مدخل
...
كتاب: الصيام
يجب صوم رمضان باستكمال شعبان ثلاثين أو برؤية عدل الهلال، وإذا رؤي الهلال
كتاب: الصيام
وهو لغة: الإمساك.
وشرعًا: الإمساك عن المفطر على وجه مخصوص، وفرض في شعبان في السنة الثانية من الهجرة.
"ويجب صوم رمضان باستكمال شعبان ثلاثين" يومًا إن كانت السماء مطبقة بالغيم.
"أو برؤية عدل" واحد "الهلال" إذا شهد بها عند القاضي بلفظ الشهادة ولو بنحو: أشهد أني رأيت الهلال فلا يكفي أن يقول غدًا من رمضان، ولا يشترط تقدم دعوى بل أن يكون عدل شهادة، فلا يكفي عبد وامرأة لكن لا يشترط فيه العدالة الباطنة وهي التي يرجع فيها إلى قول المزكين بل يكفي كونه مستورًا؛ ودليل الاكتفاء بواحد ما صح عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيت الهلال فصام وأمر الناس بصيامه"1 والمعنى في ثبوته بواحد دون غيره من المشهور الاحتياط للصوم ومن ثم لم يكتف بواحد إلا بالنسبة للصوم وتوابعه كالتراويح والاعتكاف والعمرة المعلقين بدخول رمضان بخلاف غير الصوم وتوابعه فلا يحل دين مؤجل به ولا يقع ما علق به من نحو طلاق وعتق، نعم يثبت ذلك في حق الرائي ولذلك يلزمه الصوم وإن كان فاسقًا، وكذا يلزم من أخبره فاسق أنه رآه واعتقد صدقه، ولا يجوز العمل بقول المنجم والحاسب لكن لهما العمل باعتقادهما، ولكن لا يجزئهما صومهما عن فرضهما، وبحث الأذرعي الاكتفاء برؤية القناديل المعلقة بالمنائر ليلة أول رمضان، وقياسه الاكتفاء بذلك أيضًا حيث اطردت العادة بتعليقها في البلد المرئية فيها فجر ليلة العيد حيث اعتقد من رآها أن غدًا عيد، ثم رأيت جمعًا بحثوه أيضًا، ولا عبرة بقول من قال أخبرني النبي صلى الله عليه وسلم في النوم أن غدًا من رمضان فلا يجوز بالإجماع العمل بقضية منامه لا في الصوم ولا في غيره.
"وإذا رئي الهلال ببلد لزم" الصوم "من وافق مطلعهم مطلعه" لأن الرؤية تختلف باختلاف المناظر وعروض البلدان فكان اعتبارهما أولى كما في طلوع الفجر والزوال وغروبها، أما إذا اختلفت المطالع فلا يجب الصوم على من اختلف مطلعه لبعده، وكذا لو شك في اتفاقها، ولا يمكن اختلافها في دون أربعة وعشرين فرسخًا، ولو سافر من بلد الرؤية إلى بلد تخالفه في المطلع ولم ير أهله الهلال وافقهم في الصوم فيمسك معهم وإن كان معيدًا
ببلد لزم من وافق مطلعهم مطلعة، ولصحة الصوم شروط:
الأول: النية لكل يوم.
ويجب التبييت في الفرض دون النفل، فتجزئه نيته قبل الزوال، ويجب التعيين أيضًا دون الفرضية في الفرض.
لأنه بالانتقال إليهم صار منهم، وكذا لو جرت سفينة صائم إلى بلد فوجدهم معيدين فإنه يفطر معهم لذلك، ولا قضاء عليه إلا إن صام ثمانية وعشرين يومًا، ولا أثر لرؤية الهلال نهارًا ولو قبل الزوال.
"ولصحة الصوم شروط: الأول النية" لخبر: "إنما الأعمال بالنيات" 1 ومر الكلام عليها وإنما تجب بالقلب ويسن التلفظ بها وتجب في الفرض والنفل "لكل يوم" لظاهر الخبر الآتي2 ولأن كل يوم عبادة مستقلة، فلو نوى أول ليلة من رمضان صوم الشهر كله لم يكف لغير اليوم الأول لكن ينبغي له ذلك ليحصل له ثواب صوم رمضان إن نسي النية في بعض أيامه عند القائل بأن ذلك يكفي "ويجب التبييت في الفرض" بأن يوقع نيته ليلًا لما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: "من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له" 3 وهو محمول على الفرض بقرينة الخبر الآتي في النفل4، ولا يضر وقوع مناف كأكل وجماع بعد النية ولا تجزئ مقارنتها للفجر ولا إن شك عندهما في أنها متقدمة على الفجر أو لا خلاف ما لو نوى ثم شك أطلع الفجر أم لا، أو شك نهارًا هل نوى ليلًا ثم تذكر ولو بعد مضي أكثر النهار بخلاف ما لو مضى ولم يتذكر "دون النفل" فلا يجب التبييت فيه "فتجزئه نيته قبل الزوال" لما صح أنه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: "هل عندكم من غداء؟ " قالت: لا.
قال: "فإني إذن أصوم" 5, ولا بد من اجتماع شرائط الصوم من الفجر للحكم عليه بأنه صائم من أول النهار حتى يثاب على جميعه إذ صومه لا يتبعض، ولو أصبح ولم ينو صومًا ثم تمضمض ولم يبالغ فسبق ماء المضمضة إلى جوفه ثم نوى صوم صح، وكذا كل ما لا يبطل به الصوم.
