإمام، أو طال الدعاء والثناء فيه، فسها فيه، سجدهما، لأنه سهو وقع بعد خروجه من صلاة الامام، هذا كله إذا لم يكن سلم مع الامام، فإن سلم مع الامام، ثم شك، هل قرأ التشهد أم لا؟ فعليه سجود السهو، لأن سلامه سهو منه في صلاته، لأن محله بعد قراءة التشهد، وقد أتى به قبلها، فكان سهوًا، ولم يتحمل عنه الامام، لأنه وقع بعد سلام الإمام، ولو أن مأمومًا قدر أن إمامه سلم فسلم، ثم بان أنه لم يسلم فعليه أن يسلم مرة أخرى، ولا يلزمه السجود، لأنه سها خلف الامام ولو أن مسبوقًا قدر أن إمامه سلم، فقام مشتغلا بالقضاء، فقضى ركعة، ثم بان أن إمامه لم يكن سلم، لم تحتسب له هذه الركعة، لأنه قضى الغائب في حالة لم يكن قضاه، لأنه إنما يجوز قضاء الغائب للمسبوق بعد سلام الامام بخلاف ما لو اقتدى بإمام، قام إلى الخامسة ساهيا، وهو جاهل بالحال، فتابعه في تلك الركعة يحتسب له بها، لأنه صلى ركعة متابعًا لإمامه، فحسب له عن الفرض، وإن كان قد سها إمامه ببعض صلاته، سجدهما بعد القضاء المسبوق، إذا سها إمامه، فلا يخلو إما أن يكون قد سها قبل إدراكه صلاته او بعده، فإن سها بعد أن أدرك صلاته فسجد سجدتي السهو في آخر صلاة الامام معه متابعة له، في ظاهر المذهب.
وقيل: لا يسجد لهما، لأنهما ليستا بمحسوبتين له، ثم إذا قضى ركعته، هل يلزمه قضاء السجدتين؟ فعلى قولين:

الجزء: 2 - الصفحة: 907

أحدهما: بلى؛ لأنهما ليستا بمحسوبتين له، لأن سهو سجود السهو إنما يحتسب في آخر الصلاة.
والثاني: لا، لأنه إنما لزمه سجود السهو في الصصلاة متابعة له، وإن كان قد سها قبل إدراكه في فعلها في آخر صلاة الإمام على ما بيناه، والقضاء بعد قضاء الفائت مرتب على المسألة الأولى.
إن قلنا: هناك لا يقضيهما، فها هنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق أن السهو في المسألة الأولى وقع وهو مقتد به، فأوقع خللا في صلاته، فلزمه السجود في محله، وفي هذه المسألة وقع وهو غير مقتد به، فلم يقع خلل في صلاته، لكنه أمر بها، متابعة له، وقد أتى بها في آخر صلاة الإمام متابعة، فلا معنى لإيجاب القضاء عليه ثانيًا.
وإنما سجدهما بعد القضاء، اتباعًا لإمامه، لا لما بقي من صلاة.
منهم من قال: أخل المزني ها هنا في النقل؛ لأن هذا التعليل لا يلائم الحكم، إذ ليس في سجودهما بعد قضاء الفائت متابعة للإمام، بل هو لما بقي عليه من فرض الصلاة.
وإنما قال الشافعي رحمه الله هذا في مسألة أخرى وهو أن المسبوق إذا سجد للسهو مع الامام، ثم سها في القضاء، يلزمه سجود السهو في آخر الصلاة؛ لأن ما أتى به من سجود السهو مع الإمام، كان لاتباع الإمام لا لما بقي عليه من فرض الصلاة، فلم يجبر الخلل الذي وقع في بقية الصلاة.
ومنهم من قال: النقل صحيح، والقصد منه أن يسجدهما بعد القضاء، ولا يقتصر عليهما في آخر صلاة الامام، لأنه فعلهما اتباعا له، لا لما بقي عليه من فرض الصلاة.
وإن تكلم عامدًا بطلت صلاته، وقد ذكرنا حكمه، واحتج ها هنا بحديث ذي اليدين، على أن كلام الشافعي لا يبطل الصلاة، وحل حديث ابن مسعود على العمد، لأنه وقع بمكة، لما قدم من أرض الحبشة، وسلم على النبي صلى الله عليه وسلم

الجزء: 2 - الصفحة: 908

في الصلاة، فقال له بعد أن سلم: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن ما أحدث: ألا تكلموا في الصلاة.
وقصة ذي اليدين وقعت بـ (المدينة)، والمتأخر يقضي على المتقدم.
روى أن: رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى نعاشيًا، فسجد شكرا لله.
السجدات المشروعة، على أربعة أقسام.
سجدة في صلب الصلاة وهي واجبة كما بينا، وسجدة السهو، وسجدة التلاوة، وهما ليستا بواجبتين عندنا.
وقد حكينا عن أبي حنيقة في سجود التلاوة.
وخالفنا أيضا في سجود السهو.
فقال: هو واجب، وربما يقولون: هو مذهب أبي يوسف.
فأما عند أبي حنيفة: فلا يجب.
لنا أن سجود السهو سجود لعارض أمر، فلا يجب كسجود الشكر.
والنوع الرابع: هو سجود الشكر، وهو عندنا مستحب، وعند أبي حنيفة بدعة، وسجود الشكر، هو أن يتجدد له نعمة طالما كان يتوقعها، أو يرقبها أو تكشف عنه بلية، طالما كان فيها، ويتوقع انكشافها، فسجد شكرا لله تعالى.

الجزء: 2 - الصفحة: 909

والدليل على أنه مشروع ما روى أنه عليه السلام رأى نعاشيًا، فسجد شكرًا لله تعالى.
والنعاشي قيل: ناقص الخلقة.
وقيل: هو مختلط العقل.
وروى انه عليه السلام سجد فأطال السجود فلما رفع رأسه قيل له: أطلت السجود يا رسول الله فقال أتاني جبريل، وبشرني بأنك أول الأنبياء دخولا في الجنة، وإن أمتك أول الأمم دخولا في الجنة، وأنه يدخل من أمتك سبعون ألفا مع كل واحد سبعون ألف في الجنة بغير حساب فسجدت شكرًا لله تعالى.
فقيل: من هم يا رسول الله فقال عليه السلام: هم الذين لا يرقون ولا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون.
وروى: أنا أبا بكر لما بلغه فتح اليمامة، وقتل مسيلمة الكذاب، سجد شكرًا لله تعالى.
وروى أن عليا رضي الله عنه لما بلغه قتل ذي الثدية سجد شكرا لله تعالى ثم لا يخلو إما ان يكون هذا السجود لسب فيه أو في غيره، فإن كان بسبب فيه، مثل إن بشر بمولود، أو قدوم غائب، أو شفاء مريض، أو غيرها من حدوث النعم، وانكشاف البلايا، فيستحب إظهاره.
وإن كان بسبب في الغير، فلا يخلو إما أن يكون هو معذورًا فيه، مثل أن يرى زمنًا مقعدًا في مخفة، فالمستحب ألا يظهر، لأنه إذا أظهره يدخل في قلبه

الجزء: 2 - الصفحة: 910

شيء فلا يأمن من أن يسخط، ويحمل ذلك على كفران بالله تعالى من النعم الجسمية، إلا إذا كان أعمى لا يراه، وإن كان هو غير معذور، مثل أن يرى شريبًا منتهكًا متماديًا في الفسق، والفجور.
فيستحب له أن يظهره لعل ذلك يحمله على التوبة، والإنابة إلى الله تعالى ولا يسجد لجميع النعم، لأن نعم الله تعالى لا تعد ولا تحصى، لقوله تعالى: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها.
وإنما يسجد لنعمة طالما ترقبها كما عددناها، وكل شرط يشترط في سجود التلاوة، من ستر العورة واستقبال القبلة، والطهارة عن النجاسة، والحدث يشترط في سجود الشكر، فإن كان في الصلاة لا يسجد الشكر، وإن كان خارج الصلاة، يستحب أن يقوم، ويكبر للافتتاح، ويكبر للهوي إلى السجود ثم يكبر لرفع الرأس، منه ولا يتشهد على ظاهر المذهب، كما قلنا: في سجود التلاوة، ويجوز فعله على الراحلة بالإيماء، كما يجوز على الأرض ويرفع اليدين حذو المنكبين فيه، والله أعلم بالصواب.

الجزء: 2 - الصفحة: 911

باب أقل ما يجزئ من عمل الصلاة

. قال الشافعي رحمه الله، وأقل ما يجزيء من عمل الصلاة أن يحرم، ويقرأ بأم القرآن، يبتدئها بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) إن أحسنها، ويركع، حتى يطمئن راكعًا، ويرفع، حتى يعتدل قائمًا ويسجد، حتى يطمئن ساجدًا على الجبهة، ثم يرفع حتى يعتدل جالسًا، ثم يسجد الأخرى كما وصفت ثم يقوم حتى يفعل ذلك في كل ركعة، ويجلس في الرابعة، ويتشهد ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويسلم تسليمة، يقول: السلام عليكم، فإذا فعل ذلك، أجزأته صلاته وضيع حظ نفسه، فيما ترك، وإن كان لا يحسن أم القرآن، فيحمد الله، ويكبره مكان أم القرآن، لا يجزئه غيره.
قد ذكرنا الأكمل من الصلاة والأفضل، فنذكر هنا أقل ما يجزئه وأقل ما يجزئه، أن يأتي بما هو الأركان، وجملة الأركان أربعة عشر في الركعة الأولى: النية والتكبير والقيام والقراءة والركوع، والطمأنينة فيه، والاعتدال من الركوع، والطمأنينة فيه، والسجود الأول والطمأنينة فيه والاعتدال من السجود والطمأنينة فيه والسجود الثاني، والطمأنينة فيه.
وفي الركعة الثانية اثنا عشر ركنا: وهي هذه الأركان سوى النية، والتكبير، وفي التشهد أربعة أركان: الجلوس له، والقراءة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وأقل ما يجزيه من السلام أن يقول: السلام عليكم ومن التشهد ما بيناه على قول الشافعي بتحرك أربع كلمات، وهي المباركات الصلوات الطيبات وبركاته، وعلى قول ابن سريج يحذف هذه الكلمات، ويحذف أيضًا، ورحمة الله ويقول: وأن محمدًا رسوله، وعلى قول الحليمي يحذف هذه الكلمات ويحذف الصالحين.

الجزء: 2 - الصفحة: 912

قال القاضي رحمه الله: لو قال: سلام عليك أيها النبي، وعلى عباد الله الصالحين، يكفي كي لا يتكرر السلام.
والصحيح ما قاله الشافعي، فكل صلاة هي ذات ركعتين، فإن فيها ثلاثين ركنًا، وما هي ذات ثلاث، فاثنان وأربعون ركنًا، وما هي ذات أربعة فأربعة وخمسون ركنا.
ومن أصحابنا من قال: وهو صاحب التلخيص أركان الصلاة كلها أربعة عشر النية والتحريمة والقيام والقراءة والركوع، والاعتدال منه والطمأنينة في الركوع، والسجود الأول، والاعتدال منه، والسجود الثاني، والجلوس للتشهد، والصلاة على النبي عليه السلام والسلام فلم يعد الركن للتكرر الا مرة واحدة، غير أنه ناقص قعد السجود مرتين، ولعله صار إلى أن الثاني من السجود غير الأول، فإنهما اجتمعا في الركعة الواحدة، والأول يهوي إليه من الركوع، والثاني من القعود.
ومن قال: إن نية الخروج من الصلاة شرط، صارت الأركان خمسة عشر، والمذهب أنها ليست بشرط.
ومن أصحابنا من يضم إلى الأركان ثلاثة، مما يعد من الشرائط، وهي الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة.
وشرائط الصلاة خمسة: الطهارة بالماء الطهور عند وجوده، أو التيمم بالتراب الطهور عند عدم الماء، وستر العورة بثوب طاهر، والوقوف على مكان طاهر، واستقبال القبلة، والعلم بدخول الوقت، إما يقينا بالنص أو اجتهاد بغلبة الظن.
وإن كان لا يحسن غير أم القرآن، قرأ بقدرها سبع آيات، لا يجزئه دون ذلك، قال: فإن ترك من ام القرآن حرفا، وهو في الركعة، رجع إليه وأتمها، وإن لم يذكر حتى خرج من الصلاة، وتطاول ذلك، أعاد.

الجزء: 2 - الصفحة: 913

قال القاضي حسين: الفصل: قد ذكرنا أنه إذا كان يحسن قراءة الفاتحة، فإنه يقرؤها، فأما إذا لم يحسن الفاتحة، ولا شيئا من القرآن، فأتى بسبعة، أذكار مختلفة مثل قوله: سبحان الله، والحمد، ولا إله إلا الله، والله أكبر، كما ورد في حديث الأعرابي، ويشترط أن تكون حروف الأذكار معادلة لحروف الفاتحة، ولا يشترط أن تكون تشديدات الذكر مثل تشديدات الفاتحة، غير أنه إن كان مثله فذاك، وإلا فيأتي مكان كل تشديدة بحرف آخر.
وهل يشترط أن تكون كلمات الذكر معادلة لكلمات الفاتحة؟ فعلى وجهين: فأما إذا كان يحسن شيئا من القرآن، فلا يجوز له العدول إلى الذكر، بل يأتي به، ثم إذا كان يحسن سبع آيات، مثل آيات الفاتحة أو أطول منها فذاك، وإن ان أقصر من آيات الفاتحة، فعلى وجهين: أحدهما: يجزيه، لقول الشافعي طوالا كن أو قصارًا.
والثاني: لا حتى تكون معادلة الفاتحة، وقصد الشافعي بقوله طوالا كن أو قصارًا أنه لا بد من سبع آيات، ولا يجزيه أقل من السبع، وإن كان طوالا بحيث كانت الواحدة، منها تبلغ الفاتحة، وتزيد عليها مثل آية المداينات، فإنها لا تحسب إلا عن آية الفاتحة، وهو متبرع بما فيها من زيادة الحروف، فعلى هذا، ينبغي أن يكون سبع آيات معادلة للفاتحة أو أكثر منها، وحكم التشديدات على ما ذكرنا من قبل.
وإن كان يحسن آية من القرآن، فيستحب له أن يكررها سبع مرات، وهل يكتفي بتكريرها سبعًا أو لابد من ضم ستة أخرى إليها من الأذكار؟ فعلى وجهين: أحدهما: يضم إليه ستة أخرى، ليبلغ عدد الفاتحة.
والثاني: يكتفي بتكريرها سبعًا، ويقوم كل مرة منها مقام آية من الفاتحة، وإذا كان يحسن آية من الفاتحة، يراعي الترتيب بينها وبين ما يأتي به من الأذكار، حتى أنه إن كان يحسن الآية الأولى يقرؤها اولا، ثم يأتي بستة أذكار بقدر

الجزء: 2 - الصفحة: 914

ست آيات من الفاتحة، وإن كان يحسن الآية الأخيرة من الفاتحة، فيأتي بستة أذكار قبلها، ثم بها، وكذا لو كان يحسن آية من خلال الفاتحة، يأتي من الأذكار، بقدر ما بقي منها إلى آخر الفاتحة، مراعاة الترتيب.
فرع لو سئل عن رجلين: أحدهما: يحسن النصف الأول من الفاتحة.
والآخر: يحسن النصف الآخر من الفاتحة، أيهما أولى بالإمامة؟ قلنا: لا يجوز لكل واحد منهما أن يقتدي بصاحبه، وهذه مسألة يلغز فيها، فافهمه.
وقوله: ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي حسين: وذاك واجب وقد ذكرنا.
وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقيل: كيف نصلي عليك، وقد بليت، فقال له: أما علمت ان الأنبياء لا يبلون، أما علمت أن الله تعالى حرمه أجساد الأنبياء على الأرض.
ثم ذكر الشافعي رحمه الله، أنه لو ترك حرفًا من أم القرآن في ركعة من صلاة عاد إلى الموضع المتروك، وأتى به وبما بعده، وهذا إنما يكون إذا لم يفتتح سورة أخرى.
أما إذا افتتح سورة أخرى، فإنه يستأنف قراءة الفاتحة، والله أعلم بالصواب.

الجزء: 2 - الصفحة: 915

باب طول القراءة وقصرها

قال الشافعي رحمه الله تعالى: وأحب أن يقرأ في الصبح مع أم القرآن بطوال المفصل وفي الظهر شبيها بقراءة الصبح، وفي العصر نحوا مما يقرؤه في العشاء، وأحب أن يقرأ في العشاء بسورة الجمعة، وإذا جاءك المنافقون، وما أشبهها في الطول، وفي المغرب بـ (العاديات) وما أشبهها.
الكلام في هذا الباب، في أن تعيين السورة مستحب مسنون، والسورة التي يقرؤها في كل صلاة.
فعندنا تعيين السورة مستحب.
وقال أبو حنيفة: يكره ذلك، فعندنا يقرأ في الصبح بطوال المفصل، وفي الظهر والعشاء بأوسط المفصل، وفي المغرب بقصارها، روى عن أبي سعيد الخدري أنه قال: حرزنا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فكانت الأوليين من الظهر مثل قراءته في الصبح، وفي الآخرتين من الظهر على النصف من ذلك، وفي الأوليين من العصر شبها بالآخرتين في الظهر، وفي الآخريين من العصر على النصف من ذلك.
والمستحب من ذلك، عندنا أن يسوي بين الركعتين الأوليين في القراءة، وفي الآخريين، يقرأ على النصف مما قرأ في الأوليين، فيسوي بينهما اتباعًا للسنة، وروى ابن عباس رضي الله عنه ال صليت صلاة الصبح خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، فقرأ في الركعة الأولى سورة الجمعة، وفي الثانية، إذا جاءك المنافقون.

الجزء: 2 - الصفحة: 916

وروي عن جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة الصبح في الركعة الأولى يس، وفي الثانية، حم.
وعن عمران بن الحصين، أنه قال: صليت صلاة الجمعة خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ في الركعة الأولى: سبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية: هل أتاك حديث الغاشية.
وروى عليه السلام أنه قال: قرأ في العشاء والشمس وضحاها، وفي الثانية واليل.
وهذا سنة مستحبة كله عندنا، إذا كان إمامًا، وإذا كان منفردًا، فإنه يطول القراءة، ويزيد فيها ما يشاء، وقد بينا، والله أعلم بالصواب.

الجزء: 2 - الصفحة: 917

باب الصلاة بالنجاسة ومواضع الصلاة من مسجد وغيره

. قال الشافعي رحمه الله تعالى وإذا صلى الجنب بقوم أعاد، ولم يعيدوا واحتج في ذلك بعمر بن الخطاب، والعباس رضي الله عنهما.
قال المزني: رضي الله عنه كما لا يجزيء عني فعل إمامي، فكذلك لا يفسد على فساد إمامي، ولو كان معناي في إفساده معناه، لما جاز أن يحدث، فينصرف وأبني ولا أنصرف وقد بطلت إمامته، واتباعي له ولم تبطل صلاتي، ولا طهارتي بانتقاض طهره.
قوله: فإذا صلى الجنب بقوم، أعاد، فلو صلى وعلى ثوبه نجاسة، أو كان محدثًا، لم تصح صلاته، ولو اقتدى بإمام محدث، أو جنب، إن كان عالما به، لم تصح صلاته إذ لا صلاة للإمام وقد وقف أفعاله على أفعاله، وإن كان جاهلا بحاله، صحت صلاته، وهو في الحكم كالمصلى منفردًا، لا تحصل له فضيلة الجماعة، ولا يلزمه سجود السهو بسهو إمامه، ويلزمه السجود بسهو نفسه، فلو كان أدركه في الركوع، بان أنه لم يصر مدركًا للركعة بإدراكه فيه.
وعند أبي حنيفة يلزمه إعادة الصلاة.
دليلنا: ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم افتتح بالناس صلاة الصبح، فخرج من الصلاة وأشار، فقال: كما أنتم، فدخل البيت واغتسل، واغتسل وخرج ورأسه يقطر ماء، وأتم الصلاة، ولم يأمرهم بإعادة التحريمة.

الجزء: 2 - الصفحة: 918

فلو كانت الصلاة لا تنعقد خلف الجنب لأمرهم بإعادة التحريمة.
وروى ان عمر رضي الله عنه، صلى بالناس بـ (المدينة)، ثم خرج إلى قرية، فرأي في الطريق أثر الاحتلام على ثوبه، فقال: يصنع اللحم بنا هكذا إذا أكلناه، ما أراني إلا وقد احتلمت البارحة، وصليت بالناس وأنا جنب.
فأعاد الصلاة، ولم يأمرهم بالإعادة، ولأنا أجمعنا على أن الإمام إذا سبقه الحدث في خلال صلاته، لا تبطل صلاته من خلفه، فإذا كان الامام لا يقطع صلاة المأمومين مع علمهم بذلك، فلأن لا ينعقد بمنع انعقاد صلاتهم مع جهلهم به أولى، ولأن الحدث والجنابة يخفي، فلا يطلع الانسان عليه غالبا فيعذر فيه، لأنه لم ينسب فيه إلى التفريط، والتقصير بخلاف ما لو كان الامام كافرًا، أو امرأة، أو خنثى، يلزمه الإعادة، لأن الكفر والأنوثة مما يطلع عليه في الغالب، لأن الكفار والإناث علامة يمتازون بها من الذكور والمسلمين، وانتسب إلى التفريط بترك التعرف عنهما.
نظير مسألتنا أنه لو كان كافرًا يستسر الكفر، فلا يوجب الإعادة.
وقال مالك: إن علم الامام بحديث نفسه، تبط صلاة المأمومين، وإلا فلا تبطل.
وقال أبو حنيفة: إن صلى الرجل، وهو جنب أو محدث، فإن تعمده، يكفر.
وعندنا لا يكفر، ولكن يعصي ويأثم، وحكي في كره هذا القول عن بعض العلماء دون أبي حنيفة، وإذا بأن أنه كان على ثوب الامام نجاسة، فالذي في حفظي عن غيره، أنها إن كانت على ظاهر ثوبه، بحيث يقع بصره علىها، أن لو يعرف لزمه الإعادة، وإن كان على باطن ثوبه غائبًا عن بصره، فلا إعادة عليه في ظاهر المذهب.

الجزء: 2 - الصفحة: 919

وإذا اقتدى بإمام طاهر، ثم سبقه الحدث، وكان قد سها لزمه سجود السهو، لأنه اقتدى به، وصح الاقتداء فسهوه أوقع خللا في صلاته، وإن كان قد سها بنفسه، ثم سبقه الحدث، لم يلزمه السجود، لأنه وقع في حالة لا يؤاخذ فيها بالسهو، ولو أدرك إماما في الركوع، فسبقه الحدث في السجود، صار مدركًا للركعة، لأنه أدركه في ركوع محسوب عن الصلاة، وفي الجمعة لو بان الامام جنبا، المذهب أن صلاة القوم لم تنعقد، وعليهم الاعادة لأن الجماعة في الجمعة فرض.
وحكي صاحب التلخيص: قولا آخر عن الشافعي رحمه الله، أنه لا إعادة عليهم، وفي صلاة الجنازة، لو بان الإمام محدثا أو واحدًا من المأمومين صحت صلاة الباقين، فلا قضاء عليه، لأن صلاة الجنازة لا تقضي.
فأما إذا أحدث إمامه عامدًا، إن تابعه بعد ذلك مع علمه بحال الامام، تبطل صلاته، وإن أخرج نفسه عن صلاته، له ذلك.
وقال أبو حنيفة: إن استخلف الامام أحدا في الصلاة، لا تبطل صلاة القوم وإلا فتبطل صلاة القوم.
قال المزني: قال الشافعي رحمه الله ولو صلى رجل، وفي ثوبه نجاسة من دم أو قيح، وكان قليلا، مثل دم البراغيث، وما يتعافاه الناس، لم يعد، وإن كان كثيرًا، أو قليلا، بولا أو عذرة أو خمرا وما كان في معنى ذلك، أعاد في الوقت، وغير الوقت.
قال المزني، ولا يعدو من صلى بنجاسة من أن يكون مؤديا فرضه أو غير مؤد، وليس ذهاب الوقت بمزيل عنه فرضًا، لم يؤده، ولا إمكان الوقت بموجب عليه إعادة فرض، قد أداه.
قال القاضي حسين: الكلام فيما يعفي عنه من النجاسات، وما لا يعفى عنه، أما القيل من دم البراغيث والقمل أو البعوض، وما يخرج من بدنه من القيح والدم والصديد معفو، ولأي معنى عفي عنه؟

الجزء: 2 - الصفحة: 920

فيه معنيان: أحدهما: القلة.
والثاني: تعذر الاحتراز.
ولا خلاف في نجاستهما مع العفو، حتى لو عرق، فسال العرق إلى موضع آخر، أو ليس ثوبًا رطبًا أصاب المكان الرطب النجس من بدنه، أو كان على ثوبه، فاغتسل، ولبسه، حكم بنجاسة الثوب والبدن، حتى لا تصح صلاته، لأنها تفاحشت، وحدثت النجاسة الأجنبية التي لا عفو فها بالانتشار، بخلاف دم البراغيث، إذا كثر فإن في وجه، يعفي عنه، لتعذر الاحتراز، والفرق أنه علم هذا بإصابة ثوبه وبدنه، ثم طرأ العرق عليه، بخلاف دم البراغيث في الأصل.
فأما الكثير من دم البراغيث، وما يخرج من بدنه، هل يعفى عنه؟ فوجهان: بناء على المعنيين: إن جعلنا المعنى في القليل القلة، لم يعف لفقد المعنى.
وإن جعلنا المعنى فيه تعذر الاحتراز، عفي عنه، إذ الاحتراز، كما يتعذر عن القليل يتعذر عن الكثير.
فأما الدم الذي يخرج من غيره، إذا أصاب بدنه أو ثوبه، ما لا يعفي عنه من دم البراغيث، لم يعف عنه، لأنه إذا لم يعف عنه، والخارج من بدنه لئلا يعف من الخارج أولى، وما يعفي من دم البراغيث، والخارج من بدنه، إذا خرج من بدن غيره وأصابه، هل يعفى عنه؟ فوجهان: والفرق أن الاحتراز لا يتعذر عن الدم الذي يخرج من الغير، بخلاف ما يخرج من نفسه.
وقد قال الشافعي في القديم: ويعفي عن قدر كف من الدم

الجزء: 2 - الصفحة: 921

وقال في موضع آخر، يعفى عن قدر دينار من الدم.
فأما ما عدا الدم من النجاسات من الدبر كالبول، والعذرة، والخمر، إذا أصاب بدنه، فلا يعفى عنه، أدركه الطرف، أو لم يدركها، وإذا أصاب ثوبه، فما يدركه الطرف منها غير معفو عنه، وفيما لا يدركه الطرف قولان: أظهرهما: أنه غير معفو، كما لو أصاب البدن.
والثاني: مفعو، ذكره في القديم.
وقال أبو حنيفة: النجاسات قسمان: مغلظة، ومخففة.
فالمغلظة: كالعذرة، والخمر، وبول ما لا يؤكل لحمه، وغيرها فيعفى عما هو بقدر الدرهم، وما دونه، فإن زاد على قدر الدرهم، لم يكن معفوا.
والمخففة مثل: بول ما يؤكل كل لحمه، يعفى عن ربع الثوب عنه، وما دون الربع فإن زاد على الربع فلا يعفى، وإذا صلى وعلى ثوبه ما لا يعفى عنه من النجاسات، إن كان عالما بالحال، لم تنعقد صلاته، وإن جهلها حتى فرغ من الصلاة، أعاد في الجديد.
وبه قال ابو حنيفة، كما لو بان محدثا أو جنبا، لأن الطهارة، كما تشترط من الحدث، تشترط من النجاسة.
وفي القديم: لا إعادة عليه بخلاف الحدث، لأنه في ذاته يخصه، فانتسب في الجهل به إلى التفريط، لأن الإنسان يحيط علمًا بما يقع في ذاته ويخصه، حسب ما لا يحيط بما هو أجنبي منه.
ولما روى عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، أنه قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فخلع نعليه، فخلعنا نعالنا، فلما سلم، فقال عليه السلام: ما لكم خلعتم نعالكم، فقلنا: لأنك خلعتها يا رسول الله، فقال عليه السلام: أتاني جبريل وأخبرني أن منهما قذى، أو قال: أذى، فخلعتهما، ثم قال: إذا أتى

الجزء: 2 - الصفحة: 922

أحدكم المسجد، فليقلب نعليه، فإن كان عليهما أذى، فليمسحهما بالأرض، أو قال: فليدلكهما بالأرض، أو قال: فليفركهما بالأرض، فإنه طهور.
كذلك ومن قال بالأول، أجب لأنه أراد بالقذى، أو الأذى، ما يستقذر من الطاهرات، مثل النخامة والمخاط، وإنما خلعهما لتنزيه المسجد عنهما، لأن المسجد ينزه عن المستقذرات، وإن كان طاهرًا، ويحتمل أنه كان قبل استقرار حكم النجاسات، وتحريم فعل الصلاة معها، ثم نسخ، ولعل النسخ ورد في خلال تلك الصلاة فخلعهما عليه السلام.
ومثل هذين القولين: القولان فيا لو نسي المسافر الماء في رحله، فصلى بالتيمم، والقولان فيما لو ترك الترتيب ناسيًا في الوضوء، وإن علم النجاسة ثم نسيها.
فالمذهب: أن عليه الإعادة، وخرج عليه من قول آخر من نسيان الماء في الرحل: أن لا إعادة عليه، ثم عندنا تلزمه إعادة كل صلاة تيقن أنه صلاها مع النجاسة، فأما ما شك في كون النجاسة معه فيها، لا يلزمه إعادتها، لأن الأصل: الطهارة.
وقال أبو حنيفة: إن كانت النجاسة رطبة، أعاد الصلاة واحدة، وإن كانت يابسة، إن كانت في الصيف أعاد صلاة واحدة، وإن كان في الشتاء، أعاد صلوات يوم وليلة، ولا يفصل على القولين بين أن يعلم بالنجاسة والوقت باق أو فائت.
وقال مالك: إن كان الوقت باقيًا أعاد الصلاة، وإن خرج الوقت، ثم علم

الجزء: 2 - الصفحة: 923

بالنجاسة، لم تلزمه الإعادة، وإياه عني الشافعي رحمه الله عليه بقوله:: في الوقت وغير الوقتن واحتج المزني عليه بأن الصلاة المؤداة مع النجاسة، لا تخلو إما أن تكون صحيحة، أو فاسدة.
فإن كانت صحيحة فلا معنى لإيجاب الإعادة عليه لبقاء الوقت، وإن كانت فاسدة، فلا معنى لسقوط الإعادة بخروج الوقت، لأن خروج الوت لا يصحح الفاسد، ولو صلي في ثوب، فلما فرغ من الصلاة، ظهر أنه كان على ثوبه ثقبة، تظهر عورته، إن لم يكن يعلم ذلك، فيخرج على وجهين بناء على هذين القولين.
وإن علم فنسي، فالمذهب أن عليه الإعادة.
فرع إذا شرع في الصلاة فجاء واحد، ووقف بجنبه مع ثوب نجس، فإن مس هو بثوبه ثوبه، بطلت صلاته، ولو أن صاحب الثوب النجس ماس بثوبه النجس بدن المصلي أو ثوبه، إن نحاه في الحال، لم تبطل صلاته، وإن صبر ساعة، بطلت صلاته، لأنه إذا نحاه في الحال فقد أدى ما عليه، ولم ينسب إلى التقصير، فيعذر عليه، وإذا صبر ساعة، لم يعذر فيه، ولو وقعت نجاسته على مصلاه، فنحاها، قال القاضي رضي الله عنه: يحكم ببطلان صلاته؛ لأنه قصد النجاسة ومسها، ولو وقعت بالهواء على ثوبه، فنفضها، لا تبطل صلاته، لأنه قصد هجران النجاسة، وهو معذور فيه، وإن كانت النجاسة رطبة فوقعت على بدنه وثوبه، تبطل صلاته، اللهم إلا أن تكون وقعت على منديله فرماه في الحال، لم تبطل صلاته، ولو كان ناسيًا، قد ذكرنا أنه لو رماه بيديه أو بكمه، تبطل صلاته، لو رماها برأس الخشبة، فيه وجهان كما لو صلى وبيده طرف حبل، والطرف الآخر مشدود في عنق كلب، ولو وقعت على طرف مسجده أو ثوبه إن رفع طرفه ليرميه، فإنه يصير حاملاً للنجاسة،

الجزء: 2 - الصفحة: 924

تبطل صلاته، وإن وقع ثوبه على النجاسة، إن علم به في الحال ورفعه، فيه وجهان، وإن لم يرفع في الحال، بطلت صلاته، فأما إذا وقعت نجاسة على مسجده بحذا صدره، وسجد عليه، فيه وجهان.
ولو حمل مستنجيًا بالحجارة في الصلاة، فيه وجهان: أحدهما: لا تبطل صلاته، لأنه لو صلى بنفسه تصح صلاته.
والثاي: لا تصح.
والفرق بينهما: أن هناك هو معذور فيه، وها هنا لا حاجة إلى ذلك، فافترقا.
فأما إذا حمل قارورة، فيها نجاسة مضمومة الرأس.
المذهب انه تبطل صلاته، لأنه تحقق أنه حامل للنجاسة، بدليل أنه يمكنه إخراج النجاسة منها متى شاء، بخلاف ما لو حمل صغيرا في الصلاة، تصح صلاته، لأنه لا يمكنه إخراج النجاسة عنه باختياره متي شاء.
قال المزني: قال الشافعي رحمه الله وإن كان معه ثوبان، أحدهما طاهر، والآخر نجس، ولا يعرفه فإنه يتحرى أحد الثوبين، فيصلي فيه، ويجزئه وكذلك إناءان من ماء، أحدهما طاهر، والاخر نجس، فإنه يتوضأ بأحدهما على التحري، ويجزئه.
قال القاضي حسين: إذا اشتبه الطاهر والنجس يتحرى كما في الأواني، ويستعمل ما أدى اجتهاده إلى طهارته، سواء كان في عدد الطاهر والنجس سواء، أو لم يكن سواء.
ووافقنا أبو حنيفة فيه.
وقال المزني: يصلي في كل واحد من الثوبين، ليكون مؤديا للفرض في ثوب طاهر بيقين كما لو نسي صلاة من صلاتين تكلف الإتيان بهما، وعندنا يتحرى، كما بينا، ولو فعله كما قاله المزني، لا تصح واحدة من صلاتيه، لأنه

الجزء: 2 - الصفحة: 925

شرع في كل واحدة منهما، وهو [متردد] في نيته، وشرط صحة الصلاة أن يجزم النية فيها، ويكفينا أن ما أمر فيه بالصلاة من شرائط الصلاة يتحرى فيه عند الاشتباه، ولا يستعمل الصواب، والخطأ على التبخيت كما في القبلة.
وفي الصلاة الثانية يجتهد ثانيا، فإن أدى اجتهاده إلى ما أدى إليه في الصلاة الأولى، فذاك، وإن أدى اجتهاده إلى الثاني، فحكمه حكم ما لو وجد ثوبًا نجسًا، وإذا وجد ثوبًا نجسًا، هل يلزمه استعماله؟ فعلى وجهين: ذكرناهما: أحدهما: يلزمه، فعلى هذا يستعمل أي الثوبين شاء، وأعاد الصلاة.
والثاني: لا يلزمه، فعلى هذا، لا يصلي على واحد منهما، بل يصلي عاريًا، وقد بينا حكم العاري، وإن كانت الثياب التي اشتبه النجس منها عشرة، فليجتهد في كل صلاة، فيؤدي اجتهاده إلى ثوب آخر، ويصلي فيه، وتصح صلاته، فإذا انتهي إلى العاشر، فالحكم ما بيناه في الثاي، إذا كانا ثوبين وإن كان معه ثوب طاهر بيقين، وثوبان بهذه الصفة فوجهان: أحدهما: لا يتحراه، كالحاكم إذا وجد النص، لا يجتهد في الحادثة.
والثاني: يتحرى، والفرق، أن النص هناك في محل الاجتهاد، وهو الحادثة، وها هنا في غير محله، لأن الاجتهاد في الثوبين والنص في الماء، وإذا اجتهد فأدى اجتهاده إلى أحدهما، ثم غسل ما أدى اجتهاده إلى نجاسته هل له استعمال آخر؟ فعلى هذين الوجهين، وإذا غسل أحد الثوبين قبل الاجتهاد، ثم أدى اجتهاده إلى أنه غسل النجس، هل له استعمال غير المغسول؟ فعلى هذين الوجهين، وإذا غسل ما أدى اجتهاده إلى نجاسته، ثم ظاهر بينهما، فجعل أحدهما ظهارة، والآخر بطانة، هل يجوز له أن يصلي فهما؟ فعلى هذين الوجهين، لأن في المسائل كلها، أمكنه استعمال طاهر بيقين، ولو أصاب موضعا من البساط نجاسة، واشتبه عليه تحرى لكل صلاة، وصلى

الجزء: 2 - الصفحة: 926

على موضع منه، أدى اجتهاده إلى طهارته، إلا أن يبقى من البساط قدر مكان النجاسة، والله أعلم الصواب.
قال المزني: وإن خفي موضع النجاسة من الثوب غسله كله، لا يجزئه غيره.
قال القاضي حسين: صورة المسألة ثوب أصاب موضعًا منه نجاسة، واشتبه محل النجاسة، فعليه أن يغسل الثوب، وامتناع صحة الصلاة معه، وإذا غسل الثوب، وهو شاك في ارتفاع النجاسة، وصحة الصلاة معه، ولا يترك، اليقين بالشك، كما لو نسي صلاة من صلاتين، يعيدهما للخروج من الفرض باليقين، وإذا أصاب أحد الكمين نجاسة واشتبه عين النجس، فوجهان: أحدها: يلزمه غسل الكمين، لأنهما في حكم واحد للمعنى الذي ذكرناه.
والثاني: يغسل أحدهما بالاجتهاد، لأنهما مفصلين كالثوب، والعمامة، إذا أصاب أحد طرفيها نجاسة، فاشتبه النجس، فعلى هذين الوجهين: أحدهما: يغسل أحد الطرفين بالاجتهاد.
والثاني: يغسلهما بناء على اليقين.
فرع الثوب المتضمخ بالنجاسة، إذا بعضه في الغسل، فغسل أحد نصفيه مرة، ثم النصف الآخرة مرة أخرى.
قال صاحب الإفصاح: صح الغسل، وحكم بالطهارة؛ لأن النجاسة جامدة، والثوب جامدة، ولا يتعدى الجامد إلى الجامد.
واحتج فيه بقوله عليه السلام: في الفأرة، تقع في السمن، إن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فأريقوه، فأمر بإلقاء ما حولها، فدل أن النجاسة لا تتعدي في الجامدان، من محل إلى محل.
وقال صاحب التلخيص، وهو اختيار القفال، وهو الأصح: إنه لا

الجزء: 2 - الصفحة: 927

يحكم بطهارة الثوب النجس، إذا غسل في دفعتين، لأن النصف الأول مبتل، وينتشر البلل من النصف الثاني إليه إذا غسله، فيتنجس النصف الأول، لأن البلل مبناه على الانتشار، بخلاف الجامد.
ومن أصحابنا من قال: يتصور غسله في دفعتين، بأن يصب الماء على أعلى الثوب إلى النصف ثم يصب الماء على النصف الثاني، لأن البلة لا تتراد إلى الاعلى، ولا ينتشر إليها الماء، لأن طبع كل مائع الانحدار، وهذا غير صحيح فرع إذا وضع الثوب النجس في الإناء، وصب الماء عليه حتى غسله، فإنه يعود طاهرًا، فلو صب الماء أولاً في الإناء ثم مس فيه الثوب النجس، فإنه لا يطهر أصلا.
قال المزني: وإن أصاب ثوب المرأة من دم حيضها قرصته بالماء؛ حتى تنقيه ثم تصلي فيه.
قوله: فإن أصاب ثوب المرأة من دم حيضها.
قال القاضي حسين: دم الحيض إذا أصاب الثوب، تغسلها بالماء، فإن بقي اللون، والأثر حتته، ثم قرضته، ثم غسلته بالماء لأمر النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت أبي بكر في دم الحيض: حتيه، ثم اقرضيه، ثم اغسليه بالماء.

