فصل
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن القيم
- الكتاب
- الصلاة وأحكام تاركها
- المؤلف
- محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)
- الناشر
- مكتبة الثقافة بالمدينة المنورة
- الطبعة
- .
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وروى عنه أنه كان يقول: "سبحان ربي العظيم وبحمده".
قال أبو داو: وأخاف أن لا تكون هذه الزيادة محفوظة, وربما مكث قدر ما يقول القائل عشر مرات وربما مكث فوق ذلك ودونه, وربما قال: "سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي" , وربما قال: "سبوح قدوس رب الملائكة والروح" , وربما قال: "اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت وعليك توكلت أنت ربي خشع قلبي وسمعي وبصري ودمي ولحمي وعظمي وعصبي لله رب العالمين" , وربما كان يقول: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة" , وكان ركوعه مناسبا لقيامه في التطويل والتخفيف وهذا بين في سائر الأحاديث.
فصل
ثم كان يرفع رأسه قائلا: "سمع الله لمن حمده" , ويرفع يديه كما يرفعهما عند الركوع فإذا اعتدل قائما قال: "ربنا لك الحمد" وربما قال: "اللهم ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت منم شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد, اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
وربما زاد على ذلك: "اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد, اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ" , وكان يطيل هذا الركن حتى يقول القائل: قد نسي.
وكان يقول في صلاة الليل فيه: "لربي الحمد لربي الحمد".
فصل
ثم يكبر ويخر ساجدا ولا يرفع يديه وكان يضع ركبتيه قبل يديه هكذا قال عنه وائل بن حجر وأنس بن مالك, وقال عنه ابن عمر: إنه كان يضع يديه قبل ركبتيه, واختلف على أبي هريرة, ففي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه".
وروى عنه المقبري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه".
فأبو هريرة قد تعارضت الرواية عنه, وحديث وائل وابن عمر قد تعارضا فرجحت طائفة حديث ابن عمر ورجحت طائفة حديث وائل بن حجر, وسلكت طائفة مسلك النسخ, وقالت: كان الأمر الأول وضع اليدين قبل الركبتين, ثم
نسخ بوضع الركبتين أولا.
وهذه طريقة ابن خزيمة في ذكر الدلائل على الأمر بوضع اليدين عند السجود منسوخ, فإن وضع الركبتين قبل اليدين ناسخ.
ثم روى من طريق إسماعيل بن إبراهيم عن يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه عن سلمة عن مصعب بن سعد قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين؛ وهذا لو ثبت لكان فيه الشفاء لكن يحيى بن سلمة بن كهيل قال البخاري: "عنده مناكير", وقال ابن معين: "ليس بشيء لا يكتب حديثه" وقال النسائي: "متروك الحديث".
وهذه القصة مما وهم فيها يحيى أو غيره وإنما المعروف عن مصعب بن سعد عن أبيه نسخ التطبيق في الركوع بوضع اليدين على الركبتين, فلم يحفظ هذا الراوي وقال المنسوخ وضع اليدين قبل الركبتين, قال السابقون باليدين قد صح حديث ابن عمر فإنه من رواية عبيد الله عن نافع عنه, قال ابن أبي داود وهو قول أهل الحديث؛ قالوا وهم أعلم بهذا من غيرهم فإنه نقل محض؛ قالوا: وهذه سنة رواها أهل المدينة وهم أعلم بها من غيرهم.
قال ابن أبي داود: ولهم فيها إسنادان أحدهما: محمد بن عبد الله بن حسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
والثاني: الدراوردي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر وقالوا: وحديث وائل بن حجر له طريقان وهما معلومان في أحدهما شريك تفرد بت؛ قال الدارقطني: "وليس بالقوي فيما يتفرد به" والطريق الثاني: من رواية عبد الجبار بن وائل عن أبيه ولم يسمع من أبيه.