"ويجب التعيين أيضًا" للمنوي من فرض كرمضان أو نذر أو كفارة ومن نفل له سبب كصوم الاستسقاء بغير أمر الإمام أو مؤقت كصوم يوم الاثنين وعرفة وعاشوراء وأيام البيض، لكن معنى وجوب التعيين في النفل المذكور بقسميه أنه بالنسبة لحيازة الثواب المخصوص لا أن الصحة متوقفة عليه، ولو كان عليه قضاء رمضانين أو صوم نذر أو كفارة عن
الثاني: الإمساك عن الجماع عمدًا، وعن الاستمناء.
الثالث: الإمساك عن الاستقاءة، ولا يضر تقيؤه بغير اختياره.
جهات مختلفة فنوى صوم غد عن رمضان أو صوم نذر وكفارة جاز وإن لم يعين عن قضاء أيهما في الأول ولا نوعه في الثاني لأن كله جنس واحد "دون" نية "الفريضة في" صوم "الفرض" فإنها لا تجب لأن صوم رمضان من البالغ لا يقع إلا فرضًا، بخلاف الصلاة فإن المعادة وإن كانت جمعة نفل، وعلم من كلامه أن أقل النية في رمضان أن ينوي صوم غد عن رمضان، والأكمل أن ينوي صوم غد عن أداء فرض رمضان هذه السنة لله تعالى لتتميز عن أضدادها، ولو تسحر ليصوم أو شرب لدفع العطش نهارًا أو امتنع من نحو الأكل خوف الفجر ذلك إن خطر بباله الصوم بالصفات التي يشترط التعرض لها لتضمن كل منها قصد الصوم، وكذا لو تسحر ليتقوى على الصوم وخطر بباله ذلك.
"الثاني: الإمساك عن الجماع" فيفطر به وإن لم ينزل إجماعًا بشرط أن يصدر من واضح "عمدًا" مع العلم بتحريمه ومع كونه مختارًا "وعن الاستمناء" يعني وعن تعمد الإنزال بلمس لما ينقض لمسه الوضوء أو استمناء بيده أو بيد حليلته؛ لأنه إذا أفطر بالجماع بلا إنزال فبالإنزال بمباشرة فيها نوع شهوة أولى، أما الإنزال بنحو فكر ونظم وضم امرأة بحائل وإن رق فلا يفطر به وإن تكررت الثلاثة بشهوة إذ لا مباشرة كالاحتلام لكن يحرم تكريرها، وإن لم ينزل كالتقبيل في الفم أو غيره لمن لم يملك نفسه من جماع أو إنزال لأن فيه تعريضًا لإفساد العبادة بخلاف ما إذا ملكها معه فإن تركه أولى، ولا يفطر بلمس ما لا ينقض لمسه كلمس عضو مبان1 وإن اتصل، ولو حك ذكره لعارض سوداء أو حكة فأنزل لم يفطر لتولده من مباشرة مباحة، ولو قبلها ثم فارقها ساعة ثم أنزل فإن كانت الشهوة مستصحبة والذكر قائمًا حتى أنزل أفطر وإلا فلا، ولا يضر إمناء الخنثى المشكل ولا وطؤه بأحد فرجيه لاحتمال زيادته، وخرج بما مر الناسي والجاهل والمعذور لقرب إسلامه أو نشئه ببادية بعيدة عن العلماء والمكره فلا يفطرون بالجماع ونحوه لعذرهم.
"الثالث: الإمساك عن الاستقاءة" فيفطر من استدعى القيء عامدًا عالمًا مختارًا وإن لم يعد منه شيء إلى جوفه لأنه مفطر لعينه لا لعود شيء منه.
"ولا يضر تقيؤه" نسيانًا ولا جهلًا إن عذر به ولا "بغير اختياره" لما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: "من ذرعه القيء -أي غلبه- وهو صائم فليس عليه قضاء ومن استقاء فليقض" 2.
الرابع: الإمساك عن دخول عين جوفًا كباطن الأذن والإحليل بشرط دخوله من منفذ مفتوح، ولا يضر تشرب المسام بالدهن والكحل والاغتسال، فإن أكل أو شرب ناسيًا أو جاهلًا قليلًا أو كثيرًا لم يفطر، ولا يعذر الجاهل إلا إن قرب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية
"الرابع: الإمساك عن دخول عين" وإن قلت كسمسمة أو لم تؤكل عادة كحصاة من الظاهر في منفذ مفتوح مع تعمده دخولها واختياره والعلم بأنه مفطر إلى ما يسمى "جوفًا كباطن الأذن والإحليل" وهو مخرج البول من الذكر واللبن من الثدي فإذا أدخل في شيء من ذلك شيئًا فوصل إلى الباطن أفطر، وإن كان لا ينفذ منه إلى الدماغ في الأولى ولم يجاوز الداخل فيه الحشفة أو الحلمة في الثانية لوصوله إلى جوف وكخريطة1 دماغ وصل إليها دواء من مأمومة2 وإن لم يصل إلى باطنها وكجوف وصل إليه طعنه من نفسه أو غيره بإذنه ولا يضر وصوله لمخ ساقه لأنه ليس بجوف أو وصل إليه دواء من جائفة3 أو حقنة أو سعوط، وإن لم تصل إلى باطن الأمعاء أو الدماغ إذ ما وراء الخيشوم وهو أقصى الأنف جوف وإنما يفطر بالواصل إلى الحلق إن وصل إلى الباطن منه شيء، ومخرج الهمزة والهاء باطن ومخرج الخاء المعجمة والحاء المهملة ظاهر، ثم داخل الفم إلى منتهى المهملة والأنف إلى منتهى الخيشوم له حكم الظاهر في الإفطار باستخراج القيء إليه أو ابتلاعه النخامة منه، وفي عدم الإفطار بدخول شيء فيه وإن أمسكه، وفي أنه إذا تنجس وجب غسله، وله حكم الباطن في عدم الإفطار بابتلاع الريق منه وفي سقوط غسله عن الجنب وفارق وجوب غسل النجاسة عنه بأنها أفحش وأندر فضيق فيها ما لم يضيق في الجنابة، وإنما يفطر بإدخال ما ذكر إلى الجوف "بشرط دخوله" إليه "من منفذ مفتوح" كما تقرر "و" من ثم "لا يضر تشرب المسام" بتثليث الميم وهي ثقب البدن "بالدهن والكحل والاغتسال" فلا يفطر بذلك وإن وصل جوفه لأنه لما لم يصل من منفذ مفتوح كان في حيز العفو ولا كراهة في ذلك لكنه خلاف الأولى، وإنما يفطر بما مر إن علم وتعمد واختار.