الجزء: 2 - الصفحة: 928

فلو أنعمت الحت والقرض بالماء، وبقي اللون، فيستعمل الأشنان والصابون، ولو بقي اللون بعده فهو معفو عنه.
روى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنا نغسل الثوب من دم الحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيبقى فيه بقعة، فنلطخه بالزعفران، ثم نصلي فيه.
والمراد بالبقعة، العلامة، ومنه سميت البقعة لامتيازها عن غيرها، وسئل فقيل: هل يحكم بطهارة الثوب، إذا بقي لون دم الحيض فيه، مع العفو عنه؟ فقال رضي الله عنه: إذا بقي يجب أن يرتب على أن بقاء الرائحة، هل يدل على بقاء العين فيما لها رائحة ذكية من النجاسات كالخمر وبول المبرسم؟ وفيه قولان: أحدهما: يدل على بقاء العين، فعلى هذا، بقاء اللون لا يدل على بقاء العين أولى.
والثاني: لا يدل على بقاء العين، فعلى هذا، في اللون يحتمل وجهين: أحدهما: لا يدل على بقاء العين كالريح والثاني: يدل.
والفرق أن اللون أقوى من الريح، لأنه في الحقيقة جزء لطيف من العين، فلا يتصور انفكاك اللون من العين، والريح قد ينفك عنها، فإن البيت إذا

الجزء: 2 - الصفحة: 929

وضعت فيه الخمر مدة، ثم اخرجت منه تبقي رائحتها فيه زمانا ولا عين، فلو صبغ الثوب بصبغ نجس فغسله بالماء وأنعم الغسل وبقي اللون.
قالوا: يحكم بطهارته: لأن الماء يقدر على إزالة النجاسة، ورفعهما، ولا يقدر على قطع الألوان، ورفعها من المحال، فإذا أورد الماء عليه، فعلمنا أن ما يمر عليه من النجاسة قد زالت، وإنما بقي اللون، لأن الماء لا يقوى على إزالته يدل عليه أن الصبغ النجس عند الانفراد إذا غمر بالماء، يحكم بطهارته، واللون دائم كان قبل الغسل.
وإذا اختصبت المرأة بالحناء النجس، ثم غسلته يحكم بطهارة المحل، وإن بقي اللون لما ذكرنا من المعنى، وهو أن الماء مزيل للنجاسة، وإن كان يضعف عن قلع الألوان.
والصحيح في ثوب الحائض إذا غسل، وبقي الأثر أن ذلك يكون طاهرًا، لأنه لو كان نجسًا، معفوًا لكان إذا أصابه بلل تنجس كمحل الاستنجاء، وها هنا لا يصير نجسًا بإصابة البلل، لما روى عن عائشة، فنلطخه بالزعفران ونصلي فيه.
قال المزني: ويجوز أن يصلي بثوب الحائض، والثوب الذي جامع فيه الرجل أهله وإن صلى في ثوب نصراني، أجزأه، ما لم يعلم فيه قذرًا، وغيره أحب إلي منه.
قال القاضي حسين: وهو كما قال لأن الأصل طهارة الثوبين، والطاهر أيضا في حق المسلمين.
روى عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة، فكان إذا سجد غمز رجلي، فقبضتها، وإذا قام مددتها.
وأما ثياب المشركين: إن كان ثوب مشرك يتوقي النجاسات، كاليهود والنصارى يجوز أن يصلي فيه، لأن الأصل والظاهر طهارته، كما في حق

الجزء: 2 - الصفحة: 930

المسلمين، وإن كان ثوب مشرك يتدين باستعمال النجاسات، كالمجوس، ففيه قولان: أحدهما: هو طاهر، لأن الأصل طاهرة الثوب.
والثاني: هو نجس، لأن الظاهر نجاسته.
وهكذا كل مسألة تقابل فيها أصلان، أو أصل وظاهر كالمقبرة القديمة التي شك في نبشها، ووحل الطريق.
فعلى هذين القولين.
قال المزني: وأصل الأبوال، وما خرج من مخرج حي مما يؤكل لحمه أو لا يؤكل لحمه.
قال القاضي حسين: الحيوانات قسمان: حيوان له نفس سائلة.
وحيوان ليس له نفس سائلة.
فأما ماله نفس سائلة، فعلى قسمين: قسم يؤكل ميته كالسمك، ففيما يخرج منه من دمه وبوله وروثه، وجهان: وكذلك فيما يخرج من الجراد من هذه الأشياء: أحدهما: هو طاهر كالرطوبات المتحللة من اللحوم الطرية.
والثاني: نجس قياسًا على غيرهما.
وقسم لا يؤكل ميتة.
فعندنا: ما يخرج منه من البول والروث نجس، سواء كان مأكول اللحم، أو غير مأكول اللحم، وسواء كان ذرق طائر، او غير طائر.
وقال أبو حنيفة: ذرق الطير طاهر.
ويحتجون فيه بإجماع أهل الحرمين على إمساك الحمامات في المسجد الحرام مع علمهم بوجوب تنزيه المساجد عن النجاسات

الجزء: 2 - الصفحة: 931

وقال محمد وأحمد: ما يؤكل لحمه طاهر بوله، وزاد أحمد أن عذرته أيضا طاهرة، دليلنا ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه.
ولم يفصل أو يقول: حيوان محرم الدم، فكان نجس البول قياسًا على غير مأكول اللحم.
واحتجوا بما روى أن قومًا من العرنيين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فاستوخموا المدينة فاصفرت ألوانهم، ونحلت أجسامهم، وانتفخت بطونهم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم، لو خرجتم إلى إبل الصدقة وشربتم، من أبوالها وألبانها، فإنها لشفاء لذربة بطونكم، فخرجوا إلى إبل الصدقة وشربوا من أبوالها وألبانها.
فثابت إليهم نفوسهم، وصحت أجسامهم، فقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الإبل، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم، في أثرهم حتى ردوا، وأمر حتى قطعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، وألقوا في الرمضاء، فكانوا يرمضون

الجزء: 2 - الصفحة: 932

الحجارة، ويستسقون، فلا يسقون إلى أن ماتوا عطشًا، فنزل قوله تعالى: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ...). ونهي عن المثلة.
قال عمران بن حصين: ما قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم خطيبًا إلا كان يبحثنا على الصدقة، وينهانا عن المثلة.
والجواب هو إنما شربوا في وقت الحاجة والضرورة للتداوي، ونحن نبيح شرب البول للضرورة.
ويحتجون بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عليه السلام قال: إن في أبوال الإبل وألبانها شفاء للذرب، وهو فساد المعدة، ويروى: فساد للذربة بطونهم فجعل فيها.
وقد قال عليه السلام: إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم.
فلو كانت حرامًا ما وقع بها الشفاء.
والجواب هو أنه أباح شربها عند الحاجة، ولا يصفها بالتحريم في وقت

الجزء: 2 - الصفحة: 933

الحاجة، بل يبيحها كالميتة تباح للمضطر، فلم يكن الشفاء، في المحرم، بل كان في المباح.
فأما ما ليس له نفس سائلة مثل النمل والخنفساء ففي دمها وذرتها وجهان، بناء، على أن ميتة ما ليس له نفس سائلة نجسة أو طاهرة.
وفيه قولان: فأما البيض المنفصل عن الطائر، إن كان غير مأكول اللحم، فنجس، ولا يطهر بالماء.
ولو كان مأكولا، فهو طاهر في الأصل، ثم ينظر، إن سقط منها في مكان نجس، يجب غسله بملاقاته النجاسة، وإن سقط منها في مكان طاهر، فهل يجب غسله أم لا؟ فوجهان بناء على أن بلل باطن الفرج طاهر أم نجس؟ وفيه وجهان، كما في بلل باطن فرج النساء.
فأما الأنفحة، إذا ذكيت السخلة، وأخرجت منها طاهر، وإن ماتت، ثم أخرجت منها فهي نجسة، فإن قيل: لم أطلق الشافعي القول بنجاسة ما خرج عن مخرج حي؟ فإن العسل خارج من حي، وهو محكوم بطهارته.
قلنا: النحل لعابة يخرج من فيه.
حكى: أن واحدًا كان يعيب الحلواء عند الحسن البصري، فقال: لعاب النحل بلباب البر، وخالص السمن ما عابه أحد.
وقد ذكرنا في تأويل الأخبار أنه إنما جوز لهم شرب البول عند الحاجة، وهكذا عندنا يجوز شرب ما سوى الخمر، إذا أخبره طبيب حاذق بأن فيه شفاءه.
فأما إذا قال له: شفاؤك أعجل فيه، هل يجوز له شربه أم لا؟ فوجهان: كما قلنا في المتيمم، إذا خاف من استعمال الماء لشدة الضنى

الجزء: 2 - الصفحة: 934

فأما شرب الخمر لا خلاف في أنه لا يجوز ذلك لأجل العطش، لأنه يزيد في العطش لحرارته ولا يسكنه.
فأما إذا غص بلقمة في حلقه، فيجوز له أن يشيعها بالخمر، وهل يجوز شربها للاستسقاء فوجهان: أحدهما: لا؛ لقوله عليه السلام: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم.
والثاني بلى؛ كما في البول سواء.
قال الشافعي: وإذا أكره على شرب الخمر كرهتها له، وإذا أكره على أكل الخنزير لم أكرهه له.
وإنما فرق بينهما، لن الخمر أم الخبائث، فربما يتولد منها الفساد الكثير، إذا ذهب عقله، ويقع في الفحشاء، بخلاف لحم الخنزير.
فأما لبن ما يؤكل لحمه فطاهر كلحمه، ولبن ما لا يؤكل لحمه، فنجس إلا لبن الآدمي، فإنه طاهر لحرمته، وهكذا لبن الأتان طاهر لقول الإصطخري قال المزني: فكل ذلك نجس إلا ما دلت عليه السنة من الرش على بول الصبي ما لم يأكل الطعام ولا يتبين لي فرق بينه وبين بول الصبية، ولو غسل كان أحب إلى.
قال القاضي حسين: أخل المزني، رحمه الله، في نقل هذا الكلام، لأن ظاهره يوهم الأستثناء من النجاسة، وأن بول الصبي طاهر.
وإنما قال الشافعي: وكل نجس يغسل إلا ما دلت عليه السنة فاستثى بول الصبي من الغسل.

الجزء: 2 - الصفحة: 935

فعندنا: الصبي إذا لم يأكل الطعام يرش على بوله الماء، ولا يجب غسله، وإن غسل، قال الشافعي، رحمه الله: كان أحب إلي.
وقال أبو حنيفة: يغسل كبول الصبي الذي يأكل الطعام.
والقياس يوجب التسوية بين بول الصبي وغيره من النجاسات، إلا أنا اتبعنا فيه السنة، وهو ما روى عن لبابة بنت الحارث، أنها قالت أتي النبي صلى الله عليه وسلم بالحسن أو الحسين، فوضع في حجره ليحنكه بال في حجره، فقلت، أعطني إزارك يا رسول الله لأغسله، فقال: إنما يغسل من بول الصبية، فدعا بماء ورش عليه.
فأما بول الصبية، فقد مثل الشافعي رحمه الله القول فيه، فقال: ولا يبين لي فرق بين بول الصبي والصبية.
وأصحابنا يجعلون في بول الصبية قولين: أقيسهما: أنه كبول الصبي.
والثاني: أنه يغسل، وعليه يدل ظاهر الحديث، وأيضا إن بول الصبية ألصق بالمحل، لأنه قيل في بول الصبية: إنه يكون أحد من بول الصبي، وان له رائحة ذكية، وعني بالرش أن يصيب الماء عليه، حتى يغلبه، وإن لم يعصره، وفي غيره من النجاسات، إذا صب الماء عليها، ولم يعصره.
فيه وجهان.

الجزء: 2 - الصفحة: 936

قال المزني: ويفرك المني، فإن صلى به، ولم يفركه، فلا بأس، لأن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصلي فيه، وروى عن ابن عباس أنه قال: أمطه عنك بإذخرة، فإنما هو كبصاق أو مخاط.
قال القاضي حسين: أما مني الرجل، فالمذهب أنه طاهر، وهو قوله الجديد.
وخرج فيه صاحب التلخيص، قولا آخر: أنه نجس، وبه قال مالك، وإنما يحكم بطهارة المني، إذا كان المحل طاهرًا، بأن كان قد بال، واستنجي بالماء، فأما إذا كان المحل نجسًا بأن بال، واستنجي بالجامد، أو كان قد أمذى يحكم بنجاسته لا محالة لمروره على المحل النجس.
ومنى المرأة طاهر أيضًا، على ظاهر المذهب.
وأما حكمه بعد الانفصال، فوجهان: أحدهما: هو طاهر.
والآخر: نجس بناء على أن بلل باطن فرج المرأة طاهر أو نجس.
وفيه وجهان، وهكذا في مني الرجل، إذا انفصل عنها بناء على هذا الأصل، وهكذا إذا جامعها، وعزل عنها، ثم خرج منه المنى.
فيه وجهان.
فأما مني سائر الحيوانات.
فيه أوجه: أحدها: الكل نجس، وإنما خص ابن آدم بطهارة منيه، كرامة له لقوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم).
والثاني: كل حيوان لبنه طاهر، فمنيه طاهر، وما لا فلا.

الجزء: 2 - الصفحة: 937

والثالث: كل حيوان عرقه ولعابه طاهر، فمنيه طاهر، وكل حيوان عرقه ولعابه نجس، فمنيه نجس، فعل هذا مني الحيوانات كلها طاهر عدا الكلب، والخنزير، وقال أبو حنيفة، المني نجس، إلا أنه كان رطبًا يغسل، وإن كان يايسًا جاز أن يقتصر فيه على الدلك.
وقال مالك: إنه نجس، ويغسل رطبًا كان أو يابسًا دليلنا على مالك ما روى عن عائشة رضي الله عنها انها قالت: كنت أفرك المني من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يصلي فيه.
وعن ابن عباس أنه قال: أمطه عنك بإذخرة، فإنما هو كبزاق أو مخاط.
ونقول مع أبي حنيفة: ما جاز فركه في محله، جاز تركه كالبزاق ونحوه.
فرع إذا ماتت الدجاجة، وفي بطنها بيضة، إن لم تكن متصلبة تكون نجسة، وإن كانت متصلبة، فيه وجهان، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: قال الشافعي: ويصلي على جلد ما يؤكل لحمه، إذا ذكي، وفي صوفه وشعره وريشه، إذا أخذ منه وهو حي.
قال القاضي حسين: قد استقصينا القول في كتاب الطهارة.
قال المزني: ولا يصل ما انكسر من عظمه إلا بعظم ما يؤكل لحمه ذكيا، فإن رقعه بعظم ميتة، أجبره السلطان على قلعه، فإن مات صار ميتًا كله، والله حسيبه.

الجزء: 2 - الصفحة: 938

قال القاضي حسين: هو كما قال، فإن رقعه بعظم ما لا يؤكل لحمه، أو بعظم المأكولات إذا مات.
نظر، فإن كان لا يجد عظم المأكول ذكيًا، وخاف التلف، جاز، ولا يجبر على قلعه، ولو وجد عظم المأكول ذكيًا، أو كان لا يخاف التلف، فرقعه بعظم غير المأكول.
نظر، فإن كان لا يخاف التلف بالقلع، أجبر على القلع، ولو لم يخف التلف، لكن خيف شدة الضنى، هل يجبر على القلع؟ يحتمل وجهين بناء على القولين في جواز التيمم، إذا خاف إن مسه الماء شدة الضنى، وإن خيف التلف وجهان: أظهرهما: لا يجبر على القلع، لأن خوف التلف والضرورات تبيح استعمال، النجاسات والمحظورات.
يدل عليه إبحاة الميتة للمضطر لخوف التلف، بخلاف الخيط، لا ينزع وجهًا واحدًا، إذا خيف التلف، لأن ذاك حق الآدمي، فيمكن تداركه بالقيمة.
والثاني: يجبر على القلع، لأجل الصلاة، وإن كان يقضي إلى زهوق الروح، لأن إزهاق الروح، يستحق بسبب الصلاة، كما يقتل تارك الصلاة، فلو مات قبل القلع، فوجهان: أحدهما: يقلع، كما في حالة الحياة.
والثاني: لا؛ لسقوط التكلف، بخلاف الخيط المغصوب، ينزع منه بعد الموت.
وقول الشافعي رحمه الله: فإن مات صار ميتًا كله، والله حسيبه.
قيل: معناه صار نجسًا كله، فلا يقلع، والله حسيبه.
قيل: معناه، صار نجسًا، على ما ارتكب من المعصية.

الجزء: 2 - الصفحة: 939

قيل: أراد به سقط التكليف عنه.
وهكذا حكم الخيط النجس، إذا خاط به جرحه، حكم العظم النجس.
فأما الخيط المغصوب، إذا خاط به جراحه، إن لم يخف من نزعه التلف، فإنه ينزعه، وإلا فلا.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا وقع المنكسر بالعظم النجس مع وجود الطاهر، إن لم يكن قد اكتسى باللحم يقلع، وإن اكتسي باللحم لا يقلع.
وفرق بأنه قبل الاكتساء اللحم في حكم الطاهر، وحكم النجاسة الظاهرة يمنع صحة الصلاة، ووجوب رفضها، وإذا اكتسى باللحم، صارت مستبطنة لا حكم لها، كما لو شرب نجسًا، لا يكلف الاستقاء لإخراجه [...]. والفرق بيهما ظاهر، وذاك لأن النجس إذا شربه، لا يمكن إخراجه بالكلية، فلم يكلف الإخراج، بخلاف العظم فإن إخراجه ممكن.
والخلاف مع أبي حنيفة لا يتصور إلا في عظم الخنزير، فإن عنده العظام، لا تحلها الحياة، ولا تنجس بالموت في الحيوانات الطاهرة، والكلب عنده طاهر العين.
ووافقنا في الخنزير أنه نجس العين.
قال المزني: ولا تصل المرأة المرأة شعرها بشعر إنسان، ولا شعر ما لا يؤكل لحمه بحال.
قال القاضي حسين: وصل الشعر في الجملة، حرام.
والأصل فيه ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، انه قال: لعن الله الواصلة، والمستوصلة والواشمة، والمستوشمة، والواشرة، والمستوشرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 940

فـ (الواصلة): هي التي تصل الشعر بالشعر، و (المستوصلة)، هي التي تستدعي، وتلتمس وصل شعرها بالشعر، والواشمة، هي التي تغرز إبرة أو غيرها في يدها أو وجهها، وتحشى فيها شيئا من العظم، وهو النيل.
والمستوشمة: هي التي تلتمس الوشم.
والواشرة: هي التي تحد أسنانها إذا أكلت لهرم أو غيره.
والمستوشرة: هي التي تلتمس الوشر، وتحديد الأسنان.
وعن ابن مسعود أنه كان يخطب، فقال في خطبته: ألا ألعن من لعنه الله، لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة، والمستوشمة، والواشرة المستوشرة.
وكان في القوم امرأة معنية بأمر دينها، فرجعت إلى البيت، وقرأت جميع القرآن، تطلب ما قاله ابن مسعود فلم تعثر عليه، فرجعت من الغداة إلى مجلس عبد الله بن مسعود، قالت، قد تصفحت ما بين الدفتين، فلم أجد ما قلت، فقال لها: لو طلبتيه لوجدتيه، قال الله تعالى (ما آتاكم الرسول فخذوه).
الاية.
وإن ما أتانا الرسول عليه السلام أنه قال: لعن الله الواصلة.
الخبر، فلو وصلت شعرها.
نظر، فإن وصلتها بشعر ما لا يؤكل لحمه، لم تصح صلاتها، وكلفت قطعها، وإن وصلت بشعر آدمي فحرام أيضا، لأن من كرامة الآدمي الا يستعمل حرمته، بل تدفن وتوارى، غير أنها إن صلت معها، فصلاتها، صحيحة، لأن شعر الآدمي طاهر، ولو وصلت شعرها بشعر ما يؤكل لحمه، إن لم يكن لها زوج، فحرام، وإن كانت ذات زوج، ولم يأذن لها زوج، فكذلك هو حرام وإن أذن لها فيه وجهان: أظهرهما: أنه يجوز تزيينا للزوج، واستمالة لقلبه.

الجزء: 2 - الصفحة: 941

والثاني: لا يجوز لظاهر الأخبار، لقوله عليه السلام: لعن الله الكاسيات العاريات المغيرات لخلق الله.
والمراد بـ (الكاسيات) (العاريات)، اللاتي يلبسن الشف من الثياب، ومهلهل النسج منها، بحيث تبدو العورة من تحتها، فمن لبسها كان عاريًا، لما أن عورته ظاهرة فكاسيًا للبسه إياه، وروى عنه عليه السلام، أنه قال: المتشبع بما ليس فيه كلابس ثوبي زور.
يعني المتشبع بما ليس فيه لشهود الزور، والذين يلبسون الثياب ليشهدوا بالزور، وإذا غمزت وجهها بالغمزة إذا لم تكن ذات زوج أو كانت، ولم يأذن لها فيه، عصت الله تعالى.
وإن أذن لها الزوج في التغمير، فوجهان، لما ذكرنا من المعنى، وظاهر الخبر وهكذا التطريق، وهو أن تختضب بالحناء، وتسود رءوس البنات، فعلى ما ذكرنا من التفصيل فيها قيل: ولها أن تختضب بالحناء من غير أن تسود رءوس الأصابع، ولا يجوز للرجل الاختضاب بالحناء.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: طيب الرجال ما خفي لونه وظهرت رائحته، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفيت رائحته.

الجزء: 2 - الصفحة: 942

وقال القاضي رحمه الله: هي عادة المخنثين وسنتهم.
ويجوز للرجل أن يخضب لحيته بالحناء.
فرع لو تنفط بدنه وفيه قليل ماء، فإنه لا يحكم بنجاسته، لأنه في حكم الباطن، فإذا تشق وخرج منه الماء، حينئذ يجب غسله، واتصال الماء إلى باطنه، لأنه، صار في حكم الظاهر.
قال المزني: وإن بال رجل في مسجد، أو أرض يطهر بأن يصب عليه ذنوب من ماء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في بول الاعرابي (حين بال في المسجد)، صبوا عليه ذنوبًا من ماء.
قال الشافعي: رحمه الله: وهو الدلو العظيم، وإن بال اثنان، لم يطهره إلا دلوان، والخمر في الأرض كالبول، وإن لم تذهب ريحه.
قال القاضي حسين: الذنوب، اسم للدلو الذي يشد فيه رشاء، يسمى ذنوبًا، لأنه كالذنب المدلو.
فعندنا إذا بال في أرض طهر، بأن يصب عليه الماء حتى يغمره، ولا يحتاج إلى حفرها.
وحكي عن الشافعي، رحمه الله أنه قال: يصب عليها سبعة أضعاف البول، وليس هذا بتقدير، لأن الشرط أن يصب عليه من الماء حتى يغمره ويغلبه، وبدونه لا يحصل هذا الشرط.
وقال أبو حنيفة: لا تطهر الأرض إذا بيل عليها، حتى تحفر ويرتفع ترابها دليلنا ما روى أبو هريرة، رضي الله عنه أن أعرابيا دخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فسلم فرد عليه السلام، فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ من الصلاة قال الاعرابي، اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 943

وفي رواية أدخلني الجنة ومحمدًا، ولا تدخل معنا أحدًا، فقال عليه السلام: لقد تحجرت واسعًا يا أعرابي.
أي: استوليت على مكان واسع قصدت أن تفوز به.
ومنه قولهم: تحجر فلان أرض كذا، إذا أعلم عليها ليحييها فقام الأعرابي ورفع ذيله في ناحية من المسجد ليبول.
قال أبو هريرة: فهممنا به، فنهانا النبي عليه السلام، فقال: لا ترووا به.
أي: لا تقطعوا عليه بوله، قربوا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا، حتى بال، ثم قال عليه السلام: صبوا عليه ذنوبًا من ماء.
ولم يأمر بالحفر، ثم إنما تحكم بطهارتها، إذا انصب الماء وتنشف فيها.
وبمثله: لو غسل ثوبًا، ولم يعصره حتى جف الماء عليه، أو غسل آنية، وخضخض الماء، فيها، ولم يصبها حتى جف، فوجهان: أحدهما: يحكم بطهارتها.
والثاني: لا يحكم ما لم يعصر الثوب، ولم يصب الماء الذي في الإناء الذي في العصر، والصب ممكن فيهما، بخلاف الأرض، لأن العصر لا يتأتي فيها فالتنشيف فيها بمنزلة العصر في الثوب.
فأما إذا كات الأرض صلبة، بحيث إذا صب فيها الماء يجري إلى موضع آخر، ويجتمع، فإن الأرض صارت طاهرة، وحكم الماء المجتمع حكم غسالة النجاسة.

الجزء: 2 - الصفحة: 944

ولو بال اثنان في أرض، فزاد في الماء ليحصل التطهير، ولا يختلف الحكم ببول الاثنين، والواحد في وجوب الزيادة في الماء.
وإنما يختلف الحكم بقلة البول وكثرته، لأن الواحد لو بال كثيرًا، بحيث يبلغ بول اثنين في الغالب، يصب عليه من الماء، ما يصب على بول الاثنين.
وإذا بال اثنان، كل واحد منها قليلا، بحيث لا يزيد مجموعهما على بول واحد، يصب عليه من الماء، ما يصب على بول الواحد.
فإن قيل: ما الفرق بين ما لو بال اثنان في أرض.؟ قلتم: لا يقتصر فيما يصب عليه من الماء على ما يصب على بول الواحد، وبين ما إذا ولغ في الإناء كلبان.
قلتم: يقتصر في الغسل والتعفير على ما يقتصر عليه من ولوغ الواحد.
وأما الفرق، أن نجاسة الولوغ بعد المرة حكمية، والنجاسات الحكمية يتفق مزيلها، قلت أم كثرت، لأن الحكم يجري فيه التداخل.
يدل عليه أن الأحداث إذا اجتمعت، يكتفي لها بوصف واحد، ولا يكلف بوضوء آخر لكل حدث بخلاف البول، فإنها نجاسة عينية، فكلما كثرت العين افتقرت إلى زيادة المزيل، هذا لأن العين أقوى، وإذا ازداد القوى، وجبت الزيادة في رافعه، لأن غير القوى، لا يقدر على رفع القوى ودفعه له.
والخمر في الأرض كالبول، وإن لم يذهب ريحه.
أما النجاسة التي ليست لها رائحة ذكية، بقاء رائحتها يدل على بقاء العين، ويمنع الحكم بالطهارة، وما لها رائحة ذكية كالخمر، وبول المبرسم هل يدل بقاء رائحتها على بقاء العين.
فقولان: أحدهما: وهو المنصوص، لا يدل على بقاء العين؛ لأن الرائحة تبقي بعد زوال العين يدل عليه أن الخمر إذا كانت في بيت مدة، فأخرجت عنه تبقى

الجزء: 2 - الصفحة: 945

رائحتها فيه، وقد زالت العين حتى لو كان فيه ثوب تعلق رائحتها فيه، وكذا الميتة، تلقى على شط البحر، فيتروح الماء برائحتها، ولم يلاق الماء عين النجاسة.
والقول الثاني: يدل على بقاء النجاسة، لأن الرائحة صفة للعين والصفات لا تنفك عن الموصوفات، كما لم تكن ذكية.
وحكم الخمر إذا أصابت الأرض، حكم البول سواء.
وإن صب الماء عليها وزالت عينها وأثرها، فذاك، وإن بقيت الرائحة، فقولان على ما بينا، وفي سائر النجاسات، إن بقي اللون دون الرائحة فمعفو، بدليل أثر عائشة.
وإن بقي الرائحة دون اللون، الصحيح انه يعفي، وفيه وجه آخر، أنه لا يعفى، وإن بقي اللون والرائحة، فيه وجهان: الصحيح: أنه يكون نجسًا.
فروع إذا تحرق السرقين، فالرماد منه يكون نجسًا، وكذا الدخان حتى لو أصاب الدخان ثوبًا، فإن كان الثوب رطبًا، فإنه يتجس به، وإن كان يابسًا فيه وجها وكذا لو شجر التنور بالسرقين، فإنه يكنس التنور بالمكنسة اليابسة، حتى لم يبق هناك من دخانه شيء، حتى لو ألصق العجيبن هناك به قبل الكنس، أو كنسة بمكنسة رطبة، فإنه ينجس العجيبن، ولا يطهر الطبخ بعده، وكذا لو سقط العجين في الرماد تنجس إلا أن يكون بعد ما طبخ، سقط فيه، فإنه لا ينجس، وكذا لو دخل الإصطبل، وراثت الدواب، وخروج منه دخان ودخل المستحم، وبال وتغوط، وخرج منه دخان في الحال، فإنه لو أصاب ثوبه، وكان رطبًا، تنجس وإن كان يابسًا، فيه وجهان.

الجزء: 2 - الصفحة: 946

وأصل هذا ما حكينا عن الحليمي في كتاب الطهارة، أن الإنسان إذا خرج منه ريح، وكان ثيابه رطبًا، قال: ينجس، وإن كان يابسًا، لا ينجس.
فأما إذا أغلى اللحم بالماء النجس، فإنه ينجس، فلو صب الماء عليه فإنه يطهر ظاهره، ولا يطهر باطنه، إلا أن يغلي ثانيًا بالماء الطاهر، حتى يتخلل الماء في أجزائه، وكذا لو سقى السكين بالماء النجس، ثم غسله بالماء الطاهر، فإنه يطهر ظاهره، دون باطنه، إلا أن يسقي ثانيًا بالماء الطاهر، حينئذ يطهر ظاهره، وباطنه.
فأما الدابة، إذا راثت الشعير، ينظر فيه، فإن كان الشعير يصلح للزراعة، وينبت لو زرع، فإنه يطهر إذا غسل بالماء، وإن كان بحيث لا ينبت لو زرع، فإنه لا يطهر بالغسل.
فأما إذا أديس الكدس، وراثت فيه البقرة.
قال القاضي رضي الله عنه: فإنه يعفي عنه؛ لأجل الضرورة والحاجة مع كونه نجسًا.
والمستحب أن يغسل الفم إذا أكل منه تنظفا لا وجوبًا، فإذا انبت الحب من السرقين أو الكرات نبت عنه، فإنه يكون نجسًا، فإن تسنبل منه أو تشقق وخرج منه الحبات، حينئذ يكون طاهرًا، لأن النجاسة لا يلاقيها الآن، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: وإن صلى فوق قبر، أو إلى جنبه، ولم ينبش، أجزأه.
قال القاضي حسين: الصلاة في المقابر في الجملة مكروهة.
روى عن عائشة، رضي الله عنها أنها قالت، كان النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي في يغشى عليه ويفيق، فكلما أفاق كان يقول: لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.

الجزء: 2 - الصفحة: 947

وإنما كان يقصد به تحذير أمته من اتخاذ قبره مسجدًا.
وروى: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: اجعلوا شيئًا من صلاتكم في بيوتكم، لا تتخذوها مقابر.
فدل أن المقابر لا يصلى فيها.
وروى أنه عليه السلام: نهى عن الصلاة في سبعة مواضع: المجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، ومعاطين الإبل، والحمام، وفوق ظهر بيت الله الحرام.
أما المجزرة والمقبرة، فالنهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فلو بسط هناك ثوبًا طاهرًا، وصلى عليه أجزأه.
وأما المقبرة هكذا، وإن صلى في المقبرة من غير أن يبسط فيها شيئًا، فإن كانت جديدة، لم تنبش، فالصلاة تنعقد فيها، وإن كانت قديمة منبوشة، لا تنعقد الصلاة فيها.
وإن شك هل نبشت أم لا؟ فعلى قولين: الأصل: والظاهر، كالقولين في وحل الطريق.

الجزء: 2 - الصفحة: 948

أما قارعة الطريق، فالنهي عن الصلاة فيها لمعنيين: أحدهما: أنها لا تنفك عن النجاسات غالبًا، لأنها ممر الدواب والبهائم، والثاني: أن المارة تكثر فيها، فلا يكمل الخشوع ويتعلق قلبه بما يتوهمه من المارة بين يديه، فلو بسط فيها ثوبًا طاهرًا، فالكراهية باقية، وإن ارتفع معنى النجاسة، لأن المعنى الثاني يمنع الخشوع في الصلاة، ويوجب اشتغال القلب، وهو قبل بسط الثوب الطاهر عليها موجود بعده، وتنعقد الصلاة.
ولو صلى فيها في جوف الليل، فمكروه، لأنه لا يأمن مرور المارة بين يديه بالليل كهو بالنهار.
وأما معاطن الإبل، فالنهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، وأنه لا يكمل الخشوع في الصلاة فيها لما في الإبل من النفار، وعدم السكون، فلو بسط عليها ثوبًا طاهرًا، فالكراهية باقية لبقاء المعنى الثاني المانع من الخشوع، وإن ارتفعت النجاسة، تنعقد الصلاة.
وقال أحمد: الصلاة في معاطن الإبل لا تجوز، وفي مرابض الغنم جائز، سئل النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له: أنصلي في معاطن الإبل؟ فقال: لا، فقال: أنصلي في مرابض الغنم، فقال: نعم.
وعندنا هذا محمول على الاستحباب.
قال المزني: وما خالط التراب من نجس، لا تنشفه الأرض، إنما يتفرق فيه، فلا يطهره إلا الماء.
قال القاضي حسين: قد ذكرنا حكم النجاسة المائعة إذا أصابت الأرض، فإن كانت الأرض صلبة، يصب عليها الماء، وإن كانت رخوة، فإذا أورد عليها الماء كثيرًا، فإنه يطهرها.

الجزء: 2 - الصفحة: 949

فأما الجامد من النجاسات إذا أصابت الأرض، لا تقبل التطهير، يصب الماء عليها بل تزداد إذا صب الماء عليها، ولو مضت عليها دهور، وشهور حتى صارت النجاسة بطبع التراب هل يحكم بطهارتها؟ فوجهان: أحدهما: بلى، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: لا؛ لأن عين النجاسة قائم، وإنما بدلت صفاتها، وعلى هذين الوجهين: السماد إذا جعل في الأرض، فمضت عليها مدة صار بطبع التراب فهل يحكم بطهارته؟ فعلي وجهين، وهكذا الكلب، إذا صار ملحًا، وعلى أصل أبي حنيفة، يتصور أن يكون خنزيرًا نصفه طاهر، ونصفه نجس، بأن وقع نصفه في الماء، ونصفه في المملحة فيصير ملحًا.
قال المزني: وإن ضرب لبن فيه بول الطين المعجون بالبول وغيره من النجاسات، لم يطهر، إلا بما تطهر به الأرض من البول، والنار لا تطهر شيئًا.
قال القاضي حسين: إذا ضرب منه لبن فتطهيره، بأن يصب الماء، بحيث يتخلخل في باطنه، وينفذ فيه، ويصل الماء من كل جانب إلى جانب الآخر، كالأرض إذا أصابها نجاسة، تطهيرها بأن يصب الماء عليها حتى ينشف فيها، ولو طبخ اللبن المضروب من الطين النجس.
فالمذهب أنه نجس؛ لأن النار لا تطهر شيئا على حسب ما نبين، فلو صب الماء عليه، فلا يتصور أن يتخلخل في باطنه، وينفذ فيه لصلابته، لكن ظاهره يطهر، لأن إصابته الماء يقينًا، فيجوز أن يصلي عليه، وهل يصلي معه.
الصحيح أنه لا يصلي معه: لبقاء النجاسة في باطنه.
وفي وجه آخر: أنه يجوز؛ لأن النجاسة المستنبطة، لا يمنع الصلاة معها،

الجزء: 2 - الصفحة: 950

كما لو حمل طائرا أو صبيا صغيرًا في الصلاة، تصح صلاته، وهو حامل للنجاسة يقينًا.
والفرق بين المسألتين ظاهر، وذاك أن النجاسة في جوف الطائر والصبي الصغير خلقة طبيعية حصلت باستحماله، بخلاف نجاسة الآخر، فإنها مودعة فيه.
قال: والنار لا تطهر شيئًا، هكذا نص ها هنا.
ونص في الجديد والاستنجاء، فقال: لا يسمح بحجر قد مسح به مرة إلا أن يكون قد طهر بالماء.
وقال في القديم: ولو بيل في أرض، فشرقت عليها الشمس، ومضى عليها أزمان، جاز أن يصلي عليها، ولا يتيمم بترابها.
وقال في الإملاء/ ولو استنجى بحجر وألقاه في مضحاة حتى جف، وتناثرت منه النجاسة، جاز أن يستنجي به ثانيًا، فحصل في غير الماء، هل يطهر؟ قولان: فإن قلنا: يطهر، هل يطهر ظاهره، أو ظاهره، وباطنه؟ فعلى قولين: والنار مرتبة على غيرها إن قلنا: ما عدا النار يطهر، فالنار به أولى، وإلا فوجهان؛ لأن النار أقوى، وعلى هذين الوجهين السماد وعظام الموتى، هل يحكم بطهارة رمادها، فقولان: أحدهما: يحكم، وهو مذهب أبي حنيفة.
والصحيح: أنه لا يحكم، لأن عين النجاسة قائمة، وإنما تفرقت أجزاؤها، فأما لو تصور أن يتخلخل الماء في باطن الأجزاء المطبوخ، ويصل إلى جميع أجزائه، فإنه يطهر ظاهره وباطنه كغير المطبوخ.

الجزء: 2 - الصفحة: 951

قال المزني: والبساط كالأرض إن صلى في موضع منه طاهر، والباقي نجس، ولم تسقط عليه ثيابه - أجزأه.
قال القاضي حسين: وهو كمال قال؛ لأن البساط العريض إذا كان على طرف منه نجاسة، فصلى على الطرف الآخر أجزأه، تحرك المكان أو لم يتحرك، كالأرض إذا صلى على موضع طاهر منها، وبجنبه نجاسة صحت صلاته، سواء كانت النجاسة تتحرك بحركته، أو لا تتحرك.
وقال أبو حنيفة: الاعتبار بحركة النجاسة وثباتها، إن كانت تتحرك بحركة المصلى لم تصح صلاته، لأنه مصل عليها، وإن كانت لا تتحرك بحركته صحت صلاته، وإذا صلى على سرير، قوائمه على النجاسة صحت الصلاة عندنا.
وإذا تعمم بطرف عمامه، وطرفها الآخر نجس، ملقاة على الأرض لا تصيب جزءا من بدنه وثيابه، لم تصح صلاته.
ومذهب أبي حنيفة على ما بينا إن تحركت بحركة المصلى لا تصح صلاته وإلا فتصح صلاته، ولو كان طرف العمامة بيده فوجهان.
وإذا صلى على ثوب شف تحته، نجاسة تظهر من تحته، ولا يلاقيها بدنه وثوبه، ففي صحة الصلاة وجهان.
وإذا كان على مصلاه نجاسة لا تلاقي جزءا من بدنه وثيابه، لكنها تحاذيه مثل أن تكون حذاء صدره عند السجود أو بطنه، ففي صحة الصلاة وجهان: أحدهما: هي صحيحة؛ لأنه غير ماس للنجاسة.
والثاني: لا؛ لأن النجاسة ظاهرة على المصلى بحذاء المصلي.

الجزء: 2 - الصفحة: 952

فرع إذا أخذ في الصلاة بطرف حبل، وطرفه الآخر متصل بنجاسة، أو عنق كلب فأوجه: أحدها: أن صلاته باطلة، لأنه حامل للنجاسة.
والثاني: هي صحيحة لأنها ليست تلاقيه ولا ثيابه، بل هي بائنة عنه.
والثالث: إن كان الطرف الآخر متصلا بعين النجاسة، لم تصح صلاته مثل أن يكون في عنق كلب أو خنزير، من غير حائل بين الحبل والعنق.
أو كان متصلا بحمل نجس على حمار، وإن كان الطرف الآخر متصلا بطاهر، وذلك الطاهر متصل بنجس، مثل أن يكون في عنق الكلب، وبين الحبل وعنقه حائل من ساجور أو غيره، أو كان متصلا بحمار، وعلى الحمار حمل نجس من سرقين، أو غيره صحت صلاته، فلو جعل طرف حبل تحت قدمه، وطرفه الاخر متصل بنجاسة صحت صلاته مذهبًا واحدًا؛ لأنه غير حامل للنجاسة، كالبساط يصلي على موضع طاهر منه لا تضره نجاسة باقي البساط بعد أن كان لا يصيبه جزء من بدنه أو ثيابه.
وعند أبي حنيفة: إنما يعتبر في طهارة المكان طهارة موضع القدمين دون باقيه، بناء على أنه لا يجب وضع الجبهة على الأرض، وإنما يجب وضع الأنف إذا سجد وساحة الأنف أقل من قدر درهم، والدرهم من النجاسة معفو في الصلاة، فلا تضر نجاسة المسجد، ولا يجب عنده، وضع اليدين في السجود على الأرض، وربما يقولون، إنما يعتبر طهارة إحدى القدمين دون الأخرى، لأن القيام على قدم واحد في الصلاة جائز.
فرع إذا صلى على الجنازة، وجعل مداسه تحت قدميه، جاز، ولو نزع أصابع

الجزء: 2 - الصفحة: 953

الرحلين عنها ينظر فيه، فإن كان شيء من رجله بحذاء، ظهر المداس، فإنه لا يجوز إذا كان المداس نجسًا؛ لأنه يصير حاملاً له، وإلا فيجوز.
قال المزني: ولا بأس أن يمر الجنب في المسجد مارًا، ولا يقيم فيه، وتأول قول الله جل ذكره، ولا جنبا إلا عابري سبيل.
قال: وذلك عندي موضع الصلاة.
قال: وأكره ممر الحائض فيه.
قال: ولا بأس أن يبيت المشرك في كل مسجد، إلا المسجد الحرام لقول الله جل وعز، فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا.
قال المزني: فإذا بات فيه المشرك، فالمسلم الجنب أولى أن يجلس فيه ويبيت، وأحب إعظام المسجد عن أن يبيت فيه المشرك، أو يقعد فيه.
قال القاضي حسين: للجنب العبور في المسجد عندنا لغرض صحيح، مثل أن يكون الماء في المسجد يريد أن يدخله، ويأخذ منه.
فأما إذا أراد أن يغتسل في المسجد بأن كان فيه نهر جار ليس له ذلك، لأنه يحتاج إلى المكث فيه، ولو كان فيه رجل يريد أن يناديه او كان طريقه إلى الدار في المسجد، فإنه يجوز له المرور فيه.
وقال أبو حنيفة: العبور فيه معصية كالمكث.
ودليلنا ظاهر الاية، ولا جنبا إلا عابري سبيل.
منع الجنب من قربان المسجد، لأن المراد في الصلاة في صدر الاية مكان الصلاة.
قال الله تعالى: لهدمت صوامع وبيع وصلوات والمراد بها مكانها، واستثنى العبور.

الجزء: 2 - الصفحة: 954

فأما إذا لم يكن له في العبور غرض ما فيكره، وإن فعل فآثم لظاهر القرآن ثم النص من الشافعي رضي الله عنه ولو كان له طريقان: أحدهما أقرب، والآخر أبعد، وهو جنب في المسجد فاختار الأبعد من غير غرض فعل يكره، يحتمل وجهين بناء على أنه إذا سلك الطريق الأبعد هل يبلغ مسافة القصر؟ وترك الأقرب الناقص عنها من غير غرض، هل يترخض برخص المسافرين؟ وفيه قولان: وأما الحائض لا يجوز لها العبور في المسجد إن لم تعصب فرجها، وإن عصبت فوجهان: أحدهما: يجوز كما للجنب.
والثاني: لا؛ لأنها لا تأمن من انحلال عصابتها، وسيلان الدم منها، فتلوث المسجد، ولأن حكم الحيض أغلظ من حكم الجنابة، يدل على أنه يؤثر في تحريم الوطء، واسقاط الصلاة، وفعل الصوم بخلاف الجناية، فأما بعد انقطاع الدم، وقبل الاغتسال حكمها حكم الجنب.
ولو وقعت لها خصومة، أو أرادت أن تشهد، فليس لها الدخول في المسجد، إذا كان الحاكم يقعد في المسجد في مجلس الحكم في المسجد، بل الحاكم يخرج من المسجد إليها، ويسمع منها شهادتها، وكذا الجنب إذا أراد أن يشهد عند الحاكم في المسجد، ما حكمه؟ لو أمكنه ان يشهد عنده في العبور، بحيث لا يمكث فيه شيئا له ذلك، وإلا فلا يجوز له المكث فيه على ما بينا.
ولو كان رجل في المسجد، فاحتلم، وكان ذلك ليلا مظلمًا يخاف على نفسه وماله، جاز له المكث فيه، لكنه يتيمم إن وجد في المسجد ترابًا غير ترابه، بأن كانت الرياح هبت، فأتت به في المسجد.
وإن لم يجد إلا تراب المسجد فيها وجهان.

الجزء: 2 - الصفحة: 955

وأما المشرك لا يجوز له البيتوتة، والمكث، والعبور في المسجد الحرام لظاهر قوله: إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام، وله فيما عدا المسجد الحرام أن يمكث، ويبيت بإذن مسلم، ودون إذن مسلم فيه وجهان.
وإذا تصدر حاكم في المسجد للحكم، وفصل القضايا، جاز للمشرك الدخول فيه، لأن جلوسه في المسجد إذن منه للمشركين في دخوله، لأنه يفصل الخصومات بينهم، كما بين المسلمين وجوبا في قول، وجوازًا في آخر.
وقال المزني: إذا جاز للمشرك أن يبيت في المسجد فالمسلم الجنب به أولى.
وقال بعض أصحابنا، إذا صورة المسألة المشرك إذا لم يكن جنبًا، فإن علمت جنابته منع من البيتوتة فيه كالمسلم.
ومن أصحابنا من قال: للمشرك البيتوتة في المسجد جنبًا كان أو لم يكن، والفرق بينه وبين المسلم، أن المسلم يعتقد إعظام المسجد، ووجوب احترامه، فيمنع من أن يقدم على فعل يتضمن ترك الاحترام، وخلاف التعظيم بخلاف المشرك.
فَرْعٌ لا يجوز للرجل أن يغرس في المسجد غرسًا، ولا أن يحفر فيه بئرًا أو حوضًا، ولا أن يبني فيه منارة، ولا أن يضع فيه اللبنات ويضعها في زواية منه، أو يجمع الحشيش في موضع منه، لأن هذه الأشياء مما تشغل موضع الصلاة.
وقيل: إن حكم اتخاذ المنارة أخف، لأنه يمكن الصلاة على رأس المنارة، بخلاف حفر البئر ونحوه، وهكذا لا يجوز الاستطراق في المساجد من غير غرض صحيح له فيه، ولو اتخذ سردابًا تحت المسجد يتنفس فيه من حر الشمس، جاز، لأنه يمكن الصلاة فيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 956

قال المزني: قال الشافعي: والنهي عن الصلاة في أعطان الإبل اختيار؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: فإنها جن من جن خلقت.
وكما قال: حين ناموا عن الصلاة: اخرجوا بنا من هذا الوادي، فإن به شيطانا.
فكره قربه، لا لنجاسة الإبل، ولا موضعًا فيه شيطان، وقد مر بالنبي صلى الله عليه وسلم شيطان فخنقه، ولم تفسد عليه صلاته، ومراح الغنم الذي تجوز فيه الصلاة الذي لا بول فيه، ولا بعر، والعطن موضع قرب البئر الذي يتنحى إليه الإبل؛ ليرد غيرها الماء، لا المراح الذي تبيت فيه.
قوله: والنهي عن الصلاة في أعطان الإبل اختيار.
قال القاضي حسين: هو كما قال، وليس بنهي تحريم، حتى لو بسط ثوبًا عليها إن كانت نجسة، وصلى صحت صلاته ويكره.
وفي مرايض الغنم: لا يكره فيها الصلاة، بعد أن بسط ثوبًا فيها إن كات نجسة.
وقال أحمد: الصلاة في معاطن الإبل غير جائزة، ولو بسط ثوبًا فيها، وتجوز في مرابض الغنم، وإن لم يبسط ثوبًا فيها، سواء كان فيها بولها أو بعرها، أو لم يكن.
وروى أنه عليه السلام قال: لا تصلوا في معاط الإبل، وصلوا في مرابض الغنم.
وعندنا: هو محمول على نهي التنزيه دون التحريم، وإنما منع من الصلاة فيها، لأن لها نفارًا، فيمنع الصلاة من الخشوع والخضوع، يدل عليه أنه - عليه

الجزء: 2 - الصفحة: 957

السلام - علل فقال: إنها جن من جن خلقت، ألا تراها إذا نفرت كيف تشمخ بآنافها.
وقال في الغنم: إنها من دواب الجنة خلقت من السكينة والوقار.
والصلاة في مكان الجن تنعقد، وعلى هذا وادي المعرس.
قال عليه السلام لما ايقظهم حر الشمس، أخرجوا من هذا الوادي فإن به شيطانا، ولم يصل فيه لا لنجاسته، ولو صحت فيه صحت صلاته، لأن الجن والشياطين طاهرة.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: انفلت لي البارحة عفريت فهم أن يفسد على صلاتي فمكنني الله منه؟ فخنقته حتى وجدت برد لسانه على أنامله، فأردت أن أربطه بسارية المسجد، لتلعب به صبيان المدينة، فتذكرت قول أخي سليمان: هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي فأرسلته.
ولم يستأنف الصلاة بملاقاته الشيطان، ثم فسر الشافعي رحمه الله العطن، فقال: في موضع قرب البئر تنحي الإبل إليه ليرد غيرها الماء، وليس بالمراح الذي تبيت فيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 958

وقال في الكبير: المراح، ما استعلت أرضه، وطابت تربته، واستدار عن مهب الشمال موضعه.