قال السابقون بالركبتين: حديث وائل بن حجر أثبت من حديث أبي هريرة وابن عمر, قال البخاري: حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة لا يتابع عليه فيه محمد بن عبد الله بن الحسن قال: ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا, وقال الخطابي: حديث وائل بن حجر أثبت منه, قال: وزعم بعض العلماء أنه منسوخ ولهذالم يحسنه الترمذي وحكم بغرابته وحسن حديث وائل.
قالوا: وقد قال في حديث أبي هريرة: "لا يبرك كما يبرك البعير":, والبعير إذا برك بدأ بيديه قبل ركبتيه, وهذا النهي لا يمانع قوله: "وليضع يديه قبل ركبتيه" بل ينافيه ويدل
على أن هذه الزيادة غير محفوظة, ولعل لفظها انقلب على بعض الرواة, قالوا: ويدل على ترجيح هذا امران آخران:
أحدهما: ما رواه أبو داود من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يعتمد الرجل على يديه في الصلاة, وفي لفظ: "نهى أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة", ولا ريب أنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه اعتمد عليهما فيكون قد أوقع جزءا من الصلاة معتمدا على يديه بالأرض, وأيضا فهذا الاعتماد بالسجود نظير الاعتماد في الرفع منه سواء, فإذا نهى عن ذلك كان نظيره كذلك.
الثاني: أن المصلي في انحطاطه ينحط منه إلى الأرض الأقرب إليها أولا ثم الذي من فوقه ثم الذي من فوقه حتى ينتهي إلى أعلى ما فيه وهو وجهه, فإذا رفع رأسه من السجود ارتفع أعلى ما فيه أولا ثم الذي دونه حتى يكون آخر ما يرتفع منه ركبتاه, والله أعلم.
فصل
ثم كان يسجد على جبهته وأنفه ويديه وركبتيه وأطراف قدميه, ويستقبل بأصابع يديه ورجليه القبلة, وكان يعتمد على إليتي كفيه ويرفع مرفقيه ويجافي عضديه عن جنبيه حتى يبدو بياض إبطيه ويرفع بطنه عن فخذيه وفخذيه عن ساقيه, ويعتدل في سجوده ويمكن وجهه من الأرض مباشرا به للمصلى ساجدا على كور العمامة.
قال أبو حميد الساعدي وعشرة من الصحابة يسمعون كلامه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه, فإذا أراد أن أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه, ثم قال: "الله أكبر" فرفع ثم اعتدل فلم يصوب رأسه ولم يقنعه ووضع يديه على ركبتيه وقال: "سمع الله لمن حمده" ثم رفع واعتدل حتى رجع كل عضو في موضعه معتدلا, ثم هوى ساجدا وقال: "الله أكبر" ثم جافى وفتح عضديه عن بطنه وفتح أصابع رجليه ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها واعتدل حتى يرجع كل عظم موضعه معتدلا, ثم هوى ساجدا وقال: "الله أكبر" ثم ثنى رجله وقعد عليها حتى يرجع كل عضو إلى موضعه ثم نهض فصنع في الركعة الثانية مثل ذلك حتى إذا قام من السجدتين كبر ورفع
يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما صنع حين افتتح الصلاة ثم صنع كذلك حتى إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها الصلاة أخر رجله اليسرى وقعد على شقه متوركا ثم سلم.
وكان يقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى".
وروي أنه كان يزيد عليها: "وبحمده" , وربما قال: "اللهم إني لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصورة وشق سمعه وبصوره, تبارك الله أحسن الخالقين".
وكان يقول أيضا: "سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي" , وكان يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت" , وكان يقول: "سبوح قدوس رب الملائكة والروح" , وكان يقول: "اللهم اغفر لي ذنبي كله دقة وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره" , وكان يقول: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".
وكان يجعل سجوده مناسبا لقيامه ثم يرفع رأسه قائلا: "الله أكبر" غير رافع يديه ثم يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى ويضع يديه على فخذيه ثم يقول: "اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني" وفي لفظ: "وعافني" بدل "واجبرني" هذا حديث ابن عباس.