"فإن أكل أو شرب ناسيًا" للصوم "أو جاهلًا" بأن ذلك مفطر أو مكرهًا على الأكل مثلًا "قليلًا" كان المأكول أو المشروب "أو كثيرًا لم يفطر" لعموم خبر الصحيحين: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب" وفي رواية: "وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه" 4
بعيدة عن العلماء، ولا يفطر بغبار الطريق وإن تعمد فتح فمه، ولا ببلع الريق الطاهر الخالص من معدنه وإن أخرجه على لسانه، ويفطر بجري الريق بما بين الأسنان لقدرته على مجه وبالنخامة كذلك، وبوصول ماء المضمضة الجوف إن بالغ في غير نجاسة وبغير
وصح: "ولا قضاء عليه" 1، ولخبر: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" 2 والجاهل كالناسي بجامع العذر.
"و" لكن "لا يعذر الجاهل" هنا وفيما مر "إلا إن قرب عهده بالإسلام" ولم يكن مخالطًا أهله بحيث لم يعرف منهم أن ذلك يفطر "أو نشأ ببادية" أو بلدة "بعيدة عن العلماء" بحيث لا يستطيع النقلة3 إليهم لعذره حينئذ، بخلاف ما إذا كان قديم الإسلام وهو بين ظهراني العلماء أو من يعرف أن ذلك مفطر فإنه لا عذر له لتقصيره بترك ما يجب من تعلم ذلك كما مر أول الكتاب.
"ولا يفطر بغبار" نحو "الطريق" ولا بغربلة نحو الدقيق ولا بوصول الأثر كوصول الريح بالشم إلى دماغه والطعم بالذوق إلى حلقه، ولا بدخول ذبابة في جوفه.
"وإن تعمد فتح فمه" لعدم قصده لذلك ولعسر تجنبه ولأنه معفو عن جنسه.
"ولا" يفطر أيضًا "ببلع الريق الطاهر الخالص من معدنه" وهو الفم جميعه ولو بعد جمعه.
"وإن أخرجه على لسانه" لعسر التحرز عنه ولأنه لم يخرج عن معدنه، إذ اللسان كيفما تقلب معدود من داخل الفم فلم يفارق ما عليه معدنه، وخرج بالطاهر المتنجس كمن دميت لثته وإن ابيض ريقه بالخالص المختلط ولو بطاهر آخر كمن فتل خيطًا مصبوغًا تغير به ريقه وبالذي ابتلعه من معدنه كأن خرج من فمه ولو إلى ظاهر الشفة وإن عاد إلى فمه من خيط خياط أو امرأة في غزلها فيفطر بجميع ذلك لوصول النجاسة أو العين المخالطة إلى جوفه ولسهولة الاحتراز عنه في الأخيرة "ويفطر بجري الريق بما بين الأسنان لقدرته على مجه" أي مع قدرته عليه لتقصيره حينئذ، بخلاف ما إذا عجز عن تمييزه ومجه لعذره "و" يفطر "بالنخامة كذلك" بأن نزلت من الرأس أو الجوف ووصلت إلى حد الظاهر من الفم فأجراها هو وإن عجز بعد ذلك عن مجها أو جرت بنفسها وقدر على مجها لتقصيره مع أن نزولها منسوب إليه بخلاف ما لو جرت بنفسها وعجز عن مجها فلا يفطر للعذر، وكذا لو لم تصل إلى حد الظاهر كأن نزلت من دماغه إلى حلقه وهي في حد الباطن
مبالغة من مضمضة لتبرد أو رابعة أو عبث، وبتبين الأكل نهارًا لا بالأكل مكرها.
الخامس والسادس والسابع: الإسلام، والنقاء عن الحيض والنفاس، والعقل في جميع النهار، ولا يضر الإغماء والسكر إن أفاق لحظة في النهار، ولا يصح صوم العيدين ولا أيام التشريق، ولا النصف الأخير من شعبان إلا لورد أو نذر أو قضاء أو كفارة، أو وصل ما بعد النصف بما قبله.
ثم إلى جوفه فلا يفطر وإن قدر على مجها لأنها نزلت من جوف إلى جوف.
"و" يفطر "بوصول ماء المضمضة" والاستنشاق "الجوف" أي باطنه أو دماغه "إن بالغ" ولو في واحدة من الثلاث؛ لأن المبالغة غير مشروعة للصائم فهو مسيء بها.
هذا إن بالغ "في غير نجاسة" في الفم أو الأنف فإن احتاج للمبالغة في تطهيرها فسبق الماء إلى جوفه لم يفطر لوجوب ذلك عليه.