مسألة

نص الشافعي رحمه الله على أنه لو اضطرب سن من أسنانه، فأثبتها بذهب أو فضة، لم تصح صلاته، لأنها صارت ميتة.
قال رضي الله تعالى عنه، وهذا من كلام الشافعي دليل على أن ميتة الآدمي نجس.
ومن قال بالطريقة الثانية، وهو أن ميتة الآدمي طاهرة، أجاب بأن الشافعي، إنما لم يحكم بصحة الصلاة معها، لأنها ألصقها بالدم بالجاري وهو نجس.
فرع لو استنجي بالماء، فالمستحب أن يدلك يده بالأرض، ويغسلها بالماء، هكذا فعله النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم بالصواب.

الجزء: 2 - الصفحة: 959

باب الساعات التي يكره فيها صلاة التطوع ويجوز فيها القضاء، والجنازة والفريضة

. قال المزني: قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح، حتى تطلع الشمس، وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إلا بمكة إلا بمكة إلا بمكة.
وعن الصنابحي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الشمس تطلع، ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب، قارنها فإذا غربت فارقها.
ونهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في تلك الساعات، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهي عن الصلاة نصف النهار، حتى تزول الشمس، إلا يوم الجمعة.
وعن جبير بن مطعم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا بني عبد مناف، من ولي منكم من أمر الناس شيئًا، فلا يمنعن أحدًا طاف بهذا البيت أو صلى آية ساعة شاء من ليل أو نهار.
قال الشافعي: وبهذا أقول، والنهي عن الصلاة في هذه الأوقات عن التطوع إلا يوم الجمعة للتهجير، حتى يخرج الإمام.
فأما صلاة فرض، أو جنازة أو مأمور بها مؤكدة، وإن لم تكن فرضًا أو كان

الجزء: 2 - الصفحة: 960

يصليها، فأغفلها، فلتصل في هذه الأوقات، بالدلالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: من نسي الصلاة أو نام عنها، فليصلها إذا ذكرها.
وبأنه عليه السلام رأى قيسًا يصلي بعد الصبح، فقال: ما هاتان الركعتان، قال: ركعتا الفجر، فلم ينكره، وبأنه عليه السلا صلى ركعتين بعد العصر، فسألته عنهما أم سلمة، فقال هما ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر فشغلني عنهما الوفد، وثبت عنه عليه السلام أنه قال أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، فأحب فضل الدوام، قال: ويصلي الناس على جنائزهم بعد العصر، وبعد الصبح، فلا يجوز أن يكون نهيه عن الصلاة في الساعات التي نهي فيها عنها إلا على ما وصفت، والنهي فيما سوى ذلك ثابت إلا بمكة، وليس من هذه الأحاديث شيء مختلف.
قال المزني: قلت أنا: هذا خلاف قوله، فيمن نسي ركعتي الفجر، حتى صلى الظهر، والوتر، حتى صلى الصبح، أنه لا يعيد، والذي قبل هذا اولى بقوله وأشبه عندي بأصله.
قال الشافعي: رحمه الله ومن ذكر صلاة، وهو في أخرى، أتمها، ثم قضى، وإن ذكر خارج الصلاة، بدأ بها، فإن خاف فوت وقت التي حضرت بدأ بها ثم قضى.
قال القاضي حسين: خمسة أوقات نهي عن الصلاة فيها: اثنان من جهة الفعل، وثلاثة من جهة الوقت.
فأما اللذان من جهة الفعل.
أحدهما: بعد فعل الصبح إلى أن تطلع الشمس.
والثاني: بعد العصر إلى أن تغرب الشمس.
وأما الثلاثة من جهة الوقت:

الجزء: 2 - الصفحة: 961

أحدها: عند طلوع الشمس إلى الارتفاع.
والثاني: عند الاستواء إلى الزوال.
والثالث: عند دنو الشمس إلى الغروب إلى أن تغرب.
روى عن عقبة بن عامر أنه قال: خمسة اوقات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن نصلي فيها، وأن نقبر فيها موتانا.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وتصبح حتى تطلع الشمس.
وروى أبو ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إلا بمكة، ذكره ثلاثا وقد أخل المزني في نقل هذين الحديثين، فنقل متن حديث أبي ذر عن أبي هريرة، فنزل متن حديث أبي هريرة.
وروى الصنابجي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الشمس تطلع ومعها

الجزء: 2 - الصفحة: 962

قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا آذنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها.
وفي بعض الروايات: إن الشمس تطلع بين قرني الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت فارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا استوت.
وفي بعض الروايات: إن الشمس ... ، فمنهم من حمل القرن على الحزب، أي: معها حزب الشيطان، وهم الذين يعبدون الشمس ويسجدون لها.
ومنهم من قال: المراد بالقرن: قرن الرأس، أراد به أن الشيطان يضم قرنه إلى الشمس، ويلصق ناصيته بها في هذه الأوقات، وحتي إن من عبد الشمس وسجد لها كان عابدا للشيطان ساجدًا له.
روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة، وهذه الأخبار محمولة عندنا على الصلوات التي لا سبب لها، وهي ما ينشئها الإنسان في هذه الأوقات.
فأما التي لها سبب من الصلوات، كصلاة الجنازة والخسوف والكسوف، وقضاء السنن والفرائض، والوظائف التي فاتته، وسجود الشكر والتلاوة، وتحية المسجد لا يكره فعلها في هذه الأوقات الخمسة، وتكره صلاة الاستخارة والاستسقاء لأن الدعاء في هذه الصلوات بعد الفراغ عنها فالسبب يتأخر.
وفي تحية المسجد وجه آخر: أنه يكره في هذه الأوقات.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يصلي بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا بعد الصبح، حتى تطلع إلا الفرائض، ولا يجوز أن يصلي في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها لعين الوقت، إلا العصر عند دنو الشمس بالغروب، ولا يجوز الصبح عند طلوع الشمس، لأن طلوع الشمس يبطل صلاته، إذا كان هو فيها، واحتج بالأخبار الذي رويناها.

الجزء: 2 - الصفحة: 963

وعندنا هي محمولة على الصلوات التي لا سبب لها، بدليل ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها لا وقت لها غيره.
وفي رواية يقول الله تعالى: وأقم الصلاة للذكرى.
وروى أنه عليه السلام رأى قيس بن قهد يصلي بعد الصبح ركعتين، فقال: ما هاتان الركعتان، فقال: ركعتا الفجر، ولم ينكر عليه.
وروى أنه عليه السلام دخل بيت أم سلمة بعد صلاة العصر، وافتتح الصلاة، فقالت أم سلمة رضي الله عنها لجارية لها، قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقولي له: ألست نهيتنا عن الصلاة في هذا الوقت، فإن أشار

الجزء: 2 - الصفحة: 964

إليك، فاستأخري، فقالت الجارية ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليها، فاستخرت، فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم دعاها، وقال: يا هنتاه ركعتان كنت أصليهما فشغلني عنهما الوفد.
فإن قيل: قد روى أن أم سلمة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أفنقضيهما نحن إذا فاتتنا، فقال: لا.
قلنا: لأنه عليه السلام، كان مخصوصًا بوجوب القضاء عليه من بين أمته، وروى أنه عليه السلام ما دخل بيت أم سلمة في ذلك الوقت إلا وكان يصلي ركعتين وكان عليه السلام يواظب على طاعة فعلها مرة، وكانت المواظبة على فعل الخيرات في حقه أكبر استحبابًا منه في حق غيره.
قال عليه السلام: أحب الأعمال إلى الله تعالى، أدومها وإن قل.
وروى عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت إذا سئلت عن الصلاة في هذا الوقت تقول: سلوا أم سلمة، وعائشة إنما كانت تحيل عليها، لأن هذه القضية وقعت في دارها.
واحتج الشافعي بفعل الناس صلاة الجنازة بعد العصر والصبح، وأراد بالناس أهل الحرمين، فلو عقد الصلاة التي نهى عنها في هذه الأوقات، ففي انعقادها مع الكراهة وجهان:

الجزء: 2 - الصفحة: 965

أحدهما: ألا ينعقد، لأنه منهي بعينه، إذن النهي وقع ليطلب ضده، وهو ترك الصلاة، كما لو صام يوم العيد.
والثاني: ينعقد لأن هذه الأوقات قابلة للصلاة بخلاف يوم العيد، ونظير الوجهين، الوجهان فيما لو صام يوم الشك هل ينعقد صومه مع الكراهة؟ فوجهان: أحدهما: لا للنهي.
والثاني: بلى لصلاح الوقت له، ولو نذر أن يصلي في هذه الأوثات، ففي انعقاد نذره وجهان، بناء على الوجهين فيما لو عقد صلاة في هذه الأوقات، لا سبب لها هل تنعقد أم لا؟ فيه وجهان كما بينا.
فإن قلنا: ينعقد نذره للصلاة في هذه الأوقات، جاز فعلها فيها، وصار سببا لذلك النذر، فأباح عقدها في هذه الأوقات.
وسئل عما لو صلى في هذه الأوقات صلاة لا سبب لها، وحكمنا بالانعقاد مع الكراهية، هل يصير ذلك سببا يبيح فعلها فيما بعد ذلك؟ فقال: لا، لأن الأولى معصية وفعل المعصية لا يجلب طاعة، ولو قضى وظيفة فاتته في هذه الأوقات، فغير مكروه كما بينا، وهل يصير سببًا حتى يجوز فعلها بعد ذلك؟ فيها وجهان: أحدهما: بلى، لأنه فعلها مرة من غير كراهة، ولما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم ما دخل لأم سلمة بعد العصر إلا وكان يصلي الركعتين اللتين صلاهما قضاء.
والثاني: لا؛ لأن الأول كان بسبب وهو القضاء.
والثانية: لا سبب لها ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان مخصوصًا بوجوب القضاء

الجزء: 2 - الصفحة: 966

عليه، وتأكد استحباب المواظبة على الطاعات دون غيره، ولو قصد أن يدخل مسجدًا ليصلي ركعتين تحية المسجد فوجهان: أحدهما لا يجوز لأنه قصد جلب المعصية والثاني: يجوز كما لو وقع دخول المسجد اتفاقا، ولأن دخول المسجد مباح، وسنة التحية تترتب عليه، فقد فعل المباح.
فأما بـ (مكة) فقد استثناها النبي صلى الله عليه وسلم في خبر أبي ذر، فمنهم من قال: هذا الاستثناء راجع إلى ركعتي الطواف، فعلى هذا لا يظهر الاستثناء تخصيصًا لأنها من الصلاة التي لا سبب، والدليل عليه ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يا بني عبد مناف، من ولي منكم من أمر الناس شيئًا، فلا يمنعن أحدا طاف بهذا البيت وصلي في أي ساعة شاء من ليل أو نهار.
خص الطواف وصلاته بالذكر فدل أن ما عداها يستوي فيه الحل والحرم.
ومنهم من قال: الاستثناء لفضيلة البقعة، لأن مكة، يأتيها الناس في كل فج عميق، وتلحقهم المشقة إن لو كلفوا المقام بها، ويتمنون إكثار فعل الصلاة فيها ابتغاء للمثوبة الوافرة، فجوز لهم فعل الصلاة في جميع الأوقات.
وأما يوم الجمعة فقد استثناه في حديث أبي سعيد الخدري كما رويناه.

الجزء: 2 - الصفحة: 967

فمنهم من قال: الاستثناء لفضيلة الوقت، فعلى هذا يستوي جواز الصلاة فيها عند الاستواء، قبل الزوال في هذا الوقت من اراد حضور الجمعة، ومن لم يرد ومن كان في الجامع ومن كان في البيت.
ومنهم من قال: الاستثناء خاص بمن كان في الجامع خص به دفعا له للتهجير فإن الغالب أنه يغلبه النعاس، ويشق عليه إعادة الوضوء، فجوز الاستغاال، بالصلاة فيه لدفع النوم، فخرج من هذا أن من كان في الجامع له أن يصلي يوم الجمعة في هذا الوقت، ومن كان في البيت فعلى وجهين: وروى أنه قال عليه السلام: قيلوا فإن الشياطين لا تقيل.
قيل: معناه: قيلوا حتى لا يأخذكم النوم في الصلاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 968

فصل قال المزني: هذا خلاف قوله فيمن نسي ركعتي الفجر حتى صلى الظهر والوتر حتى صلى الصبح: أنه لا يعيد.
قد ذكرنا أن الصلوات التي لها سبب يجوز فعلها في الأوقات الخمسة، وقد ذكر الشافعي رحمه الله قضاء الوظائف والأوراد المتطوع بها إذا فاتته من الصلوات التي لها سبب، وذكر أنه يقضيها في الأوقات الخمسة، فتعلق به المزني فقال: هذا الذي ذكره من أنه يقضي الوظائف الفائتة ها ها خلاف ما قال في موضع آخر إذا فاتته ركعتا الفجر حتى صلى الصبح لا يعيدهما.
وإذا فاتته ركعتا الوتر حتى صلى الصبح لا يعيدها، فاختلف أصحابنا في الجواب.
فمنهم: من أنكر النص الذي ادعاه في موضع آخر على أنه لا يقضي ركعتي الفجر بعد الظهر، والوتر بعد الصبح، وقال: مذهب الشافعي رحمه الله قضاؤها أبدًا.
ونسب المزني إلى الإخلال في النقل.
ومنهم من سلم له النص الذي ادعاه، واعتذر بأن ركعتي الفجر يؤديان تبعًا للصبح، فلو أمرناه بالقضاء بعد الظهر يصير تبعًا لصلاة أخرى، والوتر يؤدي تبعًا للعشاء، فلو أمرناه بقضائها بعد الصبح لصيرناها تبعًا لصلاة أخرى بخلاف الوظائف، فإنها ليست باتباع لغيرها، فأمرنا بقضائها في كل حال، وبالجملة إذا حضرنا المذهب في قضاء السنن والرواتب أن نعلم أن للشافعي رحمه الله في قضاء السنن قولين: أظهرهما: وهو قوله الجديد يقضيهما كالفرائض.

الجزء: 2 - الصفحة: 969

والثاني: إلا لصلاة الخسوفين.
وعند أبي حنيفة لا يقضي إلا ركعتي الفجر إذا فاتتا مع الفرض.
فإن قلنا: يقضي، قال: متى يقضي؟ فأوجه: أظهرها أبدًا كالفرائض.
والثاني: ما حكاه المزني أن ركعتي الفجر تقضيان ما لم يصل الظهر، والوتر ما لم يصل الصبح لما بينا من المعنى.
والثالث: يقضي ركعتا الفجر ما لم يدخل الليل، لأنهما تبعا لصلاة النهار، فلا تجعل تبعا لصلاة الليل، والوتر ما لم يدهل النهار، لأنها تبع لصلاة الليل.
ثم إن المزني قال بعد حكاية النص في أن ركعتي الفجر لا تقضي بعد الظهر، والوتر بعد الصبح في موضع آخر.
وحكاية النص الظاهر ها هنا في الوظائف، والأوراد تقضي إذا فاتت، بكل حال، الذي قبل هذا أولى بقوله، وأشبه عندي بأصله.
ثم قال الشافعي رضي الله عنه: من ذكر صلاة وهو في أخرى أتمها ثم قضى.
فاختلف أصحابنا في معنى قوله: الذي قبل هذا وما الأولى منهم من قال: إنما عني ما حكاه من أو الوظائف والأوراد إذا فاتت تقضي بكل حال.
وقوله: ومن ذكر صلاة وهو في أخرى أتمها ثم قضى.
مسألة: مبتدأة وهذا القائل يقرأ.
قال الشافعي: من غير واو العطف، ومن ذكر صلاة.
ومنهم من قال: عني بقوله الذي قال قبل هذه المسألة التي حكاها في

الجزء: 2 - الصفحة: 970

باب صفة الصلاة، وهي أن من ذكر صلاة، وهو في أخرى أتمها، ثم قضى، وإنما فرع إليه على هذا التأويل، لأنه عام في الفرائض والنوافل، وأطلق الشافعي رحمه الله الأمر بقضائها، ولم يفصل بين حال وحال، وهذا القائل يقرأ.
وقال الشافعي: ومن ذكر صلاة بواو العطف، فعلى هذا قصد المزني تأكيدها، قاله بإعادة هذه المسألة، وقد بسطنا الكلام فيمن ذكر صلاة، وهو في أخرى ثم إن المزني حكي عن أصحابنا عن الشافعي رحمه الله أنه قال: التطوع وجهان: صلاة الجماعة، وصلاة انفراد، وذكر ما هو الأوكد من السنن والتطوعات، ونحن نؤخر شرحها إلى الباب الذي يليه، لأنه قصد به ذكر التطوعات وبيان أحكامها، والمقصود بهذا الباب بيان أوقات النهي عن الصلاة فيها، والصلوات التي يجوز فعلها، والتي لا يجوز، ثم رجع المزني إلى الاعتراض على النص الذي حكاه على سقوط إعادة ركعتي الفجر بعد فعل الظهر، وسقوط إعادة الوتر بعد الصبح، بعد أن ذكر عن أصحابنا عن الشافعي أنه يقضي النوافل والسنن الرواتب، إذا فاتت لقول النبي صلى الله عليه وسلم / من نسي صلاة.
.. الخبر.
فقال: كيف يجوز أن يقال: يقضي سائر السنن والنوافل المتطوع بها، ولا يقضي الوتر، ووكعتي الفجر التي هي أوكد السنن، مع أن الحديث في الأمر بقاء ما ذكره من الصلوات التي نسبها عام في الكل، وقد سبق الانفصال وثبت أنها تقضي كغيرها من النوافل.
ثم قال: إن كنتم تعتبرون القرب، فقولوا لانقضاء ركعتي الفجر نصف

الجزء: 2 - الصفحة: 971

النهار، ويقضي الوتر بعد فعل الصبح، لأنه إنما فات لطلوع الفجر، وما بين الطلوع وفعل الصبح أقل مما بين ما بعد الصبح إلى نصف النهار.
قلنا: نحن لسنا نعتبر القرب والبعد، وإنما نعتبر التبعية، والوتر يخرج عن تبعية العشاء بفعل الصبح، وإن قرب الوقت، وركعتا الفجر لا يخرجان عن تبعية الصبح بانتصاف النهار، قبل فعل الظهر، والله أعلم بالصواب.

الجزء: 2 - الصفحة: 972

باب صلاة التطوع وقيام رمضان

قال الشافعي: رحمه الله والفرض خمسة في اليوم والليلة لقول النبي صلى الله عليه وسلم وهو كما قال: وما عدا الفرض فليس بفرض ولا بواجب.
وقال أبو حنيفة: رحمه الله: الوتر واجب، ولا يسمونه فريضة، الواجب عندهم أخف مرتبة من الفرض، وأعلى مرتبة من السنة.
ودليلنا: حديث الأعرابي الذي سأله عليه السلام، عن شرائع الإسلام، قال الوتر حق مسنون فمن شاء أن يوتر بواحدة فليفعل، ومن شاء أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن شاء أن يوتر بخمس فليفعل.
وروى أنه عليه السلام كان يوتر على البعير.
قال المزني: قال أصحابنا: يقول الشافعي: التطوع وجهان: أحدهما صلاة جماعة مؤكدة لا أجيز تركها لمن قدر عليها، وهي صلاة العيدين، وكسوف الشمس والقمر، والاستسقاء وصلاة منفرد وصلاة بعضها أوكد من بعض فأوكد ذلك الوتر، ويشبه أن يكون صلاة التهجد، ثم ركعتا الفجر، ومن ترك

الجزء: 2 - الصفحة: 973

واحدة منها أسوأ حالا ممن ترك جميع النوافل: وقالوا: إن فاته الوتر، حتى تقام الصبح، لم يقص، وإن فاتته ركعتا الفجر، حتى تقام الظهر، لم يقض، ولا أرخص لمسلم في ترك واحدة منهما، وإن لم أوجبهما، قال: إن فاته الوتر، لم يقض، وإن فاتته ركعتا الفجر، [حتى تقام صلاة الظهر]، لم يقض، وقالوا فأما صلاة فريضة، أو جنازة، أو مأمور بها مؤكدة، وإن لم تكن فرضًا، أو كان يصليها فأغفلها، فليصل في الأوقات التي نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدلالة عن رسول الله في قوله: من نسي صلاة أو نام عنها، فليصلها إذا ذكرها، وبانه عليه السلام رأي قيسا يصلي بعد الصبح، فقال ما هاتان الركعتان، فقال: ركعتا الفجر فلم ينكره، وبأنه صلى ركعتي بعد العصر فسألته عنهما أم سلمة، فقال هما ركعتان كنت أصليهما فشغلني عنهما الوفد.
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، وأحب فضل الدوام.
قال المزني: يقال لهم: فإذا سويتم في القضاء بين التطوع الذي ليس بأوكد وبين الفرض لدوام التطوع الذي ليس بأوكد، فلم أبيتم قضاء الوتر، الذي هو أوكد، ثم ركعتي الفجر اللتين تليان في التأكيد هما أوكد؟ أفتقضون الذي ليس بأوكد، ولا تقضون الذي هو أوكد؟ وهذا من القول غير مشكل، وبالله التوفيق، ومن احتجاجكم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضاء التطوع، من نسي صلاة أو نام عنها، فليصلها إذا ذكرها، فقد خالفتم ما احتججتم به في هذا، فإن قالوا: فيكون القضاء على القرب، لا على البعد قيل له: لو كان كذلك، لكان ينبغي على معنى ما قلتم: ألا يقضي ركعتي الفجر نصف النهار، لبعد قضائهما من طلوع الفجر، وأنتم تقولون يقضي ما لم يصل الظهر، وهذا متباعد، وكان

الجزء: 2 - الصفحة: 974

ينبغي أن تقولوا: إن صلى الصبح عند الفجر، آن له أن يقضي الوتر، لأن وقتها إلى الفجر أقرب، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الليل مثنى مثني، فإذا خشي أحدكم الصبح، فليوتر، فهذا قريب من الوقت، وأنتم لا تقولونه، وفي ذلك إبطال ما أعتللتم به.
قال الشافعي رحمه الله تعالى الفرض خمس في اليوم والليلة: لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأعرابي حين قال: هل على غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع.
قال القاضي حسين: التطوع قسمان، فرائض، وغير الفرائض.
فأما الفرائض: فقد مضى الكلام فيها.
وأما غير الفراض على ثلاثة أقسام: السنة وهي التي واظب عليها النبي صلى الله عليه وسلم.
والمستحب: وهي التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم مرة او مرتين والتطوع: وهي التي ينشئها الإنسان باختياره من الوظائف والأوراد.
والشافعي رحمه الله يطلق اسم التطوع على ما عدا الفرائض، وجملة الصلوات عدا الفرائض قسمان: صلاة جماعة، وصلاة انفراد.
فصلاة الجماعة خمس صلوات: صلاة العيدين، وخسوف الشمس والقمر، والاستسقاء، ولا خلاف في أن الصلوات الخمس التي تؤدي بالجماعة آكد من التي تؤدي مفردة.
قال الشافعي رحمه الله: لا أجيز تركها لمن قدر عليها، ثم الصلوات الخمس مرتبة في الوكادة، فأوكدها صلاة العيدين، لأن لها وقتًا معلوما كالفرائض، ثم بعدها صلاة الخسوفين، لأن وقتها معرض ميق للفوات، ثم الاستسقاء، لأن وقتها ممكن في كل وقت.

الجزء: 2 - الصفحة: 975

وأما الصلاةُ التي تؤدي منفردًا مرتبة أيضًا في الوِكادة، فأوكدها الوتر وركعتا الفجر.
قال الشافعي رحمه الله: ولا أرخص لمسلم في ترك واحدة مهما، وإن لم أوجبها، ومن ترك واحدة منها كان أسوأ حالا ممن ترك جميع النوافل.
وفي الأوكد منهما قولان: المنصوص منهما، ها هنا أن الوتر أوكد، لأنه مختلف في وجوبه لقوله عليه السلام: من لم يوتر فليس منا.
وقوله عليه السلام: إن الله زادكم صلاة هي خير لكم من حمر النعم، ألا وهي الوتر فصلوها بين العشاء والفجر.
والقول الثاني: ركعتا الفجر أوكد.
روى أن النبي عليه وسلم، قال: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها.
روى أنه عليه السلام، ما تركهما في سفر ولا حضر.

الجزء: 2 - الصفحة: 976

وروي عن عائشة رضى الله عنها، أنها قالت، ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرع إلى شيء من النوافل منه إلى ركعتي الفجر، ولا إلى غنيمة ينتهرها، ونظير هذين القولين، القولان في أن غسل الجمعة مع الغسل من غسل الميت أيهما أوكد؟ وفيه قولان.
ثم الأوكد بعد الوتر، وركعتي الفجر سائر السنن الرواتب، ثم بدعها صلاة الضحى.
فاختلف أصحابنا في سنن الرواتب.
فمنهم من قال: هي عشر ركعات، سواء الوتر ومع الوتر إحدى عشرة ركعة، ركعتان قبل الظهر وركعتان بعده، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الصبح.
وروى عن عائشة، رضي الله عنها أنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب.
ومنهم من قال: هي اثنتا عشرة ركعة، سواء الوتر، وثلاث عشر ركعة مع الوتر، أربع ركعات قبل الظهر، والباقي كما بينا.

الجزء: 2 - الصفحة: 977

روي أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من ثابر على اثنتى عشرة ركعة في اليوم والليلة بني الله له بيتًا في الجنة.
ثابر - أي: واظب عليها.
قال القاضي رضي الله عنه: وكان القفال رضي الله عنه يقول: لا سنة للعشاء، والركعتان بعدها من جملة صلاة الليل.
فأما أربع ركعات قبل العصر، فليس بسنة عندنا، بل هي مستحبة صلاها رسول الله صلى الله علي وسلم مرتين أو ثلاثة.
وعند أبي حنيفة: هي سنة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: من ضمن لي أربعًا قبل العصر أضمن له الجنة.
أو لفظ هذا معناه، وسنة صلاة الجمعة عندنا مثل صلاة الظهر في سائر الأيام.
وعند أبي حنيفة: السنة أن يصلي أربعا قبلها، وأربعًا بعدها.
وقال الشافعي: رحمه الله في الوتر: وشبهه أن يكون ذلك صلاة التهجد، ولعله يشير إلى أنه عليه السلام، كان مأمورا بالتهجد، كما هو بين في نص التنزيل في قوله تعالى: ومن الليل فتهجد به.
لأن الوتر كان واجبًا عليه.
فإن قيل: كيف تعد التهجد كانت واجبة.

الجزء: 2 - الصفحة: 978

وقد قال الله تعالى: ومن الليل فتهجد به نافلة لك.
الجواب: نافلة لك، أي زيادة لك، أي صلاته كانت كاملة، ما كامنت تحتاج إلى الجبر.
ليس المراد بهذا أن الوتر هي التهجد، لأن الوتر يؤتي بها قبل النوم، والتهجد يؤتى بها بعد النوم.
يقال: هجد إذا نام، وتهجد إذا زال النوم لقوله تعالى: (ومن اللليل فتهجد به).
لأن الوتر كان واجبًا عليه، وأراد بالتهجد صلاة الوتر.
والتهجهد في اللغة: اسم لدفع النوم بالتكلف، والهجود، هو النوم.
يقال: هجد إذا نام، وتهجد إذا ترك النوم كما يقال: خرج إذا أثم، وتخرج إذا تورع عن الآثام.
وسميت صلاة الليل تهجدًا، لأنها تؤدي بعد الهجود، وهو النوم.
قال المزني: وإن فاته الوتر حتى تقام الصبح لم يقض.
قال القاضي حسين: وقد ذكرنا حكم هذه المسألة بتفاصيلها.
وقد روى ها هنا عن ابن مسعود، أنه قال: الوتر ما بين العشاء والفجر وقد أخل في متن هذا الخبر، إنما هو الوتر ما بين صلاة العشاء وصلاة الفجر.
وظاهر ما نقله يوهم أن الوتر لا يقضي بعد طلوع الفجر، وقد بينا أن الصحيح من المذهب أنها تضي قبل أن يصلي الصبح.
قوله: وإن فاتت ركعتا الفجر حتى تقام الصلاة لم يقض.

الجزء: 2 - الصفحة: 979

قال القاضي حسين: لأن أبا هريرة قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة.
وقصد به الرد على أبي حنيفة؛ لأن عنده إذا علم أنه يدرك الإمام في الفرض اشتغل بالسنة.
وأظهر منه: قالوا: ولو كان مسبوقًا ببعض الصلاة، وعلم أنه لو اشتغل بفعل السنة يدرك الإمام في الفرض يشتغل بفعلها.
قوله: روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال صلاة مثني مثني، فإذا خشى أحدكم الصبح فليصل ركعة توتر له ما قد صلى.
قال وفيه دليلان: أحدهما: أن صلاة النفل مثنى مثنى.
والثاني: أن الوتر غير واجب.
وأورد صدر الحديث، ثم ادعى أن فيه دلالتين، وأن الثانية من الدلالتين، وهي أن الوتر غير واجب في آخر الحديث، ولم يروه.
وصلاة الليل والنهار مثني مثني يصلي ركعتين ويسلم، فإن صلى ركعة واحدة، كره، وأجزأه.
وإن زاد على ركعتين ترك الأفضل، ويجزئه سواء سلم عن ثلاث أو أربع أو خمس، غير أنا مستحب أنا زاد على ركعتين أن يسلم على الشفع دون الوتر.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يصلي بالليل ركعتين ركعتين، وبالنهار أربعًا أربعًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 980

واحتج بما روي أنه عليه السلام قال: صلاة الليل مثني مثني.
دليلنا: أن النهار أحد الحدييدين، فالمستحب للمتنفل فيه أن يصلي ركعتين كالليل، ولأن في التسليم من الركعتين الأمن من وقوع الغلط والنسيان، وحيازة فضيلة التحريمة والتسليمة، وما رواه مقابل بما روى في رواية أخرى أنه قال: صلاة الليل والنهار مثني مثني.
ثم هو استدلال بالسكت، إذ ليس فيه حكم صلاة بالنهار، ثم إذا شرع في صلاة النفل لا يخلو، إما أن يطلق النية أو يقدرها بعدد، فإن أطلقها سلم عن أي عدد شاء من الواحد والاثنين والثلاث والعشرة والعشرين، وأكثر وإن قيد بعدد لم تجز الزيادة ولا النقصان إلا بتعيين النية، فإن زاد أو نقص قيل: إن غير النية بطلت صلاته، مثل أن ينوي أربع ركعات، فيسلم عن ركعتين، وإن أحدث نية الاقتصار على الركعتين، ورفض الأخرى جاز، وحصلت له ركعتان، وإن كان على نية الأولى فسلم عن ركعتين بطلت صلاته، ولو نوي ركعتين، فقام إلى الثالثة، وأتمها أربعًا، إن أحدث نية زيادة الركعتين، فأكملها أربعًا جاز، وحصلت له أربع ركعات، وإن كان على نية الأولى بطلت صلاته ولو نوي أربع ركعات فسلم ساهيًا عن ركعتين ثم نوي الاقتصار إلى ركعتين احتاج إلى أن يسلم ثانيًا، لأن تسليمته الأولى غير محسوبة، ولو نوي ركعتين، فقام إلى الثالثة ساهيًا وصلاها، ثم ذكر ونوي ضم ركعتين اخريين إلى الأوليين لم تحسب له الثالثة؛ لأنه فعلها ناسيًا، فلم تقع عن الصلاتين،

الجزء: 2 - الصفحة: 981

ولو نوى أربع ركعات، وتشهد فيها مرة واحدة في الرابعة، يسن له أن يقرأ السورة في كل ركعة، لأن كل قومة شرعت فيها الفاتحة لا يتقدمها جلوس تشهد يسن فيها السورة.
ولو نوي ست ركعات بتشهد واحد يقرأ السورة مع الفاتحة في الركعات كها لما بيناه، ولا يجوز أن يزيد على تشهدين، لأن النوافل معدلة بالفرائض، ولا فريضة يزيد التشهد فيها على اثنتين، ثم يتشهد في الرابعة والسادسة، لأن التشهد الأخير لا يجوز أن يسبقه أكثر من ركعتين، فلو تشهد في الركعة الثانية بطلت صلاته، لأن التشهد الأول يعقبه أربع ركعات، ولا نظير له في الفرائض النوافل معدلة بالفرائض، وإذا سها في صلاة النفل سجد للسهو، كما في الفرض، لأنها صلاة مشروعة شرع السجود في أصلها، فشرع سجود الجبر فيها، بخلاف صلاة الجنازة، فإنه إذا سها فيها لا يسجد للسهو، لأن صلاة الجنازة لم يشرع في أصلها السجود، فلم يشرع فيها سجود الجبر.
قال المزني: فيصلي النافلة مثني قائمًا وقاعدًا .... قال القاضي حسين: صلاة الفل يجوز قاعدًا مع القدرة على القيام، لأن حكم النفل أخف من حكم الفرض، غير أنه إذا صلى قائمًا كان له من الثواب ضعف ما للقاعد.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم.
وهل تجوز صلاة النفل مضطجعًا على الجنب مع القدرة على القعود والقيام فوجهان: أحدهما: لا يجوز لأن فيه ترك الأفعال كلها، وعماد الصلاة الفعل، فلا يجوز تركها مع القدرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 982

والثاني: يجوز؛ لأن كل هيئة جاز الفرض عليها للعجز عما هو أكمل منها، جاز النفل عليها مع القدرة على الأكمل كالقعود.
قال: ولو نذر أن يصلي النفل قائمًا.
قال القاضي حسين: قال أصحابنا، لا ينعقد نذره، لأن جواز القعود في النفل رخصة، ولا يحل التزام ترك الرخصة، لأن الترخص بالرخصة من جملة القرب.
قال عليه السلام: إن الله يحب أن تؤتي رخصة، كما يحب أن تؤتي عزائمه.
وقال في القصر: إن هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته وهذا كما لو ذر الصوم في السفر لا ينعقد، لأن الفطر رخصة.
قال القاضي رحمه الله: والذي عندي أن ينعقد هذا النذر، لأن القيام في النفل زيادة طاعة، وإن رخص في تركه مع القدرة، كما لو نذر أن يقرأ سورة البقرة في صلاة الفرض ينعقد نذره، لما في إطالة القراءة من القرية، وإن رخص في التخفيف، ولو نذر أن يصلي قاعدًا، فصلي قائمًا يخرج عن موجب النذر، لأنه أتى بالمنذور وزيادة.
ولو نذر أن يصلي مطلقًا، هل يخرج من موجب نذره بركعة واحدة، فقولان بناء على أن مطلق النذر يحمل على أقل إيجاب الله تعالى أو على أقل ما يتقرب به إلى الله تعالى من ذلك الجنس وفيه قولان:

الجزء: 2 - الصفحة: 983

إن قلنا بالأول لم يخرج عن موجب نذره بأقل من ركعتين، ولا يجوز له ترك القيام مع القدرة عليه.
وإن قلنا: بالمعنى الثاني خرج مه بركعة واحدة، وجاز له ترك القيام مع القدرة عليه، وهذا بناء على أن هذا الأصل إذا نذر أن يعتق رقبة، هل يخرج عنه بمعيبه؟ فعلى قولين: وإذا نذر أن يهدي هديًا، هل يخرج منه بأقل من شاة؟ فعلى قولين: أحدهما: لا.
والثاني: حتى ببيضة أو بدرهم.
ولو نذر أن يصلي وقت الضحوة، ولم يعين يومًا، فعليه أن يصلي في ضحوة يوم من الأيام، ولا يتعين يوم دون يوم، ولا يصلي بعد ذهاب ما يسمى ضحوة من النهار، فضحوات الأيام كلها في حقه بمنزلة آخر الوقت في صلاة الوقت، ولو عين يومًا.
فأداؤه أن يؤديه في ضحوة ذلك اليوم، فلو فات صار قضاء في الذمة يقضيه في أي وقت شاء.

الجزء: 2 - الصفحة: 984

فصل السنة لمن دخل مسجدًا ألا يخرج على شيء حتى يصلي ركعتين، ولا يقعد قبل فعلهما.
قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين.
فلو صلى سنة راتبة أو فريضة تأدت بها تحية المسجد؛ لأن المقصود ألا يخرج على شيء بعد دخول المسجد إلا على الصلاة، وهذا نظير ما لو اغتسل للجناية يوم الجمعة يتأدى به غسل سنة الجمعة، فلو سجد للشكر والتلاوة، أو صلى على الجنازة، هل يتأدي به تحية المسجد في صلاة الجنازة يحتمل وجهين: أحدهما: بلى؛ لأنه من جنس الصلاة أو بعض منها.
والثاني: لا؛ لأنه ليس بصلاة، بل هو ركن من اركانها كقراءة القرآن، وإذا صلى ركعة واحدة، قال القاضي رحمه الهل، ترتب هذه على صلاة الجنازة إن قلنا: تتأدى به تحية المسجد، فالركعة أولى، وإلا تخرج على الوجهين: أحدهما: لا تتأدي لأن ظاهر الحديث يقتضي فعل ركعتين.

الجزء: 2 - الصفحة: 985

والثاني: تتأدى، لأنها صلاة مشروعة، ويمكن بناؤها على ما لو نذر أن يصلي مطلقًا، هل يخرج بها عن موجب نذره؟ فعلى قولين: ووجه الشبه أنه بدخول المسجد التزم سنة التحية، كما بالنذر التزم فعل المنذور، وإذا سجد للشكر أو للتلاوة، يترتب على صلاة الجنازة إن قلنا: لا تتأدى بها تحية المسجد، فها هنا أولى، وإلا فعلى وجهين.
والفرق أن ذاك يسمى صلاة في الشرع، بخلاف سجدة الشكر والتلاوة.
وإذا دخل المسجد، وجلس قال رضي الله عنه، لا تقول يقي تحية المسجد، لأنه كان يفعلها بسبب، وهو احترام المسجد، وقد فات السبب، ووجد التضييع كما نقول في صلاة الخسوف والكسوف، لا تقضي بعد فوات السبب باخلا بها، والله أعلم بالصواب.
قال القاضي حسين: إن أراد به صلاة شهر رمضان، فصلاة المنفرد أحب إن عبر بالقيام عن الصلاة، وقد يعبر به عها.
قال الله تعالى: قم الليل إلا قليلا.
وقوله تعالى: إن ربك يعلم أنك تقوم أدني أي: تصلي.
وقال عليه السلام: من صام رمضان وقامه إيمانًا .... الخبر والأصل في التراويح إجماعًا الصحابة رضي الله عنهم، في زمن عمر

الجزء: 2 - الصفحة: 986

ابن الخطاب رضي الله عنه - ولم تكن صلاة التراويح معهودة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حظيرة من الحظائر يصلي فيها، وكان يبدو ورأسه منها، فدخل فيها أول ليلة من رمضان وصلى واقتدى به جماعة، ولم ينقل أنه كم صلى؟ فلما كان من الغد تحدث الناس بفعل النبي صلى الله عليه وسلم فاجتمع خلق كثير في الليلة الثانية، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحظيرة، واقتدوا به، فلما كان في الليلة الثالثة اجتمع خلق كثير وازدحموا بحيث ضاق المسجد، وعجز عنهم، فلم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان من الغد خرج لصلاة الصبح فقال: لم يخف على صنيعكم البارحة، لكني خشيت أن يفرض عليكم، ولو فرض عليكم لم تطيقوه، عليكم من الأعمال بما تطيقونه، فإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا.
قيل: معناه لا يأخذ الملال، لأنه وصفه بالملال محال، لكنكم تملون فعليكم من الطاعات بما لا يأخذكم الملال فيها، لأنكم إذا أكثرتم من فعل الطاعة فتملون فيمنعكم ذلك من الخشوع والخضوع، كقول القائل لصديق إذا دخل عليه زائرا، أنا لا أمل من زيارتك حتى تمل، أي: لا تكثر من الزيارة، فإنك ربما تمل إذتا أكثرت منها.
ثم لم يصلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بقية عمره، ولا صلاها أبو بكر فيزمن خلافته، وكذلك عمر في صدر خلافته، ثم خرج في ليلة من رمضان فرأى الناس فرقًا في المسجد، فمن واحد يصلي، ومن اثنين يصليان، ومن ثلاثة يصلون، فقال رضي الله عنه: لو جمعتم على إمام واحد فيجمعهم على إمام واحد، ووظف علهيم عشرين ركعة، وأمم عليهم أبي بن كعب، وأجمع

الجزء: 2 - الصفحة: 987

الصحابة على ذلك، وكانت الصحابة إذ ذاك متوافرين، ولم يوجد من جهة واحد منهم نكير.
وروى عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه أنه قال: نور الله قبر عمر كما نور مساجدنا.
واختلف أصحابنا في معنى قول الشافعي رضي الله عنه: والمنفرد أحب إلى منه، فمنهم من قال: صلاة الوتر وركعتي الفجر، وإن كانت تؤديان منفردتين أحب إلي من صلاة التراويح، وإن كانت تؤدي جماعة، لكثرة الأخبار الواردة في تأكيدهما.
ومنهم من قال: أراد به أن صلاة التراويح مفردًا في البيت أحب إلي منها جماعة في المسجد، وقد قال الشافعي رحمه الله، في موضع آخر، إن كان يحسن القرآن، ولا يخاف الكسل، فأحب أن يصلي منفردًا في البيت.
قال أصحابنا: وشرط ثالث، وهو الا تختل الجماعة بتخلفه عنها، فحصل من هذا أنه إذا فقد إحدى الشرائط الثلاث، والمستحب أن يصلي بالجماعة، وإذا اجتمعت الشرائط الثلاث فوجهان: أحدهما: المستحب أن يصليها بالجماعة، وهو اختياره رضي الله عنه، لإجماع الصحابة على فعلها بالجماعة.
والثاني: فعلها مفردًا أولى من فعلها بالجماعة.
روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فضل صلاة النفل في البيت على فعلها في المسجد كفضل صلاة الفريضة في المسجد على فعلها في البيت.

الجزء: 2 - الصفحة: 988

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلاة في مسجدي هذا أفضل من الف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا، وأفضل من هذا كله ركعتان يصليهما المرء في جوف بته لا يطلع عليهما إلا الله عزوجل.
قال الشافعي: رحمه الله: رأيتهم بـ المدينة يقومون بتسع وثلاثين.
قال القاضي حسين، أهل المدينة يصلون التراويح بتسع وثلاثين إلا أنه كانت الوظيفة عليهم ذلك، فإن الوظيفة عليهم عشرون كما على غيرهم، غير أن أهل المدينة مع أهل مكة كانوا يتنافسون في الخيرات بفضل الطاعات، وأهل مكة كانوا يطوفون بعد سنة العشاء وبعد كل ترويحتين من العشرين، فكان يحصل لهم أربعة أسباع من الطواف مع كل سبع ركعتيه.
قال: أهل المدينة هم أهل حرم الله، ونحن أهل حرم رسول الله ولهم بيت يطوفون حوله، وليس لنا ذلك، فاتفقوا على زيادة ستة عشر ركعة ثمان ركعات بدلا عن أربعة أسباع الطواف، عن كل سبع ركعتين، وثماني ركعات لصلاتهم تبعًا للطواف، لكل سبع ركعتان.