وقال حذيفة كان يقول بين السجدتين: "رب اغفر لي" , والحديثان في السنن وكان يطيل هذه الجلسة حتى يقول القائل قد أوهم أو قد نسي.
فصل
ثم يكبر غير رافع يديه ويصنع في الثانية مثل ما صنع في الأولى, ثم يرفع رأسه مكبرا وينهض على صدور قدميه معتمدا على ركبتيه وفخذيه.
وقال مالك بن الحويرث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا, فهذه تسمى جلسة الاستراحة لا ريب أنه صلى الله عليه وسلم فعلها, ولكن هل فعلها على أنها من سنن الصلاة وهيئاتها كالتجافي وغيره أو لحاجته إليه لما أسن وأخذه اللحم؟ وهذا الثاني أظهر لوجهين:
أحدهما أن فيه جمعا بينه ويبن حديث وائل بن حجر وأبي هريرة أنه كان ينهض على صدور قدميه.
الثاني: أن الصحابة الذين كانوا أحرص الناس على مشاهدة أفعاله وهيئات صلاته كانوا ينهضون على صدور أقدامهم فكان عبد الله بن مسعود
يقوم على صدور قدميه في الصلاة ولايجلس رواه البيهقي عنه.
ورواه عن ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وأبي سعيد الخدري من رواية عطية العوفي عنهم وهو صحيح عن ابن مسعود ولم يكن يرفع يديه في هذا القيام, وكان إذا استتم قائما أخذ القراءة ولم يسكت وافتتح قراءته بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فإذا جلس في التشهد الأول مفترشا كما يجلس بين السجدتين ويضع يده اليسرى على ركبته اليسرى واليمنى على فخذه اليمنى وأشار بأصبعه السبابة ووضع إبهامه على أصبعه الوسطى كهيئة الحلقة وجعل بصرة إلى موضع إشارته وكان يرفع أصبعه السبابة ويحنيها قليلا يوحد بها ربه عز وجل.
وذكر أبو داود من حديث ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "هكذا الاخلاص" يشير بأصبعه التي تلي الإبهام, وهكذا الدعاء فرفع يديه مدا حذو منكبيه -وهكذا الابتهال- فرفع يديه مدا وقد روي موقوفا, ثم كان يقول: "التحيات لله والصلوات الطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته, السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" , وكان يعلمه أصحابه كما يعلمهم القرآن.
وكان أيضا يقول: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله" , هذا تشهد ابن عباس والأول تشهد ابن مسعود وهو أكمل؛ لأن تشهد ابن مسعود يتضمن جملا متغايرة وتشهد ابن عباس جملة واحدة, وأيضا فإنه في الصحيحين وفيه زيادة الواو, وكان يعلمهم إياه كما يعلمهم القرآن.
وروى ابن عمر عنه: "التحيات لله الصلوات الطيبات" , وفيه أنواع أخركلها جائزة, وكان يخفف هذه الجلسة حتى كأنه جالس على الرضف, وهي الحجارة المحماة, ثم يكبر وينهض فيصلي الثالثة والرابعة ويخففهما عن الأوليين وكان يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب وربما زاد عليها أحيانا.
فصل
وكان إذا قنت لقوم أو على قوم يجعل قنوته في الركعة الأخيرة بعد رفع رأسه من الركوع, وكان أكثر ما يفعل ذلك في صلاة الصبح.
وقال حميد عن أنس: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا بعد الركوع في صلاته يدعو
على رعل وذكوان, وقال ابن سيرين قلت: لأنس قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح قال: نعم بعد الركوع يسيرا, وقال ابن سيرين عن أنس: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا بعد الركوع في صلاة الفجر يدعو على عصية متفق على هذه الأحاديث, فهؤلاء أعلم الناس بأنس قد حكوا عنه أن قنوته كان بعد الركوع وحميد هو الذي روى عن أنس أنه سئل عن القنوت فقال: "كنا نقنت قبل الركوع وبعده" , والمراد بهذا القنوت طول القيام, وقد أخبر أبو هريرة مثل ما أخبر به أنس سواء أنه صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع لما قال: "سمع الله لمن حمده" قال قبل أن يسجد: "اللهم نج عياش ابن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام والمستضعفين من المؤمنين" -متفق عليه.