"و" يفطر أيضًا بوصول ما ذكر إلى جوفه ولو "بغير مبالغة" إن كان "من مضمضة" أو استنشاق "لتبرد أو رابعة أو" بوصول ما جعله في فمه أو أنفه لا لغرض بل لأجل "عبث" لأنه غير مأمور بذلك بل منهي عنه في الرابعة بخلاف ما إذا سبق ماء مضمضة أو استنشاق مشروعين من غير مبالغة فإنه لا يفطر به لأنه تولد من مأمور به بغير اختياره، ويحرم أكل الشاك آخر النهار لا آخر الليل لأن الأصل بقاؤهما حتى يجتهد ويظن انقضاء النهار فيجوز له الأكل لكن الأحوط أن لا يفطر إلا بعد اليقين "و" إذا أكل باجتهاد وظن به بقاء الليل أو غروب الشمس أفطر في الصورتين "بتبين الأكل نهارًا" بخلاف ما إذا بان الأمر كما ظنه أو لم يبن غلط ولا إصابة ولو عجم وأكل من غير تحر فإن كان ذلك آخر النهار أفطر وإن لم يبن له شيء لأن الأصل بقاؤه أو آخر الليل لم يفطر بذلك، ولو هجم فبان أنه وافق الصواب لم يفطر مطلقًا، ويجوز اعتماد العدل إذا أخبر بالغروب على الأوجه خلافًا لاشتراط الروياني1 إخبار عدلين فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم كان يعتمد على فطره على خبر واحد بغروب الشمس ولو أخبره بالفجر وجب العمل بقوله "لا بالأكل" أو غيره من المفطرات إذا تناوله "مكرهًا" فإنه لا يفطر لما مر.
"الخامس والسادس والسابع: الإسلام والنقاء عن الحيض والنفاس والعقل في جميع النهار" قيد في الكل فمتى ارتد أو نفست أو ولدت وإن لم تر دمًا أو حاضت أو جن في لحظة من النهار بطل الصوم كالصلاة وإن كان الجنون بشرب مخدر ليلا, "ولا يضر الإغماء والسكر" الذي لم يتعد به "إن أفاق لحظة في النهار" بخلاف ما إذا لم يفق لحظة منه فإن الصوم يبطل بهما لأنهما في الاستيلاء على العقل فوق النوم ودون الجنون، فلو قلنا: إن المستغرق منهما لا يضر كالنوم لألحقنا الأقوى بالأضعف، ولو قلنا إن اللحظة منهما تضر كالجنون لألحقنا الأضعف بالأقوى فتوسطنا وقلنا إن الإفاقة في لحظة كافية.
"ولا يصح صوم العيدين" ولو عن
فصل: "فيمن يجب عليه الصوم"
شرط من يجب عليه صوم رمضان: العقل والبلوغ، والإسلام، والإطاقة، ويؤمر به الصبي لسبع ويضرب على تركه لعشر إن أطاقه.
واجب للنهي عنه في خبر الصحيحين1.
"ولا" صوم يوم من "أيام التشريق" ولو عن واجب أيضًا لما صح من النهي عن صيامها2.
"ولا" صوم يوم من أيام "النصف الآخير من شعبان" ومنه يوم الشك لما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" 3 "إلا لورد" بأن اعتاد صوم الدهر أو صوم يوم وفطر يوم أو صوم يوم معين كالاثنين فصادق ما بعد النصف.
"أو نذر" مستقر في ذمته "أو قضاء" لنفل أو فرض "أو كفارة" فيجوز صوم ما بعد النصف عن ذلك وإن لم يصل صومه بما قبل النصف لخبر الصحيحين: "لا تقدموا" أي لا تتقدموا "رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم يومًا ويفطر يومًا فليصمه" 4 وقيس بالورد الباقي بجامع السبب.
"أو وصل" صوم "ما بعد النصف بما قبله" ولو بيوم النصف وإن اقتضى ظاهر الحديث السابق الحرمة في هذه الصورة أيضًا حفظًا لأصل مطلوبية الصوم.
فصل: فيمن يجب عليه الصوم
"شرط من يجب عليه صوم رمضان العقل والبلوغ" فلا يجب على المجنون ولا الصبي لا أداء ولا قضاء لرفع القلم عنهما.
"والإسلام" فلا يجب على الكافر الأصلي وجوب مطالبة في الدنيا كالصلاة.
"والإطاقة" فلا يجب على العاجز بنحو هرم أو مرض كما يأتي.
"ويؤمر به" وجوبًا "الصبي لسبع" من السنين "ويضرب على تركه لعشر" منها "إن أطاقه" كما مر في الصلاة تفصيله5.
فصل: "فيما يبيح الفطر"
ويجوز الفطر بالمرض الذي يبيح التيمم، وللخائف من الهلاك، ولغلبة الجوع والعطش، وللمسافر سفرًا طويلا إلا إن طرأ السفر بعد الفجر، والصوم في السفر أفضل إن لم يتضرر به، وإذا بلغ الصبي أو قدم المسافر أو شفي المريض وهم صائمون حرم الفطر، وإلا استحب الإمساك، وكل من أفطر لعذر أو غيره وجب عليه القضاء بعد التمكن إلا الصبي والمجنون والكافر الأصلي، ويستحب موالاة القضاء والمبادرة به وتجب إن أفطر بغير عذر. ويجب الإمساك في رمضان على تارك النية، والمتعدي بفطره في يوم الشك إن تبين كونه في رمضان، ويجب قضاؤه.
فصل: فيما يبيح الفطر
"ويجوز الفطر بالمرض الذي" يشق معه الصوم مشقة ظاهرة أو الذي "يبيح التيمم" كأن يخشى زيادة مرضه بسبب الصوم لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ، أي فأفطر ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] ، "و" يجوز الفطر "للخائف من الهلاك" بسبب الصوم على نفسه أو عضوه أو منفعته بل يلزمه الفطر كمن خشي من الصوم مع أحدهما مبيح تيمم لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] ، وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] ، وقوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] ، "وللمسافر سفرًا طويلًا مباحًا" للآية السابقة بخلاف ذي السفر القصير والسفر المحرم وكل ما مر في القصير يأتي هنا. "إلا" أنه هنا لا يفطر "إن طرأ السفر" بأن لم يفارق العمران أو السور إلا "بعد الفجر" تغليبًا للحضر بخلاف حدوث المرض فإنه يجوز الفطر لوجود المحوج له بلا اختيار، وإذا كان سفره قبل الفجر فله الفطر وإن نوى ليلا، فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم أفطر بعد العصر في سفره بقدح ماء لما قيل له: إن الناس شق عليهم الصيام1.