الجزء: 2 - الصفحة: 989

وكانوا يوترون بثلاث لا أنهم كانوا يعتقدون الوتر، ثلاثًا، لكن كان بـ (المدينة) أهل المذاهب المختلفة، فاصطلحوا على الثلاث، لأن من رأي الوتر بالواحدة رآه بالثلاث، ومن رآه بالثلاث منع الواحدة.
قوله: ولا يقنت إلا في رمضان في النصف إلى الآخر.
قال القاضي حسين: وهو كما قال، واحتج فيه بأثر عمر ومعاذ، وهو مسند له إلى قادة قبيلة له من العرب.
وقال أبو حنيفة: يقنت في الوتر في جميع السنة، وكان القفال يقول: وددت أن أجد قولا للسلف في القنوت في الوتر في جميع السنة، لكني تفحصت عنه، فما وجدت أحدًا قال به.
قال القاضي رحمه الله: وقد اشتريت كتاب ابن المنذر في اختلاف العلماء لهذه المسألة خاصةن فتفحصت عنها فلم أجد أحدًا قال به إلا ملكا، فإنه قال بالصوت في الوتر في جميع شهر رمضان دون غيره من الشهور، والأصل فيه قصة عمر رضي الله عنه، وهو المقتدى في الباب وفيها أن أبي بن كعب كان يقنت ليلة السادس عشر من رمضان، وليلة الحادي والعشرين ينقل الوتر إلى البيت التماسًا لليلة القدر، فكانوا يقولون: أبق أبى، وقيل: هو تصحيف إنما كانوا يقولون: ابن أبي، ويستحب في قنوت الوتر سورة الحمد: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك، ونتوكل عليك الخير، نشكرك ولا نكفرك، نخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعي ونحمد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكافرين ملحق.
وقال أبو حنيفة رحمه الله يقنت في الوتر في جميع السنة.

الجزء: 2 - الصفحة: 990

والدليل ما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرًا في الصلوات الخمس، ثم ترك القنوت إلا في صلاة الصبح.
قال المزني: قال الشافعي رحمه الله والتطوع وجهان: أحدهما: صلاة جماعة مؤكدة، فلا أجيز تركها لمن قدر عليها، وهي صلاة العيدين، وكسوف الشمس والقمر، والاستسقاء، وصلاة منفرد وبعضها أوكد من بعض، فأوكد ذلك الوتر، ويشبه أن يكون صلاة التهجد، ثم ركعتا الفجر، ولا أرخص لمسلم في ترك واحدة منهما، ولا أوجبهما، ومن ترك واحدة منهما أسوأ حالا ممن ترك جميع النوافل.
قال: وإن فاته الوتر حتى يصلي الصبح لم يقض قال ابن مسعود: الوتر فيما بين العشاء والفجر [قال] فإن فاتته ركعتا الفجر، حتى تقام الظهر، لم يقض لأن أبا هريرة رضي الله عنه، قال: إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة، وروى عن ابن عمر رضي الله عنهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صلاة الليل مثنى مثنى، وفي ذلك دلالتان: أحدهما: أن النوافل مثنى مثنى بسلام مقطوعة، والمكتوبة موصولة، والأخرى أن الوتر واحدة فيصلي النافلة مثنى مثنى قائمًا وقاعدًا، إذا كان مقيمًا، وإن كان مسافرًا، فحيث توجهت به دابته، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الوتر على راحلته أينما توجهت به، قال: فأما قيام شهر رمضان، فصلاة المنفرد أحب إلي منه، ورأيتهم بالمدينة يقومو بتسع وثلاثين وأحب إلى عشرون لأنه روى عن عمر، وكذلك يقومون بمكة ويوترون بثلاث.
قال: ولا يقنت في رمضان إلى في النصف الأخير، وكذلك كان يفعل ابن عمر، ومعاذ القاريء، قال: وآخر الليل أحب إلي من أوله، فإن جزأ الليل أثلاثًا فالأوسط أحب إلي أن يقومه

الجزء: 2 - الصفحة: 991

قال المزني: قلت أنا في كتاب اختلاف مالك، قلت الشافعي، أيجوز أن يوتر بواحدة، ليس قبلها شيء قال: نعم والذي أختاره ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي إحدي عشر ركعة يوتر بواحدة، والحجة في الوتر بواحدة، السنة والأثار.
روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشى أحدكم الصبح، صلى ركعة توتر له، ما قد صلى، وعن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، [وأن ابن عمر كان يسلم بين الركعة والركعتين، من الوتر، حتى يأمر ببعض حاجته] وأن عثمان كان يحيى الليل بركعة، وهي وتره، وعن سعد بن أبي وقاص، أنه كان يوتر بواحدة، وأن معاوية أوتر بواحدة، فقال ابن عباس: أصاب.
قال المزني: قلت أنا: فهذا به أولى من قوله، يوتر بثلاث، وقد أنكر على مالك قوله: لا يحب أن يوتر بأقل من ثلاث، ويسلم بين الركعة، والركعتين من الوتر، واحتج بأن من سلم من اثنتين، فقد فصلهما مما بعدهما، وأنكر على الكوفي: يوتر بثلاث ـ، كالمغرب قال المزني: قلت أنا، فالوتر بواحدة أولى به.
قال المزني: ولا أعلم الشافعي ذكر موضع القنوت من الوتر، ويشبه قوله بعد الركوع، كما قال في قنوت الصبح، ولما كان من رفع رأسه بعد الركوع يقول: سمع الله لمن حمده، وهو دعاء كان هذا الموضع بالقنوت الذي هو دعاء أشبه، ولأن من قال: يقنت قبل الركوع، يأمره أن يكبر قائما، ثم يدعو، وإنما حكم من كبر بعد القيام إنما هو للركوع فهذه تكبيرة زائدة في الصلاة لم تثبت بأصل، ولا قياس.

الجزء: 2 - الصفحة: 992

قال القاضي حسين: إذا أراد أن يصلي بالليل، فالأفضل أن يصلي في آخر الليل حد السحر، قال الله تعالى: والمستغفرين بالأسحار.
فمدحهم عليه.
وقوله تعالى: (وبالأسحار هم يستغفرون).
وقال تعالى: نجيناهم بسحر.
وروى ان النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الليل أخوف؟ وفي رواية: أجوب؟ وفي رواية أسمع؟ وفي رواية: ارجي؟ فقال: جوف الليل البهيم.
وروى أنه عليه السلام سئل: عن جوف الللي، فقال: تلك الساعة الأوابين.
فإن أجزاء الليل ثلاثة أجزاء، فالمستحب أن يقوم أوسطها لما روينا، ولما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجزيء الليل ثلاثة أجزاء: فكان ينام في النصف الأول، ويقوم في الثلث وينام وينام في السدس الباقي، فكان يستريح في الطرفين.

الجزء: 2 - الصفحة: 993

وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أراد أن يراه قائمًا رآه قائمًا، وأن من أراد أن يراه نائمًا يراه نائمًا، ومن أراد أن يراه صائمًا رأه صائمًا، ومن أراد أن يراه مفعطرًا يراه مفطرًا، وعنها أيضا قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم حتى يقال: إنه لا ينام، وينام حتى يقال: إنه لا يقوم، ويصوم حتى يقال، إنه لا يفطر، ويفطر حتى يقال: إنه لا يصوم.
وروى أنه عليه السلام قال: أما إني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأنكح، فمن رغب عن سنتي فليس مني.
ورورى أنه عليه السلام دخل عبد الله بن عمرو بن العاص ليزوره، فلم يصادفه في البيت فرأى امرأته في ثياب المهنة والبذلة، فقال لها النبي عليه السلام، ألا تتزيتي، فإن لك زوجًا.
فقالت له: إن أخاك عبد الله لا حاجة له في النساء، إنه يقوم ولا ينام، ويصوم ولا يفطر، فبنيا هو فيه إذ دخل عبد الله بن عمرو، وألقى الوسادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجلس عليها، وجلعها بنه وبينه، وقال ألم أخبرك بصنيعك يا عبد الله؟ تقوم ولا تنام وتصوم ولا تفطر، لا تفعل كذلك، فإنك إن فعلته غارت عيناك ونقمت نفسك، قم ونم وصم وأفطر، فإن لنفسك عليك حقًا، وإن لأهلك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، فأد كل ذي حق حقه، فقال: كمع أصوم في الشهر يا رسول الله؟ فقال: ثلاثة أيام، فقال: إني أقوم من ذلك يا رسول الله، فقال عليه السلام:

الجزء: 2 - الصفحة: 994

عشرة أيام، فقال: إني أقوم من ذلك، فلم يزل يستزيد ويزيد له إلى أن قال له عليه السلام: صوم يومًا وأفطر يومًا، ولا أفضل من ذلك، فإنه صوم أخي داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يضر إذا لاقى يعني العدو، فقال: كم أختم القرآن في الشهر يا رسول الله؟ فقال: مرة واحدة، فقال: إني أقوم من ذلك، فقال: في كل أسبوع مرة، فقال: إني أقوم من ذلك، فقال: في كل ثلاث مرة، ولا أفضل من ذلك.
وإنما قاله، لأن التنزيل مأمور به في نص التنزيل، ولا يمكنه ذلك في أقل من ثلاث، ثم روى أن عبد الله بن عمر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر فكل بصره، وكان يقول: ليتني قبلت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما أخبرنا حر السحر وجوف الليل أواخرها، لأنه وقت غفلة الناس، والطاعة في وقت الغفلة أكثر استحبابًا وأرجى ثوابًا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دخل السوق فقال: لا إله لا إله الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتب له بكل فصيح وأعجم، أي: أجر بعدد كل صامت وناطق، وإنما ذاك؛ لأن الناس في الأسواق ظاهر حالهم الاشتغال بالمعاملات في أمور الدنيا، والمستحب إخفاء الطاعات بكل حال، قال الله تعالى: وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم.

الجزء: 2 - الصفحة: 995

وقال عليه السلام: سبعة يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ... قال المزني: قلت للشافعي رحمه الله: فيجوز أن يوتر بواحدة، وليس قبلها شيء؟ قال: نعم الفصل في الوتر.
وردت أخبار منها: ما روى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث لا يجلس إلا في آخرهن، وبخمس لا يجلس إلا في آخرهن، وبسبع لا يجلس إلا في آخرهن.
وعنها أيضا: أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بخمس لا يجلس إلا في الرابعة والخامسة، وكان يوتر بسبع لا يجلس إلا في السادسة والسابعة، وكان يوتر بتسع لا يجلس إلا في الثامنة والتاسعة.
وعن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إحدى عشرة ركعة يوتر منها بركعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 996

وأقصى ما ورد في الوتر ثلاث عشرة ركعة.
واختلف العلماء في عدد الوتر وكيفيته، فمذهب أبي حنيفة أنه ثلاث بتشهدين وتسليمة واحدة، كالمغرب غير أن الوتر مخصوص بالقنوت.
ومذهب مالك: أنه ثلاث بتشهدين، وتسليمتين، غير أنه لو تكلم بعدما سلم عن الركعتين بطلت صلاته.
واختلف أصحابنا فيه، فالأكثرون منهم على أن الوتر بالواحدة أفضل، لأنه اجتمع فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، فالفعل ما رويناه كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة.
والقول ما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشى أحدكم الصبح صلى ركعة توتر له ما صلى.
ومن أصحابنا من قال: الثلاث أفضل، وهو اختيار الشيخ أبي زيد، وعلى هذا أهل مسجده إلى الان، وهذا القائل يحتج بفعل أهل المدينة، فإنهم كانوا يوترون بثلاث كما روينا، ولأن من جوز الوتر بالواحدة جوز بالثلاث، ومن جوز بالثلاث لم يجوز بالواحدة، فالاحتياط بالثلاث، هذا كما قال الشافعي رحمه الله عليه، في القصر: أما أنا فلا أقصر فيما دون ثلاثة أيام احتياطًا على نفسي، فاحتياط في ألا يقصر أقل من الثلاث، وهو يجوز عنده في مرحلتين، إلا أن الأفضل هو الإتيان بأحد المعنيين:

الجزء: 2 - الصفحة: 997

أحدهما: ما ذكرنا أنه اجتمع فيه قول الشافعي: النبي عليه السلام وفعله.
والثاني: الأخذ بالاحتياط، ولي على أصل الشافعي، رحمه الله إذا لم يكن ارتكاب محظور أو مكروه، وإذا أراد الإتيان، بثلاث يحتاج إلى ترك التشهد في الركعة الأولى وعلى هذا لو اقتصد أو احتجم، يستحب له تجديد الوضوء إذا كان قد صلى الفريضة أو النافلة بذلك الوضوء.
فأما إذا لم يؤد صلاة ما، فلا يستحب له الوضوء احتياطًا، وخروجًا من الخلاف؛ لأنه يؤدي إلى الزيادة على الثلاث، وقد نهي عنه.
وحكي عن ابن سريج رحمه الله أنه كان إذا اقتصد مس ذكره، ثم توضأ.
قال القاضي رحمه الله وكان القفال، رحمه الله، يقول أنا لا أقول: الواحدة أفضل من الثلاث، لأن الركعة الواحدة يبعد أن تفضل على الثلاث، لكني أقول: الأقل أن يصلي ثلاثا بتشهدين وبتسليمتين، فتكون الأوليان نفلا والثالثة وترًا، وهذا أولى من أن يصليهما بتشهد واحد، وبتسليمة واحدة، لأنه يجوز أن صلاها فضيلة زيادة تحريمة وتسليمة.
ومن أصحابنا من ذهب إلى أن الوتر ثلاث نقول: يصليهما بتشهد واحد، خلاف ما قاله ابو حنيفة.
وكان القفال رحمه الله، يقول: لو تعمد في الثانية إن كان متعمدًا بطلت صلاته، وإن كان ساهيًا فعليه سجود السهو، لقوله عليه السلام: لا توتروا بثلاث فتشبهوه بالمغرب.
قال الشافعي: رحمه الله الحجة في أن الوتر واحدة الأخبار والأثار، فمنها ما روى فيها من الأخبار ما رويناه عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إحدى عشر ركعة، يوتر منها بواحدة.

الجزء: 2 - الصفحة: 998

وما روى ابن عمر عن أنه عليه السلام قال: «صلاة الليل مثنى مثنى ...» وروي أن ابن عمر سئل عن الوتر؟ فقال: «إنها واحدة».
فقيل له: إنهم يقولون: إنها البتيراء، فقال: إن كنت تسألني عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا سنته.
وروي أن عثمان كان يحيي الليل بركعة هي وتره.
ورُوي أن امرأته قالت يوم الدار: قتلتموه أو لم تقتلوه، فإنه كان يصلي الصبح بوضوء العشاء منذ عشرين سنة.
وعن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحَبَّ أن يوتر بواحدة فليوتر بواحدة، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليوتر بثلاث، ومن أحب أن يوتر بخمس فليوتر بخمس».
وفيه عنه عليه السلام، أنه قال: «الوتر ركعة من آخر الليل».

الجزء: 2 - الصفحة: 999

ومن الآثار عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يوتر بواحدةٍ.
وعن ابن عمر أنه كان يسلِّم بين الركعتين، والثالثة في الوتر حتى كان يأمر ببعض حاجاته.
روي أن ابن عباس بلغه أن معاوية أوتر بواحدة، فقال: «أصاب إنه الفقيه».
قال رضي الله عنه: كان الشيخ أبو زيد يدرس في هذه المسألة بـ (مكة)، فروى هذا الأثر، فهموا بإخراجه، وكان مدرسًا بها ثلاث عشرة سنة، وهم يرون أنه عليه السلام نهى عن البتيراء.
قلنا: إن البتيراء غير معلوم المعنى، ففسروه لنا نتكلم عليه على أنه موقوف على ابن مسعود.
وروي أنه عليه السلام، قال: «ما أجزأت ركعة قط» والصحيح أنه موقوف على ابن مسعود، وإنما قصد بها للرد على ابن عباس، حيث رَدَّ الصلاة إلى ركعة بالخوف والسفر، ثم إن المزني لما روى هذه الأحاديث والآثار قال: وهذا أولى.
وقوله: «يوترون بثلاث».
أشار إلى أن للشافعي قولا آخر في المسألة: أن الوتر ثلاث ركعات، إما كمذهب مالك، أو كمذهب أبي حنيفة، ثم ذكر المزني رحمه الله موقع القنوت في الوتر، وقال: لا أعلم الشافعي ذكره، وسنته أن يكون بعد الركوع وهو كما قال.
وقد حكينا عن أبي حنيفة انه قال: قبل الركوع، وما قلنا أولى لما أشار إليه

الجزء: 2 - الصفحة: 1000

قال المزني: لأنه إذا قنت قبل الركوع لاحتاج إلى زيادة تكبير في الصلاة لم تثبت بخبرٍ ولا بقياس ولأن ما بعد الركوع محل الدعاء، لأنه شرع فيه.
قوله: سمع الله لمن حمده، وغيره، من الأدعية والقنوت دعاءٌ، وما بل الركوع دعاءـ، وما قبل الركوع محل القراءة، والإتيان بالذكر في محله أولى منه في غير محله.

الجزء: 2 - الصفحة: 1001

فصل روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أول ما يحاسب الله تعالى العبد على الفرائض فإن كملت فما بعدها أكمل، وإن نقصت يقول الله عز وجل، انظروا هل تجدون لعبدي من نافلة؟ فإن وجدوا أكملوا بها الفرائض، وإلا فيؤمر به إلى النار.
روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر رضي الله عنه: كيف تصلي بالليل يا أبا بكر، فال: أصلي العشاء، ثم أصلى ركعتي العشاء، ثم أصلى ما شاء الله أن أصلي، ثم أوتر فقال لعمر: كيف تصلي بالليل يا عمر؟ فقال: أصلي ركعتي العشاء، ثم أصلي ما شاء الله أن أصلي، ثم أنام، ثم اقوم، ثم أصلي ما شاء الله أن أصلي، ثم أوتر، فال: أما أنت يا أبا بكر أخذت بالاحتياط والحزم، وأما آنت يا عمر أخذت بالقوة والعزم.
وعندنا المختار ما فعله الصديق، رضي الله عنه لأنه أبعدُ من الآفة والمخاطرة وأحوط لأمر العبادة.
وروى عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: أوصاني خليلى صلى الله عليه وسلم بسبع لا أدعهن ومن ذلك لا أنام قبل الوتر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1002

وروي أن ابن عمر كان يوتر قبل النوم، وإذا قام للصلاة من نومه كان يوتر، ثم يصلي ما شاء الله أن يصلي، ثم يوتر، والوتر الأول العلماء نفض الوتر، والشافعي، رحمه الله لم يذكره والمستحب أن يفعل هكذا.
فرع رجل يصلي صلاة الفرض، وابتدأ بسورة البقرة، وقصد أن يتمها، فعرض له عارض، فعجز عن القيام.
قال رضي الله عنه: جاز له القعود ويتم القراءة، ولا يقول مهما عجز عن القيام فعليه أن يركع، وهذا كما لو أصبح صائمًا ثم سافر، فأنهكه الجوع يباح له الفطر ولا يقال لو لم يسافر كأن لا تلحقه المشقة، ولا يشتد به العطش.
فلا يباح له الفطر.

مسألة

العاجز عن القيام إذا امكنه القيام بالعكازة، وأن يعتمد على شيء لا يلزمه ذلك.
إذا صلى صلاة الجنازة، ثم أنه كان محدثًا، أو على ثوبه نجاسة لا يجب عليه القضاء، فإن صلى كانت صلاة مبتدأة.
فرع المتطهر بالماء حمل مستنجيًا في الصلاة، لم تصح صلاته، لأن محل الاستنجاء نجس، إلا أنه معفو عنه، بدليل أنه لو عرق، واستنقع في ماء قليل تجس ذلك الماء، إلا أنه عفي عنه في حقه رخصة له، فلا تتعداه تلك الرخصة، وكذا من حمل في الصلاة من على ثوبه دم البراغيث لم تصح

الجزء: 2 - الصفحة: 1003

صلاته، ولو لبس ثوبًا زائدًا على عام لبوس بدنه، وعليه دم البراغيث لم تصح صلاته، لأنه غير مضطر إليه، ولو اقتدى بمستنج تصح صلاته كالمتوضي إذا اقتدى بمتيمم، لأن شرط الاقتداء أن يصلي صلتاه بمن له صلاة صحيحة، والله أعلم بالصواب.

الجزء: 2 - الصفحة: 1004

باب فضل الجماعة والعذر بتركها

قال المزني: قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة.
قال الشافعي ولا أرخص لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر، وإن جمع في بيته أو في مسجد، وإن صغر أجزأ عنه، والمسجد الأعظم، وحيث كثرت الجماعات أحب إلي وروى ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر مناديه في الليلة المطيرة، والليلة ذات الريح: أن يقول: ألا صلوا في رحالكم، وأنه صلى الله عليه وسلم قالأ: إذا وجد أحدكم الغائط، فليبدأ به قبل الصلاة.
قال فيه: أقول: لأن الغائط يشغله عن الخشوع.
قال: فإذا حضر فطره أو طعام فطره، وبه إليه حاجة، وكانت نفسه شديدة التوقان إليه، أرخصت له في ترك إتيان الجماعة.
قال المزني: قلت أنا: وقد احتج في موضع آخر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا وضع العشاء فأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء.
قال المزني: فتأوله على المعنى، لئلا يشغله منازعة نفسه عما يلزمه من فرض الصلاة.
قال القاضي حسين: الصلاة قسمان: صلاة لا تتأدى إلا بالجماعة وهي الجمعة، فتجب لها الجماعة على كل حال إذا اجتمع الشرائط التي نذكرها إن شاء الله

الجزء: 2 - الصفحة: 1005

وصلاة تتأدى بغير الجماعة وهي ما عدا من الجمعة من الصلاة، فهل تفرض لها الجماعة اختلفوا فيه، فخرج أبو سليمان الخطابي قولا للشافعي، رحمه الله أنها تفترض فرض العين من كلام له في الكبير، وذلك أنه تلا آيتين: إحداهما: قوله تعالى: وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا.
وقوله تعالى: وإذا رأوا تجارة أو لهوًا ... ثم قال: يحتمل أن الله تعالى قصد به الرد على المنافقين، وزجرهم عما هم عليه، ويحتمل أنه قصد به التحذير لمن ترك الجماعة، والصحيح وجهان آخران: أحدهما: هي سنة مؤكدة، إذ ليس فيها إلا اكتساب الفضيلة.
والثاني: فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولو قعد عنه أهل بلد أو قرية يقاتلون.
وقال أحمد وإسحاق وابن خزيمة: الجماعة فرض عين على كل أحد يعصي بتركها إلا إذا كان معذورًا.
لنا قوله عليه السلام: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، فدل على أن الجماعة أثرها في الفضيلة لا غير.
وروى أنه قال عليه السلام: صلاتك مع الواحد أزكي من صلاتك وحدك،

الجزء: 2 - الصفحة: 1006

وصلاتك مع الاثنين أزكي من صلاتك مع الواحد، وكلما كثرت الجماعة كان أفضل عند الله تعالى.
وروى عن عتبان بن مالك أنه قال: يا رسول الله إني رجل ضرير ولي دار واسعة، فأحضر داري فصل في موضع اتخذه مصلى، فحضر داره، وصلى في موضع فاتخذه مصلى، وأيضا أمر مناديه حتى نادى في الليلة المطيرة: ألا صلوا في رحالكم.
وقال أيضا: إذا ابتلت النعال، فالصلاة في الرحال.

الجزء: 2 - الصفحة: 1007

واحتجوا بقوله عليه السلام: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد.
وهذا محمول على نفي الفضيلة.
قال روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لقد هممت أن آمر فتيانا من قريش ليجمعوا حزمًا من الحطب، فاتخلف معهم على من تخلف عن الجماعة فأحرق عليه بيته، ولو علموا أنهم لو شهدوها لوجدوا عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لأتوهما ولو حبوا، وأراد بالمرماتين مائتين، قيل: سهمين، وقيل: عظيمين عليهما قليل لحم.
وروى أنه قال عليه السلام: ما من اثنين ولا ثلاثة في قرية ولا بادية لا يصلون بالجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان، عليكم بالجماعة، فإن الذئب يأكل الشاة القاصية الفاذة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1008

وروي عن عبد الله بن أم مكتون أنه قال: يا رسول الله إني رجل ضرير، وإن لي على الطريق نخيلا، وليس لي قائد يلائمني، فهل ترى لي رخصة في ترك الجماعة، فقال عليه السلام، هل تسمع النداء؟ فقال/ نعم، فقال: لا.
والأخبار كلها محمولة على الاستحباب، والتحريض على الجماعات، بدليل ما رويناه من الأخبار، هذا كله لمن لم يكن له عذر، فإن كان له عذر جاز أن يترك الجماعة، مثل أن يكون في الطريق وحل شديد، وكانت السماء تمطر أو كان البرد مفرطاـ أو الرياح تهب شديدًا أو كان يخاف على نفسه أو على ماله، ولا يجد من يحفظ أمتعته في بيته.
قال صلى الله عليه وسلم: إذا ابتلت النعال فالصلاة في النعال، اختلفوا فيه، منهم من قال: هي جمع النعل، وهي وجه الأرض.
وروى أنه عليه السلام كان يأمر مناديه في الليلة المطيرة، والليلة ذات الريح: ألا صلوا في رحالكم.
قيل: كان المؤذن يقولونها بعد الحيعلتين في محل التثويب.
وقيل: كان يقولها بعد الفراغ من الأذان، وكذلك إذا كان مدافعًا لأحد الأخبثين، فإن كان حازقا، وهو الذي أخذه الغائط، أو حاقنًا، وهو الذي أخذه الريح جاز له ترك الجماعة.
والمستحب لمن أخذه ما يشغله عن الخشوع والخضوع والصلاة أن يبدأ به إذا كان في الوقت سعة لما روى أنه عليه السلام قال: إذا وجد أحد الغائط فليبدأ به قبل الصلاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1009

وروي أنه قال عليه السلام: لا يصلين أحدكم وهو يدافع أحد مخبثيه.
وروى أنه عليه السلام قال: لا يصلين أحدكم، وهو زناء وعن عمر أنه قال: لا يصلين أحدكم وهو ضام وركيه، وكذلك إذا حضرت الصلاة وبه فرط الجوع، صائمًا كان أو غير صائم، فله أن يسكن جوعة بلقمتين أو ثلات، كي لا يمنعه ذلك من الخشوع والخضوع في الصلاة.
قال عليه السلام: إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشا.
ولا يرخص له في أن يجلس على المائدة، ويتضلع، بل يسكن الجوعة، ثم يبادر إلى الصلاة ليحوز فضيلة الجماعة.
فأما إذا ضاق الوقت بحيث لو اشتغل بالطهارة أو بالأكل لذهب الوقت، تأمره بالصلاة، لأن إخراج الصلاة عن الوقت مع الإمكان بحال لا يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 1010

ومن قرب من عرفات وضاق الوقت بحيث لو اشتغل بصلاة العشاء لفاته الوقوف بـ (عرفة) هل له التأخير؟ يحتمل وجهين، ومن قدر على الوضوء بالماء، ولكن لو اشتغل به لفاته الوقت لا يباح له التيمم، ويترك الوضوء بالماء

الجزء: 2 - الصفحة: 1011

فصل قال الشافعي: رحمه الله: وإن أجمع في بيته أو في مسجد، وإن صغر أجزأ عنه في أي بقعة صلى بالجماعة يجزئه، سواء في البيت أو في المسجد، ولكن الأفضل حيث تكثر الجماعة، هذا إذا كانت الجماعة في مسجده لا تختل بتخلفه عنها، فإن الجماعة تختل فيه بتخلفه عنها، فالأفضل أن يصلي في مسجده وإن كان لا يحضر مسجده أحد، فالأفضل أن يؤذن ويقيم، ويصلي الفرض منفردًا، إن لم يحضره، من يصلي معه، ويخفف الصلاة ويخرج إلى مسجد يصلي فيه معهم بالجماعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1012

فصل إذا عقد الجماعة في مسجده مرة، فحضرت جماعة أخرى، إن كان المسجد على شارع يأتيه الناس ليس له إمام راتب ومؤذن راتب لم يجز على طريقة بعض أصحابنا وقال العراقيون: يجوز.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز لما فيه من شق العصا، ومخالفته القوم.
روى أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم من صلاة الصبح يومًا، فحضره واحد وشرع في الصلاة منفردًا، فقال عليه السلام، هل فيكم من يقوم فيتصدق عليه ويصلي معه فقام واحد صلى معه، حين أذن في الجماعة.
ولم يصلوا معه قبل إذنه عليه السلام والله أعلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1013

باب صلاة الإمام قاعدًا بقيام أو قائمًا بقعود، أو بعلة ما تحدث وصلاة من بلغ أو أسلم.

قال المزني: قال الشافعي: وأحب للإمام إذا لم يستطع القيام في الصلاة أن يستخلف فإن صلى قاعدًا، وصلى الذين خلفه قيامًا، أجزأته وإياهم، وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه، وفعله الآخر ناسخ لفعله الأول، وفرض الله تعالى على المريض، أن يصلي جالسًا، إذا لم يقدر قائمًا، وعلى الصحيح، أن يصلي قائمًا، فكل قد أدى فرضه، فإن صلى الامام لنفسه جالسًا ركعة، ثم قدر على القيام، قام فأتم صلاته، فإن ترك القيام، أفسد على نفسه، وتمت صلاتهم، إلا أن يعلموا بصحته وتركه القيام في الصلاة، فيتبعونه، وكذلك إن صلى قائمًا ركعة ثم ضعف عن القيام، أو أصابته علة مانعة، فله أن يقعد ويبني على صلاته، وإن صلت أمة ركعة مكشوفة الرأس، ثم أعتقت، فعليها أن تستترـ إن كان الثوب قريبًا منها، وتبني على صلاتها، فإن لم تفعل وكان الثوب بعيدًا منها، بطلت صلاتها.
قال المزني: قلت أنا، وكذلك المصلى عريانًا، لا يجد ثوبًا، ثم يجده، والمصلى خائفًا، ثم يأمن، والمصلي مريضًا، يوميء، ثم يصح، أو يصلي ولا يحسن أم القرآن، ثم يحسن أن ما مضى جائز على ما كلف، وما بقي على ما كلف، وهو معنى قول الشافعي رحمه الله.
قال الشافعي: وعلى الاباء، والامهات أن يؤدبوا أولادهم ويعلموهم، الطهارة

الجزء: 2 - الصفحة: 1014

والصلاة، ويضربوهم على ذلك، إذا عقلوا، فمن احتلم، أو حاض، أو استكمل خمس عشرة سنة، لزمه الفرض.
قال القاضي حسين: المستحبُّ للإمام الراتب إذا عجز عن القيام أن يستخلف قادرًا على القيام ليصلي بالناس ليكمل حال الإمام، ويساوي القوم في وصفه الكمال، فإن لم يفعل، وصلى قاعدًا بهم وهم قيامٌ أجزأهم.
وقال أحمدُ ومحمدٌ: لا يجوز للقائم أن يُصَلِّي خلف القاعد.
وقال مالك: يقعدون خلفه، واحتجا بما روي أن النبي -عليه السلام- قال: «لا يؤمن أحد بعدي جالسًا».
واحتج مالك وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب فرسًا معروفًا لأبي طلحة، أو لآل أبي طلحة فسَقَط فجحش شقه الأيمن، فدخلوا عليه في بيته يصلي بهم قاعدًا وهم قيام خلفه، فأشار إليهم أن اقعُدُوا فقعدوا، فلما سلم، قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا خلفه أجمعين».
دليلنا: ما روي عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم مرضه الذي توفي فيه كان يغشى عليه ويضيق، فأفاق، وقد دخل وقت الصلاة فقال: هل صلى الناس في المسجد؟ فقلنا: لا، بل هم قيام ينتظرونك فقال: ضعوا لي ماء في المخضب وهو شبه المركن، وهي إجانة كان يغتسل فيها عليها السلام والرحمة، فوضعنا الماء في المخضب، فدخل فاغتسلَ، فلما ذهب

الجزء: 2 - الصفحة: 1015

لينؤ أغشي عليه فأفاق، فلما أفاق قال: هل صلى الناس في المسجد فقلنا: لا إنهم قيام ينتظرونك، فقال في المرة الثالثة والرابعة: مُرُوا أبا بكر ليصلي بالناس، قالت عائشة رضي الله عنها: فقلت في نفسي، إن الناس يتشاءمون بأبي إذا رأوه واقفا في مقام النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن أبي رجل أسيف لا يملك نفسه من البكاء إذا وقف في مكانك، فلو أمرت غيره فقال عليه السلام: مروا أبا بكر ليصلي بالناس، فقلت لحفصة: قولي لرسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أباك ليصلي بالناس، فقالت حفصة: يا رسول الله، لو أمرت غيره، فقال صلى الله عليه وسلم إنكن صواحبات يوسف، أبي الله والمسلمون إلا أبا بكر، مروا أبا بكر ليصلي بالناس.
فقالت حفصة لعائشة: ما أتيتني بخير قط، فتقدم أبو بكر فوجد النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه خفه، فخرج يهادي بين رجلين أحدهما العباس، والآخر رجل من أهل بيته، فقال ابن عباس، وذلك الرجل الآخر على كرم الله وجهه إلا أنها لا تذكره بخير ما تستطيع فدخل المسجد، ووقف على يسار أبي بكر وإنما وقف على يساره، لأنه علم من حاله أنه يتأخر عن مقامه، ولا يتقدم عليه ليكون على يمينه، فوصل أبو بكر والناس صلاتهم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وافتتح الصلاة قاعدًا، فكان أبو بكر يصلي بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر، رضي الله عنه، وكان أبو بكر كالمترجم لهم.
قال الشافعي رحمه الله، وفعله الآخر ينسخ فعله الأول.
وما رويناه كان آخر الأمرين، فإن قيلأ: الأول لم يكن فعلا، بل كان قولا، فلم قال، فعله الآخر ينسخ فعله الأول؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1016

قلنا: معناه أن تقريره على الفعل الآخر ينسخ تقريره على الفعل الأول، لأنه في الابتداء أقرهم على الصلاة خلفه قعودًا، وفي الآخر أقرهم على الصلاة خلفه قيامًا، وكما يجوز عندنا للقاعد أن يصلي خلف القائم، وللقائم أن يصلي خلف القاعد، يجوز للقائم والقاعد أن يصلي خلف المومئ، وللمومئ أن يصلي خلفهما.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز للموميء أن يصلي خلف القاعد والقائم، ولا لهما أن يصليا خلفه، لأن المومئ عجز عن الفعل الذي هو عماد الصلاة.
قلنا: كل صفة جاز له أن يصلي عليها للعجز جاز لمن هو أكمل منه حالا أن يصلي خلفه كالقعود.
قوله: فإن صلى الامام لنفسه جالسًا ركعة.
قال القاضي حسين: القائم إذا عجز في خلال الصلاة عن القيام قعد، وبني قائما على صلاته، وإذا عجز عن القعود اضطجع وبني، وكذلك المضطجع إذا عجز صلى بالإيماء وبنى، وكذلك الموميء إذا قدر على الاضطجاع، والمضطجع على القعود والقاعد على القيام، فإنه يضجع، ويقعد ويقوم، ويبني على صلاته، فخرج من هذا أنه يؤدي أربع ركعات كل ركعة على صفة أخرى إذا تبدلت به الأحوال، فيجوز عندنا.
جملته: أنه كلما يجوز له أن يبني من صلاته على صلاة إمامه جاز له أن يبني من صلاة نفسه على صلاته.
وقال أبو حنيفة: لا ينبني الإيماء على القعود والقيام، ولا القيام والقعود على الإيماء بناء على أصله، وهو أنه لا يقتدي الموميء بالقائم، والقاعد بالقائم، والقاعد بالموميء وإذا قدر على القيام بعد القراءة، فعليه أن يرتفع إلى القيام، ثم يهوي إلى الركوع بعد أن اعتدل قائمًا نص عليه الشافعي، رحمه الله ولا يجوز أن يرتفع منه من القعود إلى الركوع، ليكون الانتقال من الركن إلى الركن، وكذا لو قدر

الجزء: 2 - الصفحة: 1017

على القيام بعد ما ركع، فإنه يقوم ثم يهوي ساجدًا كما ذكرنا في الركوع، فأما إذا قدر على القيام في خلال الفاتحة، فإنه يسكت إلى أيعتدل قائمًا، ثم يبني على القراءة، ولو قرأ في حال الارتفاع إلى القيام لم يجز، ومثله لو عجز عن القيام، في خلال الفاتحة، فقرأ في حالة الهوي إلى القعود جاز.
والفرق أن القادر على القيام فرضه القيام، وحالة الارتفاع إلى القيام أنقص من حالة القيام، فلم يحتسب بقراءته فيها.
والعاجز عن القيام فرضه القعود وحالة الهوي إلى القعود أكمل من حالة القعود، فيحسب قراءته فيها.
ولو قرأ في حالة الارتفاع إلى القيام من القعود قال رضي الله عنه: إذا كان دون آية يبني على صلاته، ولا يستأنف الفاتحة، وإن كان لا يحسب له ذلك القدر من القراءة، بل يعيدها ويأتي بالباقي فإن قرأ آية أو أكثر هذا يبني على أنه إذا كرر الفاتحة في الصلاة عامدًا هل تبطل صلاته أم لا.
إن قلنا: تبطل صلاته فها هنا يستأنف القراءة، وإلا فلا ولا نحكم ببطلان صلاته وإن تعمد فيها، ولو صلى قاعدًا فقدر على القيام فعليه أن يقوم فلو لم يقم نص على أن صلاته باطلة، وقد ذكرنا في نظائرهما قولا آخر أن الصلاة تنقلب نفلا، فيخرج فيها هذا القول أيضا.
والأظهر قول البطلان، وعليه فرع الشافعي رضي الله عنه فقال: من علم من المأمومين بقدرته على القيام، ولم يخرج نفسه عن صلاته بطلت صلاته أيضا، ومن لم يعلم بحاله لم تبطل صلاته، وإن استدام الاقتداء به.
قد ذكرنا أنه إذا قدر على القيام بعد ما فرغ من الركوع يلزمه القيام.
فأما إذا قدر على القيام بعد ما فرغ من الركوع، ومضى قدر إمكان الاعتدال، لا يلزمه أن يعتدل قائمًا، ثم يهوي إلى السجود، لأن الاعتدال ليس بركن ممتد، وإنما هو قدر الطمأنينة حتى لو زاد عامدًا فيه على قدر الطمأننية بطلت

الجزء: 2 - الصفحة: 1018

صلاته حتى لو كان هذا في صلاة الصبح قدر الاعتدال بعد ما فرغ من الركوع عليه أن يقوم إذا أراد أن يقنت، ولو قنت جالسًا تبطل صلاته.
قوله: وإن صلت أمة ركعة مكشوفة الرأس، ثم أعتقت فعليها أن تستتر إن كان الثوب قريبًا منها، وتبني على صلاتها.
قال القاضي حسين: وهو كما قال: لأنها بالعتق استفادت الكمال وساوت الحرائر، وفرض الحرة ستر عورة الرأس في الصلاة، وإن كان الثوب بعيدًا منها، فمشيت إليه وسترت به الرأس، فالمذهب أن صلاتها تبطل.
وخرج فيها قول آخر: من سبق الحدث أنها لا تبطل، ولو صبرت إلى أن أتيت بالثواب، فمرتب على ما لو مشيت إليه إن قلنا هناك: لا تبطل صلاتها فها هنا أولى، وإن قلنا بظاهر المذهب: إن صلاتها تبطل فها هنا وجهان بناء على ما لو زاد انتظارين في صلاة الخوف، ففرق القوم أربع فرق، وفيه قولان.
وكذلك العاري إذا وجد الستر في خلال الصلاة يلزمه الستر، وحكمه كذلك حكم الأمة إذا اعتقت وقد بينا، وكذلك لو أعتقت، ولم تعلم بالعتق حتى مضي زمان بطلت صلاتها، كمن قع في ثوبه نجاسة ولم يعلم بها، أو انكشفت عورته في الصلاة بريج هبت، ومضى زمان تبطل صلاته.
وقد عطف المزني، رحمه الله على مسألة الأمة في معناها من الذين يفتتحون الصلاة بالعذر، فيرتفع العذر، مثل الخائف يأمن في خلال الصلاة فعليه أن يستقبل القبلة كما ارتفع الخوف، والموميء يقدر على القعود والقيام فعليه ذلك كما قدر عليه، ومن لا يحسن الفاتحة فتعلمها في خلال الصلاة فالحكم فيه أنه إن تعلمها في خلال الصلاة بعد الركوع لم يلزمه فرض القراءة، وإن تعلمها في خلال القراءة، فعليه أن يقرأها في الظاهر من المذهب، وإن تعلمها بعد قراءة ما يحسنه من القراءة والذكر وجهان: أحدهما: يلزمه قراءة الفاتحة: لأنه قدر على قراءتها في محلها، وهو القيام، كما لو تعلمها قبل أيأتي بما علم من الذكر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1019

والثاني لا يلزمه، لأنه قدر على الأصل بعد الإتيان بالبدل، كما لو وجد الرقبة بعد الصوم.
فإن قيل: ما الفرق بين القراءة قلتم: يلزمه بعد الإتيان بالبدل وهو القعود، قلتم لا يلزمه وجها واحدًا.
قلنا: القيام لا يعني لعينه، بل للقراءة، وقد أتي بالقراءة في القعود الذي جعل بدلا عن القيام بخلاف القراءة، فإنها المقصودة من القيام، ولم يأت بما هو الأصل من القراءة وقدر عليها في محلها فيلزمها ذلك ولو قدر على التعلم في خلال الصلاة لم يلزمه تعلمها، كما لو وجد الماء في خلال الصلاة لا يلزمه استعماله، لأنه أتي بما هو البدل هناك بالتيمم، وها هنا شيء آخر من الذكر، بخلاف ما لو وجد الستر يلزمه الستر، لأنه لم يأت ببدل عنه إذا العرى ليس ببدل عن الستر.
قد ذكرنا أن من لا يحسن الفاتحة تصح صلاته بذكر يأتي به، وعليه تعلم الفاتحة، فإذا مضى زمان إمكان التعلم ولم يتعلم، فعليه إعادة كل صلاة يصليها بعد مضى زمان إمكان التعلم، فلو اقتدى به في مثل هذه الحالة رجل لم تصح صلاته، لأن صلاته غير محسوبة له، وهكذا كل صلاة لا تكون محسوبة لفاعلها لا يجوز للغير أن يقتدي به فيها، مثل صلاة من لم يجد ماء ولا ترابًا أو المقيم إذا صلى بالتيمم، فلا يجوز أن يقتدى به فيها، فأما إذا اقتدى بمستحاضة أو بمن به سلس بول، فوجهان: أحدهما: تصح صلاته، لأنه اقتدي بصلاة محسوبة للفاعل.
والثاني: لا؛ لأنها صلاة ضرورة، إذا النجاسة قائمة لها، ولا ضرورة للمقتدى وسيلان الدم به للضروة.
فاما المتوضيء يجوز له أن يقتدي بالمتيمم، والكاسي بالعاري، وكذا لا يجوز للقاريء أن يقتدي بالأمي في قوله والقديم، ولا يجوز في قوله الجديد.