وقال ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر يقول: "اللهم العن فلانا وفلانا -بعد ما يقول- سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد".
فقد اتفقت الأحاديث أنه قنت بعد الركوع وأنه قنت لعارض ثم تركه ثم قال أنس: القنوت في المغرب والفجر رواه البخاري.
وقال البراء: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الفجر والمغرب, رواه مسلم.
وقنت أبو هريرة في الركعة الأخيرة من الظهر والعشاء الآخرة وصلاة الصبح بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده" يدعو للمؤمنين ويلعن الكفار, وقال: لأقربن بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ذكره البخاري.
وقال أحمد وصلاة العصر مكان صلاة العشاء, وقال ابن عباس: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا متتابعا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة يدعو على حي من بني سليم ويؤمن من خلفه, ذكره أبو داود وقد اتفقت الأحاديث كما ترى على أنه في الركعة الأخيرة بعد الركوع وأنه عارض لا راتب.
وفي صحيح مسلم عن أنس قنت يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه.
وعند الإمام أحمد قنت شهرا ثم تركه, وقال أبو مالك الأشجعي قلت: لأبي يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر عمر وعثمان وعلي بالكوفة ههنا قريبا خمس سنين أكانوا يقنتون؟ قال أي بني إنه محدث!
قال الترمذي: هذا صحيح ورواه النسائي, ولفظه: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقنت, وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت وصليت خلف عمر فلم يقنت وصليت خلف عثمان فلم يقنت وصليت خلف علي فلم يقنت, ثم قال يا بني بدعة! فمن كره القنوت في الفجر احتج بهذه الأحاديث وبقول أنس ثم تركه, قالوا: فهو منسوخ, ومن استحبه قبل الركوع فحجته الآثار عن الصحابة والتابعين بذلك.
قال أبو داود الطيالسي: حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن أبي رجاء عن أبي مغفل أنه قنت في الفجر قبل الركوع، وقال: مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يقنت في الفجر قبل الركوع.
وقال مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يقنت قبل الركوع.
قال أصبع بن الفرج والحارث بن مسكين وابن أبي العمر حدثنا عبد الرحمن بن القاسم قال: سئل مالك عن القنوت في الصبح أي ذلك أعجب إليك؟ قال: الذي أدركت الناس عليه, وهو أمر الناس القديم القنوت قبل الركوع, قلت: أي ذلك تأخذ في خاصة نفسك؟ قال: القنوت قبل الركوع, قلت: فالقنوت في الوتر, قال: ليس فيه قنوت.
فصل
ومن استحبه بعد الركوع فذهب إلى الأحاديث التي صرحت بأنه بعد الركوع وهي صحاح كلها, قال الأثرم قلت: لأبي عبد الله يقول أحد في حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت قبل عاصم الأحول؟ قال: ما عملت أحدا يقوله غيره خالف عاصما.
قلت: هشام عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم: قنت بعد الركوع والتميمي عن أبي مجلز عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع, وأيوب عن محمد قال: سألت أنسا وحنظلة السدوسي عن أنس أربعة وجوه, قيل لأبي عبد الله وسائر الأحاديث أليس إنما هي بعد الركوع؟ قال: بلى كلها خفاف أين كانت وأبو هريرة, قلت: لأبي عبد الله فلم ترخص إذا في القنوت قبل الركوع؟ وإنما صحت الأحاديث بعد الركوع فقال: القنوت في الفجر بعد الركوع, وفي الوتر نختاره بعد الركوع ومن قنت قبل الركوع فلا بأس
لفعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلافهم فيه, فأما في الفجر فبعد الركوع والذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القنوت في النوازل ثم تركه، ففعله سنة وتركه سنة.