"والصوم في السفر أفضل" من الفطر "إن لم يتضرر به" أي بالصوم ليحوز فضيلة الوقت وإلا بأن خشي ضررًا في الحال أو الاستقبال فالفطر أفضل، بل ربما يجب إن خشي من الصوم فيه ضررًا يبيح التيمم نظير ما مر، وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم في الخبر السابق لما أفطر فبلغه أن أناسًا صاموا: $"أولئك العصاة"2، أو هو محمول على عصيانهم بمخالفتهم أمره بالفطر ليتقووا على عدوهم.
"وإذا بلغ الصبي أو قدم المسافر أو شفي المريض وهم صائمون" بأن نووا من الليل "حرم الفطر" لزوال السبب المجوز له، ومن ثم جامع أحدهم حينئذ لزمته الكفارة.
"وإلا" يكونوا صائمين بأن كانوا مفطرين ولو بترك النية "استحب" لهم "الإمساك" لحرمة الوقت وإنما
فصل: "في سنن الصوم"
يستحب تعجيل الفطر عند تيقن الغروب، وأن يكون بثلاث رطبات أو تمرات، فإن
لم يجب الإمساك لأن الفطر مباح لهم مع العلم بحال اليوم1 وزوال العذر بعد الترخص لا يؤثر، ويستحب الإمساك أيضًا لمن طهرت من نحو حيض ولمن أفاق أو أسلم في أثناء النهار، ويندب لهذين القضاء خروجًا من الخلاف.
"وكل من أفطر" في رمضان "لعذر أو غيره وجب عليه القضاء" لكن على التراخي فيمن أفطر لعذر وإلا فعلى الفور كما يأتي، وإنما يجب القضاء حيث تجب الفدية عنه لو مات قبل صومه إن أخره "بعد التمكن" منه وإلا بأن مات عقب موجب القضاء أو استمر به العذر إلى موته أو سافر أو مرض بعد أول يوم من شوال إلى أن مات فلا فدية عليه لعدم تمكنه منه.
"إلا الصبي والمجنون" فلا قضاء عليهما لرفع القلم عنهما.
"و" إلا "الكافر الأصلي" فلا قضاء عليه أيضًا ترغيبًا له في الإسلام كالصلاة، فعلم أن المريض المسافر والمرتد والحائض والنفساء والمغمى عليه والسكران ونحوهم يلزمه القضاء للنص2 في بعض ذلك وللقياس في الباقي.
"ويستحب موالاة القضاء والمبادرة به" مسارعة لبراءة الذمة ما أمكن.
"وتجب" المبادرة به وموالاته "إن أفطر بغير عذر" ليخرج عن معصية التعدي بالترك الذي هو متلبس به.
"ويجب الإمساك في رمضان" دون غيره من النذر والقضاء "على تارك النية" ولو سهوًا.
"و" على "المتعدي بفطره" لحرمة الوقت وتشبيهًا بالصائمين مع عدم العذر فيهما، ويجب الإمساك أيضًا "في يوم الشك إن تبين كونه من رمضان" لذلك, "ويجب قضاؤه" على الفور لكنه مخالف للقاعدة وكأن وجهه أن فطره ربما فيه نوع تقصير لعدم الاجتهاد في الرؤية وطردًا للباب في بقية الصوم.
فصل: في سنن الصوم
وهي كثيرة، فمنها أنه "يستحب تعجيل الفطر عند تيقن الغروب" لما صح "أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي إذا كان صائمًا حتى يؤتى برطب وماء فيأكل"3، ويكره تأخير الفطر إن رأى أنه فيه فضيلة وإلا فلا بأس، أما مع عدم تيقن الغروب فلا يسن تعجيل الفطر بل يحرم مع الشك في
عجز فبتمرة، فإن عجز فالماء، وأن يقول عنده: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت.
وتفطير صائمين، وأن يأكل معهم، والسحور وتأخيره ما لم يقع في شك، والاغتسال إن
الغروب كما مر.
"و" يسن "أن يكون" الفطر وإن كان بمكة على الرطب فإن لم يجد فالتمر، وأن يكون "بثلاث رطبات أو تمرات" للخبر الصحيح: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يفطر قبل أن يصلي على رطبات فإن لم يكن فعلى تمرات فإن لم يكن حسا حسوات من ماء"1 "فإن عجز" عن الثلاث "فبتمرة" أو رطبة يحصل له أصل السنة "فإن عجز" عن الرطب والتمر "فالماء" هو الذي يسن الفطر عليه دون غيره خلافًا للروياني حيث قدم عليه الحلو وذلك للخبر الصحيح المذكور2.
"و" يستحب "أن يقول عنده" يعني بعد الفطر: "اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت" اللهم ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله تعالى للاتباع فيهما3.
"و" يستحب "تفطير صائمين" ولو على تمرة أو شربة ماء أو غيرهما، والأكمل أن يشبعهم لما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: "من فطر صائمًا فله مثل أجره ولا ينقص من أجر الصائم شيء"4.
"وأن يأكل معهم" لأنه أليق بالتواضع وأبلغ في جبر القلب.
"و" يستحب "السحور" لخبر الصحيحين: "تسحروا فإن في السحور بركة"5 وصح: "استعينوا بطعام السحر على صيام النهار وبقيلولة النهار على قيام الليل"6 ويحصل بجرعة ماء لخبر صحيح فيه7، والأفضل أن يكون بالتمر8 لخبر في صحيح ابن حبان.