الجزء: 2 - الصفحة: 1020

قوله: وعلى الآباء والأمهات أن يؤدبوا أولادهم، ويعلموهم الطهارات والصلاة يضربوهم على ذلك إذا عقلوا.
روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع.
وإنما أمرناهم بالصلاة على رأس السبع ليتمرنوا لها، ويعتادوا فعلها، ولم نأمر به قبل السبع، لأن الصبيان لا يعقلون قبل السبع غالبًا، وأمرنا بالضرب على رأس العشر لاحتمال البلوغ بالاحتلام، فلا نأمن أنه احتلم لكن يخفيه ولم يؤمر بالضرب قبل العشر، لأنه باستكمالها يصير محلا للشهوة.
قال القاضي رحمه الله: إنه لا يجوز للأب أن يختن ولده، ما لم يستكمل عشرًا، لأنه عليه السلام جعل السنة التي يطيق فيها احتمال الألم السنة العاشرة، وألم الختان لا محالة أشد من ألم الضرب، وأما الهدايا يؤتي بها عند دعوة الختان هي ملك الصبي، والأب يقبل له، حتى يملك، وأما أجرة تعليم القرآن، وأجرة الختان إن كان للصبي مال في ماله، وإن لم يكن فيجب على الأب، وإن كان له عبد غير مختون يجب على مالكه أن يخلي بينه وبين كسبه زمان يحصل فيه أجرة الختان بالكسب، وإن لم يخله يجب عليه أن يختنه من ماله، وكذا أجرة تعليم الختان بالكسب، وإن لم يخله عليه أن يختنه من ماله، وكذا أجرة تعليم الفاتحة، وهل يجب على الأب أن يعلم الفاتحة لابنه الصغير؟ فيه وجهان:

الجزء: 2 - الصفحة: 1021

أحدهما: بلى، لقوله عليه السلام: مروهم بالصلاة.
وأيضا قال الشافعي: رحمه الله وعلى الآباء وعلى كلمة إيجاب.
والثاني: لا يجب، لأن القراءة إنما تجب عليه بعد البلوغ، وهذا محمول على جهة التأكيد، وإنما قلنا: يجب عليه ذلك، فإنه يعلمه بنفسه، أو بالأجرة، والأجرة تجب في مال الأب إذا كان موسرًا، فإن كان معسرًا، ففي مال الابن، وله له أن يعلمه سوى الفاتحة ويعطي الأجرة من مال الصبي.؟ فعلى وجهين: أحدهما: له ذلك إذا كان له فيه مصلحة.
والثاني: لا، لأنه غير محتاج إليه، وهذا التأديب الذي ذكرنا واجب في الأصل والضرب عليه مباح بشرط السلامة.
فأما الصوم فإن كانت الأيام قصارًا، وكان قوي الخلقة يطيقه يؤمر به، وإن كانت الأيام طوالا في وقت الحرارة، أو كان نضو الخلقة لا يطيقه لا يجوز لا يؤمر به، ثم ذكر الشافعي رحمه الله ما يحصل به البلوغ، ومحله كتاب الحجر على ما سيأتي، والله أعلم بالصواب.

الجزء: 2 - الصفحة: 1022

باب اختلاف نية الإمام والمأموم، وغير ذلك

. قال المزني: قال الشافعي رحمه الله، وإذا صلى الإمام بقوم الظهر في وقت العصر، وجاء قوم فصلوا خلفه، ينوون العصر، أجزأتهم الصلاة جميعًا، وقد أدى كل فرضه، وقد أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل، رضي الله عنه، أن يصلي معه المكتوبة ثم يصلي بقومه، هي له نافلة، ولهم مكتوبة، وقد كان عطاء يصلي مع الامام القنوت، ثم يعتد بها من العتمة، فإذا سلم الإمام، قام، فبني ركعتين من العتمة.
قال المزني رحمه الله: قلت أنا: وإذا جاز أن يأتم المصليى نافلة خلف المصلى فريضة فكذلك المصلى فريضة خلف المصلى نافلة وفريضة، وبالله التوفيق.
قال الشافعي رحمه الله وإذا أحس الإمام برجل، وهو راكع، لم ينتظره ولتكن صلاته خالصة لله.
قال المزني: قلت أنا: ورأيت في رواية بعضهم، عنه: أنه لا بأس بانتظاره والأولى عندي أولى بالصواب لتقديمها على من قصر في إتيانها.
قال الشافعي رحمه الله: ويؤتم بالأعمى وبالعبد.
قال القاضي حسين: إذا اختلفت نية الإمام والمأموم، فلا يخلو إما أن تتفق الصلاتان في أصل الأركان لو اختلفا في الأركان، فإن اتفقا في أصل الأركان صح الاقتداء، وإن اختلفت بينهما سواء اتفقت الصلاتان في عدد الأركان كالظهر والعصر والصبح والجمعة، أو اختلفتا في عدد الركعات كالصبح مع الظهر، والمغرب مع سائر الصلوات، فخرج من هذا أنه يجوز أن يصلي

الجزء: 2 - الصفحة: 1023

المفترض خلف المتنقل، والمتنفل خلف المفترض، والقاضي خلف المؤدي، والمؤدي خلف القاضي، والسنة خلف سنة أخرى، والفرض خلف الفرض، والعشاء خلف التراويح، كما رويناه عن عطاء.
ثم ينظر إن كان صلاة الإمام أقل عددا من صلاته بأن يصلي الظهر خلف الصبح، أو المغرب يقوم إذا سلم الإمام، ويتم لنفسه الصلاة، وإن شاء يخرج نفسه عن صلاة الامام، إذا جلس الامام للتشهد الأخير، وإن كانت صلاة الامام أكثر عددا من صلاته، فهو بالخيار بين أن يسلم، وبين أن يصبر حتى يتم الامام صلاته، فيسلم معه، ولا يجوز أن يوافق الامام بعد أن أكمل صلاة نفسه في بقية الصلاة، وإذا صلى العشاء خلف التراويح فصلى ركعتين، فسلم الإمام، فعليه أن يصلي الآخريين منفردًا، ولا يقتدي فيهما بركعتي الإمام، فإن فعل واقتدى به بعد أن قام إلى الركعتين، فهذا رجل وصل صلاة الانفراد بصلاة الجماعة، وسيأتي حكمه إن شاء الله عز وجل.
قال القاضي رضي الله، في كرة أخرى: الصلاتان إن اتفقتا في أصل الأركان، وعدد الركعات، مثل الظهر والعصر والعشاء لا خلاف بأنه يجوز، فأما إذا اختلفتا في الأفعال مثل الظهر خلف المغرب، والمغرب خلف العشاء ظاهر كلام الشافعي رحه الله في المختصر يدل على أنه لا يجوز، لأنه قال: الظهر في وقت العصر، فاعتبر استواءهما في الأعداد والأركان.
واصحابنا قالوا بأجمعهم: إنه يجوز.
وقال القفال رحمه الله: مقتضى تحريمه وتسليمه جاز إحداهما خلف الأخرى، حتى لو اقتدى المفترض بمن يصلي بالجنازة، أو كبر لسجود التلاوة أو الشكر يجوز، ولو صلي الصبح خلف الظهر، ففي الركعة الثانية إذا رفع الامام رأسه من الركوع، فهو بالخيار إن شاء أخرج نفسه من متابعته وقنت، وإن شاء تابعه ولا شيء عليه، ويحمل الامام عنه كسهوه.
وإذا صلى الصبح خلف الظهر، فإذا قنت إمامه، إن شاء خرج من متابعته، وإن شاء صبر ذلك القدر إن لم يطل، ولا يضره.

الجزء: 2 - الصفحة: 1024

وفي صلاة الخسوف يتابعه على الصحيح من المذهب إلى أن يركع ركوع الأول، ثم لا يتابعه، وهكذا في صلاة الجنازة يتابعه على ظاهر المذهب، وكذا في سجود التلاوة والشكر، ولكن لا يتابعه في التكبيرات وغيرها.
ولو اقتدى في الجمعة خلف الصبي، والمتنفل، فجوابان: أحدهما: يجوز قياسًا على سائر الصلوات.
والثاني: لا؛ والفرق أن الجمعة أكدت بشرائط لم تؤكد بها سائر الصلوات، فكذا هذا، ولو اقتدى في الجمعة خلف المصلي لصلاة الصبح، فيه وجهان يبنيان على المسألة الأولى.
إن قلنا هناك تصح فيها هنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق أن ها هنا استويا في الفريضة والعدد، بخلاف تلك المسألة، ولو اقتدى بالجمعة، ثم صلى الظهر، فمرتبة على المسألة الأولى، إن قلنا هاك: لا يصح فها هنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق أنهما اختلفا في العدد، بخلاف الصبح مع الجمعة، وإن اختلتف الصلاتان في أصل الأركان كالجنازة، والخسوفيين مع غيرهما من النوافل والفرايض.
قال أصحابنا: لا يجوز، لأن فائدة الاقتداء هو المتابعة، ومعلوم أن المفترض والمتنفل خلف صلاة الجنازة، والخسوفين لا يمكنه متابعة، وقال القفال رحمه الله: يقول: يجوز الاقتداء فيها ثم لا يتابعه إذا كبر في الجنازة الثانية، وإذا شرع في الركوع الثاني في الخسوفين واقتدى به.
وفائدة الاقتداء اكتساب فضيلة الجماعة، ولا خلاف على المذهب أنه إذا أدرك الإمام في صلاة الظهر في الركعة الثانية، واقتد به بنية المغرب، فإنه يجوز، لأنهما يتفقان في الأعداد والأركان في هذه الحالة.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: كل صلاة تتأدى بمنطق النية، كالنوافل تصح خلف من يخافه في النية، فخرج من هذا أن عنده اختلاف النية تمنع صحة

الجزء: 2 - الصفحة: 1025

الاقتداء إلا في المتنفل خلف المفترض، واحتجوا بأنه نوى صلاة الإمام له فيها فلم يصح.
دليلنا: ما روى عن جابر أن معاذ بن جبل كان يصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع إلى قبيلته ويصليهما بهم، وكان عادته أنه إذا افتتح سورة لا يقطعها حتى يتملها، فافتتح سورة البقرة فيها ليلة، وكان في القوم رجل تعب طول نهاره، وعلم من حاله أنه لا يقطعها حتى يختمها، فأخرج نفسه من صلاته، فلما سلم معاذ أخبر به، فقال: نافق هكذا الرجل، فبلغ الرجل قول معاذ رضي الله عنه، فغاظه ذلك، فقال: والله لأعودن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بصنيع معاذ، وكان يبيت تلك الليلة كالمريض على الجنب، فجاء في الغد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقص عليه القصص، فلم يقل شيئًا حتى دخل معاذ فلما دخل قال له: أفتان أنت يا معاذ أين أنت من صورة والشمس، وضحاها، والليل إذا يغشى، فما رئى رسول الله صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد منه فيها، ثم إن في القصة أن ذلك الرجل قال لمعاذ، والله إن جماعتنا غزاة

الجزء: 2 - الصفحة: 1026

ليرينا الله أين المنافق، فلم ينشئا أن جمعتهما غزاة، وجعل ذلك الرجل يطلب معاذًا حتى عثر به فأخذ بتلابيبه وقال: اخرج حتى يرينا الله تعالى أين المنافق؟ فضن معاذ بنفسه فسل الرجل سيفه، وقاتل حتى قتل.
ولأن المتابعة إنما تجب على المأموم لإمامه في الأفعال الظاهرة، والنية من الأفعال الباطنة، فلم تضر المخالفة فيها كالمتنفل خلف المفترض.
قال المزني: وأكره إمامة من يلحن، لأنه قد يحيل المعنى، فإن أحال أو لفظ بالعجمية في أم القرآن، أجزأته دونهم، وإن كان في غيرها، أجزأتهم وأكره إمامة من به تمتمة، فإن أم أجزأ، إذا قرأ ما يجزيء في الصلاة، ولا يؤم أرت ولا ألثغ.
قال القاضي حسين: لحن يخل المعنى، ولحن لا يخل المعنى.
فأما ما لا يخل المعنى لا يمنع صحة الصلاة، وجواز الاقتداء به، لكنه يكره أن يقتدي به، وذلك أن يرفع المنصوب والمخفوض، أو ينصب المرفوع والمخفوض بقراءة بسم الله بالرفع الرحمن بالنصب، ولو قرأ الحمد بالنصب أو بالخفض.
قال القاضي رضى الله عنه: يحتمل وجهين: أحدهما: تصح صلاته، لانه خطأ في الإعراب.
والثاني: لا تصح، لأنه لا يكون قرآنا، كما يكون إعجازًا في نظمه، فكذا في الاعراب، فينبغي أن يأتي به نظمًا وإعرابًا.
فأما اللحن الذي يحيل المعنى سواء يحيل إلى لمعان أخرى أو يحيل فالحكم واحد، فينظر فيه إن كان لا يطاوعه لسانه فتصح صلاته، وعليه أن يتعلم إن أمكنه، ولا يجوز الاقتداء به إلا لمن هو مثل حاله، فإن اقتدى به من هو أكمل حالا منه، فحكمه حكم القاريء يقتدي بالأمي، وسنذكر ذلك، وإن كان يطاوعه لسانه بذلك بطلت صلاته، وإن قاله ناسيا، فإن كان في الفاتحة، انقطع

الجزء: 2 - الصفحة: 1027

النظم، وإن كان في خلال السورة لم يضره، ولا المأمومين خلفه، وعليه أن يسجد للسهو، لأنه كلام ذكره ناسيًا في الصلاة، فأما إذا قال: أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون، مكان قوله أولئك أصحاب النار هـ فيها خالدون، أو على عكسه وإن كان عامدًا به يصير كافرًا، وإن أخطأ في ذلك لا يضره.
قوله: وأكره إمامة من به تمتمة أو فأفأة.
قال القاضي حسين: التمتام هو الذي يردد التاء، الفأفاء هو الذي يردد الفاء، والصلاة خلفهما جائزة، لأنهما مغلوب فيه عليهما، إلا أنا نكره الصلاة خلفهما، لكن تصح، لأنهما أتيا بأصل القراءة وزيادة عليها.
قوله: ولا يؤم أرت ولا ألثغ.
قال القاضي حسين: الأرت هو الذي يبدل الراء بالياء، والألثغ هو الذي يبدل السين بالثاء، ولا تجوز الصلاة خلف واحد منهما، إلا لمن هو في مثل حالهم، ولا تجوز للأرت أن يصلي خلف الألثغ، ولا للألثغ أن يصلي خلف الأرت، كما لا يجوز لغيرهما ممن لسانه مستقيم أن يصلي خلفهما، لأن كل واحد منهما أمي فيما يقدر عليه صاحبه.
وقيل: الألثغ: في لسانه رخاوة لا يمكنه الإتيان بالتشديدات كلها كلسان الصبي فعلى هذا ينظر فيه، فإن أمكنه أن يأتي بأصل التشديدات، ولكن لا يبالغ فيها تكره الصلاة خلفه، وتجوز وإن لم يمكنه الإتيان بأصل التشديدات لا تصح الصلاة خلفه.
قوله: ولا يأتم رجل بأمرأة.
قال القاضي حسين: وهو كما قال: روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تؤمن امرأة رجلا، ولا أعرابي مهاجرا، ولا فاسق مؤمنا إلا أن يقهره السلطان عليه فيخاف سيفه، أو سطوته.

الجزء: 2 - الصفحة: 1028

اختلف في الأعرابي فمنهم من قال: أراد به الكافر: لأن من أسلم إذ ذاك كان مهاجرًا.
ومنهم من قال: أراد به المسلم الذي لم يهاجر، وإنما منع إمامته للمهاجر، لأن أحوال الولاية بينهما كانت منقطعة لقوله تعالى: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا).
وروى أنه قال عليه السلام: أخروهن من حيث أخرهن الله.
فإن صلى خلف امرأة أعاد الصلاة عالمًا كان أو جاهلاً، وكذا لا يجوز للخنثى أن يأتم بالمرأة لاحتمال أن يكون رجلا، ويجوز للمرأة أن تأتم النساء، لأنها في مثل حالهن واستويا في نقص الأنوثة، بخلاف الرجال.
قوله: (ولا لخنثى الاقتداء بالخنثى).
قال القاضي حسين: لا يجوز للرجال وللخناثى لاحتمال أن الإمام كان امرأة، وأن المقتدى كان رجلا، فلو اقتدى به رجل أو خنثى أعاد الصلاة، ولو بان أنه كان رجلا ففي وجوب الإعادة جوابان: أحدهما: تجب اعتبارا بالحال، والظاهر لا.
والثاني: لا اعتبار بالباطن، وبما ظهر في المآل، وإذا اقتدى الخنثى بامرأة، ثم تبين أن الخنثى امرأة، ففي وجوب الإعادة عليه جوابان أيضًا.
وها هنا مسألة يلغز بها، فيقال: جماعة من الخناثى يصلون جماعة، أين يقف إمامهم؟ فيقال: لا يتصور هذه المسألة، لأن الخنثى لا تقتدي بالخنثى لاحتمال أن يكون الإمام امرأة، والمأموم رجلاً.
ومن هذا القبيل يقال: أرت وألثغ أيهما يقدم فيقال: لا تتصور هذه المسألة، لأن الأرت والألثغ لا يجوز لأحدهما الاقتداء بصاحبه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1029

ومن هذا القبيل أيضًا رجالان: أحدهما يحسن النصف الأول من الفاتحة، والآخر يحسن النصف الآخر أيهما أولى بالإمامة؟ فقال: لا يصلى احدهما خلف الثاني، لأن كل واحد منهما أمي فيما يحسنه صاحبه من الفاتحة، واللغز من الألغاز وهو جحر اليربوع الذي إذا ارتمت من واحد منهما راعت إلى الأخرى.
وحكي أن أبا يوسف لما جلس إلى التدريس غاظ ذلك أبو حنيفة، فدس إليه عجوزة وقال لها: سلى أبا يوسف على ملأ من الناس عن رجل استأجر قصارا ليقصر ثوبه فقصره وجحد، فهل يستحق الأجرة أم لا؟ فإن قال: يستحق قولي له: أخطأت وإن قال: لا يستحق قولي له: أخطأت، فذهبت وسألته عن هذه المسألة فقال: يستحق الأجرة فقالت: أخطأت فسكت ساعة، ثم قال: لا يستحق الأجرة، فقالت، أخطأت، فقام مسرعا يجر رداءه حتى دخل على أبي حنيفة فلما رآه أبو حنيفة قال: ما أتي بك إلا مسألة القصار: هلا قلت: إن جحد بعد القصارة يستحق الأجرة، لأنه قصره للمالك، وجحوده لا يسقط عنه الأجرة، وإن قصر بعد الجحود لا يستحق شيئًا؛ لأنه قصر لنفسه.
قوله: وأكره إمامة الفاسق، والمظهر للبدع، ولا يعيد من ائتم بهما.
قال القاضي حسين: والصلاة خلف الفاسق تنعقد وتكره.
روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: جاهدوا مع كل أمير وصلوا خلف كل بر وفاجر.
وصلى ابن عمر خلف الحجاج فقيل له: أتصلي خلفه، فقال: إذا دعونا إلى الرحمن أجبناهم، وإذا دعونا إلى الشيطان تركناهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1030

فأما أهل البدع ينظر فيه فإن كانت بدعة مستحسنة مثل أن قرأ طول النهار، وصلى آناء الليل والنهار، فإنه بدعة مستحسنة، فإن البدعة في اللغة هو الإحداث فإنه تجوز الصلاة خلفه وتستحب، فأما إذا صلى في الأوقات المنهية أو أذن في غير وقت الأذان، فإنه بدعة تكره الصلاة خلفه، وتجوز.
فأما أهل المذاهب المختلفة والمخالفون في الأصول ينظر فيه إن كنا نكفره باعتقاده لا تصح الصلاة خلفه، ومذهب أكثر الفقهاء ألا يكفر.
اختلف أهل القبلة إلا ما نص عليه الشافعي رحمه الله، وهم الذين ينفون علم الله تعالى بالمعدومات ويقولون: لم يعلم الله الأشياء حتى كانت، وهذا خلاف قوله تعالى (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه)، فيكفر بهذه المخالفة، وكذا من قال بخلق القرآن، أو لم يؤمن بالقدر أو اعتقد ان الله تعالى جالس على العرش، فإنه يحكم بكفره، ولا تصح الصلاة خلف هؤلاء.
قال: وكان القفال: رحمه الله يرى الصلاة خلف كل واحد المعتزلة والروافض للقبلة.
وكل من لا يكفر من أهل القبلة، والمظهر للبدع تقبل شهادته، وتكره الصلاة خلفه.
ومن سب النبي صلى الله عليه وسلم يكفر بذلك لقوله صلى الله عليه وسلم، من سب نبيا فد كفر، ومن سب صحابيا فقد فسق.
فأما من سب الشيخين، أو الحسينين ففيه وجهان: أحدهما: يكفر، لأن الأمة اجتمعت على إمامتهم.
والثاني: يفسق لأجل الخبر، ولا يكفر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1031

ولا خلاف بأن من لا يحكم من أهل الأهواء، فإنا لا نقطع بتخليدهم في النار، وهل يقطع بدخولهم في النار أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لما روى أن النبي صلى الله لعليه وسلم، قال لعبد الله بن المغفل: إياك والحدث في الدين، فإن الحدث في الدين ضلالة وكل ضلالة في النار.
والله أعلم.
قال المزني: فإن أم أمي بمن يقرأ، أعاد القاريء، وإن ائتم به مثله، أجزأه.
قال المزني: رحمه الله: قد أجاز صلاة من ائتم بجنب، والجنب ليس في صلاة، فكيف لا تجوز صلاة من ائتم بأمي والأمي في صلاة، وقد وضعت القراءة عن الأمي، ولم يوضع الطهر عن المصلي؟ وأصله أن كلا مصل عن نفسه، فكيف يجزئه خلف العاصي بترك الغسل، ولا يجزئه خلف المطيع الذي لم يقصر، وقد احتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاعدًا بقيام، وفقد القيام أشد من فقد القراءة، فتفهم.
قال المزني: رحمه الله القياس أن كل مصل خلف جنب، وامرأة، ومجنون، وكافر، يجزئه، صلاته، إذا لم يعلم بحالهم، لأن كل مصل لا تفسد عليه صلاته بفسادها على غيره، قياسًا على أصل قول الشافعي في صلاة الخوف للطائفة الثانية ركعتها مع الإمام، إذا نسي سجدة من الأولى، وقد بطلت هذه الركعة الثانية على الإمام، وأجزأتهم عنده.
قال: ولا يكون هذا أكثر ممن ترك ام القرآن، فقد أجاز لمن صلى ركعة، يقرأ فيها بأم القرآن، وإن لم يقرأ بها إمامه فيها، وهو في معنى ما وصفت.

الجزء: 2 - الصفحة: 1032

قال القاضي حسين: الأمي: اسم لمن هو على الهيئة التي ولدته الأم، إلا أنا نريد بالأمي من لا يحسن الفاتحة أو بعضها، وإن كان يحسن جميع القرآن، ويسمى من لا يحسن الكتابة أميًا، ولهذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم أميًا، وهذا منقبة، وليس يكون بمنقصة له حتى لا يقال: إنما أخرجه من تلقاء نفسه وكيلا يتهم فيه، وتصح صلاة الأمي، ولا إعادة عليه، ثم ينظر إن أمكنه التعلم فقد بينا حكه فيما مضى، وإن أم لغيره نظر، فإن كان أميًا في مثل حاله صح، وإن كان أميًا غير أنه مخالف له بأن يحسن من الفاتحة، ما لا يحسنه، فحكمه حكم ما لو أم للقاريء، ففي الجديد لم يصح.
وفي القديم: إن كانت صلاته جهرًا لم تصح وإن كانت صلاته سرًا تصح والشافعي، رحمه الله اعتبر في القديم أن الإمام يعني التحمل، فإن مذهبه في القديم أن الإمام يتحمل القراءة عن المأموم في صلاة الجهر، فلم يصح اقتداؤه به فيها، لأنه لا يلزمه التحمل، وليس من أهل التحمل، وصح اقتداؤه به في صلاة السر؛ لأنه لا يتحمل عنه القراءة فيها.
ومن أصحابنا من خرج في الجديد قولا من معناه في القديم أنه يصح الاقتداء به في صلاة الجهر والسر؛ لأن الشافعي رحمه الله اعتبر في القديم معنى التحمل.
وفي الجديد لا يتحمل عن المأموم في الجهر والسر ها هنا صلاة الجهر في القديم، وهذا إنما يخرج على طريقة من يقول: إذا نص الشافعي رحمه الله في الجديد على خلاف ما نص عليه في القديم لم يكن رجوعًا عما نص عليه في القديم، وفيه قولان: أحدهما: هذا.
والثاني: يكون رجوعًا كما لو صرح، وقال: رجعت عنه.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله: لا يجوز للقاريء أن يقتدي بالأمي، وفرع عليه

الجزء: 2 - الصفحة: 1033

فقالوا: لو اقتدى جماعة من الأميين بأمي فجاء قاريء، فاقتدى به معهم بطلت صلاة الكل، لأنه ألزمه تحمل القراءة عنه، وهو ليس من أهل القراءة والتحمل عنه، فصار كأنه ترك ركنًا في صلاته، فبطلت صلاته، وإذا بطلت صلاته بطلت صلاة من خلفه من المأمومين، ولهذا قال بعضهم: لو وجد الأمي قارئًا يقتدي به لا تجوز منفردًا، لأنه وجد من يحتمل عنه القراءة، ويسقطها عنه.
واختار المزني هذا المذهب، واحتج عليه بفصول: منها: أن الصلاة تصح خلف الجنب، والمحدث مع أن الصلاة للإمام غير محسوبة، فلأن تصح خلف الأمي وهي محسوبة له أولى، وأكده بأن الجنب واملحدث يعصيان لله تعالى بالشروع في الصلاة إذا علمها حقيقة الحال، وانعقدت الصلاة خلفهما، فالأمي الذي هو مثاب على عقد الصلاة، ووضع القراءة عنه، لأن تنعقد الصلاة خلفه أولى.
واحتج أيضا بأن القائم يصلي خلف القاعد، وكذا القاريء يصلي خلف الأمي، وأكده بأن فقد القيام أشد من فقد القراءة، بدليل المسبوق، فإنه يدع القراءة إذا أدرك الإمام في الركوع، ولا يسعه ترك القيام، واحتج أيضا بأن الشافعي، رحمه الله نص على أن الامام إذا أدرك سجدة من الركعة الأولى في صلاة الخوف، فاقتدت به الطائفة الثانية صحت لهم تلك الركعة، وهي غير محسوبة عن الامام لترك السجدة من الأولى، وصلاة الأمي محسوبة له، فلأن تصح الصلاة للقاريء خلفه أولى، واحتج أيضا على أن الإمام أن ترك ام القرآن مع القدرة عليه بأن كان حنفي المذهب صحت صلاة القاريء خلفه، وترك الأمي، القراءة ليس بأكثر من ترك القاريء ذلك.
قال القاضي رحمه الله: وكان القفال، يحتج بهذا النص على جواز الصلاة خلف الحنفي، وإن لم يقرأ بأم القرآن، وهو صريح فيه، وإذا منعنا الصلاة خلف الحنفي، فالنص محمول على أنه إذا نسي القراءة، فقرأها المأموم، وإنما صحت صلاته، لأنه معذور فيه، ولا تصح للإمام الركعة التي نسي فيها القراءة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1034

وأما الصلاة خلف الجنب والمحدث إنما صححناها، لأن الجنب والحدث ليس بنقص يحل ذات الامام، فلم يمنع صحة الصلاة خلفه وكونه أميا نقص في ذاته، فضاهي الكفر والأنوثة، وأيضا إن الحدث والجنابة مع الطهارة يتعقبان على الإنسان، فإنه يكون متطهرًا في حالة، فيصير محدثا فيها، ثم يصير متطهرًا وهو مما يخفى ولا يظهر، فلا يمكنه أن يطلع عليه غالبًا، فينسب إلى التفريط، وإن غفل عنه، بخلاف ما نحن فيه، فإن كونه أميًا أو قارئًا لا يتعاقبان، فإن الإنسان لا يكون في حالة قارئًا، ثم يصير أميًا فيها، ثم يعود قارئًا فيها، وهو مما يظهر ويطلع عليه في الغالب، فانتسب إلى التفريط، فأما القعود إنما يمنع اقتداء القائم به؛ لأن العجز عن القيام يعارض أمرًا ليس بنقص على البدن، يدل عليه أنه عليه السلام صلى قاعدًا بالناس، فلم يمنع اقتداء من هو أكمل حالا منه به، بخلاف ما نحن فيه، وأيضا حكم القائم أخف من حكم القراءة فإنه يجوز ترك القيام مع القدرة عليه في صلاة التطوع فقط لا يجوز ترك القراءة مع القدرة عليها، والمعنى فيه انه معذور بترك القيام عند العجز، بخلاف ترك القراءة فإنه غير معذور فيه.
والمسبوق كما يترك القراءة يترك القيام إذا وجد الإمام في الركوع وما أتى به من القيام ليس بقيام القراءة، بل هو قيام التكبير يدل على أنه معذور به دون القراءة، وأن ما صحح الشافعي رحمه الله صلاة الطائفة خلفه بأنهم معذورون فيه، ولم يحيطوا علمًا بنسيانه، فلم ينسبوا إلى التفريط بخلاف القاريء.
وأيضا السهو والغلط ليس بنقص بخلاف الذي نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضع بخلاف كونه أميا، وإنما صحح الصلاة خلف من ترك الفاتحة، لأنه متعين مجتهد فيه، فإذا اعتقد أقام غيرها مقامها، قيل بأنه معذور فيه حتي لو أمكن للمأموم أن يعلم أنه لا يقرأ شيئا لا يصح اقتداؤه به.

الجزء: 2 - الصفحة: 1035

فرع لو اقتدى رجل برجل لا يعلمه قارئًا أو أميًا، قال أصحابنا: إن كانت صلاته سرًا صحت صلاته، لأنه لا يجهر فيها بالقراءة، وظاهر حاله أنه يحسنها أتى بها، وإن كانت صلاة جهر لم تصح، لأن عجزه عن القراءة ظاهر، والأصل في الناس الأمي، فيقوى هذا الأصل بتركه الجهر، بخلاف ما إذا كانت الصلاة صلاة سر، فلو أسر في صلاة الجهر ثم قال: إنما لم أجهر فيها بالقراءة لعلم بأن الجهر ليس بواجب، وقال: قرأت فيستحب أن يعيد الصلاة، ولا يوجب عليه الإعادة، لأن الإمام كان أميًا، في الإمامة.
ولو قال له: كنت جنبا أو محدثًا لا يجب على المأموم الإعادة إذا لم يعلم بذلك حال ما كان في الصلاة، لأنه لو تحقق ذلك منه بعد الفراغ من الصلاة لا تلزمه الإعادة، وكذا لو أقر به، والمعنى ما بيناه من أنه يمكن الوقوف عليه بخلاف ما نحن فيه.
قال المزني: قال الشافعي: رحمه الله فإن ائتم بكافر، ثم علم أعاد ولم يكن هذا إسلاما منه، وعزر، لأن الكافر لا يكون إماما بحال، والمؤمن يكون إمامًا في الأحوال الظاهرة.
قال القاضي حسين: صلاة الكافر لا تنعقد، وتلزمه الإعادة إذا بان إمامه كافرا؛ لأن الكافر له علامة يمتاز بها عن المسلمين، والكفر لا يخفى، لأن الكافر يباهي المسلمين بدينه، ويناظرهم عليه، فإذا غفل عنه انتسب إلى التفريط بخلاف الجنابة على ما بينا، نظيره الكافر الذي يستسر كفره مثل القرامطة والزنادقة وغيرهم، فإذا صلى خلفه جاهلا بحاله، ثم بان له حقيقة الحال لا تلزمه الإعادة لما قلنا.
واختار المزني رحمه الله أنه إذا صلى واحدا فبان كافرًا أو خنثى أو امرأة لا تلزمه الإعادة إذا كان جاهلا بالحال وقاس على ما لو بان جنبا أو محدثا؛ لأن كل صلى لنفسه، والفرقان ما بيناه من الخفاء والظهور.

الجزء: 2 - الصفحة: 1036

وفرق الشافعي بين الكافر والمسلم المحدث بأن الكافر لا يكون إمامًا بحال، والمسمل قد يكون إماما في الأحوال الظاهرة، وفي بعض النسخ: في الأحوال الطاهرة.
وإنما أرد به أنه لا يؤم إلا متطهرًا في الغالب: ومن قرأ الظاهرة أن الظاهر حاله إذا أم أنه يكون بصفة الإمامة، ثم إذا أم الكافر لا يحكم بإسلامه عندنا إذا كان في دار الإسلام، وكذا لو صلى منفردًا، لأنه يتصور أنه أراد به الاستهزاء بالمسلمين.
ولو صلى في دار الحرب يحكم بإسلامه لعدم هذا المعنى، فأما في دار الإسلام فلا، إلا أن تسمع منه الشهادة في قراءة التشهد حينئذ يحكم بإسلامه لا بقراءته ما سواه من القرآن، ولو أذن وأتى بكلمة الشهادة يحكم بإسلامه، ولو قال: أشهد أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله لا يحكم بإسلامه.
وقال أبو حنيفة: رحمه الله، إذا صلى الكافر بالجماعة حكم بإسلامه، وإذا صلى بانفراده منفردًا في المسجد ففيه روايتان، ولو صلى في داره لا يحكم بإسلامه.
فأما المسلم إذا سجد للصنم أو عظمه في دار الحرب نظر فيه إن كان حواليه كفار يحملونه عليه، أو كان أسيرًا يشبه أن يكون مكروهًا على ما يتعاطاه من المحظورات الإسلام لم يحكم بكفره، وإن عدمت إمارة الإكراه أو كان ناج حكم بكفره، لأن المسلم لا يستجيز في عقيدته أن يشبه بالكفار بارتكاب محظورات الإسلام محاكاة لهم، واستهزاء بهم، فإقدامه عليه يؤذن بخبث سريرته، وكفر سابق كان يخفيه، بخلاف الكافر، فإنه قد يتشبه بالمسلمين فيما عليهم من العبادات محاكاة لهم، واستهزاء بهم، فاحتمل ذلك منهم غير الإسلام، فلم يجعل إسلامًا، وهذا نكتة المسألة الحقيقة، لأن كل ما تردد بين مسألتين لا يحمل على أحدها، وفعل الكافر هذا العبادات تردد بين ما قالوا وما قلناه من المحاكاة، قيل: الأظهر أنه فعله استهزاء، فلا يحكم بإسلامه، فالمسلم في دار الإسلام إذا تغسل بغسل الكافر، وتقلس مثلهم بقلنسوة المجسو، أو شيء من

الجزء: 2 - الصفحة: 1037

غير الكفار، فإنه يحكم بكفره، لأنه لولا اعتقاده الخبيث لما فعله ظاهرًا، والله أعلم بالصواب والمآب.
قال المزني: قال الشافعي رحمه الله ومن أحرم في مسجد أو غيره، ثم جاء الإمام فتقدم في جماعة فأحب إلي أن يكمل ركعتين ويسلم يكونان له نافلة ويبتديء الصلاة معه.
قال القاضي حسين: قصد بهذا بيان أن الصلاة لا تختص بالمساجد، وأن فعلها جائز في غير المساجد خلاف ما ذهب إليه اليهود، فإنهم لا يجوزون الصلاة في غير المساجد.
والأظهر أنه قصد بيا أن قوله عليه السلام: لا صلاة لجاز المسجد إلا في المسجد، في نفي الفضيلة والكمال، دون نفي الجواز، لأنه لا يقصد به الرد على اليهود في فرع من فروع الدين.
وإذا افتتح الصلاة منفردًا، ثم حضرت الجماعة يستحب له أن يكمل ركعتين، ويسلم تكونان نافلة، ويستبديء مع الجماعة ليحوز فضيلة الجماعة، ثم فيه ثلاث مسائل: إحداها: أن يسلم من ركعتين من غير أن يغير نيته الأولى، فتبطل صلاته، لأنه سلم في خلال معقود صلاته.
والثانية: أن يترك نية الفريضة، فلا يغير نية الأصل فيه، فتصح صلاته نافلة وترتفض الفريضة.
والثالثة: ان يغير نية الفرض إلى النافلة، فظاهر النص، أنها تقلب نافلة، ولا تبطل، وقد ذكرنا في نظائرها قولين، فيخرج من هذه المسألة قول آخر: انها تبطل، والأصح هو الأول، هذا قوله الجديد.

الجزء: 2 - الصفحة: 1038

قال المزني: وكرهت له أن يفتتحها صلاة انفراد، ثم يجعلها صلاة جماعة، وهذا يخالف صلاة الذين افتتح بهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذكر فانصرف فاغتسل ثم رجع فأمهم لأنهم افتتحوا الصلاة جماعة، وقال في القديم، قال قائل يدخل مع الامام، ويعتد بما مضى.
قال المزني: قلت أنا: هذا عندي على أصله أقيس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في صلاة، فلم يضرهم، وصح إحرامهم، ولا إمام لهم، ثم ابتدأ بهم، وقد سبقوه بالإحرام، وكذلك سبقه أبو بكر ببعض الصلاة ثم جاء فأحرم، وائتم به أبو بكر، رضي الله عنه وهكذا يقول الشافعي بهذين الحديثين.
وهو القياس عندي على فعله صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي حسين: قد ذكرنا في هذه المسالة قوله الجديد أنه يسلم عن ركعتين، ولا يجوز أن يصلي صلاة انفراد بصلاة الجماعة.
وقال في القديم: يصل صلاته بصلاة الإمام، لأنه نص، وقال: لو قال قائل: يدخل مع الامام ويعتد بما مضى، فاختلف أصحابنا في هذه المسألة على طرق، فمنهم من جعل فيها قولين: أحدهما: يجوز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم افتتح الصلاة بالناس، فذكر الجنابة فخرج من الصلاة، وكانت صلاة القوم انعقدت صلاة الانفراد، ثم وصلوها بصلاته عليه السلام ولما روى أنه عليه السلام دخل المسجد، وأبو بكر افتتح الصلاة بالناس في مرضه الذي توفي فيه، وحين خرج إلى بني عمر وبني عوف ليصلح بين قبيلتين، فتأخر أبو بكر، وتقدم هو عليه السلام، وافتتح الصلاة، ووصل أبو بكر صلاته بصلاته، وهذا اختيار المزني، وقوله القديم لا يجوز، لأنه يؤدي إلى تضاد الأحكام، لأنه يكون ربما وقع له سهو في حالة الانفراد، والإمامة دونه، وغير ذلك من الأحكام، ومن قال به أجاب عن

الجزء: 2 - الصفحة: 1039

الحديث بأن الناس كانوا قد افتتحوا صلاة الجماعة، ثم وصلوها بصلاة الجماعة، وكلامنا في صلاة الانفراد إذا وصلها بصلاة الجماعة في أصل القولين، فمنهم من قال: يبنيان على الصلاة خلف إمامين.
وفيها قولان: ولا نعني بالصلاة خلف إمامين أن يتقدم إمامان، فيفتتح الصلاة خلفهما، وإنما نعني به أن تقع للإمام علة، فيخرج من الصلاة، ويستخلف من يصلي بالقوم، إلا أن هذا البناء غير صحيح، لأن جواز الاستخلاف قول جديد، وجواز وصل صلاة الانفراد بصلاة الجماعة قول قديم، ولا يجوز بناء القديم على الجديد.
ومنهم من قال: القولان يبنيان على أنه أخرج نفسه عن صلاة الإمام، وفيها قولان، وجه البناء أن هناك يصلي بعض صلاته مع الإمام دون البعض، وها هنا بمثابة، وهذا أيضا لا يصح، لأن الخروج من صلاة الإمام تحصيل من غير فعله، وقصده بخلاف شرعًا، وهو المسبوق ببعض الصلاة يسلم إمامه فيخرج من صلاته فجاز أن يحصل بفعله وقصده، بخلاف الوصل بصلاة الإمام، فإنه لا يحصل بالشرع من غير فعله وقصده، فكذا بقصده.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز وصل الانفراد بصلاة الجماعة قولا واحدًا.
وقوله رحمه الله محمول على كراهية التحريم.
وقوله في القديم: ويعتد بما مضى حكاية مذهب الغير، وهذا إنما يخرج على قولنا الذي يقول تنصيصه في الجديد على خلاف ما نص عليه في القديم، لا يكون رجوعًا عما نص عليه في القديم، فإن الشافعي نص في الجديد على جواز الاستخلاف، وفي القديم على منعه، فمعنى مذهبه في القديم في منع الاستخلاف مع تنصيصه على المنع من وصل صلاة الانفراد بصلاة الجماعة، في الجديد أوجب منع الوصل قولاً واحدًا.
ومنهم من قال: وصل صلاة الانفراد بصلاة الجماعة جائز قولا واحدًا، والمراد بالكراهية كراهية التنزيه، وما قاله في القديم ذكر مذهب نفسه، وهذا إنما يخرج على القول الذي يقول: إن تنصيصه في الجديد على خلاف ما عليه في

الجزء: 2 - الصفحة: 1040

القديم، وقد نص في الجديد على جواز الاستخلاف، فجعل ذلك رجوعًا عما نص عليه في القديم من منع الاستخلاف.
ومن أصحابنا من جعل في المسألة قولين من غير البناء، والقائلون بطريق القولين اختلفوا في محلها.
فمنهم من قال: محل القولين فيما إذا كان هو والإمام في الركعة الأولى من الصلاة، فأراد وصل صلاته بصلاته، فأما إذا كان المأموم في الركعة الثانية، والإمام في الأولى لا يجوز قولا واحدًا، لأنه يختلف نظم صلاتهما، لأن محل الجلوس للتشهد في صلاة كل واحد منهما، بخلاف محل الجلوس للتشهد في صلاة صاحبه.
ومنهم من قال القولان فيما إذا كان الإمام في الركعة الأولى، وهو في الركعة الثانية، فأما إذا كان معًا في ركعة واحدة، إما في الأولى، أو في الثانية جاز الوصل قولا واحدًا.
ومنهم من جعل في الكل قولين، فإذا جوزنا وصل صلاة الانفراد بصلاة الجماعة، فعليه أن يراعي نظم صلاة الإمام، يجلس في محل جلوسه حتى لو كان الإمام في الركعة الثانية، وهو في الأولى، فإذا جلس الإمام في التشهد الأول ساعده فيه، وإذا كان الإمام في الركعة الرابعة، وجلس يتشهد، وهو في الثالثة يتابعه في الجلوس، ثم يقوم لقضاء ما عليه إذا سلم الإمام كالمسبوق سواء.
ولو كان في الركعة الرابعة، والإمام في الثانية، فإذا قام الإمام إلى رابعته هو بالخيار بين أن يخرج نفسه من صلاته ويتشهد ويسلم، وبين أن يصبر حتى يفرغ الإمام من الرابعة، ويسلم معه.
وإن كان قد سها في حالة الانفراد يلزمه سجود السهو في آخر صلاته إذا سلم الإمام، وإن كان قد سها إمامه في حالة انفراده عنه، فحكمه حكم المسبوق يتابع الإمام في سجود السهو.

الجزء: 2 - الصفحة: 1041

ولو كان عليه سجود السهو يسقط عنه بذلك، وإن سها إمامُه بعد أن دخل في الصلاة معه، فيلزمه سجود السهو، لأن سهو الإمام أوقع خللا في صلاته.
قال القاضي رضي الله عنه وقول الشافعي رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم افتتح بهم الصلاة جماعة في خبر أنه عليه السلام تذكر الجنابة إنما أورده دليلا على قوله القديم، بأنه يجوز للمنفرد أن يصلي صلاته بالجماعة.
ومن قال بالجديد يقول: لا حجة في هذا الخبر، لأن الراوي قال: افتتح بنا الصلاة، وإذا انعقدت صلاتهم جماعة، فلا يكون هذا وصل صلاة المنفرد بالإمام، إلا أنه يجاب عنه بأنه وإن افتتح بهم الصلاة طاهرًا، ففي الباطن كأن صلاتهم قد انعقدت منفردين؛ لأن الإمام بان جنبًا، ثم عاد متطهرًا، وصلوا صلاتهم بصلاته.
قال رضي الله عنه: لو أن رجلا افتتح الصلاة بقوم، واقتدى القوم به، ثم تذكر الإمام أنه نسي النية، وكبر من غير نية كنت أقول قبل هذا: إنه ينوي، ثم يكبر سرًا، والقوم غير عالمين يتابعونه قياسًا على ترك الطهارة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن متطهرًا، ثم تطهر، والقوم ما أحدثوا نية الاقتداء به، وترك النية كترك الطهارة في منع انعقاد صلاة الإمام، ثم هم وصلوا صلاتهم بصلاته، فكذلك هذا مثاله، وحكم صلاة القوم ها هنا حكم صلاة الذين كانوا خلف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم والآن رجعتُ عن هذا، وأقول قولا واحدًا على قوله القديم: لا يجوز له أن يفعل هذا، ولو فعل يعصي، بل عليه أن يخبر القوم، وليس كصلاته، صلى الله عليه وسلم، بالقوم، لأنه عليه السلام أخبر القوم، والقوم لما علموا وصلوا صلاتهم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وها هنا القوم غير عالمين بفعل الإمام، فلم يحدثوا نية الاقتداء به، فعلى هذا لا يخلو إما أن يكون إما أن يكون أخبرهم، أو لم يخبرهم، فإن لم يخبرهم عصى الله تعالى، وصح صلاة القوم منفردين، وإن أخبرهم ونووا، وافتتح الصلاة، فليس للقوم أن يبطلوا صلاتهم؛ لأنها منعقدة، ولا أن يقتصروا على ركعتين، ثم ينظر إن لم يحدثوا

الجزء: 2 - الصفحة: 1042

نية الاقتداء وتابعوه حكمهم حكم رجل لم ينو الاقتداء، ووقعت أفعالهم على أفعال صلاة الإمام.
وإن أحدثوا نية الاقتداء على قوله الجديد لا يجوز.
وفي قوله الجديد يجوز، ولو كانت الصلاة جمعة وجب عليه أن يخبرهم بذلك، حتى يحدثوا النية، لأن نية الاقتداء بالامام فيها واجبة، وإذا جوزنا للمنفرد أن يصل صلاته بصلاة الجماعة وجب عليه نية الاقتداء، بخلاف ما إذا استخلف الامام رجلا في خلال صلاته، حيث لا يجب على القوم أن يحدثوا نية الاقتداء به؛ لأن هناك قد اقتدوا بالإمام، والمستخلف يبني صلاته على صلاة الإمام، بخلاف ما نحن فيه، والله أعلم بالصواب.