وعلى هذا دلت جميع الأحاديث وبه تتفق السنة.
قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن القنوت في أي صلاة؟ قال: في الوتر بعد الركوع, فإن قنت رجل في الفجر اتباع ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت دعاء للمستضعفين فلا بأس, فإن قنت رجل بالناس يدعو لهم ويستنصر الله تعالى فلا بأس.
وقال إسحاق الحربي: سمعت أبا ثور يقول لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: ما تقول في القنوت في الفجر؟ فقال أبو عبد الله: إنما يكون القنوت في النوازل.
فقال له أبو ثور: أي نوازل أكثر من هذه النوازل التي نحن فيها؟ قال: فإذا كان كذلك فالقنوت.
وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن القنوت في الفجر فقال: نعم في الأمر يحدث, كما قنت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على قوم, قلت: له ويرفع صوته؟ قال: نعم ويؤمن من خلفه كذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: القنوت في الفجر بعد الركوع.
وسمعته قال لما سئل عن القنوت في الفجر فقال: إذا نزل بالمسلمين أمر قنت الإمام وأمن من خلفه.
ثم قال: مثل ما نزل بالناس من هذا الكافر.
يعني بابك.
وقال عبد القدوس بن مالك العطار: سألت أبا عبد اله أحمد بن حنبل فقلت: إني رجل غريب من أهل البصرة وإن قوما قد اختلفوا عندنا في أشياء وأحب أن أعلم رأيك فيما اختلفوا فيه, قال سل عما أحببت, قلت: فإن بالبصرة قوما يقنتون كيف ترى في الصلاة خلف من يقنت؟ فقال: قد كان المسلمون يصلون خلف من يقنت وخلف من لا يقنت, فإن زاد في القنوت حرفا أو دعا بمثل "إنا نستعينك" أو "عذابك الجد" أو "نحفد", فإن كنت في الصلاة فاقطعها.
فصل
وشرع لأمته أن يصلوا عليه في التشهد الأخير فيقولوا: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد" وأمرهم أن يتعوذوا بالله من عذاب النار وعذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال, وعلم الصديق أن
يدعو في صلاته: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" وكان من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت القمدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت".
ثم كان يسلم عن يمينه: "السلام عليكم ورحمة الله" وعن يساره: "السلام عليكم ورحمة الله" وروى ذلك خمسة عشر صحابيا, وكان إذ اسلم قال: "استغفر الله ثلاثا اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام لا إله الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير, اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون".
وشرع لأمته التسبيح والتحميد عقيب كل صلاة، وروى عنه النسائي من حديث أبي أمامة أنه قال: "من قرأ آية الكرسي عقيب كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت".
فصل
وكان يصلي قبل الظهر أربعا وبعدها ركعتين دائما, ولما شغل عنهما يوما صلاهما بعد العصر, وندب إلى أربع بعدها فقال: "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع ركعات بعدها حرمه الله على النار" , قال الترمذي: حديث صحيح, ولم ينقل عنه أنه كان يصلي قبل العصر.
حديث صحيح.
وفي السنن عنه أنه قال: "رحم الله امرا صلى قبل العصر أربعا" , وكان يصلي بعد المغرب ركعتين وبعد العشاء ركعتين وقبل الصبح ركعتين, فهذه اثنتا عشرة ركعة سننا راتبة, والفرائض سبع عشرة ركعة.
وكان يصلي من الليل عشر ركعات, وربما صلى اثنتي عشرة ركعة ويوتر بواحدة, فهذه أربعون ركعة ورده دائما: الفرائض وسننها وقيام الليل والوتر, ولم يكن من سننه الدعاء بعد الصبح والعصر, وإنما كان من هديه الدعاء في الصلاة وقبل السلام منها كما تقدم, والله أعلم.