"و" يسن "تأخيره" أي السحور للخبر المتفق عليه:
كان عليه غسل قبل الصبح، ويتأكد له ترك الكذب والغيبة، ويسن له ترك الشهوات المباحة، فإن شاتمه أحد تذكر أنه صائم، وترك الحجامة، والمضغ وذوق الطعام،
"لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخرو السحور"1 وصح: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم قمنا إلى الصلاة وكان قدر ما بينهما خمسين آية2، وفيه ضبط لقدر ما يحصل به سنة التأخير.
ومحل سن تأخيره "ما لم يقع" به "في شك" في طلوع الفجر وإلا لم يندب تأخيره لخبر: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" 3 "و" يستحب "الاغتسال إن كان عليه غسل قبل الصبح" ليؤدي العبادة على الطهارة، ومن ثم ندب له المبادرة إلى الاغتسال عقب الاحتلام نهارًا، ولئلا يصل الماء نحو باطن أذنه أو دبره، ومن ثم ينبغي له غسل هذه المواضع قبل الفجر إن لم يتهيأ له الغسل الكامل قبله، وللخروج من قول أبي هريرة رضي الله عنه بوجوبه للخبر الصحيح: "من أصبح جنبًا فلا صوم له" 4 وهو مؤول أو منسوخ5 "ويتأكد له" أي للصائم "ترك الكذب والغيبة" وإن أبيحا في بعض الصور والمشاتمة وغير ذلك من كل محرم لأنه يحبط الثواب كما صرحوا به للأخبار الصحيحة الدالة على ذلك6.
"ويسن له ترك الشهوات المباحة" التي لا تبطل الصوم من التلذذ بمسموع ومبصر وملموس ومشموم كشم ريحان ولمسه والنظر إليه لما في ذلك من الترفه الذي لا يناسب
والقبلة، وتحرم إن خشي فيها الإنزال، والسواك بعد الزوال، ويستحب في رمضان
حكمة الصوم، ويكره له ذلك كله كدخول الحمام "فإن شاتمه أحد تذكر" بقلبه "أنه صائم" للخبر الصحيح: $"الصيام جنة فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم"1 مرتين؛ أي يسن له أن يقول ذلك بقلبه لنفسه ليصبر ولا يشاتم فتذهب بكرة صومه أو بلسانه بنية وعظ الشاتم ودفعه بالتي هي أحسن، والأولى الجمع بينهما، ويسن تكراره كما أفهمه الخبر لأنه أقرب إلى إمساك كل عن صاحبه.
"و" يسن له "ترك" الفصد و"الحجامة" منه لغيره وعكسه خروجًا من خلاف من فطر بذلك، ودليلنا ما صح أنه صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم2، وخبر: "أفطر الحاجم والمحجوم" 3 منسوخ كما يدل عليه ما صح عن أنس رضي الله عنه4 أو مؤول بأنهما تعرضا للإفطار: المحجوم للضعف والحاجم لأنه لا يأمن أن يصل شيء إلى جوفه بمص المحجمة5.
"و" ترك "المضغ" للبان أو غيره لانه يجمع الريق فإن ابتلعه أفطر في وجه وإن ألقاه عطشه، ومن ثم كره كما في المجموع خلافًا لما توهمه عبارة المصنف والكلام حيث لم ينفصل من الممضوغ عين تصل إلى الجوف وإلا حرم وأفطر كما علم مما مر.
"و" ترك "ذوق الطعام" أو غيره خوف الوصول إلى حلقه أو تعاطيه لغلبة شهوته، "و" ترك "القبلة" في الفم أو غيره والمعانقة واللمس ونحو ذلك إن لم يخش الإنزال لأنه قد يظنها غير محركة وهي محركة.
"وتحرم" ولو على نحو شيخ "إن خشي فيها" أو في غيرها مما ذكر "الإنزال" أو فعل الجماع ولو بلا إنزال لأن في ذلك تعريضًا لإفساد العبادة، وصح أنه صلى الله عليه وسلم رخص في القبلة للشيخ وهو صائم ونهى عنها الشاب وقال: "الشيخ يملك إربه والشاب يفسد صومه" 6 فأفهم التعليل أن الحكم دائر مع خشية ما ذكر وعدمها.
"و" يكره للصائم ولو نفلا "السواك بعد الزوال" إلى الغروب وإن نام أو أكل كريهًا ناسيًا للخبر الصحيح: "لخلوف فم الصائم يوم القيامة أطيب عند الله من ريح
التوسعة على العيال، والإحسان إلى الإرحام والجيران، وإكثار الصدقة والتلاوة والمدارسة للقرآن والاعتكاف لا سيما العشر الأواخر وفيها ليلة القدر، ويقول فيها: اللهم إنك عفو
المسك"1 وهو2 بضم المعجمة التغير، واختص بما بعد الزوال لأن التغيير ينشأ غالبًا قبله من أثر الطعام وبعده من أثر العبادة، ومعنى أطيبيته عند الله تعالى ثناؤه تعالى عليه ورضاه به فلا يختص بيوم القيامة، وذكرها في الخبر ليس للتقييد بل لأنها محل الجزاء، وتزول الكراهة بالغروب وإنما حرمت إزالة دم الشهيد مع أنه كريح المسك وهذا أطيب من المسك؛ لأنه فيه تفويت فضيلة على الغير، ومن ثم حرم على الغير إزالة خلوف فم الصائم بغير إذنه كما هو ظاهر.