الجزء: 2 - الصفحة: 1043

باب موقف المأموم مع الإمام

. قال المزني: قال الشافعي رحمه الله: وإذا أم رجل رجلا، قام المأموم عن يمينه، وإن كان خنثى مشكلا، أو امرأة، قام كل واحد منهما خلفه وحده.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أم أنسا، وعجوزا منفردة خلف أنس بن مالك، وركع أبو بكر وحده، وخاف أن تفوته الركعة، فذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يأمره بالإعادة.
قال القاضي حسين: قد ذكرنا أن فضيلة الجماعة تحصل باثنين.
قال عليه السلام: الاثنان فما فوقها جماعة.
وكلما كثرت الجماعة فهو أفضل عند الله تعالى، فإن كانا اثنين،

الجزء: 2 - الصفحة: 1044

فالمستحب أن يقف المأموم على يمين الإمام، فلو وقف خلفه أو على يساره، فقد ترك السنة وتجزئه والسنة للإمام أن يقف متقدمًا على القوم، بخلاف إمامه النساء، ولو وقف وسطهم يكره، ويجوز حتى لو جاء مسبوق، ولا يعرف من الإمام فاقتدى بمن هو الإمام لا يجوز، بخلاف ما لو كان الإمام متباعدًا عنه، وهو لا يرى لكثرة القوم يجوز له أن يقتدي بمن هو الإمام، والفرق أن في المسألة الأولى ما من أحدٍ إلا ويتصور عنده أن يكون إمامه، بخلاف هذه، والأصل في الوقوف على يمين الإمام ما روى ابن عباس رضي الله عنه، أنه قال: بعثني أمي إلى دار خالتي ميمونة لحاجة عشاء، وكانت تلك الليلة نوبتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصدتها، وكان قد دخل الليل، فأردت الانصراف فخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الليل لحداثة سني فقال: أقم عندنا هذه الليلة، فأقمت فلما أذن المؤذن لصلاة العشاء خرج النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء، فخرجت معه وصليت، فلما فرغ من الصلاة رجع إلى البيت وجلس ساعة، وسامر أهله، ثم نام هو وأهله في طول الوسادة، وإنما نمت على عرضها، فلما انتبه صلى الله عليه وسلم من نومه استوي جالسا ومسح النوم من عينيه بيده، وقرأ خواتيم سورة آل عمران، إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، إلى آخرها، ثم قام إلى شن معلق في البيت فيه ماء، فتوضأ به، وافتتح الصلاة، وقمت وتوضأت، وافتتحت الصلاة معه، ووقفت على يساره فمد يمينه من ورائه، وأخذ بأذني وفتلها وجرني من ورائه، وأقامني على يمينه، وصلى ركعتين، ثم صلى ركعتين هكذا خمس مرات، ثم أوتر بواحدة، وسلم ونام حتى غط وفي رواية حتى نفخ، وفي رواية: حتى سمعنا غطيطة، فلما أن حان وقت الصلاة جاء المؤذن ونادى، الصلاة الصلاة، فقام وصلى ركعتين، فقلنا له: نمت يا رسول الله فقال: تنام عيناي ولا ينام قلبي، فخرج إلى الصلاة.
وفي هذا الحديث فوائد منها: أن الوتر ركعة واحدة، وأن المستحب أن يقف المأموم الواحد على يمين

الجزء: 2 - الصفحة: 1045

الإمام، وأنه لو وقف خلفه، أو يساره لم يضر صلاته، لأن ابن عباس رحمه الله كان على يساره في أول الصلاة، وكان خلفه وقت الأذان، وأن المأموم لا يجوز أن يتقدم على الإمام، لأنه عليه السلام جره من ورائه دون قدامه، ولو جاز التقدم على الإمام لكان يجذبه من قدامه، إذ هو أسهل عليه، وأن الاضطجاع مع امرأته على فراش واحد سنة، وإذا تنبه أن يمسح عينيه باليد، ويقرأ خواتيم سورة آل عمران، وأن السنة أن يصلي الإنسان ركعتين ركعتين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم تنام عيناه، ولا ينام قلبه، فلو كان المأموم رجلا وامرأة، فالرجل يقف على يمين الإمام، والمرأة خلف الرجل، ولو كان المأموم رجلا وامرأتين، فالرجل يقف على يمينه، والمرأتان خلف الرجل، وإن كان رجلا وخنثى وامرأة، فالرجل يقف على يمين الامام والخنثى خلف الرجل، والمرأة خلف الخنثى، ولو كان رجل وصبي، فيقفان خلفه، ولو كان جماعة من الرجال، وجماعة من الصبيان، وجماعة من الخناثى وجماعة من النسوان، فالرجال يقفون خلف الامام، ثم الصبيان خلفهم، ثم الخناثى، ثم النسوان خلف الخناثى.
وروى عن أنس أنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت أم حرام بنت ملحان فقدم إليه سمن وتمر، فقال عليه السلام: ردوا التمر في وعائكم، والسمن في سقائكم فإني صائم، ثم صلى فوقف على يمينه وأم حرام وأم سليم خلفنا.
وحكى عن ابن مسعود أنه قال: إذا كان المأموم رجلين يقف أحدهما على يمين الإمام، والآخر على يساره.
وبما روى عن عقلمة انه قال: دخلت انا مع صاحب لي على عبد الله بن

الجزء: 2 - الصفحة: 1046

مسعود، فصلى بنا، فقام أحدنا على يمينه، والآخر على يساره، ثم قال: هكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا كان المأموم رجلا واحدا وقف خلف الامام لم يضر صلاته.
وحكى عن أحمد بن حنبل أنه قال: إذا وقف خلف الصف منفردًا بطلت صلاته فاحتج بما روى أن رجلا وقف خلف الصف، فقال له عليه السلام: أيها الواقف خلف الصف هلا اتصلت بالصف، أو جررت رجلا من الصف ليصلي معك أعد الصلاة.
دليلنا: ما روينا في حديث ابن عباس أنه قال: جرني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يمينه، فكان وقت الإدارة خلف النبي صلى الله عليه وسلم ولما روى أن أبا بكر رضي الله عنه دخل المسجد وكان النبي صلى الله عليه وسلم في الركوع، فخاف أن تفوته الركعة، فافتتح الصلاة منفردًا عن الصف، ثم اتصل بالصف، فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال له: زادك الله حرصًا ولا تعد.
وفي رواية: ولا تعد، ولأنه نوع خطأ في الموقف لا يخرجه عن حد المتابعة فلا يمنع صحة الصلاة، كالمأموم الواحد إذا وقف على يسار الإمام،

الجزء: 2 - الصفحة: 1047

وفيه احتراز عن الخطأ بالتقدم، لأنه خطأ يخرجه عن حد المتابعة، وقوله عليه الصلاة والسلام: لا صلاة لمنفرد خلف الصف، حكاية حال يحتمل أنه قال بعض المنافقين، انفرد عن الصف، أو قاله لمنفرد خلق الصف لم يكمل الركوع والسجود.
والخبر الثاني محمول على الاستحباب بدليل ما روينا.
وإذا تقدم المأموم على الإمام، ففي صحة صلاته قولان: أظهرهما: وهو قوله الجديد، وبه قال أبو حنيفة أنها باطلة، كما لو خالفه في الأفعال.
والقول الثاني: وهو قوله في القديم، ومذهب مالك صحت صلاته.
واحتج مالك بأن الإمام بـ (مكة) يقف خلف المقام، والناس مستديرين بالكعبة، وفيهم من يكون أقرب إلى الكعبة من الإمام، وكذلك يصلون في البيت، والإمام متوجه إلى جهة، والمأموم إلى جهة أخرى أقرب إلى الجدار من الامام، فدل على أن التقدم على الامام لا يبطل الصلاة، والفرق ظاهر أن هناك لم يتقدم على الإمام في الجهة التي تقدم الإمام إليها، ثم العبرة في التقدم والتأخر بالعقب دون الأصابع، حتى لو قام المأموم بجنب الامام، وكان عقبه محاذيًا لعقبه، ولا يتقدم عليه جاز، ولو كان رءوس أصابع المأموم أطول واقرب إلى القبلة لا يضر حين استويا في العقب، وبمثله لو كان المأموم قصير الأصابع تقدم على الإمام بالعقب، وتأخر عنه بالأصابع جعل متقدمًا عليه، وإذا تقدم المأموم على الإمام بجزء قليل من العقب، فعلى وجهين: أحدهما: يجعل متقدما بتقدمه عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1048

والثاني: لا؛ لأن هذه مخالفة لا تظهر، كما أن ما لا يظهر من المخالفة في الأفعال لا يضر، كذا ها هنا مثله.
فأما المأموم الواحد إذا اقتدى بالإمام فجاء مسبوق، فالسنة أن يتأخر عن يمين الإمام، ويقفا خلفه.
قال القفال: الإمام يتقدم قليلا دون المأموم، لأن الإمام يرى قدامه، فإذا تقدم لا يضره شيء، بخلف المأموم، فإنه لا يرى ما خلف ظهره، فإذا تأخر بما يضره شيء، فأما إذا صلى خلف الإمام صفا واحدًا، فدخل جماعة وجدوا ما بين الإمام والمأمومين أكثر مما بين الصفين من البعد، فيجوز لهم أن يتقدموا صفا بين الإمام والمأمومين؛ لأنهم قد ضيعوا حقوقهم بوقوفهم على البعد من الإمام.
فأما إذا لم يكن بينهم، وبين الإمام إلا قدر ما بين الصفين، فيكره لهم الوقوف هناك، بل يقفون خلف الصف الأول، ولو دخل رجل والقوم في الصلاة، فإن لم يجد فرجة في الصف، فالمستحب له أن يجذب واحدًا من الصف ليقف بجنبه، ولو صلى منفردًا خلف الصف يجوز، وقد ذكرنا خلافا لأحمد.
قال القاضي حسين: أراد به ردًا على أبي حنيفة حيث قال: تبطل صلاة من خلفها ومن كان بجنبها.
وقريء: وإن صلى وبين يديه امرأة أراد به ردًا على أحمد بن حنبل، حيث قال: إذا مر بين يدي المصلى كلب أسود، أو حائض أو أتان بطلت صلاته، واحتج بما روى أنه عليه الصلاة والسلام قال: لا يقطع صلاة المرء إلا ثلاث الكلب الأسود، والأتان والحائض.

الجزء: 2 - الصفحة: 1049

وعندنا: هذا منسوخ بخبر عائشة، رضي الله عنها وروى أنها لما بلغها هذا الحديث قالت: بئس ما عدلتمونا بالكلاب، كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة، فكان إذا سجد غمز رجلي فقبضتها، وإذا قام مددتها.
وقد ذكرنا أن المستحب ان يتخذ المصلي سترة بين يديه بقدر مؤخرة الرحل شبرين أو ثلاثة، وإذا اتخذ سترة لا يأخذ من المكان إلا قدر ما يتسع لسجوده، ولو ترك اتخاذ السترة لم يكره للمار أن يمر بين يديه، لأنه الذي ضيع حقه بترك السترة.
وهذا كما قال الشافعي رحمه الله: لو تركوا فرجة في الصف الأول، ولم يسدوها، كان لمن دخل أن يخرق الصفوف، ويسد تلك الفرجة، لأنهم ضيعوا حقوقهم بترك الفرجة في الصف الأول، وإن كان المصلى في الصحراء يغرز خشبة بين يديه إن قدر عليها، وإلا يخط خطا، والله أعلم بالصواب.

الجزء: 2 - الصفحة: 1050

فصل: في وجوب متابعة الإمام وما يبطل الصلاة من مخالفة الإمام بالتقدم والتأخر

روى أنه قال عليه الصلاة والسلام: إنما جعل الإمام ليؤتم به، لا تختلفوا عليه.
ثم المأموم لا يخلو إما أن يكون مسبوقًأ، أو موافقًا، فإن كان موافقًا، فخالف إمامه، فلا يخلو إما ان خالفه بالتقدم، أو التأخر.
فإن خالفه بالتأخر، فلا يخلو إما أن يكون معذورًا، أو غير معذور.
فإن كان غير معذور وتأخر عن الإمام، ما حكمه؟ نص على أنه إذا سبق الإمام بركين بطلت صلاته، وهل يعد الاعتدال من الركوع في هذا المعنى ركنا، أو لا يعد ركنا حتى يهوي إلى السجود؟ فعلى وجهين، فخرج من هذا أن المأموم إذا مكث في القيام حتى ركع الإمام ورفع رأسه من الركوع، وسجد بطلت صلاته، فقبل أن يسجد بعد الاعتدال من الركوع هل تبطل صلاته أم لا؟ فعلى وجهين: أحدهما: بلى؛ لأن الاعتدال من الركوع ركن كما أن الركوع ركن.
والثاني: لا؛ لأنه ليس بركن مقصود، وإنما هو للفصل بين الركوع والسجود، فعلى هذا تبطل صلاة المأموم، المتخلف بحصول الامام في السجود، وقبل ان يرفع رأسه منه أم لا تبطل قبل أن يرفع رأسه من السجود؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1051

قال رضي الله عنه: يحتمل وجهين: أحدهما: تبطل قبل أن يرفع راسه من السجود، ولأنه انتقل إلى ركن السجود بوضع الجبهة على الأرض.
والثاني: لا؛ لأن الركن إنما يتم بالانتقال إلى الركن الآخر، كما قلنا على أحد الوجهين في الاعتدال من الركوع لا يتم قبل الهوي إلى السجود، فعلى هذا ما لم يرفع رأسه من السجود لا تبطل صلاة المأموم القائم خلفه، وإن كان معذورا فلا خلاف أنه يعدو خلف إمامه، ويجرى على نظم صلاة نفسه ما دام سبقه بثلاثة أركان، فإن سبقه بأربعة أركان وأكثر، ففيه وجهان: أحدهما: يجري على نظم صلاة نفسه أيضا، ويعدو خلفه، ثم إذا سلم الإمام يكمل ما عليه.
والثاني: هو بالخيار بين أن يخرج نفسه من صلاة الإمام، ويكمل الصلاة لنفسه منفردًا، وبين أن يعدو خلف إمامه على نظم صلاة نفسه، ففي الأركان الثلاثة وجهان: أحدهما: إذا ركع الإمام وسجد، فلو بقي قاذمًا حتى رفع رأسه من السجود الأول، فقد وجدت المخالفة في ثلاثة أركان، وإن ركع قبل أن يرفع الامام رأسه من السجود الأول، فلم يسبقع بثلاثة أركان.
والوجه الثاني: لم يرفع رأسه من السجدة الثانية، وهو في القيام، فقد سبقه بثلاثة اركان، ولو كان في الركوع لم يسبقه بثلاثة أركان، ولو خالفه بالتقدم، فلا يخلو إما أن يخالفه بالتقدم في المكان او في الأفعال.
فإن خالفه بالتقدم في المكان، فقد ذكرنا فيه قولين: وإن خالفه بالتقدم في الأفعال، فلا خلاف أنه إذا تقدم عليه بركن تام متعمدًا تبطل صلاته، وذلك بأن يركع قبل الإمام، ويرفع رأسه من الركوع، والإمام قائم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1052

فأما إذا ركع قبل الإمام، وبقي في الركوع حتى هوى الإمام إلى الركوع لا تبطل صلاته، فقد أساء حتى لو كان يتقدم على الإمام في كل ركن لا يضر صلاته إذا صبر، حتى جامعه الإمام في ذلك الركن حتى لو ركع قبل الامام، وبقي فيه حتى ركع الامام، ورفع رأسه من الركوع قبل الامام، وبقي معتدلا حتى اعتدل الامام، ثم قبله صحت صلاته، وقد أساء.
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الامام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو قال: رأس خنزير.
فإن قيل: الامام لو سبق بركن واحد لا تبطل صلاته، والمأموم لو سبقه بركن واحد، قلتم تبطل صلاته ما الفرق؟ قلنا: لأن الامام مبتوع وأبدا المتبوع يتقدم على التابع، ولهذا تقدمه في الموقف، وأيضا الإمام سبقه بركن واحد، بخلاف المأموم، فإنه تابع، ومن شان التابع أن يجري على أثر المتبوع، كما في الموقف لو وقف بين يديه لا صلاة له، فالمستحب للمأموم أن يتابعه في جميع أركان الصلاة، فإنه يأتي بها بعد الإمام، فلو أتى بها قبله، فقد ذكرنا حكمه.
وإن أتى به مع الإمام يجزيء.
وأما لو كبر قبله، أو معه لا يجوز وجهًا واحدًا، ولو قدر إمامه راكعًا بشيء أحس به يشبه انتقال الإمام إلى الركوع، فركع على هذا التقدير لم يكره، وعليه أن يعود إلى القيام، ثم يركع مع الإمام.
ولو قدر إمامه رافعًا رأسه من الركوع، فرفع رأسه، وإذا الإمام يعد في الركوع عليه أن يعود، وإن لم يعد لم تبطل صلاته في ظاهر المذهب.

الجزء: 2 - الصفحة: 1053

وفيه وجه آخر: أنه لو لم يعد تبطل صلاته في مسألة قالها الشافعي رحمه الله عليه لو رفع رأسه من السجود يتنفل، فعليه أن يعود، لم يعد بطلت صلاته كذا ها هنا.
ومن قال بالزوال يجيب عن هذه المسألة بأنه لم يرفع رأسه لأجل قطع السجدة، وإنما رفع لحاجته، وها هنا رفع بنية قطع السجود والركوع.
ولو عاد والإمام في الارتفاع، فالمذهب أنه يتابع الإمام، ولا يكمل العود إلى الركوع.
وقيل: إن فيه وجهًا آخر: يعود إلى الركوع، ولا يمكث فيه حتى لو مكث فيه تبطل صلاته، فأما إذا رفع رأسه من الركوع والسجود متعمدًا عالمًا بأن الإمام ثابت فيه لم يجز له ان يعود إليه، فإن عاد بطلت صلاته، لأنه زاد ركوعًا أو سجودًا متعمدًا في الصلاة.
ولو ترك قراءة الفاتحة متعمدًا حتى ركع الإمام المذهب أنه يخرج نفسه عن متابعته.
ولو نسي القراءة حتى ركع الإمام، وهو في القيام فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يتابعه في الركوع، ولا تحسب له تلك الركعة.
والثاني: حكمه حكم المعذور.
والثالث: حكمه حكم المعذور، ولو ركع مع الإمام، ثم تذكر أنه نسي القراءة فيه وجهان: أحدهما: يتابع الإمام، ولا يعود إلى القيام لأجل القراءة، فإن عاد كان المتخلف عن الامام بغير عذر حتى تبطل صلاته إذا سبقه الامام بركنين على التفصيل الذي ذكرناه.
والوجه الثاني: يعود إلى القيام، ويقرأ الفاتحة، ويجعل كالمتخلف عن الامام بالعذر إذ النسيان عذر ظاهر لقلة إمكان الاحتراز عنه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1054

ولو كان الإمام مسرعًا في القراءة بعد أن يأتي بالحروف، والمأموم كان يبطيء في القراءة، وتخلف عنه بهذا العذر يعذر فيه، ويجعل كالمتخلف بالعذر.
وإن كان المأموم موسوسًا، يردد الحروف والكلمات، ففرغ الإمام عن القراءة وهو بعد فيها.
قال رضي الله عنه: لا نجعل هذا عذرًا، وحكمه حكم المتخلف بغير عذر.
ولو ركع الامام وهو في خلال السورة، فعليه أن يقطعها، فإن لم يقطع السورة حكمه حكم المتخلف بغير عذر.
وهكذا إذا رفع الإمام رأسه من الركوع وهو في تسبيحات الركوع، فعليه أن يقطعها، فإن لم يقطعها حكمه حكم المتخلف بغير عذر.
فاما المسبوق ببعض الصلاة إن وجد الامام في الركوع، فعليه أن يكبر تكبيرة الافتتاح، ويهوى إلى الركوع، فلو اشتغل بالقراءة حكمه المتخلف عن الإمام بغير عذر.
وقيل: إنه إن قرأ، وأدرك الامام بعد فراغه من الركوع لا تصح صلاته، وإن أدركه في الركوع، فعلى وجهين.
فأما إذا وجد الإمام في القيام، غير أنه كما فرغ من تكبيرة الافتتاح هوي الإمام إلى الركوع عليه أن يتابعه، فإن تخلف واشتغل بالقراءة، فحكمه حكم المتخلف بغير عذر، ولو وجد الإمام في خلال القيام اختلف أصحابنا على طريقين: منهم من قال- وهو اختيار الشيخ أبي زيد: يكبر للافتتاح، ولا يشتغل بدعاء الاستفتاح، بل يقرأ الفاتحة، لأنها فرض.
ودعاء الاستفتاح سنة، والاشتغال بالفرض أولى، ثم إن أكمل الفاتحة قبل أن يهوي الإمام إلى الركوع، فذاك، وإن هوي إلى الركوع، وهو في خلال الفاتحة، فعليه أن يقطع الفاتحة، ويتابع الإمام.

الجزء: 2 - الصفحة: 1055

فإن تخلف عن الإمام لإكمال الفاتحة، حكمه حكم المتخلف بغير عذر، فعلى هذا لو اشتغل بدعاء الاستفتاح، فركع الإمام، وهو بعد لم يقرأ الفاتحة عليه أن يقرأ من الفاتحة، بقدر ما قرأ من دعاء الاستفتاح، لأنه أدرك محلها، فافترضت عليه قراءتها، كجميع القراءة في حق الموافق، وحكمه حكم المتخلف عن الامام بغير بعذر لأنه انتسب إلى التفريط إذا اشتغل بدعاء الاستفتاح.
قال رضي الله عنه: هذا عندي إذا كان هو عالمًا بالحكم، وأن الفرض عليه الاشتغال بالفاتحة دون دعاء الاستفتاح، فإن كان جاهلا يجب أن يعذر فيه، ويجعل كالمتخلف بعذر.
ومن أصحابنا من قال: عليه أن يشتغل بقراءة الفاتحة، كما قلنا: إنه لا يقطعها حتى يكملها، وإن هوى الإمام إلى الركوع، وهو في خلالها متخلف لإكمالها يجعل المتخلف عنه بالعذر.
وعلى هذه الطريقة: لو قرأ دعاء الاستفتاح عليه أن يقرأ جميع الفاتحة، وحكمه حكم المتخلف بغير عذر.
ومن أصحابنا من قال: المسبوق ببعض الصلاة إذا أدرك الامام في القيام يأتي بدعاء الاستفتاح، لأنه في جملة المعقود صلاته، كالفاتحة، وعند هذا القائل إذا هوى الامام إلى الركوع يتابعه فيه، سواء كان قبل افتتاح الفاتحة، أو في خلالها.
فرع قد ذكرنا أن المسبوق ببعض الصلاة، المستحب له أن يقوم لقضاء ما فاته بعد أن يسلم الإمام تسليمتين، فلو أتي الإمام بتسليمة واحدة لا يجوز للمسبوق أن يقرأ شيئا من التشهد، إن لم يكن ذلك محل تشهده، وإن كان محل تشهده بأن كان مسبوقًا بركعتين، فلا بأس أن يقرأ التشهد بعد تسليمته الأولى.

الجزء: 2 - الصفحة: 1056

فرع إذا سلم الإمام فقال بعض المأمومين: سلمت عن ركعة واحدة أو عن ثلاث، وكانت الصلاة ذات أربع ركعات، بطلت صلاة المأموم بهذا الكلام، وينظر في الإمام إن دخلته شبهته بما سمعه من المأموم، فعليه أن يقوم ويتمم الصلاة، ويسجد للسهو، وإن مكث بعد أن داخلته شبهة، أو تكلم بكلام بطلت صلاته وإن لم تقع له شبهة فصلاته تامة، وإن دخلته شبهة بعد أن كان الفصل قريبًا بنى، وإن طال فعلى قولين.

الجزء: 2 - الصفحة: 1057

فصل قال المزني: قال: وإن صلى رجل في طرف المسجد، والإمام في طرفه، ولم تتصل الصفوف بينه وبينه، أو فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام أجزأه ذلك.
صلى أبو هريرة فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام في المسجد.
قال القاضي حسين: إذا اتسعت بقعته فوقف الإمام في طرف منه، والمأموم في طرف آخر صحت صلاته مقتديًا به، وإن طالت المسافة حتى بلغ ألف ذراع فأكثر، لأن خطة المسجد تجمعهم، وخطة المسجد في حكم شيء واحد، وسواء كان الإمام في المحراب، والمأموم في صحن المسجد، أو على العكس، وسواء كان الامام في الصحن، والمأموم على السطح، أو على العكس، وسواء كان الإمام في بئر، أو على منارة في المسجد أو على عكسه، وسواء وقف الامام في بيت في المسجد، والمأموم خارج البيت، أو على العكس، وإذا كان في صحن المسجد دكة وقف المأموم عليها، والامام على مستوى الأرض، أو وقف الامام عليها والمأموم على مستوي الأرض جاز، وإلا أن الأولى عند اختلاف المصلى أن يقوم الامام على المكان المرتفع دون المأموم.
روى أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر، والناس خلفه، وهو على الأرض، وتمام الحديث ما روى أنه عليه السلام في بدء الأمر كان إذا خطب الناس يستند إلى جذع نخلة في المسجد يابسة، وهي التي تسمى اليوم الحناتة، فجاءت امرأة، وقالت: يا رسول الله، إني اشتريت غلامًا نجارًا، فلو أذنت لي حتى أتخذ لك منبرًا تجلس عليه، وتخطب الناس، فأذن لها فيه، فاتخذ منبرًا له ثلاث درجات، ووضع في المسجد، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وجاوز الجذغ ليصعد المنبر، فحن الجذع حنين الوالهة فرجع النبي صلى الله عليه وسلم واحتضنها وسارها بشيء فسكتت، وعاد إلى المنبر ثم قال، خيرتها بين أن يرد الله تعالى، إليها شبابها فتورق وتثمر، وبين أن تكون شجرة في الجنة، ثم خطب

الجزء: 2 - الصفحة: 1058

النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، وصلى عليه، فكان إذا بلغ السجود يضيق به المكان، فينزل إلى الأرض، ويسجد عليها، ثم يسعد المنبر، فدل أن المستحب أن يكون الإمام على المكان المرتفع.
ولو كان مساجد وقفوا متفرقة، وألصق البعض بالبعض، مثل أن يكون في البلاد الكبيرة كـ (نيسابور)، وغيرها، وقف الإمام في مسجد، والمأموم في مسجد آخر جاز بعد أن كان يسمع صوت الإمام لو كان هناك من يعلمه بأفعال الإمام فأما خارج المسجد إن كان في صحراء، أو قاع مستوي، أو أرض مملوكة لواحد، ووقف الإمام في طرف، والمأموم في طرف آخر، وبينهما قدر مائتي ذراع، أو ثلاثمائة ذراع، وهكذا لو وقف صف آخر خلف الصف الأول على مائتي ذراع، أو ثلاثمائة ذراع، وصف خلف الصف الثاني على هذه المسافة جاز، وإن امتدت الصفوف، حتى بلغت فرسخًا، وأكثروا الإمام في مثل هذه الصورة يطول الأركان، حتى يتصل خبر انتقاله من ركن إلى ركن إلى الصف الأخير جاز، وإنما أخذ الشافعي، رحمه الله عنه هذا التقدير من فعل النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف، صدع الناس صدعين جعلهم طائفتين، وتنحى طائفة بقدر غلوة سهم، وصلى بهم، وسهام العرب لا تبلغ أكثر من هذا القدر، فلم يجد الشافعي رحمه الله لهذا أصلا سوى ما قلناه فقدر به، إذ لابد من نوع تقدير، ثم هذا على جهة التقريب، دون التحديد، إذ ليس فيه نص، ولا توقيف، وإن كان قاعاً مملوكة بجماعة، فعلى وجهين: أحدهما: حكمه حكم الموات، والمملوكة لمالك واحد لا يعتبر فيه اتصال الصفوف والثاني: يعتبر فيه اتصال الصفوف لاختلاف الملك، ويجعل اختلاف الملاك كاختلاف البنيان، والسطوح المستوية المملوكة لملاك كثيرين على هذين الوجهين.

الجزء: 2 - الصفحة: 1059

فأما المملوكة لمالك واحد، فكالموات، وإذا كان مختلفة منقسمة إلى الصعود والهبوط، هل يعتبر فيها اتصال الصفوف؟ قال رضي الله عنه: يحتمل وجهين بناء على المملوكة لملاك كثيرين، إذا كانت مستوية الأطراف.
إن قلنا: يعتبر فيها اتصال الصفوف لاختلاف الأملاك لم يعتبر ها هنا لعدم اختلف الأملاك.
وإن قلنا: لا يعتبر فيها اتصال الصفوف لاستواء البقاع، اعتبر ها هنا لاختلافها.
فأما إذا كان الإمام في المسجد، والمأموم خارج المسجد نظر، فإن كان بينهما حائل من جدار، أو باب مردود لم يصح اقتداؤه به، وإن وقف في الجانب الذي كان باب المسجد إليه وراء المسجد، والباب مفتوح، نظر فإن كان متصلا بالصف بأن كانت العتبة رقيقة، والصف الأخير ممتد إليها، أو كانت العتبة عريضة ووقف عليها واحد، فصلاته صحيحة، وإن كان متصلا بالمسجد غير متصل بالصف بأن كان بينه وبين الصف الذي يليه أكثر مما يكون بين الصفين بأن كانت العتبة عريضة، ولم يقف عليها واحد، أو كانت رقيقة، والصف الأخير في أقصى المسجد، أو في الصحن، فعلى وجهين: أحدهما: تصح صلاته مقتديٍا بالامام لاتصاله بالمسجد.
والثاني: لا؛ لانفصاله عن الصف وإذا وقف متصلا بالمسجد، وصححنا صلاته خلف الامام في المسجد، أو وقف متصلا بالصف في المسجد فوقف خلفه صف آخر، نظر فإن كان بينهما شارع أو نهر كبير لابد من اتصال ذلك الصف به، وإن كان وراء المسجد خطة مستوية من موات، أو أرض مملوكة لمالك واحد، فوقف صف منه على ثلاثمائة ذراع جاز.
ولو وقف خلف ذلك الصف صف آخر على ثلاثمائة ذراع جاز، ويجعل المتصل بالمسجد في حق الذي وقفوا خارج المسجد منزلة الإمام

الجزء: 2 - الصفحة: 1060

ولو تقدم عليه صف لم يجز، ولو تأخر عنه صفوف جاز على الوجه الذي ذكرنا.
ولو كان هناك نهر كبير يزيد على ما يكون بين الصفين، فهو قاطع للصفوف على الظهر من المذهب، ولا يجوز أن يقتدي بالامام من وقف من الجناب الاخر من النهر، وإن كان للنهر قنطرة وقف عليها واحد متصلا بالواقف على باب المسجد، ووقف خلف الواقف على القنطرة صفوف جاز، ولو وقف على باب المسجد واحد متصلا بالواقف، ووقف خلفه آخر حتى انجز الصف إلى ما انجز حتى إلى بيوت ودو وأبنية جاز، وإن وقف على يمين المسجد إن كان هناك حائل من جدار، أو نهر كبير، أو شارع أو تخاجيل المسجد، وإن كان ينظر إلى الامام لم يصح اقتداؤه بالامام في المسجد، وإن كان هناك باب مفتوح، فوقف متصلا بالمسجد، وألصق منكبه بمنكب مصل في المسجد بأن كانت العتبة رقيقة وامتدت الصفوف إلى العتبة جاز، وإن كانت العتبة عريضة، ولم يقف عليها واحد، فعلى الوجهين، ثم إذا وقف بجنبه آخر حتى انجر الصف إلى ما انجر جاز، ولو وقف متباعدًا عنه إن كان يشقهم نهر، أو شارع لم يجز حتى يلصق المنكب بالمنكب، وإن كان لا يشقهم نهر ولا شارع وقف متباعدا منه على ثلاثمائة ذراع جاز، ولو وقف أمامه لا يجوز، وهو كالامام يجوز لمن صلى خلفه، ولا يجوز لمن صلى فيه، ولو وقفوا متلاصقين المناكب بالمناكب حتى دخلوا بيوتا، وأبنية جاز، ولو وقف امامه لا يجوز، فالبيوت أو الصفوف في الدار تفرد كل واحد منهما بحكمه، حتى لو وقفوا في صفة أو في بيت، وبين الامام والمأمومين قدر ثلاثمائة ذراع جاز، وإن وقف الامام في الصحن، والمأموم في الصفة، أو على العكس لم يجز، حتى تتصل الصفوف، فلا يكون بينهما أكثر مما يكون بين الصفين، وصحن الدار حكمه حكم الموات، والأرض المملوكة لمالك واحد، ولو كان بجنب المسجد حجرة، منخفضة السطح فوقف على سطحها، واقتدى بالامام في المسجد إن كان الصف الذي يليه في المسجد لا يحاذى بدنه جزءا من بدن واحد منهم لا تصح صلاته، وإن كان

الجزء: 2 - الصفحة: 1061

يحاذي رأس واحد منهم ساقه، ولم يكن بينهما أكثر ما يكون بين الصفين صحت صلاته، وحكم المدارس والرباطات والخانات المسبلة حكم البيوت والدور يعتبر اتصال الصفوف فيها عند اختلاف البنيان، ولا يعتبر عند اتفاقها.
قال المزني: قال: فإن صلى قرب المسجد، وقربه ما يعرفه الناس من أن يتصل بشيء بالمسجد، لا حائل دونه، فيصلي منقطعا عن المسجد أو فنائه، على قدر مائتي ذراع، أو ثلاثمائة أو نحو ذلك، فإذا جاوز ذلك، لم يجزه، وكذلك الصحراء، والسفينة، والامام في أخرى، ولو أجزت أبعد من هذا، أجزت أن يصلي على ميل.
ومذهب عطاء أن يصلي بصلاة الامام من علمها، ولا أقول بهذا.
قال المزني: قلت أنا: قد أجاز القرب في الإبل بلا تأقيت، وهو عندي أولى، لأن التأقيت لا يدرك إلا بخير.
قال الشافعي: فإن صلى في دار قرب المسجد، لم يجزه، إلا بأن تتصل الصفوف، ولا حائل بينه وبينها، فأما في علوها، فلا يجزيء بحال، لأنها بائنة من المسجد، وروى عن عائشة رضي الله عنها، أن نسوة صلين في حجرتها، فقالت: لا تصلين بصلاة الامام فإنكن دونه في حجاب.
قال القاضي حسين: وقربه ما يعرفه الناس من أن يتصل بشيء من المسجد لا حائل دونه، فيصلي منقطعًا عن المسجد، أو فنائه على قدر مائتي ذراع، أو ثلاثمائة ذراع، أو نحو ذلك.
صورة المسالة مسجد على بسط من الأرض، وينتهي حد المسجد إلى خط معلوم، فوقف الامام في المسجد، والمأموم في جد المسجد على ثلاثمائة ذراع جاز، وإن كان من الامام على قدر خمسمائة ذراع، وهذا من كلام الشافعي

الجزء: 2 - الصفحة: 1062

رحمه الله دليل على اختلاف الأملاك لا تجعل كاختلاف الأبنية، لأن الخطة مختلفة في هذه الصورة، بعضها مسجد، والبعض ليس بمسجد.
وقول الشافعي: أو فنائه منهم من قال: أراد بالفناء صحن المسجد.
ومنهم من قال: أراد به حريم المسجد.
وهو الموضع الذي قرب من المسجد متصلا فيه، يلقى فيه ثلج المسجد وغيره، وليس بمسجد حتى لا يحرم للجنب المكث فيه، فعلى هذا إذا وقف في الفناء على هذه المسافة صحت صلاته مقتديًا بالامام، وإن كان هو من خطة المسجد على خمسمائة ذراع، وحصل من هذا أن فناء المسجد هل يجرى به مجرى المسجد في هذا المعنى؟ فوجهان: وأما السفينة في البحر حكمها حكم الدار والخان، وإذا كان في البحر سفينتان، وقف الإمام في إحديهما، والمأموم في أخرى، وإن كانت مسقفتين فحكمهما حكم بيتين، ولا بد من اتصال الصفوف، وإن كانتا غير مسقفتين، فحكمهما حكم دكتين، لا يعتبر اتصال الصفوف بينهما، فعلى هذا لو كان في الموات، أو في صحن دار دكة، أو دكتان، وأكثر، فحكم الدكك حكم الصحن، ولا يختلف به شيئا.
فأما إذا كان في المسجد نهر، فإن حفر فيه بعد ما جعل المسجد مسجدًا، فإنه لا يجوز، ولكن لايمنع الاتصال، حتى لو وقف الامام على جانب، والمأموم على جانب آخر من النهر جاز، وإن حفر قبل أن يجعل مسجدًا إن كان صغيرًا فهكذا، وإن كان كبيرًا، فعلى وجهين: وقول الشافعي: ولو أجزت أبعد من هذا أجزت إلى ميل، أشار إلى أنه لا بد من تقريب، وإلا عدل في التقريبات، هذا الذي قلته إذ لو جوزت أكثر من ذلك لجوزت أن يقف من الامام على ميل وميلين، ومثل هذا لا يعرف اقتداء في العادة.
ثم إن المزني رحمه الله أنكر هذا التقريب، وقال: أجاز الشافعي

الجزء: 2 - الصفحة: 1063

رحمه الله القرب بلا تأقيت، وهو عندي أولى؛ لأن التأقيت لا يدرك إلا بخبر وهذا غير صحيح لأن القرب مجهول، ومختلف في العادة، والتقريب الذي ذكر في غير الإملاء أبعد عن الجهالة، وأقرب إلى العادة، فكان أولى بالمصير إليه.
وقال عطاء: الاعتبار بعلمه وجهله بأفعال الإمام، إن كان عالمًا بأفعال إمامه، صح الاقتداء به، اختلف البنيان أو اتفق، قربت المسافة أو بعدت، والدليل على فساد قوله ما روى أن نسوة كن يصلين في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الإمام في المسجد.
وقالت عائشة رضي الله عنهما: لا تصلين بصلاة الإمام، فإنكن دونه في حجاب.
قال المزني: قال الشافعي رحمه الله، ومن خرج من إمامه الإمام، فأتم لنفسه لم يبين أن يعيد من قبل أن الرجل خرج من صلاة معاذ بعد ما افتتح معه، فصلى لنفسه وأعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فلم نعلمه أمره بالإعادة.
قال القاضي حسين: قيل: علق الشافعي رحمه الله القول في جواز الخروج من صلاة الإمام، ومال إلى أنه جائز ها هنا.
واختلف أصحابنا فيه على طرق.
فمنهم من قال: له أن يخرج نفسه من صلاة الإمام عند العذر قولا واحدًا، وإن لم يكن عذر فقولان.
ومنهم من قال: لا يخرج نفسه من صلاة الإمام، إن لم يكن له عذر وإن وقع له عذر فعلى قولين: ومنهم من أطلق القولين.
وجه قولنا: يجوز أن يخرج نفسه من صلاة الإمام، ويكمل الصلاة لنفسه ما روينا في خبر معاذ، فرفع تلك الحكاية إلى النبي، فلم ينكر على ذلك

الجزء: 2 - الصفحة: 1064

الرجل، ولأن في الاقتداء اكتساب الفضيلة، لا غير، وفي تركها ترك الفضيلة وتركها لا يوجب بطلان الصلاة، كترك السورة والتسبيحات، وغيرها من هيئات الصلاة.
ووجه قولنا: لا يخرج نفسه عن صلاة الإمام، أنه يؤدي إلى المخالفة، وتغيير صفة الصلاة، فمنع منه.
فرع لو اقتدى برجل في ليلة ظلماء، فصلى خلفه، ثم أشكل عليه أنه هل تأخر عنه أو تقدم عليه؟ ننظر فإن جاء وراء الإمام صحت صلاته، لأن الأصل ألا يتقدم عليه، وإن جاء قدام الامام لا تصح صلاته، لأن الأصل أنه لا يتأخر عنه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1065

باب صلاة الإمام وصفة الأئمة

. قال الشافعي: وصلاة الأئمة ما قال أنس بن مالك: ما صليت خلف أحد قط أخف، ولا أتم صلاة من رسول الله ورى عنه عليه السلام، أنه قال: فليخفف، فإن فيهم السقيم والضعيف.
قال القاضي حسين: المستحب للإمام أن يخفف الصلاة، ولا يطول الأركان مثل: القيام والقراءة والركوع والسجود.
روى أبو هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلى أحدكم إن كان وحده فليطل ما شاء، وإن كان إماما فليخفف، فإن خلفه الضعيف والسقيم وذا الحاجة.
وعن أنس: ما صليت خلف أحد قط أخف، ولا أتم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنه انه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخف الناس صلاة في التمام.
وروى أنه عليه الصلاة والسلام كان أخف الناس صلاة للناس، وأطول

الجزء: 2 - الصفحة: 1066

الناس صلاة لنفسه، إلا أن المستحب للإمام أن يأتي بالأركان، والأبعاض، والهيئات كما للمنفرد، ثم يخفف بعد أن يأتي بها على الكمال.
قال المزني: قال: فيؤمهم أقرؤهم، وأفقههم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن لم يجتمع ذلك في واحد، فإن قدم أفقههم، إذا كان يقرأ ما يكتفي به في الصلاة، فحسن وإن قدم أقرؤهم، إذا علم ما يلزمه، فحسن، ويقدم هذان على أسن منهما، وإنما قيل، يؤمهم أقرؤهم، أن من مضى كانوا يسلمون كبارًا، فيتفقهون قبل أن يقرءوا، ومن بعدهم كانوا يقرءون صغارا قبل أن يتفقهوا، فإن استووا، أمهم أسنهم، فإن استووا، فتقدم ذو النسب، فحسن.
وقال في القديم: فإن استووا، فأقدمهم هجرة، وقال فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأئمة من قريش.
قال: فإن أم من بلغ غاية في خلاف الحمد في الدين، أجزأ، صلى ابن عمر خلف الحجاج.
قال القاضي حسين: روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فليؤمهم أقرؤهم، وإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، وإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، وفي بعض الروايات، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنًا.
وللإمامة خصال يقع بها الترجيح، وهي مثل الورع، والقراءة، والفقه، وسبق الهجرة، والسن، والنسب، وبعض هذه الخصال مكتسبة والبعض غير مكتسبة، ثم بعد هذه الخصال خصال أيضا يرجح بها، وهي مثل حسن

الجزء: 2 - الصفحة: 1067

الصناعة، وطيب النعمة، ونقاء الثوب، وحسن الوجه، ولا خلاف أن المكتسبة من هذه الخصال الستة مقدمة على غير المكتسبة ثم المكتبسة أيضا على مراتب، فالورع مقدم على غيره من الخصال؛ لأن هذه سفارة بين العبد، وبين الله تعالى، وفي السفارات يرشح لها من هو الأوجه عند توقع الحاجة إليه.
وأما الأوجه عند الله هو الأكرم والأتقى، قال الله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
قال رضي الله عنه: ويحتمل أن يقال: الفقه، والقراءة أولى لأن الخبر فيها ورد، والنبي صلى الله عليه وسلم تعرض لهما دون الورع، فدل أنهما أهم وأولى، وإن استويا في الورع فالأقرأ أولى، وإن استويا في الورع والقراءة فالأفقه أولى، وإن استويا في الورع والفقه والقراءة، فالأسبق هجرة أولى، ومعنى سبق الهجرة أن يكون أحدهما أسلم منذ عشر سنين، والأخر اكتسب من الطاعات والخيرات، ما لم يكتسبه حديث العهد بالإسلام، وإن استويا في الخصال الأربع، فالأسن منهما أولى، فإن استويا في السن، فالأرفع نسبًا أولى، إن كان أحدهما أرفع نسبًا من صاحبه، فإن كان أحدهما أقرأ، والآخر أفقه، فالأفقه أولى عندنا.
وقال أبو حنيفة: الأقرأ أولى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم الأقرأ وبدأ به.
أجاب الشافعي رحمه الله عليه، لأن هذا خطاب لأولئك الذي كانوا على عهده عليه السلام، وهم أنهم كانوا يسلمون كبارًا، ويتفقهون قبل أن يقرءوا، فكان لا يوجد قاريء منهم إلا وهو فقيه، وكان يوجد الفقيه، وهو ليس بقاريء فإنه قيل: لم يحفظ القرآن من الصحابة كله إلا ستة نفر: أبو بكر، وعثمان، وعلي، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت وقيل: عبد الله بن عباس، رضي الله عنهم، ولأن ما يجزئه من القراءة في الصلاة محصور، وما يقع من الحوادث فيها غير محصورة، فقدم الأفقه بهذا المعنى، وإذا كان أحدهما أسن، والآخر أنسب فقولان:

الجزء: 2 - الصفحة: 1068

أحدهما: الأسن الأولى، لأنه فضيلة في ذاته، والنسب فضيلة تكون في ذات الغير.
والثاني: النسب أولى، لأنه يشبه المكتسب، فإن قريشًا سميت قريشًا، لأنهم يقرشون الطعام، ويقرون الضيف، وكان يسمى بنو هاشم كذا بنو هاشم، لأن جدهم كان يهشم الثريد للناس، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم قدموا قريشًا، وقال عليه السلام: الأئمة من قريش.
وحكي المزني رحمه الله عليه عن القديم، فإن استووا فأقدمهم هجرة منهم من قال: أراد به هجرة آبائه، فعلى هذا يكون ذلك جوابًا على القول الذي يقول: النسب أولى من السن.
ومنهم من قال: أراد به هجرة نفسه، فعلى هذا يعود الأمر إلى ما بيناه من أن أسبقهما هجرة يقدم على الأسن والأنسب.
ومن أسلم بنفسه كان أولى ممن أسلم بأحد أبويه، وإن تأخر إسلامه عن إسلام من أسلم أبواه، لأنه إذا أسلم بنفسه، فقد اكتسب هو تلك الفضيلة، بخلاف الآخر، والأورع الفقيه في باب الأمامة أولى من الأفقه الورع، وفي باب الفتوى، الأفقه الورع أولى من الأورع الفقيه.
والفرق ما بيناه من أن الإمامة سفارة، وأن استويا في الفقه والقراءة، وكان أحدهما أقدم هجرة والآخر أنسب، ففيه قولان:

الجزء: 2 - الصفحة: 1069

قوله: فإن أم من خلع عنانه في خلاف الحمد، أجزأه.
تظرف الشافعي رحمه الله في العبارة، وإنما أراد به الفاسق الذي خلع العذار، فإمامته جائزة، إلا أن يكره الصلاة خلفه، ويكره له أن يصلي بالناس، وهكذا كل إمام يكرهون إمامته يكره له أن يؤم بهم.
روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يقبل الله صلاة من يؤم قومًا وهم له كارهون وصلاة امرأة زوجها عاتب عليها.
أي غضبان: يقال: عتب الزوج، على زوجته، وسخط السلطان على رعيته، ووجد الوالد على ولده، وغضب السيد على عبده.
هذا إذا كانوا يكرهون إمامته لمعنى فيه من زنا، أو شرب الخمر، أو غير ذلك من وجوه الفسق، فأما إذا كانوا يكرهونه من غير موجب لم يكره أن يؤم بهم، لأن الذنب لهم، ووبال الكراهة عليهم.
قال المزني: ولا يتقدم أحد في بيت رجل إلا بإذنه ولا في ولاية سلطان بغير أمره، ولا في بيت رجل أو غيره، لأن ذلك يؤدي إلى تأذيه.
قال القاضي حسين: أما السلطان أولى بالإمامة في الصلوات الخاصة، والعامة، والصلوات العامة: مثل العيدين، والخسوفين، والجمعة، والاستسقاء وإن جوزنا دونه.
والخاصة: مثل الصلوات المفروضات إذا اجتمع السلطان وغيره، فالسلطان أولى من صحاب البيت إذا اجتمعا، وصاحب البيت أولى من الأجنبي، والمستأجر أولى من الآجر، ويعني بصاحب البيت الساكن فيه لا المالك، والمستغير أولى من المعير، والمكاتب أولى من السيد.

الجزء: 2 - الصفحة: 1070

قال الشافعي رحمة الله عليه في موضع العبد اولى، ومعلوم أن العبد يملك له، وإنما أراد به في غير المولى، أو أراد به المكاتب مع المولى، وإذا اجتمع المقيمون والمسافرون، فالمقيمون أولى.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يؤمن أحد أحدا في بيته، إلا بإذنه، ولا في ولاية سلطانه، إلا بإذنه، ولا يجلس على تكرمة أخيه إلا بإذنه.
وإنما أراد بالتكرمة ما يكرم الإنسان الداخل عليه به من الوسادة ونحوها ينبغي للمرء ألا يجلس في الصدر إذا دخل على آخر، إلا بإذنه، ولهذا قيل في المثل: اجلس حيث تجلس، فإذا أذن له في الجلوس عليه حينئذ يجلس عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1071

باب إمامة المرأة

قال المزني: قال الشافعي رحمه الله أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن ليث عن عطاء عن عائشة، رضي الله عنها، أنها صلت بنسوة العصر، فقامت وسطهن.
وروى عن أم سلمة: أنها أمتهن، فقامت وسطهن.
وعن علي بن الحسين: رضي الله عنهما: أنه كان يأمر جارية له تقوم بأهله في رمضان: وعن صفون بن سليم، قال: من السنة أن تصلي المرأة بنساء تقوم وسطهن، قال القاضي حسين: إقامة الجماعة لا تشرع للنساء حسب ما للرجال، فإنها فرض كفاية على الرجال أو سنة موكدة، وليست بفريضة، ولا سنة على النساء، وهذا كما أن النساء لا يسن لهن الآذان، ولا تشرع لهن الإقامة حسب ما شرعت للرجال، فإن أردن الصلاة بالجماعة، فالمستحب أن يقف إمامته وسطهن، فإن تقدمت إمامتهن كإمام الرجال جاز.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس على النساء أذان، ولا إقامة، ولا جمعة، ولا اغتسال من الجمعة، ولا تتقدمهن إمامتهن، لكن تقف وسطهن.

الجزء: 2 - الصفحة: 1072

وعن عائشة رضي الله عنها، أنها صلت بنسوة العصر فقامت وسطهن وعن أم سلمة أنها أمتهن فقامت وسطهن.
وعن على بن حسين: أنه كان يأمر جارية تقوم بأهله في رمضان.
وعند أبي حنيفة: تكره لهن الجماعة، والله أعلم بالصواب.

الجزء: 2 - الصفحة: 1073

باب صلاة المسافر والجمع في السفر

قال المزني: قال الشافعي رحمه الله: وإذا سافر الرجل سفرًا يكون ستة وأربعين ميلا بالهاشمي فله أن يقصر الصلاة، سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا، فقصر.
وقال ابن عباس: أقصر إلى جدة وإلى الطائف وعسفان.
قال الشافعي: وأقرب ذلك إلى مكة ستة وأربعون ميلا بالهاشمي، وسافر ابن عمر إلى ريم فقصر، قال مالك: وذلك نحوٌ من أربعة برد.
قال القاضي حسين: لا عذر من الأعذار يفيد إباحة القصر إلا السفر،

الجزء: 2 - الصفحة: 1074

فأما المرض والخوف وغيرهما لا يبيح القصر، والأصل في جواز القصر لعذر السفر قوله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة).
والخوف ليس يشترط في جواز القصر، خلافا لداود، واحتج بظاهر الآية على ذلك، والجواب عنه أن الآية وردت على وجه الأعم الأغلب، والغالب من أمر الأسفار الخوف قال عليه السلام، إن المسافر ومتاعه لعلي قلت، إلا ما وقي الله تعالى: ويدل عليه أنه عليه السلام سافر آمنا فقصر.
وعن يعلي بن أمية أنه أتى عمر فقال له: ما بالنا نقصر، وقد أمنا، وقد قال

الجزء: 2 - الصفحة: 1075

الله تعالى: ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم.
فقال: تعجبت مما تعجبت، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: هذه تصدق الله على عباده فأقبلوا صدقته.
ثم إنما نجوز القصر في السفر الطويل.
وقال داود: إنه جائز في السفر الطويل والقصير، واحتج بظاهر القرآن، وعندنا هي محمول على السفر الطويل بدليل ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد.
فعند الشافعي رحمه الله سفر القصر ستة عشر فرسخا.
واختلفت عبارات الشافعي رحمه الله في كتبه عن السفر الذي يجوز القصر فيه، فنص ها هنا على أنه يتقدر بستة وأربعين ميلا بالهاشمي.
وقال في موضع آخر: بثمانية وأربعين ميلا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1076

وقال في موضع آخر: إذا جاوز أربعين ميلا جاز القصر.
وقال في موضع آخر: هي أربعة برد.
وقال في موضع: مسيرة ليلتين قاصدتين حمل الأثقال، ودبيب الأقدام.
وقال في موضع: مسيرة يوم وليلة، والمسألة على قول واحد أنه ستة وأربعون ميلا بالهاشمي كل ثلاثة أميال، منها فرسخ، مجموعها خمسة عشر وثلث فرسخ، إلا أن أصحابنا قدروه بستة عشر فرسخًا للاحتياط.
وحيث قال: ثمانية وأربعون ميلا عدا الميل الذي يرتحل فيه، والذي يرتحل إليه، وحيث قال: إذا جاوز الأربعين قصر، مطلق، وهذا مقيد، والمطلق محمول على المقيد، وحيث قال: أربعة برد، أراد به برد الحجاز، وذاك يكون بالنعال كل يريد منها أربعة فراسخ.
وحيث قال: مسيرة ليلتين قاصدتين، أراد به مرحلتين، والمرحلة لا تنقص عن ثمانية فراسخ في الغالب.
وحيث قال: مسيرة يوم وليلة، أراد به إذا كان يدأب المشي، ويداوم عليه والإنسان في العادة يمكنه قطع ستة عشر فرسخا في يوم وليلة، إذا داوم على المشي

الجزء: 2 - الصفحة: 1077

وقال أبو حنيفة: سفر القصر ثلاثة أيام ولياليهن.
والدليل على أنه مرحلتان ستة عشر فرسخا ما روى عن ابن عباس أنه قال: أقصر إلى جدة، وإلى عسفان، وإلى طائف.

الجزء: 2 - الصفحة: 1080

قال الشافعي رحمه الله وأقرب ذلك إلى مكة ستة وأربعون ميلا بالهاشمي وما رويناه أنه قال عليه السلام: يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد.
والفقه فيه أن هذه الرخص إنما تثبت في السفر لما يلحقه من تحمل المشقة، وما يصيبه من الأذى، والشدة بالاغتراب عن الأهل والوطن، وهذه معان حاصلة بمفارقة المنزل ليلة وليلتين وجب أن تثبت الرخصة المتعلقة بالسفر، وحاصل المذهبين أنهم يعتبرون بالزمان، كأقل الحيض والنفاس وفي العبادات التقدير أبدا بالزمان لا بالمكان، ونحن اعتبرنا بالمكان وهو الأصح، لأن المسافة التي اعتبرنا نحن، وهو ستة عشر فرسخا لا يتفاوت، سواء كان ذلك برا أو بحرا، أو الطريق سهلا، أو خشنا، فإنه إنما يعتبر المسافة أن تبلغ ستة عشر فرسخا، وهم إذا اعتبروا ذلك بالزمان، فيتفاوت إذا كان صعودا أو هبوطا، أو خشنا لا يمكنه في ثلاثة أيام أن يسير أكثر من عشرة فراسخ، وإذا كان سهلا يمكنه أكثر من ذلك، وكذا في البحر فما قلناه من هذا الوجه يكون أولى.

الجزء: 2 - الصفحة: 1081

قال المزني: وأكره ترك القصر، رغبة عن السنة، فأما أنا، فلا أحب أن أقصر في أقل من ثلاثة أيام، احتياطًا على نفسي، فأن ترك القصر مباح لي، قصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتم.
قال القاضي حسين: القصر عندنا رخصة وليس بعزيمة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1082

وقال أبُو حَنِيفَةَ ومالكٌ: القصر عزيمة، ولا يجوز الإتمام، حتى لو أتم لم تصحَّ صلاته، ولم يسقط به الفرض عنه، إلا أن عند أبي حنيفة لو اقتدى بمقيم يتم أربعًا.
وعند مالك: وإن اقتدى بمقيم لا يجوز له أن يتمها أربعًا، فالدليل على أن القصر ليس بعزيمة ما روي عن أنس أنه قال: سافرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فمنَّا من قصر، ومنا من أتم، ومنا من صام، ومنا افطر، ولم يعب بعضنا بعضا.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فلما انصرفنا قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «ماذا صنعت في سفرك؟» فقلت: صمت ما أفطرت، وأتممت ما قصرت، فقال: «أحسنتِ».

الجزء: 2 - الصفحة: 1083

ولأنه نوع تخفيف يجوز للمسافر لعذر السفر، فلا يتحتم عليه كالفطر، ولو ترك القصر إن اعتقد أنه ليس بسنة، فقد كفر، لأنه يخالف النص والاجماع وإن اعتقد كونه سنة، وواظب على تركه، فمكروه، وإن كان يتركه أحيانا ويفعله أحيانا، فلا بأس به.
والقصر أفضل أم الإتمام؟ فعلى قولين: أحدهما: القصر أفضل للخروج من الخلاف، ولقوله عليه السلام: «إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه».
ولقوله عليه السلام: «هذه صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته».
والقول الثاني: الإتمام أفضل، لأنه الأصل، وفيه أكبر العبادة.
وأما الصوم مع الفطر أيهما أفضل؟ من أصحابنا من جعل فيها قولين، كما في القصر مع الإتمام، والصحيح أن الصوم أفضل؛ لأنه إذا أفطر لا يمكنه حيازة الوقت، وفي الصلاة يمكنه حيازة فضيلة فعل الرخصة، وفضيلة الوقت.
قال: فأما أنا فلا أحِبّ أن أقصر في أقل من ثلاثة أيام احتياطًا على نفسي، وإنما قال ذلك للخروج من الخلاف.
هذا كما قال رحمه الله في الركاز بعد أن بين ذهبه في أن الواجب في المعدن يختص بالذهب والفضة، ولا يزيد على ربع العشر، وفي الركاز يختص بالذهب والفضة، فقال، ولو كنت أنا الواجد لخمست القليل والكثير، والذهب والفضة وغيرها، ولو فخارة وقال في الكتابة: وإني لا أمتنع عن كتابة عبد، جمع القوة والأمانة، وإنما

الجزء: 2 - الصفحة: 1084

أستنبطه للخروج من الخلاف، فإن داود يوجب كتابة من جمع القوة على الكسب، والأمانة من العبيد.
وقد استنبط الشيخ أبو زيد من هذا أن الإيثار بثلاث أفضل عنده من الإيتار بواحدة، لأن الثلاث وتر عند بعض الناس، والركعة المختلف فيها، والثلاث المتفق عليها.
قال أصحابنا: الإيتار بواحدة أفضل لمعنيين: أحدهما: انه وجد فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله ولم يوجد في الثلاث.
والثاني: أنه إنما يصار إلى الاحتياط عنده، إذا لم يكن في ذلك ارتكاب محظور، أو فعل مكروه، وفي الاتيان بثلاث يؤدي إلى ارتكاب محظور أو مكروه فإن شرط الوتر عنده أن يتشهد في الركعة الأولى عقب رفع رأسه من السجدة الأخيرة.
وفي الإتيان بثلاث لا تشهد في الأولى.
وفي الفصد والحجامة يستحب له أن يتوضأ إذا صار وضوءه خلفا بأن أدى به فرضًا أو نافلة.
فأما إذا لم يؤد به شيئا، فلا يستحب، لأن تجديد الوضوء مكروه قبل أن يؤدي بالأولى صلاة ما، لأنه يؤدي على الزيادة على الأربع.
ويحكي عن ابن سريج أنه كان بعدما قصد مس ذكره، ثم توضأ، وهذا ليس بقوي، لأنه لا فرق عندنا بين ما لو أحدث أو مس ذكره.
قال الشافعي: وأحب للمسافر أن يمسح على الخفين إذا كان يغسل رجليه رغبة عن السنة، ولم يرد به أن مسح الخف أفضل من غسل الرجلين، وإنما أراد به أنه يستحب للمسافر أن يمسح على خفيه إذا كان لا يمسح رغبة عن السنة.
قال المزني: ولا يقصر إلا في الظهر، والعصر، والعشاء الآخرة، فأما المغرب والصبح، فلا يقصران.

الجزء: 2 - الصفحة: 1085

قال القاضي حسين: كل صلاة هي ذات أربع ركعات تقصر في السفر، مثل الظهر والعصر والعشاء.
فأما الصبح والمغرب، فلا يقصران؛ لأنهما مخففتان في الأصل، فما احتيج فيهما إلى تخفيف السفر، ولأنه لو قصر الصبح لرجع إلى ركعة واحدة، والركعة الواحدة، لا أصل لها في الفريضة.
وأما المغرب فهي وتر النهار، ولو نقص منها ركعة لصار شفعا، وحقيقة القصر تشطير عدد ركعات الصلاة إلى أقل ما لها أصل في الفريضة.
روى عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت، فرضت الصلاة ركعتين، ركعتين فزيد في صلاة الحضر، وأقرب صلاة السفر على ما كان إلا الصبح والمغرب.
أما المغرب لأنها وتر النهار.
وأما الصبح بطول القنوت.
وقولها: إلا الصبح، استثناء من الزيادة، أي زيدت في الصلوات كلها في الحضر، إلا الصبح.
وقوله: إلا المغرب فإنه زيد عليها ركعة، فزيد على الصلوات كلها في الحضر ركعتين، إلا المغرب، فإن الزيادة فيها ركعة، وإذا اجتمع الخوف والسفر لم يجز رد الصلوات إلى أقل من ركعتين.
وقال ابن عباس رضي الله عنه: صلاة المقيم أربع ركعات، وصلاة المسافر الآمن ركعتان، وصلاة الخائف ركعة واحدة، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بـ (ذي قرد) صلاة الخوف، فصلى بطائفة ركعة وسلم وسلموا، ثم صلى بطائفة ركعة، وسلم وسلموا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1086

وعندنا هي منسوخة بصلاته عليه السلام بـ (عسفان) ـ و (ذات الرقاع).

الجزء: 2 - الصفحة: 1087

قال المزني: وله أن يفطر أيام رمضان في سفره ويقضي فإن صام فيه، أجزاه، وقد صام النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان في سفر قال القاضي حسين: المسافر عندنا يتخير بين الصوم والفطر، ولا يتحتم عليه أحدهما.
وقال داود: يتحتم الفطر في السفر، واحتج بقوله عليه السلام: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر، وبقوله عليه السلام: ليس من البر الصيام في السفر.
والأخبار المحمولة على نفي الكمال، وبيان المستحب، بدليل ما روى أنه عليه السلام صام في السفر وأفطر.
قال المزني: وإذا نوى السفر، فلا يقطر، حتى يفارق المنازل، إن كان حضريا ويفارق موضعه إن كان بدويًا.
قال القاضي حسين: رخص السفر لا تثبت إلا بشرطين: أحدهما: فعل السفر.
والثاني: نية السفر، فلو تعرى السفر عن النية لم يترخص برخصِ

الجزء: 2 - الصفحة: 1088

المسافرين، وذلك مثل الهائم على وجه الأرض الذي ليس له غرض صحيح، ولا مقصود بسفر، وكذلك المتكدية الذي يسيرون على وجه الأرض، فإذا وجدوا خصبًا نزلوا به، وإذا وجدوا طعاما ملء بطونهم أقاموا به.
والمعنى في اشتراط النية أن السفر مما يؤثر في العبادات، والمؤثر في العبادة لا يستنغني عن النية، ولو تعرى النية عن فعل السفر لم يترخص، بهذه الرخص حتى ينضم إلى فعل السفر، بخلاف ما لو نوي الإقامة، فإن يصير مقيمًا في الحال.
والفرق أن الأصل في الناس هو الإقامة، فإذا نواها عاد إلى الأصل، ولم يعتبر تحقيق النية بالفعل، والسفر عارض، فاعتبر في تحقيق نيته انضمام الفعل إليه، وهكذا كما نقول في القنية مع التجارة في الزكاة إذا نوي مال القنية التجارة لا يصير للتجارة حتى ينضم إليه فعل التجارة، وإذا نوى القنية في مال التجارة صار للقنية بمجرد النية لهذا المعنى، وهو أن الأصل في الأموال القنية، فعاد صار للقنية بمجرد النية لهذا المعنى، وهو أن الأصل في الأموال القنية، فعاد إليها بمجرد النية، والتجارة عارض، فلم يصر إليها بمجرد النية حتى ينضم الفعل إليها، فكذا السفر مع الإقامة، وأيضا المسافر إذا نوي الإقامة عزيمته تلائم حالته، لا أن أكثر ما فيه أنه في السفر منقلب منصرف، والمقيم في الغالب يكون على هذه الصفة، والمقيم إذا نوى السفر عزيمته لا تلائم حالته.
والفرق الأول أظهر، ثم إذا اجتمع الشرطان: فعل السفر، والنية لم يترخص بالرخص حتى يفارق الموضع الذي يخرج منه وما هو منسوب إليه في العرف، والعادة إذا كان قد خرج من بلد له سور حتى يفارق السور، وإن كان به درب حتى يفارق الدرب، وإن كان به قنطرة متصلة بعمرانات البلد مثل مرو الروذ، فحتى يفارقها، وإن كان في البلدة خرابات كانت عامرة فيما مضى من

الجزء: 2 - الصفحة: 1090

الأيام حتى يفارقها، وإن كان يخرج من قرية، فحتى يفارق الدور المتلاصقة والمتنابذة، والبساتين التي تعد من العمران لاتصالها بها، والمقابر المتصلة بالعمرانات، فأما المزارع حوالي البلد، والقرية لا يعتبر مفارقتها، لأنها قد تمد فراسخ حول البلد وإن كان من أهل الخيام، والحلل فحتى يفارق القباب المضروبة والخيام المتنابذة، والمتلاصقة وفناءها، وما هو مطرح الرماد وملقى السماد ومعاطن الإبل، وملعب الصبيان، ومتحدث النادي، وعقد الباب إنما يعد من الجملة مخرجه في العرب والعادة تعتبر مفارقته في جواز القصر، وفي الرجوع ينتهي جواز القصر في الموضع الذي ابتدأ القصر منه، ولو فارق البلد المنسوب إليه وبلغ حدا يباح له القصر فنوي الرجوع إلى البلد لحمل متاع نسيه أو لغسل أنفه إن كان قد رعف، نظن إن كان من جملة المقيمين بالبلد بأن كان له به أهل وولد وعلقه صار مقيمًا بمجرد النية، وانقطع حكم السفر حتى لا تثبت له الرخص ما لم ينشيء فعل السفر والنية.
وإن لم له بالبلد علقة بأن كان غريبا به لم ينقطع حكم سفره، ولو نوى مسافة لا تقصر الصلاة فيها، ثم في خلال الطريق ضم إليها بما بمجموعه يبلغان مسافة القصر نظر: فإن كان من المواضع الذي ضم الزيادة إلى ما نواه يبلغ مسافة القصر جاز له القصر، وإلا فلا.
ولو نوى مسافة القصر، ثم غير نيته في خلال الطريق، ونوي المقام بقرية في خلال الطريق، مثل أن يقصد في مرو الروذ، والخروج إلى سرجس، ثم لما فارق البلد نوي القيام في خمس قرى، وثبت له الرخص ما لم يدخل خمس قرى، فإذا دخلها صار مقيمًا في الحال، والفرق أنه في هذه المسألة انعقد له سبب الرخصة، فلم يرتفع إلا بتحقيق فعل الإقامة.
وإذا نوى مسافة لا تقصر فيها الصلاة، ثم ضم إليها ما بمجموعها يبلغان مسافة القصر لم ينعقد له سبب الرخصة، فلم تثبت له الرخصة.
ونظيره رجل أبق له عبد، فنوي الخروج إلى بلد بعينه يقصر إليه الصلاة لطلب عبده به، ثم في خلال الطريق قصد الانصراف إذا استقبله العبد الذي خرج في طلبه جاز له القصر إلى أن يظفر بالعبد والصديق.

الجزء: 2 - الصفحة: 1091

ولو كان قد خرج على هذا القصد، وهو أن ينصرف مهما وجد العبد لم يجز له القصر.
وكذلك لو خرج إلى بلد لزيارة صديق له، ثم في خلال الطريق عرض له أن ينصرف مهما استقبله الصديق جاز له القصر، وإن كان لو خرج في الابتداء على هذه العزيمة، وهو أن ينصرف إذا استقبله صديقه لمن يجز له القصر.
وكذلك قال الشافعي رحمه الله: لو أن أعرابيًا سام نوقًا فانتجع سيارة تتبع مواقع القطر إن قصد مسافة القصر جاز له القصر، وإن عزم في خلال الطريق أن يقيم بكل موضع وجد به خصبًا له القصر ما لم يجد خصبًا.
ولو أنه خرج على عزيمة أن ينزل بكل موضع وجد خصبا لم يجز له القصر.
وهذا للمعنى الذي ذكرناه، وهو أنه إذا قصد مسافة القصر في الابتداء انعقد له سبب الرخصة، فإذا لم يعقد على الجزم مسافة القصر لم ينعقد له سبب الرخصة.
وعلى هذا العاصي بسفره لا يترخص المسافرين، وإذا عصى في سفره ترخص برخص المسافرين، لأنه انعقد له سبب الرخصة، فلم يرتفع بفعل المعصية.
ونظيره في غير القصر إذا وجد لقطة، فأخذها على قصد الإمساك للمالك، ثم نوي التملك في خلال الحول، والإمساك لنفسه لا يدخل في ضمانه بمجرد النية، حتى ينضم إليه النقل والتصرف، ولو وجدها فأخذها على عزم الإمساك والتملك دخل في ضمانه بمجرد الأخذ والقصد إلى التملك كذا ها هنا.
ولو أنه في خلال الطريق نوي الانحراف إلى موضع آخر جاز له القصر ما لم يبلغ الموضع الذي نوى الانحراف عنه، وإذا بلغه إن كان بينه، وبين المقصد الثاني مسافة القصر، جاز له قصر إذا أنشأ الخروج إليه، وإلا فلا.
وإذا نوي مسافر المقام في مفازة، هل يصير مقيما أم لا؟ فعلى وجهين

الجزء: 2 - الصفحة: 1092

مستنبطين من مسألة، وهو أنه إذا دخل بلدًا مجتازًا، وله به أهل وولد هل يجعل مقيمًا؟ فيه قولان: أحدهما: لا يصير مقيمًا لعدم نية الإقامة، فعلى هذا يصير مقيمًا بنية الاقامة في المفازة، وإن كان المكان غير صالح لمقام مثله فيه.
والثاني: يصير مقيمًا لصلاح المكان، لإقامة مثله فيه، فإن الغالب أنه يقيم ببلد أهله وولده، فعلى هذا لا يصير مقيما بالمفازة، إذا نوي المقام بها، لأن المكان غير صالح لإقامة مثله فيه.
وإذا قصد الخروج إلى قرية، والرجوع عنها، ومسافة الخروج والرجوع مجموعها يبلغ مسافة القصر لا يجوز له القصر، لأن قصد ارجوع غير قصد الخروج.
ولو أنشا سفرا يبلغ مسافة القصر، ثم في خلال الطريق ردد النية، فقال: أقصر أم لا: ففي الحال يصير مقيمًا.
وقال في الكرة الثانية: لو أنشأ سفرًا من مرو الروذ إلى سرجس في خلال الطريق نوي الانحراف إلى مرو في الحال يصير مقيمًا لقطع تلك الجهة، ثم ينظر إن كان بينه وبين البلد الذي قصده مسافة القصر يجوز له القصر، وإلا فلا، والله أعلم.
قال المزني: فإن نوي السفر فأقام أربعة أيام، أتم الصلاة وصام واحتج فيمن أقام أربعة يتم، بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمني ثلاثا يقصر، وقدم مكة، فأقام قبل خروجه إلى عرفة ثلاثا يقصر، ولم يحسب اليوم الذي قدم فيه، لأنه كان فيه سائرا، ولا يوم التروية الذي خرج فيه سائرًا.
وأن عمر رضي الله عنه أجلى أهل الذمة من الحجاز، وضرب لمن يقدم

الجزء: 2 - الصفحة: 1093

منهم تاجرًا مقام ثلاثة أيام، فأشبه ما وصفت أن يكون ذلك مقام السفر، وما جاوزه مقام الإقامة.
وروى عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: من أقام أربعًا، أتم.
وعن ابن المسيب: من أجمع إقامة أربع، أتم.
قال الشافعي رحمه الله فإذا جاوز أربعا لحاجة أو مرض وهو عازم على الخروج أتم وإن قصر أعاد الا أن يكون في خوف، أو حزب فيقصر قصر النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح، لحرب هوازن سبع عشرة أو ثمان عشرة.
وقال في الإملاء: إن أقام على شيء، ينجح اليوم واليومين: أنه لا يزال يقصر ما لم يجمع مكثًا، أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح سبع عشرة، أو ثمان عشرة يقصر، حتى خرج إلى حنين.
قال المزني: ومشهور عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر؛ أخرج اليوم، وأخرج غدا.
قال المزني: فإذا قصر النبي صلى الله عليه وسلم في حربة سبع عشرة، أو ثمان عشرة ثم ابن عمر، ولا عزم على وقت إقامة، فالحرب وغيرها سواء في القياس، وقد قال الشافعي لو قاله قائل، كان مذهبا قال الشافعي رحمه الله، فإن خرج في آخرج وقت الصلاة قصر، وإن كان بعد الوقت لم يقصر.
قال المزني: أشبه بقوله أن يتم، لأنه يقول: إن أمكنت المرأة الصلاة، فلم تصل، حتى حاضت، أو أغمي عليها، لزمتها وإن لم تمكن لم تلزمها فكذلك إذا دخل عليها وقتها، وهو مقيم لزمته صلاة مقيم، وإنما تجب عنده بأول الوقت، والإمكان، وإنما وسع له التأخير إلى آخر الوقت.

الجزء: 2 - الصفحة: 1094

قال القاضي حسين: والكلام في هذا الفصل في مدة مقام المسافرين، وما يصير به مقيمًا إذا نوى إقامتها، نص الشافعي رحمه الله وقال: لو نوى المسافر مقام أربع أتم الصلاة والصوم.
وقال بعد هذا: ولو جاوز أربعة أيام لحاجة، أو مرض وهو عازم على الخروج اتم، وإن قصر أعاد، وليس النصين خلف في الحقيقة، إلا أن في الاقامة لم يحسب يوم الدخول والخروج فسوى يومي الدخول والخروج يحتاج إلى أربعة أيام وعليه يدل الخبر، وفي الفعل حسب يوم الدخول والخروج فيحتاج إلى المجاوزة مع الأربع حتى يصير مقيمًا.
ومن أصحابنا من فرق بين النية والفعل، وقال: إن حصر الأربعة بالنية ممكن، فلم تعتبر المجاوزة عند النية، وحصر الأربع بالفعل غير ممكن، فاعتبر المجاوزة، وهذا كما أن غسل الوجه ممكن استيفائه بالنية من غير إدخال جزء من الرأس فيه.
وهل يحسب يوم الدخول والخروج؟ فعلى وجهين: أحدهما: لا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة، يوم الرابع من ذي الحجة وخرج يوم الثامن، وكان يقصر.
والوجه الثاني: يحسب يوم الدخول والخروج، كما في المسح على الخفين يحسب يوم اللبس، والحدث في الثلاثة.
ومن قال بهذا أجاب عن الحديث بأنه عليه السلام، يحتمل أنه دخل مكة بعد الزوال، وخرج قبل الزوال على عادة الحجيج، فإن العادة للحجيج أنهم يدخلون البلاد بعد الزوال، ويخرجون منها ضحوة النهار، وإن الحجيج يخرجون إلى منى بالغلس يوم الثامن، فخرج من هذا أنه لو دخل بلدا يوم الجمعة بعد الزوال، ونوي المقام إلى يوم الأربعاء، أو أقام بها إلى يوم الأربعاء لا تثبت له الرخصة، ولو نوي المقام إلى وقت الزوال من يوم الاثنين جاز له

الجزء: 2 - الصفحة: 1095

القصر، ولو نوى المقام به إلى وقت العصر من يوم الثلاثاء، فعلى وجهين إن حسبنا يوم الدخول والخروج لم يجز له القصر وإلا جاز.
وعند أبي حنيفة: مدة مقام المسافرين ما دون خمسة عشر يومًا حتى لو نوي مقام أربعة عشر يومًا جاز له القصر.
وإذا نوي مقام خمسة عشر يومًا، أو تنجز حاجة لا تنتجز في أقل من خمسة عشر يوما صار مقيما.
فالدليل على أن مدة مقام المسافرين ما دون الأربعة، وأن الأربعة مدة المقيمين ما روى أنه عليه السلام قال: يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا.
فدل أن الثلاثة مدة مقام المسافرين لأنه إنما قال هذا عام عمرة القضاء، وإذ ذاك كان لا يحل للمهاجرين المقام بـ مكة، ومن أقام بها كان يبطل ثواب هجرته، وهو بين في قصة سعد بن أبي وقاص حين مرض بـ (مكة)، فدخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم عائدا.
وروى أن عمر رضي الله أجلي ايهود والنصارى من جزيرة العرب، وضرب لمن يقدم منهم تاجرًا مقام ثلاثة أيام، وإذا أقام ببلد على قصد ينتجز حاجة لا تنتجز إلا في أربعة أيام يصير مقيمًا، كما لو نوى مقام أربعة أيام.

الجزء: 2 - الصفحة: 1096

فأما إذا أقام ببلد لحاجة تنجز اليوم واليومين على قصد الخروج إذا تنجزت ما حكمه؟ نص الشافعي رحمه الله، على أنه إذا جاوز أربعة أيام لحاجة أو مرض، وهو عازم على الخروج أتم، فإذا قصر أعاد.
فرع.
مسافر دخل بلدة، إن نوي مقام يومين، أو ثلاثة له القصر والفطر، وإن نوي مقام أربعة أيام ففي الحال يصير مقيمًا.
ولو دخل بلدا، أو أقام على ما تنجز اليوم والومين يقول: أخرج اليوم وأخرج هذا فإن كان أمرا تيقن أنه لا يتم بدون أربعة أيام صار مقيما، وإن تيقن أنه يتم بدون ثلاثة أيام لا يصير مقيما.
ولو قال: متى وجدت رفقة خرجت، فلا يصير مقيمًا في الحال، وإذا جاوز أربعة صار مقيمًا، نص عليه ها هنا، ونص بعد ذلك على أن الخائف إذا أقام سبعة عشر أو ثمانية عشر على عزم الخروج يجوز له القصر.
وحكى عن الإملاء: أنه يجوز له القصر ما لم يجمع مكثا.
ثم قال: والحرب وغيره سواء.
وقال الشافعي رحمه الله: ولو قال به قائل كان مذهبا فاضطربت النصوص كما ترى، فمن أصحابنا من ضرب النصوص بعضها ببعض، وجعل في الأمن والخائف ثلاثة أقوال: أحدها: لا يقصر في أكثر من أربعة أيام؛ لأنه نص في حق الآمن على الأربعة، وشبه الخائف بالآمن بقوله: الحرب وغيره سواء.
والثاني: يجوز القصر في سبعة عشر يوما أقام النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح بهوازن سعبة عشر، أو ثمانية عشر يقصر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1097

واختلفت الروايات في مدة مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ هوازن، عام الفتح.
فروى أنس انه عليه السلام أقام بها عشرة أيام.
وروى عمران بن حصين أنه عليه السلام أقام بها سبعة عشر يومًا.
وروى ابن عباس أنه عليه السلام أقام بها ثمانية عشر يومًا.
وروى جابر أنه عليه السلام أقام بها عشرين يومًا، غير أن الشافعي رحمه الله، لم يصحح من هذه الروايات إلا رواية عمران بن حصين وابن عباس ورد رواية أنس وجابر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1098

والقول الثالث أنه يقصر أبدًا ما لم يجمع مكثًا لما روى عن ابن عمر أنه أقام بـ (أذربيجان) ستة أشهر يقصر، ويقول: اليوم أخرج أغدا أخرج؟ وروي عن مسور بن مخرمة أنه أقام ب فارس سنتين يقصر.
ومن أصحابنا من قال: في الآمن قول واحد، إنه يقصر أربعة أيام لا غير، وفي الخائف الأقوال الثلاثة.
وقوله بالحرب وغيره سواء تشبيه الآمن بالخائف حتى يخرج في الخائف.
قول آخر: إنه لا يقصر أكثر من أربعة أيام، وليس ذاك تشبيه الخائف بالآمن، وما قال من أنه يقصر سبعة عشر يومًا في الخائف دون الآمن، وما نقله المزني عن الإملاء غلط في نقله، وإنما قال الشافعي ما لم يجمع مكثا، أو يجاوز أربعة أيام.
وقول الشافعي: ولو قاله قائل كان مذهبا منهم من قال: أراد به أن يلحق مسألة الخوف بمسألة الأمن، فيخرج في الخوف قول آخر بأنه يقصر سبعة عشر يومًا، أو ثمانية عشر يوما ومن أصحابنا من قال في الخائف الأقوال الثلاثة، وفي الآمن قولان: أحدهما: يقصر مدة أربعة أيام.
والثاني: يقصر سبعة عشر يومًا، فتشبيه الخائف بالآمن، وما نقله عن

الجزء: 2 - الصفحة: 1099

(الإملاء)، غلط وقع له كما بينا، فحصل من هذه الطرق والاختلافات في الخائف ثلاثة أقوال، وفي الآمن ثلاثة طرق: أحدهما: يقصر أربعة أيام قولا واحدًا.
والثاني: قولان: أحدهما هذا، والثاني: سبعة عشر يومًا.
والثالث: في الآمن ثلاثة أقوال، كما في الخائف.
واختار المزني أن يقصر أبدًا ما لم يجمع مكثًا، واحتج بحديث ابن عمر ومسور.
والجواب: أن أذربيجان، وفارس قرى ونواح متفرقة، فيحتمل أنه كان يجوب فيها قاصدا مسافة القصر، فلهذا قصر لا لما قلت، والله أعلم بالصواب.
قوله: وإن خرج في آخر وقت الصلاة يقصر، أما إذا سافر بعد خروج الوقت لا يجوز له القصر عندنا.
قال المزني: له ان يقصر، واحتج بأن العبرة في العبادات بوقت الأداء، دون الوجوب يدل عليه أنه لو وجبت عليه الصلاة في حالة القدرة على القيام فأخرها حتى عجز عن القيام قضاها قاعدًا.
ولو وجبت الصلاة في حالة العجز عن القيام، فأخرها حتى قدر على القيام قضاها قائمًا.
والفرق بينهما أن إزالة المرض ليست إليه، وهو بغرض ان تخترمه المنية في كل ساعة، فلو كلفناه التأخير حتى يندمل المرض، ويقدر على القيام ربما تخترمه المنية، فتبقي ذمته مرتهنة بالصلاة، بخلاف ما نحن فيه، فإن قطع السفر إليه، وإتمام الصلاة في مقدوره، فقلنا: عليه أن يقطع السفر، ويتم أو يتم في السفر، لأن السفر لا ينافي الإتمام.

الجزء: 2 - الصفحة: 1100

ولو سافر قبل خروج الوقت جاز له القصر، سواء سافر قبل التمكن من الأداء في الحضر أو بعده.
واختار المزني للشافعي رحمه الله أنه لو سافر بعد التمكن من الأداء في الحضر لا يجوز له القصر، واحتج بأن الصلاة تجب عنده بأول الوقت، إذا مضى من الوقت قدر إمكان الفعل، ثم سافر أتم الصلاة، فإن سافر قبل مضى وقت الإمكان لا يتم حتى لو تمكن من الأداء، فلم يؤد، حتى جن أو حاضت يلزمهما القضاء، وإذا طرأ السفر بعد استقرار الصلاة لا يجوز له القصر عنده، كما بعد خروج الوقت عنده.
فمن أصحابنا من قال: لا يجوز له القصر لما ذكره المزني.
ومنهم من ضاق به الفرق، فركب مسألة الحائض والمجنون، وخرج قولا آخر: إنها لا تجب بأول الوقت، وهذا غلط، لأن المذهب أن الصلاة تجب بأول الوقت، وأنه لو أخرها بعد التمكن من الأداء، ثم جن أو حاضت يلزمه القضاء، وإنما جاز القصر، لأن القصر تجب بأول الوقت، وبكل جزء من أجزاء الوقت، فإذا سافر في آخر الوقت، فقد سافر في وقت كان للوجوب تعلق بها، فجاز القصر، كما في أول الوقت، فإن أخر الوقت وقت تجب فيه الصلاة مبتدأ بأن آفاق فيه المجنون، أو طهرت الحائض، أو بلغ الصبي، أو أسلم الكافر.
وكل وقت تجب فيه الصلاة ابتداء جاز له القصر إذا سافر فيه، بخلاف ما بعد الوقت، فإنه لا تعلق للوجوب به بحال، وهذا فرق ظاهر.
واحتج المزني بفضل آخر، وقال: لو شرع في صلاة الوقت، وهو مقيم، ثم أفسدها، ثم سافر لزمه الإتمام، لأن الصلاة وجبت عليه بأول الوقت.
قلنا: لأنه التزم إتمامها بالشروع فيها في الحضر، فإذا أفسدها، ثم أراد أن يقضيها يلزمها أن يقضي كما التزم.
وهذه حجة لنا لأبي حنيفة في مسألة صوم التطوع، وقد نص على أنه لو

الجزء: 2 - الصفحة: 1101

سافر، وقد بقي من الوقت قدر ما يصلي ركعة فيها جاز له القصر، ويصلي ركعة وركعة خارج الوقت.
وهذا من كلام الشافعي رحمه الله دليل على أنه إذا أدرك من الصلاة ركعة في الوقت فصلاها وصلى ركعة خارج الوقت، كان الكل أداء.
وقد ذكرنا فيه وجها آخر: أن المفعولة خارج الوقت قضاء، والمفعولة في الوقت أداء لاستحالة وقوع العبادة أداء خارج الوقت.
قال المزني: قال الشافعي: وليس له أن يصلي ركعتين في السفر، إلا أن ينوي القصر مع الإحرام فإن أحرم، ولم ينوي القصر، كان على أصل فرضه أربع.
قال القاضي حسين: نية القصر شرط عندنا في جواز القصر، فلو أطلق النية لزم الإتمام.
وقال أبو حنيفة: نية القصر ليست بشرط في جوازه، بناء على أصله، وهو أن القصر عزيمة، واقتضاه مطلق النية، وشرط اقتران نية القصر بالشروع فيها الصلاة حتى لو تأخرت النية عن الافتتاح يلزمه الإتمام، وإن شك هل نوي القصر؟ يلزمه الإتمام، وإن تذكر أنه نواه، وقد ذكرنا أنه لو شك في أصل النية، ثم تذكر في الحال جازت صلاته.
والفرق أن زمان الشك في المسألتين غير محسوب عما شك فيه، إلا أن في مسألة القصر إذا لم يكن محسوبًا عما شك، فيكون ملتزمًا للإتمام فيلزمه الإتمام.
وفي النية زمان الشك غير محسوب عما شك فيه، إلا أن ذلك القدر لو تعمده في صلاته لم تبطل صلاته، فجعلناه كأنه عمل عملا ليس من الصلاة.
قال المزني: ولو كان علي أصل فرضها ركعتين، ما صلى مسافر خلف مقيم.
قال المزني: ليس هذا بحجة، وكيف يكون حجة، وهو يجيز صلاة فريضة خلف نافلة، وليست النافلة فريضة ولا بعض فريضة، وركعتا المسافر فرض، وفي الأربع مثل الركعتين، فرض.