"ويستحب في رمضان التوسعة على العيال والإحسان إلى الأرحام والجيران وإكثار الصدقة" والجود لخبر الصحيحين "أنه صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل"3، والمعنى في ذلك تفريغ قلوب الصائمين والقائمين للعبادة بدفع حاجاتهم.
"و" إكثار "التلاوة والمدارسة للقرآن" وهي أن يقرأ على غيره ويقرأ غيره عليه لخبر الصحيحين: "كان جبريل يلقى النبي صلى الله عليه وسلم في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن"4 "و" إكثار "الاعتكاف" للاتباع5، ولأنه أقرب لصون النفس على ارتكاب ما لا يليق "لا سيما العشر الأواخر" فهي أولى بذلك من غيرها للاتباع6، وصح أنه صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها7.
"وفيها" لا في غيرها اتفاقًا، وشذ من قال: إنها في العشر الأواسط
تحب العفو فاعف عني، ويكتمها ويحييها ويحيي يومها كليلتها، ويحرم الوصال في الصوم.
"ليلة القدر" لا تنتقل منها إلى غيرها وإن كانت تنتقل من ليلة منها إلى أخرى منها على ما اختاره النووي وغيره جمعًا بين الأخبار المتعارضة في محلها وحثا على إحياء جميع ليالي العشر، وقال جماعة منهم الشافعي رضي الله عنه تلزم ليلة بعينها وأرجاها عنده ليلة الحادي أو الثالث والعشرين ثم سائر الأوتار وهي من خصائص هذه الأمة والتي يفرق فيها كل أمر حكيم1، وأفضل ليالي السنة وباقية إلى يوم القيامة إجماعًا، والمراد برفعها في الخبر2 رفع علم عينها وإلا لم يؤمر بالتماسها فيه. "ويقول فيها: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" لما صح أنه صلى الله عليه وسلم أمر عائشة بقول ذلك إن وافقتها3.
"ويكتمها" ندبًا إذا رآها.
"ويحييها ويحيي يومها كليلتها" بالعبادة بإخلاص وصحة يقين ويجتهد في بذل الوسع في ذلك لقوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3] ، أي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وصح: "من قام ليلة القدر إيمانًا" أي تصديقًا بأنها حق وطاعة "واحتسابًا" أي طلبًا لرضا الله تعالى وثوابه لا للرياء ونحوه "غفر الله له ما تقدم من ذنبه" 4، وقيس بها يومها، ومن علاماتها عدم الحر والبرد فيها، وأن تطلع الشمس صبيحتها بيضاء بلا كثرة شعاع لخبر مسلم بذلك5، وحكمة ذلك كثرة صعود الملائكة ونزولها فيها فسترت بأجنحتها وأجسادها اللطيفة ضوء الشمس وشعاعها، ولا ينال كمال فضلها إلا من أطلع عليها.
فصل: "في الجماع في رمضان وما يجب له
ويجب الكفارة على من أفسد صوم رمضان بالجماع ولو في دبر، وبهيمة، لا على المرأة ولا من جامع ناسيًا أو مكرهًا، ولا على من أفسد صوم غير رمضان، ولا على من
"ويحرم الوصال في الصوم" الفرض والنفل عنه في الصحيحين1 وهو صوم يوم فأكثر من غير أن يتناول بينهما في الليل مفطرًا، وعلة ذلك الضعف مع كون ذلك من خصوصياته صلى الله عليه وسلم ففطم2 الناس عنه وإن لم يكن فيه ضعف، ومن ثم لو أكل ناسيًا كثيرًا قبل الغروب حرم عليه الوصال مع انتفاء الضعف، ولو ترك غير الصائم الأكل أيامًا ولم يضره ذلك لم يحرم عليه.
فصل: في الجماع في رمضان وما يجب به
"ويحب" التعذير و"الكفارة" الآتية "على من أفسد" على نفسه "صوم" يوم من "رمضان بالجماع" الذي يأثم به من حيث الصوم "ولو" كان الجماع "في دبر" من رجل أو امرأة "و" فرج أو دبر "بهيمة" لما صح من أمره صلى الله عليه وسلم لمن جامع في نهار رمضان بالإعتاق، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا3، وكالإفساد منع الانعقاد كاستدامة مجامع أصبح فتلزمه الكفارة أيضًا وسيأتي ما خرج به، وإنما تجب الكفارة هنا على الواطئ "لا على المرأة" الموطوءة ولا على الرجل الموطوء وإن فسد صومهما بالجماع بأن يولج فيهما مع نحو نوم ثم يستديمان ذلك بعد الاستيقاظ لأنه لم يؤمر بها في الخبر إلا الرجل المواقع مع الحاجة إلى البيان ولأنها غرم مالي يتعلق بالجماع فيختص بالرجل الواطئ كالمهر.
"ولا" تجب الكفارة "على من جامع" أي وطئ ولم يفسده صومه كأن جامع "ناسيًا" أو جاهلًا وقرب إسلامه أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء "أو مكرهًا" لعذرهما "ولا على من أفسد صوم" غيره كأن أفسد مريض أو مسافر صوم امرأة لأنها لو أفسدت صوم نفسها بالجماع لم تلزمها كفارة فأولى لأن لا يلزم غيرها إذا أفسده، ولا على من أفسد بجماعه صوم "غير
أفطر بغير الجماع، ولا على المسافر والمريض وإن زنيا، ولا على من ظن أنه ليل فتبين نهارًا.
وهي: عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب التي تخل بالعمل، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يقدر أطعم ستين مسكينًا كل واحد مدًّا، وتسقط الكفارة بطرو الجنون والموت في أثناء النهار، لا بالمرض والسفر ولا بالإعسار، ولكل يوم يفسده كفارة.
رمضان" كالقضاء والنذر لورود النص في رمضان وهو مختص بفضائل لا يشركه فيها غيره.