الجزء: 2 - الصفحة: 1102

قال القاضي حسين: قصد به أبا حنيفة فإنه يقول: القصر عزيمة، وفرض المسافر ركعتان.
ويجوز اقتداؤه بمقيم يتم أربعًا.
وقال المزني: هذا عندي ليس بحجة، لأنه يجوز الفرض خلف النفل مع اختلافهما في الفريضة، وصلاة المسافر جامعت صلاة المقيم في الفريضة.
قلنا: أنت أخللت في النقل، إنما قال الشافعي رحمه الله: لو كان فرضه ركعتين ما صلى مسافر أربعا خلف مقيم، ومن فرضه ركعتان لا يصليها أربعا إذا اقتدى بمن يصلي صلاة ذات أربع، كما لو اقتدى في الصبح بمن يصلي الظهر لا يكمل الصبح أربعا على أنه ألزم هذا أبا حنيفة، وعنده: لا يجوز الفرض خلف النفل.
والصلاة التي هي ذات ركعتين خلف ذات أربع، فصح الإلزام.
قال المزني: قال الشافعي: رحه الله، وإن نسي صلاة في سفر، فذكرها في حضر، فعليه أن يصليها صلاة حضر، لأن علة القصر هي النية والسفر، فإذا ذهبت العلة، ذهب القصر، وإذا نسي صلاة حضر، فذكرها في سفر، فعليه أن يصليها أربعا، لأن أصل الفرض أربع، فلا يجزئه أقل منها، وإنما أرخص له في القصر، ما دام وقت الصلاة قائمًا، وهو مسافر فإذا زال وقتها، ذهبت الرخصة.
قال القاضي حسين: في هذا الفصل ثلاث مسائل: إحداهما: إن نسي صلاة في الحضر، وذكرها في السفر، فلا يقصرها عندنا اعتبارا بحالة الوجوب.
وقد حكينا عن المزني أنه قال: إذا سافر بعد خروج الوقت يقصر الصلاة التي تركها في الحضر، اعتبارا بحالة الأداء.
والمسألة الثانية: نسي صلاة في السفر، وذكرها في الحضر، ففي جواز القصر قولان:

الجزء: 2 - الصفحة: 1103

في الجديد: وهو المنصوص عليه في الكتاب: لا يجوز له القصر، لأن علة جواز القصر فعل السفر مع النية، وقد ارتفعت العلة.
والقول الثاني: وهو قوله القديم، يجوز له القصر اعتبارا بحالة الوجوب، لأن الفرض لزمته ركعتان، فلا يزداد بتبدل الحال وقال ابو حنيفة: لا يجوز إلا القصر بناء على أصله.
والثالثة: نسي صلاة في السفر، وذكرها في السفر، نص في الإملاء على أنه يجوز له القصر.
وفصل أصحابنا فقالوا: إذا ذكر صلاة في السفر نسيها في السفر، فلا يخلو إما أن يكون قد تخلل بينهما إقامة، أو لم يكن تخلل بينها إقامة، فإن لم يتخلل بينهما إقامة يترتب على ما إذا نسيها في السفر، وذكرها في الحضر إن جوزنا القصر هناك، فها هنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق أنه وجدت العلة المبيحة للقصر في الطرفين، أعني طرف الوجوب والأداء، وفي المسألة الأولى عدمت العلة حالة الأداء.
وإن تخلل بينهما إقامة يترتب على ما لو لم يتخلل بينهما إقامة، إن منعنا القصر هناك، فها هنا أولى.
والفرق أن في المسألة الأولى لم يتخلل بين حالة الوجوب والأداء حالة يمتنع القصر فيها، بخلاف ما نحن فيه، فلذلك غلظنا الأمر، وأخذنا بأسوأ الأحوال، هذا كما لو غصب ما قيمته مائة، فارتفع السوق، وبلغت قيمته مائتين، ثم انخفض السوق فعادت إلى مائة، ثم تلفت في يده يلزمه أكثر القيم أخذا بالأغلظ، كذا ها هنا.
والقولان فيما إذا نسي صلاة في السفر، وذكرها في الحضر يقربان من القولين في أن العبرة في الكفارات بوقت الوجوب، أو بالأداء، لأن الكفارات قربة تنقسم إلى مخفف ومغلظ، كالصلاة.
وقيل: لو لم يتخلل بينهما إقامة، فلها حالتان:

الجزء: 2 - الصفحة: 1104

إحداهما: أن يذكر المنسية.
والثانية: إن لم يذكرها، فإن لم يذكرها يترتب على ما لو تخلل الإقامة ولو تذكرها ثم نسيها يترتب على ما لو لم يذكرها.
إن قلت: لا يجوز القصر فها هنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق: أنه إذا تذكرها صار مفرطًا بخلاف هناك، والله أعل.
قال المزني: وإن أحرم، ينوي القصر، ثم نوي المقام، أتمها أربعًا ومن خلفه من المسافرين.
قال القاضي حسين: وهو كما قال لأن الفرض في الأصل أربع، وإنما جوز له القصر بشرط السفر، وقد زال بالإقامة.
كذلك لو نوى الإتمام يلزمه الإتمام، وإذا اقتدى بمسافر نوي القصر جاز له القصر، ولو شك في حال الإمام أنه يريد القصر، أو الإتمام فعلق نيته بنيته، وقال: إن قصر إمامي قصرت، وإن أتم أتممت، جاز له القصر إن قصر إمامه، لأن أداء القصر جماعة لا يمكن إلا هكذا، إذ لا يمكنه الإطلاع على نية الإمام، ولو أخبره الإمام بذلك ربما يكذب فيه، بخلاف ما لو شك في حال إمامه أنه مقيم أو مسافر، يلزمه الإتمام، وإن بان مسافرًا.
والفرق: أن الأصل في الناس الإقامة دون السفر، فلم يستند كونه مسافرًا إلى أصل، بل هو خلاف الأصل، فلم يجز التعليق.
والظاهر من حال المسافر أنه يقصر فاستند جواز القصر إلى هذا الظاهر، فصح التعليق، وهذا كما قلنا في صيام رمضان: إذا شك في أول الشهر أن غدًا من شعبان، أو من رمضان فعلق نية الصوم، وقال: إن كان غدا من رمضان صمته من رمضان، وإن كان من شعبان فهو تطوع لم يجز؛ لأن الأصل بقاء شعبان.

الجزء: 2 - الصفحة: 1105

وفي آخر الشهر إذا شك أن غدًا من شوال، أو بقية رمضان، فعلق النية جاز؛ لأن الأصل بقاء رمضان، فاستند التعليق إلى هذا الأصل، وبمثل هذا رجل له مال غائب نصاب لا يتحقق بقاؤه، فأخرج الزكاة، وقال: إن كان مالي الغائب باقيًا، فهذا زكاته، وإن كان تالفا، فهذا صدقة جاز، لأن الأصل بقاء المال، والظاهر سلامته، فاستند إلى هذا الأصل صح التعليق.
وبمثله لو أخرج خمسة دراهم، وقال: إن كان قد مات مورثي، وانتقلت أمواله إلى إرثا، فهذه زكاته، وإلا فصدقة لم تجزه عن الزكاة، وإن بان أن المورث كان ميتا، لأن الأصل بقاء الحياة، وكمن تيقن الطهارة، وشك في الحدث فتوضأ بنية مترددة، ثم بان أنه كان قد أحدث لم يجزه وضوءه، لأن الأصل هو الطهارة، ولو تيقن الحدث، وشك في الطهارة، فتوضأ بنية إن لم أتطهر فهو وضوئي، وإلا فهو تجديد، ثم بان أنه كان قد توضأ صح وضوءه، لأن الأصل بقاء الحدث.
ولو افتتح الصلاة خلف مسافر بنية القصر، ثم في خلالها شك في نية إمامه أنه نوي القصر، أو الإتمام لم يلزمه الإتمام، لأنه لو اقترن هذا الشك بحالة الافتتاح لم يجب الإتمام، فكذا إذا طرأ بعد الافتتاح في خلال الصلاة.
ولو اقتدى بإمام مسافر، فنوي الاتمام لزمه الاتمام، ولو نوي إمامة القصر، ولو نوي القصر، ثم بدا للإمام أن يتم فعليه الاتمام، ولو قام إمامه إلى الثالثة إن علم أنه نوي الاتمام لزمه الاتمام، وإن علم أنه قام إليها ساهيا لم يلزمه الاتمام، بل يخرج نفسه من صلاته، ويسجد سجدتين، لأن سهو الامام لحقه ويسلم، أو يصبر حتى يسلم مع الامام.
قال المزني: رحمه الله: في هذه المسألة لا يلزمهم الاتمام، ولا أراهم يعرفون ذلك، وليس هذا بصحيح، لأنهم قد يعرفون سهو بأن كان الامام حنفيا متعصبا في مذهبه يعلمون من حاله أنه لا يتم في السفر مع ما تقرر من أصله أنه إذا أتم لم تصح صلاته، وإن اشتبه عليه قام للإتمام، أو قام ساهيًا، فعليه الاتمام، وإن بان أنه كان ساهيا لأن في أحد محتمليه أن إقامته إقامة متم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1106

وقد يقوي ذلك الاحتمال بقيامه إلي الثالثة.
فإن قيل: من الجائز أنه قام إليها ساهيًا، فوجب ألا يلزمه الإتمام.
قلنا: الأصل عدم السهو، فقد يقوي احتمال الإتمام بهذا الأصل، ولو أخبره الإمام بأني أريد الإتمام، فاقتدي به، ونوي القصر لزمه الإتمام، وإن قصر هو؛ لأن قبول قول واحد من المسلمين واجب عليه؛ إذ الظاهر أنه صادق كما لو قال: إني محدث لا يقتدي بي، ولو اقتدي به لا تنعقد صلاته، وسئل عما لو اقتدى بمسافر قال له قبل العقد: إني أريد الإتمام، فقال: لا يجوز له القصر، وإن قصر إمامه؛ لأن الظاهر من حال الامام بعد ما قال: إنه يريد الإتمام أن يتم فيقوى جنبه الاتمام بهذا الظاهر.
وهذا كما قلنا فيما لو قام الإمام إلى الثالثة، ولم يعلم المأموم أنه قام إليها للإتمام، أو ساهيا لزمه الإتمام، وإن بان أنه قام إليها ساهيا لأن أحد المحتملين يقوي بالظاهر، وهو أنه لا يقوم إلى الثالثة سهوًا، وإذا قام المنفرد إلى الثالثة ساهيا عاد، وسجد سجدتين، وسلم، ولا يلزمه الاتمام، لأنه لم ينو الاتمام، ولو أنه بعد أن قام إلى الثالثة ساهيًا، وصلاها ذكر أنه سها، وبدا له الاتمام عليه أن يصلي ركعتين أخريين، ولا يحتسب له ما قد صلى في حالة السهو.
ولو قام إلى الثالثة عامدًا من غير أن ينوي الاتمام، تبطل صلاته، لأنه نوي أداء ركعتين، ولم يحدث نية.
ولو شرع في الصلاة بنية الإتمام، ثم أفسدها لم يجز له أن يؤديها مقصورة، لأنه بالشروع التزم الإتمام، وكذا لو شرع فيها بنية القصر، ثم نوي الاتمام، ثم أفسدها يلزمه الإتمام إذا قضاها.
ولو شرع في الصلاة بنية الإتمام، ثم بان أنه كان جنبا أو محدثا لم يلزمه الإتمام، لأن صلاته لم تنعقد بنية الإتمام.
ولو اقتدى بإمام ظنه مسافرًا، فبان مقيمًا لزمه الإتمام، وإن بان مقيمًا محدثًا،

الجزء: 2 - الصفحة: 1107

نظر فإن بان كونه مقيمًا أولا، ثم كونه محدثا لزمه الإتمام، لأنه التزم الإتمام إلى أن بان كونه محدثا.
وقد ذكرنا أنه إذا لزمه الإتمام في جزء من الصلاة لزمه في الجميع، ولو بان كونه محدثا أولا، ثم كونه مقيمًا لم يلزمه الإتمام، وكذا لو بان كونه مقيمًا ومحدثا معا لم يلزمه الإتمام.
ولو اقتدى بمن علمه متما، فبان أنه كان محدثا لزمه الإتمام، لأن صلاته انعقدت بنية الإتمام، لأن حدث الإمام لا يمنع انعقاد الصلاة أي صلاته.
والحد في هذه المسائل أنه إذا شرع في الصلاة بنية الإتمام لم تنعقد صلاته بحدث، أو نجاسة لم يلزمه الإتمام.
وإذا انعقدت صلاته، والتزم الإتمام بنفسه، أو حكما باقتدائه متمًا لزمه الإتمام.
ولو صلى الظهر المقصور خلف مقيم يصلي الصبح، ففي جواز القصر وجهان: أحدهما: يجوز، لأن الصلاتين اتفقتا في عدد الركعات.
والثاني: لا، لأنه اقتدي بمقيم، وحال المقيم وجوب الإتمام عليه.
والمقيم لو صلى الصبح خلف من يصلي الظهر مقصورًا، أو متمًا لو قنت تبطل صلاته، لأنه خالف الامام، لأن المتابعة فرض والقنوت نقل، وإن أخرج نفسه من متابعته، ثم قنت مع نفسه جاز، وإن مضى على متابعته أيضا، جاز، وليس له سجود السهو، ولو اقتدي فيه بمن يصلي المغرب لزمه الاتمام مقيما كان الامام أو مسافرا، لأنه اقتدي فيها بصلاة هي أكثر من ركعتين فصار كما لو اقتدي فيها بمتم لها.
وهكذا لو صلى الظهر مقصورا خلف مسافر صلى المغرب، لزمه الإتمام، ولو اقتدى في الظهر المقصورة بمقيم يصلي الجمعة، ينبني على أن الجمعة ظهر مقصورة، أو فرض آخر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1108

فإن قلنا: إن الجمعة فرض مقصورة جاز له القصر، وإلا فوجهان، كما لو اقتدي فيها بمقيم يصلي الصبح.
ولو اقتدى في الجمعة بمسافر يصلي الظهر المقصورة، فجوابان بناء على أن الجمعة هل تجوز خلف من يصلي قضاء أو خلف الصبيان.
وفيه قولان، والمنصوص في المختصر في كتاب الجمعة أنه يجوز خلف المسافر والعبد.
فرع مقيم يصلي الظهر أربعا خلف مقيم، فقام الإمام إلى الخامسة ساهيًا، فليس له أن يتابعه، وإن تابعه بطلت صلاته، بل هو بالخيار إن شاء أخرج نفسه من متابعته، ويتشهد، وسجد سجدتي السهو وسلم، وإن شاء صبر حتى عاد الإمام إليه فيتابعه.
ولو قام الإمام إلى الخامسة ساهيا، وخلفه مسبوق بركعة، فقال في نفسه، علي ركعة، فأنا أتابعه في الخامسة، احتسب بها على ركعتي، فتابعه بطلت صلاته بمتابعة الساهي، بل ينبغي أن يقوم منفردًا فيقضي ركعته.
قال المزني: ولو أحرم في مركب ثم زال السفر لم يكن له أن يقصر.
قال القاضي حسين: وهو كما قال: لأن العبادة إذا اجتمع فيها الحضر والسفر يغلب حكم الحضر على حكم السفر حتى لو أحرم لصلاة في السفر بنية القصر، ثم نوي الإقامة في خلال الصلاة، او اتصلت السفينة بالبلد حتى صار مقيمًا يلزمه الإتمام.
ولو أحرم في الحضر، ثم جرت السفينة، حتى صار مسافرًا يلزمه الإتمام، فلا يستفيد جواز القصر بمجرد السفر تغليبًا لحكم الحضر.
وعلى هذا أمر الصوم إذا أصبح صائمًا في الحضر، ثم أنشأ السفر لم يترخص

الجزء: 2 - الصفحة: 1109

بالفطر، ولو أصبح صائمًا في السفر، ثم صار مقيمًا، هكذا تغليبًا لحكم الحضر.
فرع عند الشافعي رحمه الله إذا سافر السيد سفرا يباح له الفطر والقصر، فالعبيد الذين يخرجون معه لا يباح لهم الترخص، ولا يجعلون تبعًا للسيد، وإن أخبرهم السيد إني أريد إلى موضع كذا، فعزموا ذلك السفر؛ حينئذ يباح لهم الترخص، وإلا فلا.
وعند أبي حنيفة: العبد يكون تبعًا للسيد.
قال المزني: وإن أحرم خلف مقيم، أو خلف من لا يدري، فأحدث الإمام، كان على المسافر أن يتم أربعًا، وإن أحدث إمام مسافر بمسافرين فسدت صلاته، فإن علم المأموم أنه صلى ركعتين، لم يكن عليه إلا ركعتان، وإن شك لم يجزه إلا أربع، فإن رعف، وخلفه مسافرون ومقيمون فقدم مقيمًا، كان علي جميعهم، وعلى الراعف: أن يصلوا أربعا، لأنه لم يكمل واحد منهم الصلاة، حتى كان فيها في صلاة مقيم.
قال المزني: هذا غلط الراعف يبتديء، ولم يأتم بمقيم، فليس عليه، ولا على المسافر إتمام، ولو صلى المستخلف بعد حدثه أربعًا، لم يصل هو إلا ركعتين، لأنه مسافر لم يأتم بمقيم.
قال القاضي حسين: قد ذكرنا أنه إذا اقتدى بمقيم يلزمه الإتمام، ولو اقتدي بمن لا يدري أنه مقيم، أو مسافر يلزمه الإتمام أيضا، وإن بان مسافرًا، لأن الأصل في الناس الإقامة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1110

ولو اقتدى بمن جهل حاله، ثم أحدث الإمام، وخرج عن الصلاة أتم المأموم صلاته أربعًا.
ولو اقتدى بمسافر، وأحدث في خلال الصلاة، وخرج ليتوضأ، إن علم أنه نوي الإتمام أتم، وإن علم أنه نوي القصر قصر، وإن جهل الحال أتم تغليبًا للإتمام، إذ الفرض في الأصل أربع، وقد شك في سبب الرخصة.
قال صاحب التلخيص، لا يترك اليقين بالشك إلا في مسائل عددها، وذكر من جملتها هذه المسألة.
ومسألة أخرى من هذا الكتاب، وهي: إذا دخل المسافر في جوف الليل قرية واشتبه عليه أنها مقصده، أو ليست مقصده لا يجوز له القصر، وهذا غلط، لأنا في المسألتين لم ندع اليقين بالشك، بل تمسكنا بالأصل واليقين، لأن الأصل في وجوب الإتمام، وأن الفرض على الإنسان أربع غير أنه جوز له القصر، ورخص فيه بشرائط.
وقد شك في بقاء شرط الرخصة، فرددناه إلى الأصل.
ولو أن إمامه كما أحدث قال له: نويت القصر أخذ بقوله فيتمها مقصورة، ولو قال: كنت نويت الإتمام أتم، وإن كان يقدره قاصرًا.
قوله: فإن رعف، وخلفه مسافرون، مقيمون فقدم مقيمًا كان على جميعهم، والراعف أن يصلوا أربعا، وهو كما قال لأنهم اقتدوا في بعض الصلاة بمقيم، وإن كانوا في أولها مقتدين بمسافر.
قال المزني: الراعف لا يلزمه الإتمام، لأنه لا يأثم في صلاته بمقيم، ولو نوي الإتمام فيصلي صلاة مقصورة.
واختلف أصحابنا في الجواب عنه.
فمنهم من قال: صورة المسألة إذا عاد الراعف، واقتدى بخليفته، واستأنف الصلاة على القول الذي يقول: يجب استئناف الصلاة على من سبقه الحدث.

الجزء: 2 - الصفحة: 1111

أو بنى على القول الذي يجوز البناء، فعلى هذا حكم المسألة.
قال الشافعي رحمه الله: لأنه اقتدى في بعض صلاته بمقيم كالمأمومين.
ومن أصحابنا من قال: صورة المسألة: أن الراعف لم يقتد بخليفته، بل بني على صلاته مفردًا دائمًا، لزمه الإتمام، لأنه شارك مقيما في بعض الصلاة؛ لأن خليفته المقيم شاركه في صلاته؛ فلزمه حكم المقيمين كما لو ائتم بمقيم، وهذا غلط لوجهين: أحدهما: أن الاستخلاف قول جديد، والبناء على الصلاة إذا سبقه الحدث قول قديم.
والشافعي رحمه الله يجوز الاستخلاف، فلم تخرج هذه المسألة على مذهب له في القديم.
والثاني: أنه إنما يلزم الإتمام بالاقتداء بمقيم، فأما بمجرد مشاركة المقيم في التحريمة لا يصير ملزمًا للإتمام، يدل عليه أنه إذا أم بالمقيمين، ومسافرين لم يلزمه الإتمام، وإن اقتدى به مقيم، وشاركه في التحريمة، بل الأصح هو التأويل الأول.

الجزء: 2 - الصفحة: 1112

فصل قد ذكرنا أن المسافر إذا نوي الإقامة في محل صالح للإقامة يصير مقيمًا بمجرد النية، وإن كان غير صالح للإقامة فيه بأن نوي الإقامة في بادية نائية، ففي تصييره مقيمًا وجهان، ولو ردد نية الإقامة صار مقيما كما لو جزم النية، وهذا كما قلنا في نية الصلاة إذا نوي الخروج منها تبطل صلاته، وإذا ردد نية الخروج تبطل صلاته.
عندنا: لا يصير العبد مقيما بأن ينوي مولاه الإقامة، وكذا المرأة لا تصير مقيمة حتى تنوي بنفسها، وكذلك لا يجوز للعبد أن يترخص بنية مولاه في السفر، حتى ينوي بنفسه.
وعند أبي حنيفة: يصير العبد مقيمًا بإقامة مولاه، لأنه تبع له.
فرع.
ولو سلم المسافر ناسيًا لسهوه، وكان قد سها، فقد خرج من الصلاة، فإن أراد أن يسجد سجدتي السهو جاز ذلك له على قرب الفصل، فلو أنه عاد ليسجدها، ثم نوي الإتمام هل يلزمه الإتمام أم لا؟ يجب أن يخرج على وجهين بناء على أنه هل يعود حكم الصلاة بعوده إلى سجود السهو حتى بطل بالحدث؟ وفيه وجهان ذكرناهما من قبل، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: قال الشافعي رحمه الله: وإذا كان له طريقان يقصر في أحدهما، ولا يقصر في الآخر، فإن سلك الأبعد، لخوف أو حزونة في الأقرب، قصر، وإلا، لم يقصر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1113

وفي الإملاء: إن سلك الأبعد، قصر.
قال المزني: وهذا عندي أقيس، لأنه سفر مباح.
قال القاضي حسين: إذا كان إلى مقصده طريقان: أحدهما: أقرب، لا يقصر فيه الصلاة.
والثاني: أبعد، تقصر فيه الصلاة، فسلك الأبعد، إن كان له غرض في سلوكه لعبادة مريض، أو زيارة صديق، أو خوف في الأقرب، أو حرونة فيه جاز له القصر، وإن لم يكن له غرض في سلوكه الأبعد، نص في موضع على جواز القصر، وفي آخر على منعه.
فمن أصحابنا من جعل فيه قولين: أحدهما: يجوز له القصر لوجود السفر المباح، وهذا اختيار المزني.
والثاني: لا؛ لأنه طول الطريق على نفسه من غير غرض صحيح له فيه، فصار كما لو سلك الأقرب، وجعل يضرب يمنة ويسرة، حتى يبلغ مسافة القصر لا يجوز له القصر كذا ها هنا.
ومنهم من قال: المسألة على حالين حيث جوز القصر أراد إذا كان له غرض في سلوكه، وحيث منعه أراد إذا لم يكن له غرض فيه.
وقول المزني: هو سفر مباح منوع، بل هو طول على نفسه من غير غرض.
قال المزني: قال الشافعي رحمه الله: وليس لأحد سافر في معصية: أن يقصر، ولا يمسح مسح السفر فإن فعل، أعاد ولا تخفيف عمن سفره في معصية وإن صلى مسافر بمقيمين، ومسافرين، فإنه يصلي والمسافرين ركعتين، ثم يسلم بهم، ويأمر المقيمين أن يتموا أربعا، وكل مسافر فله أن يتم، وإنما رخص

الجزء: 2 - الصفحة: 1114

له: أن يقصر الصلاة، إن شاء، فإن أتم، فله الإتمام، وكان عثمان بن عفان، رضي الله عنه، يتم الصلاة.
واحتج في الجمع بين الصلاتين في السفر؛ بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع في سفره إلى تبوك بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء جميعًا، وأن ابن عمر جمع بين المغرب والعشاء في وقت العشاء، وأن ابن عباس قال: ألا أخبركم عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر؟ كان إذا زالت الشمس، وهو في منزله، جمع بين الظهر والعصر في وقت الزوال، وإذا سافر قبل الزوال، أخر الظهر، حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر.
قال الشافعي: وأحسبه قال في المغرب والعشاء مثل ذلك، وهكذا فعل بعرفة، لأنه أرفق به تقديم العصر، ليتصل له الدعاء، وأرفق به بالمزدلفة تأخير المغرب، ليتصل له السفر، ولا ينقطع بالنزول للمغرب، لما في ذلك من التضييق على الناس، فدلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن من له القصر، فله الجمع، كما وصفت، والجمع بين الصلاتين في أي الوقتين شاء، ولا يؤخر الأولى عن وقتها، إلا بنية الجمع وإن صلى الأولى في أول وقتها، ولم ينو مع التسليم، الجمع، لم يكن له الجمع، فإن نوي مع التسليم الجمع، كان له الجمع.
قال المزني: رحمه الله، هذا عندي أولى، من قوله في الجمع في المطر في مسجد الجماعات بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، لا يجمع إلا من افتتح الأولى بنية الجمع، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بالمدينة في غير جوف، ولا سفر، وقال مالك: أرى ذلك في مطر.
قال الشافعي رحمه الله: والسنة في المطر كالسنة في السفر.
قال المزني: والقياس عندي إن سلم ولم ينو الجمع، فجمع في قرب ما سلم

الجزء: 2 - الصفحة: 1115

بقدر ما لو أراد الجمع، كان ذلك فصلا قريبًا بينهما: أن له الجمع؛ لأنه يكون جمع الصلاتين إلا وبنهما انفصال، فكذلك كل جمع، وكذلك كل من سها، فسلم من اثنتين فلم يطل فصل ما بينهما، أنه يتم، كما أتم النبي صلى الله عليه وسلم وقد فصل، ولم يكن ذلك قطعا لاتصال الصلاة في الحكم، فكذلك عندي إيصال جمع الصلاتين: ألا يكون التفريق بينهما إلا بمقدار ما لا يطول.
قال القاضي حسين: العاصي بسفر عندنا لا يترخص برخص المسافرين، ولا يحل له تناول الميتة، ولا القصر ولا الفطر والمسح ثلاثا، وله أن يسمح يوما وليلة في ظاهر المذهب، لأن أكثر ما فيه أن يرفض نية السفر، ويلحق بالمقيمين بسبب المعصية، وللمقيم أن يمسح يومًا وليلة، وإذا تيمم لعدم الماء، وصلى ففي وجوب الإعادة وجهان: أحدهما: يلزمه ذلك كالمقيم إذا صلى بالتيمم لعدم الماء، لأنا ألحقناه بالمقيم بسبب المعصية.
والثاني: لا يلزمه الإعادة، لأنه تيمم لعدم الماء في موضع يعوز الماء فيه غالبًا، ولا يتناول الميتة، بخلاف المقيم العاصي، لأن احتياج المقيم إلى الميتة ليس لما تعاطاه من المعصية، وإنما هو لأجل الجبلة، بخلاف المسافر العاصي، فإن احتياجه إلى الميتة لما تعاطاه من المعصية؛ لأن الغالب وجود الطعام الحلال في الحضر، ويقال له: تب وكل الميتة، والتوبة في مقدوره، فيمكنه أن يأتي بها، ويأكل الميتة ويتخلص عن الضرورة.
ولو أنشأ سفرًا مباحًا، ثم في أثناء الطريق قطع الطريق على المسلمين، هل يترخص أم لا؟ فيه وجهان.
فأما إذا كان في سفره يزني ويشرب الخمر تباح له الرخص، لأن سفره مباح فهو كالمقيم العاصي، وإذ يعصي في سفره له أن يترخص، ولأنه انعقد له سبب الرخصة في الابتداء، فلم يرتفع بطرؤ المعصية، بخلاف العاصي بسفره، فإنه لم ينعقد سبب الرخصة؛ لأن المعصية اقترنت بسبب الرخصة، فمنعت

الجزء: 2 - الصفحة: 1116

انعقادها، وهذا كما قلنا، في مسألة اللقطة إذا أخذها بنية التعريف لا تدخل في ضمانه، بمجرد قصد التعدي، والتملك بعده قبل أن ينضم الفعل إليه، وإذا أخذها بنية التملك لا يبرأ عن الضمان بإحداث نية الإمساك للمالك، ولو رمى نفسه من شاهق جبل، فانكسرت رجله فعجز عن القيام في الصلاة، فصلى قاعدًا، ففي وجوب الإعادة عليه عند القدرة وجهان: أحدهما: تجب، لأنه عاص برمي نفسه من الجبل، فلم يترخص بالقعود في الصلاة كالعاصي بسفره.
والثاني: لا؛ والفرق أن العاصي بسفره في مقدوره ترك المعصية، فلم يعذر فيه، وهذا معذور فيما به من العجز، إذ ليس في قدرته إزالة الزمانة.
وإذا شربت الحامل دواء ألقت به جنينا، فتركت الصلاة في زمان النفاس، ففي وجوب الإعادة إذا طهرت هذان الوجهان.
وإذا شرب البنج وغيره مما يزيل العقل فعليه قضاء الصلاة والصيام بعد الإفاقة، كالسكران يلزمه قضاؤها إذا أفاق من السكر، لأنه جلب إزالة العقل بنفسه، فيؤخذ به.
قال: ويمكن أن نفرق بين شرب الخمر والأدوية المزيلة للعقل، بأن الشارب للخمر يقصد به الدوام دون الابتداء، لأن ابتداءه يكره بالطبع، ودوامه يورث الطرب والنشاط، فاللذة في دوامها دون ابتدائها، فلزمه القضاء، بخلاف الأدوية المزيلة للعقل، فإن الإنسان لا يقصد بشربها الدوام، ولا الابتداء، فإنها لا تفضي إلى ما فيه لذة الطبع من الطرب والنشاط.
وفي جواز المسح على الخف المغصوب، والصلاة في الأرض المغصوبة وجهان: أحدهما: لا يجوز للمعصية والثاني: يجوز؛ لأن المعصية ليست في عين المسح، وفعل الصلاة، وإنما المعصية في لبس خف الغير، والمقام في أرض الغير.

الجزء: 2 - الصفحة: 1117

وقال أبو حنيفة رحمه الله: العاصي بسفره يثبت له ترخص المسافرين، كما في سفر الطاعة، والمباح.
لنا ما أشار إليه الشافعي رحمه الله، وهو: أن الرخص إنما تثبت للمسافر تخفيفا له في سفره، وإعانة له لما يلحقه من تحمل المشقة، والعاصي غير مستحق للمعونة، قال الله تعالى: (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).
فلو أطلقنا له الرخص أدى إلى معونة العاصي على ما يتعاطاه من المعصية، وهو خلال الشرع.
قوله: وإن صلى المسافر بمقيمين ومسافرين، فإنه يصلي والمسافرون ركعتين، ثم يسلهم بهم.
قال القاضي حسين: وهو كما قال: ويأمر المقيمين ليتموا أربعًا.
روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر بـ (منى)، فلما سلم قال: أتموا يا أهل (مكة)، فإنا قوم سفر، وإن شاء أمرهم قبل افتتاح الصلاة بالإتمام.

الجزء: 2 - الصفحة: 1118

فصل روى الشافعي رحمة الله عليه الأخبار في الجمع بعذر المطر والسفر، فعندنا الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، جائز بعذر المطر والسفر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1119

وقال أبو حنيفة: لا يجوز الجمع إلا بين الظهر والعصر بـ (عرفات)، وبين المغرب والعشاء، بـ (مزدلفة)، ثم عنده الجمع بين هذين الموضعين واجب.
وعندنا: هو جائز كما في السَّفر والمطر، والدليل على جوازه بعذر السَّفر ما روى أنه عليه السلام جمع في سفره إلى «تبوك»، بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والله أعلم.
وروى ابنُ عبَّاس: ألا أخبركم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر؟ كان إذا زالت الشمس، وهو في منزله جمع بين الظهر والعصر في وقت الزوال، وإذا سافر قبل الزوال أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر.
وعن نافِعٍ أنه قال: كنت مع عبد الله بن عمر عند منصرفه من (مكة) إلى

الجزء: 2 - الصفحة: 1120

(المدينة)، فأخبر أن زوجته صفية مرضت فرجع فكان يسرع في السير، فلما غربت الشمس قال: قلت له: الصلاة الصلاة، فلم ينزل حتى دخل وقت العشاء، ثم نزل وصلى المغرب والعشاء، ثم قال: هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل إذا جَدَّ به السير.
وهل يجوز الجمع في السفر القصير؟ ينبني على أن أهل (مكة) إذا خرجوا إلى (منى) و «عرفات»، هل يجوز لهم الجمع؟ ففيه قولان: أحدهما: وهو قوله الجديد: لا يجوز.
والثاني: وهو قوله القديم: يجوز.
ولأي معنى جاز منهم من قال: لأجل السفر.
ومنهم من قال: لأجل النُّسك، فالجمع في السفر القصير ينبني على هذين المعنيين، إن جعلنا المعنى فيه السفر، جاز، وإلا فلا.
وأهل «عرفات» هل يجوز لهم الجمع؟ إن لم يكن ناسكًا لا يجوز، وإن كان ناسكًا ينبني على هذين المعنيين إن جعلنا المعنى فيه النسك جاز، وإلا فلا.
وإنما يجوز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأما بين الصبح وغيرها، والعصر والمغرب، فلا؛ لأن الظهر والعصر يتفقان في وقت الضرورة، فكذا في وقت العذر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1121

وكذلك المغرب والعشاء، ثم هو بالخيار بين أن يؤخر الظهر إلى العصر، ويجمع بينهما في وقت العصر، ويؤخر المغرب إلى العشاء، ويجمع بينهما في وقت العشاء، وبين أن ينقل العصر إلى الظهر، ويجمع بينهما في وقت الظهر، وينقل العشاء إلى وقت المغرب، ويجمع بينهما في وقت المغرب، إلا أن المستحب أن يفعل مثل ما روى ابن عباس رضي الله عنه: إن كان في المنزل عند دخول وقت الظهر يجمع بينهما في وقت الظهر، وإن كان في الطريق يؤخر الظهر إلى العصر، وإذا أخر الظهر إلى العصر لم يجز إلا بنية الجمع، حتى لو أخر من غير قصد الجمع عصى الله بالتأخير، وصارت قضاء.
وهل يصليها في وقت العصر مقصورة؟ فعلى جوابين، وإذا نقل العصر إلى الظهر لابد من تقديم الظهر على العصر، وإذا أخر الظهر إلى العصر في جواز تقديم العصر على الظهر وجهان: أحدهما: لا يجوز، كما في وقت الظهر، فعلى هذا من قدم العصر على الظهر صار الظهر قضاء في ذمته، فهل يصليها مقصورة؟ فعلى جوابين.
والثاني: يجوز، بخلاف ما لو نقل العصر إلى وقت الظهر، لأن هناك يصليها في وقت غيرها على طريق التبع، فشرط تقديم المتبوع، وها هنا يصليها في وقتها، فلم يجب تقديم صلاة أخرى عليها.
وإذا نقل العصر إلى الظهر لم يجز الجمع إلا بثلاث شرائط: إحداهما: أن يقدم الظهر على العصر، ولا يفتتح الظهر إلا بعد دخول وقتها.
والثاني: ان ينوي الجمع.
والثالثة: أن يؤدي العصر على أثر الظهر فلا يتخلل بينهما زمان طويل يقطع نظم الجمع، ولا يزيد الزمان للتخلل بين صلاتي الجمع على الزمان الذي يتخلل بين الإيجاب والقبول، والإقامة، وعقد الصلاة والزمان، الذي يتخلل بين الخطبتين، والزمان الذي يبني فيه على الصلاة إذا ذكر ركنا نسيه، أو كان قد سلم عامدًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1122

ولو نوى الإقامة بعد الفراغ من الصلاتين لم تؤثر نيته في الظهر وفي العصر وجهان: أحدهما: لا تؤثر نية الإقامة فيها، ولا تجب إعادتها، لأنه فرغ منها كالظهر، وكما لو صلى صلاة مقصورة، ثم نوي الإقامة لم يلزمه الإتمام.
والوجه الثاني: يجب إعادتها، لأنه صلاتها في وقت غيرها بعلة السفر، وارتفع السفر ووقتها بين يديه.
ولو نوي الإقامة في خلال العصر يترتب على ما نوى الإقامة بعد الفراغ منها.
إن قلنا هناك: تلزمه الإعادة وجب الاستئناف ها هنا إذا دخل وقتها، وإلا فوجهان: أحدهما: لا تبطل كما بعد الفراغ.
والثاني: تبطل ويلزمه استئنافها إذا دخل وقتها، كما لو نوى القصر، ثم نوي الإقامة يلزمه الإتمام، وليس كما لو نوي الإقامة بعد الفراغ منها، لأنه هناك فرغ من العبادة، فلم تؤثر فيه الإقامة، كما لو قصرها لا تؤثر نية الإقامة فيها بعد الفراغ.
ومن قال بالأول أجاب عن مسألة القصر، بأن هناك لا يؤدي إلى إبطال ما مضى من العبادة، إذا أوجبنا الإتمام كلفناه حكم المقيمين، وها هنا يؤدي إلى إبطال ما مضى من العبادة.
ولو نوى المقام في وقت العصر، أو صار مقيمًا، وكان قد جمع بينهما في وقت الظهر، إن كان قد مضى زمان إمكان فعل الصلاتين لم تؤثر نية الإقامة، وإن لم يكن قد مضى زمان إمكان فعل الصلاتين يترتب على ما لو نوي الإقامة في خلال الصلاة، ولو أخر الظهر إلى العصر، وصلاهما في وقت العصر، ثم نوي الإقامة لم تؤثر نية الإقامة، ولو نوي الإقامة قبل أن صلاهما، فلم يجز له القصر في واحدة منها، وصار الظهر قضاء، لأنه أخرجها عن وقتها باختياره، وارتفع العذر المجوز للتأخير قبل الفعل

الجزء: 2 - الصفحة: 1123

ولو جمع بينهما في وقت الظهر، ثم ذكر سجدة نسيها من إحدى الصلاتين، إن علم أنه تركها من العصر لم يجز له أن يصلي إلا في وقتها؛ لأن الفصل قد طال، وانقطع نظم الجمع، وإن علم أنه تركها من الظهر لم تصح الصلاتان، فله أن يجمع بينهما في وقت الظهر، وإن اشتبه عليه؛ فلم يدر أنه تركها من الظهر أو العصر، لم تسقط واحدة منهما عن ذمته، وعليه أن يعيدهما؛ لأن كل واحدة منهما يفرض أن يكون قد تركها منها، وليس له أن يجمع بينهما بجواز أن تكون السجدة المتروكة من العصر، وانقط نظم الجمع، فغلظنا الأمر، وأخذنا بأسوأ الأحوال، كما إذا نسي سجدة من صلاته لم يدر أنه نسيها من الركعة الأولى، أو الثانية، يؤخذ بأسوأ الأحوال.
نقل من الحاشية نص على أنه إذا جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر، فإذا فرغ من الظهر وسبقه الحدث فتوضأ وصلى العصر، ثم بان أنه كان محدثاً في الظهر بطلت العصر، وهكذا إذا فرغ من العصر، ثم بان أنه صلى الظهر قبل الزوال بطل العصر؛ لأن العصر في وقت الظهر يترتب على الظهر.
وأما الدليل على جواز الجمع بعذر المطر، فما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة جمع من غير خوف ولا سفر.
وروى أنس بن عياض عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بالمدينة بعذر المطر.
ثم لا خلاف في جواز الجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر بعذر المطر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1124

وهل يجوز أن يؤخر الظهر إلى العصر، ويجمع بينهما في وقت العصر؟ فعلى وجهين: أحدهما: يجوز كما في السفر.
والثاني: لا.
والفرق أن استدامة السبب المجوز للجمع في السفر إليه، فجاز له التأخير، بخلاف المطر، فإن استدامة المطر ليست إليه، فلا يأمن أن تمسك السماء، ويرتفع سبب الجمع، ويصير الظهر قضاء في الذمة، ويعصى بتأخيرها، وإنما يجوز الجمع بعذر المطر عند وجود المطر في ثلاثة مواضع: عند افتتاح صلاة الأولى، والفراغ منها، وافتتاح الثانية، ولو أمسكت السماء في خلال الصلاتين، أو إحداهما لم يضر، بخلاف ما لو نوي الإقامة في خلال الصلاة يمتنع الجمع، لأن استدامة السفر إليه، فلم يعذر بترك بخلاف المطر.
وهذا في مساجد الجماعات التي يأتيها الناس من البعد من السكك والمحال، وأما المنفرد في البيت، والمصلى بالمسجد على باب داره، والمسجد الذي يكون بموضع كنيز لا يتأذى بالمطر.
إن أراده، هل له الجمع؟ فعلى وجهين: أحدهما: بلى؛ لوجود المطر.
والثاني: لا؛ لعدم المشقة.
وما عدا المطر من الأعذار مثل الرياح، والوحل، وشدة البرد، والحر لا يبيح الجمع.

الجزء: 2 - الصفحة: 1126

وأما الثلج الرخو الذي يذوب كالمطر، هل يفيد الجمع؟ يحتل وجهين: أحدهما: لا؛ لأن السنة وردت في المطر، وهو مخصوص من القياس، فلا يقاس عليه غيره.
والثاني: يجوز، لأنه في معنى المطر.
ونية الجمع في المحلين شرط.
ومتى تجب نية الجمع؟ نص في المطر: على أنه ينوي الجمع عند افتتاح الصلاة الأولى.
ونص في السفر على أنه ينوي الجمع مع التسليمة في الصلاة الأولى، أو قبلها فمن أصحابنا من جعل في المسألتين قولين: أحدهما: ينوي الجمع فيها عند افتتاح الأولى، كما تجب نية القصر عند افتتاح الصلاة.
والثاني: يجوز أن ينوي فيهما مع التسليمة في صلاة الأولى، أو قبلها؛ لأن نية الجمع تضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى.
وإذا نواه قبل التسلمية حصل الضم، فحصل المقصود.
ومنهم من أجراها على الظاهر، وفرق بأن استدامة سبب الجمع في السفر شرط في خلال الصلاة الأولى، فكان مخلا لنية الجمع، بخلاف المطر، فإن دوام المطر في خلال الصلاة ليس بشرط، ولم يكن مخلا لنية الجمع.
واختار المزني أنه يجوز أن ينوي الجمع بعد الفراغ من الصلاة الأولى على قرب الفصل، كما إذا سلم ناسيًا عن ركعتين، يبني على الصلاة إذا ذكره على قرب الفصل، كذا ها هنا.
والمسألة التي أوردها حجتنا؛ لأن هناك يشترط نية فعل الركعات الأربعة في

الجزء: 2 - الصفحة: 1127

أول الصلاة، وإنما جاز له البناء عند قرب الوقت، لأنه نواها في أول الصلاة، ولم يطل الفصل بين الركعتين الأوليين، وبين الأخريين، وهكذا لم توجد نية الجمع في الصلاة الأولى، فلم يجز ضم الثانية إليه.
والله تعالى أعلم بالصواب.
(تم الجزء المبارك)

الجزء: 2 - الصفحة: 1128

فصول الكتاب · 3 فصل
جارٍ التحميل