"ولا على من أفطر بغير الجماع" كاستمناء وإن جامع بعده لورود النص في الجماع وهو أغلظ من غيره.
"ولا على" من لا يأثم بجماعه نحو "المسافر والمريض" إذا جامع بنية الترخص لعدم تعديه.
ولا على من أثم به لكن لا من حيث الصوم كمريض ومسافر وإن جامعا حليلتيهما من غير نية الترخص.
"و" كذا "إن زنيا" فإنهما وإن أثما لكن لا لأجل الصوم وحده بل لأجله مع عدم نية الترخص في الأولى ولأجل الزنى في الثانية ولأن الإفطار مباح فيصير شبهة في درء الكفارة.
"و" علم مما مر آنفًا أنها1 "لا" تجب "على" غير آثم ومن أمثلته غير ما مر "من ظن أنه" أي الزمن الذي جامع فيه "ليل فتبين نهارًا" بأن غلط فظن بقاء الليل أو دخوله، وكذا لو شك في بقائه أو دخوله، فجامع ثم بان له أنه جامع نهارًا لأن الكفارة تسقط بالشبهة وإن لم يجز له الإفطار بذلك ولا تلزم أيضًا من أكل ناسيًا فظن أنه أفطر فجامع لأنه جامع معتقدًا أنه غير صائم لكن يفطر بالجماع، ومن رأى هلال رمضان وحده فردت شهادته لزمه صومه فإن جامع لزمته الكفارة.
"و" أي الكفارة هنا كهي في الظهار فيأتي فيها هنا جميع ما قالوه ثم ومن ذلك أنه يجب "عتق رقبة" كاملة الرق عتقًا خاليًا عن شائبة عوض."مؤمنة سليمة من العيوب التي تخل بالعمل" والكسب إخلالًا بينًا وإن لم تسلم عما يثبت الرد في البيع، ويمنع الإجزاء في غرة الجنين لأن المقصود من عتق الرقبة تكميل حاله ليتفرغ لوظائف الأحرار من العبادات وغيرها، وذلك إنما يحصل بقدرته على القيام بكفايته فيجزئ مقطوع أصابع الرجلين ومقطوع الخنصر أو البنصر من يد واحدة وأنامله العليا من غير الإبهام، وأعرج يتابع المشي، وأعور لم يضعف بصر سليمته2 ضعفًا يضر بالعمل إضرارًا بينًا، ومقطوع الأذن والأنف وأعوج الكراع3 وأجذم وممسوح ومفقود الأسنان ومن لا يحسن صنعة ولا يجزئ زمن4 ولا مجنون ومريض لا يرجى برؤه، ومقطوع الخنصر والبنصر أن الإبهام أو السبابة أو الوسطى أو أنملة من الإبهام أو أنملتين من الوسطى أو السبابة، والشلل كالقطع.
"فإن لم يجد" رقبة كاملة بأن يعسر عليه تحصيلها وقت الأداء لا الوجوب لكونه يحتاجها أو ثمنها لخدمة تليق به أو كفايته أو كفاية ممونه5 سنة مطعمًا وملبسًا
فصل: "في الفدية الواجبة"
يجب مد من غالب قوت البلد، ويصرف إلى الفقراء والمساكين، لكل يوم؛ يخرج
ومسكنًا وغيرها "صام شهرين متتابعين" وهما هلاليان، فإن انكسر الأول تمم ثلاثين من الثالث، فإن أفسد يومًا ولو اليوم الأخير ولو بعذر كسفر ومرض وإرضاع ونسيان نية استأنف الشهرين.
نعم، لا يضر الفطر بحيض ونفاس وجنون وإغماء مستغرق لأن كلا منها ينافي الصوم مع كونه اضطراريًّا.
"فإن لم يقدر" على صومهما بأن عسر عليه هو أو تتابعه لنحو هرم أو مرض يدوم شهرين غالبًا أو لخوف زيادة مرضه أو لنحو شدة شهوته للوطء "أطعم" أي ملك "ستين مسكينًا" أو فقيرًا من أهل الزكاة "كل واحد" منهم "مدا" مما يجزئ في الفطرة وسبق فيها بيان المد ويجوز أن يملكهم ذلك كله مشاعًا وأن يقول خذوه وينوي به الكفارة، فإن صرف الستين إلى مائة وعشرين بالسوية حسب له ثلاثين مدا فيصرف ثلاثين أخرى إلى ستين منهم ويسترد الباقي من الباقين إن ذكر لهم أنها كفارة وإلا فلا، ويجوز أن يصرف لمسكين مدين من كفارتين وأن يعطي رجلًا مدًّا ويشتريه منه ثم يصرفه لآخر ويشتريه منه وهكذا إلى الستين، لكنه يكره لشبهه بالعائد في صدقته.
"وتسقط الكفارة" هنا "بطرو والجنون والموت في أثناء النهار" الذي جامع فيه لأنه بان بطرو ذلك أنه لم يكن في صوم لمنافاته له "لا بالمرض والسفر" والإغماء والردة إذا طرأ أحدها بعد الجماع فإن طروه لا يمنع وجوب الكفارة لأن المريض والسفر لا ينافيان الصوم فيتحقق هنا هتك حرمته، ولأن طرو الردة لا يبيح الفطر فلا يؤثر فيما وجب من الكفارة.
"ولا بالإعسار" بل إذا عجز المجامع عن الخصال الثالثة السابقة استقرت الكفارة في ذمته، فإذا قدر بعد ذلك على خصلة منها فعلها، ولا يجوز له أن يصرف شيئًا منها إلى من تلزمه نفقته كسائر الكفارات وكالزكاة، نعم لغير المكفر التطوع بالتكفير عنه بإذنه ولو حينئذ صرفها له ولأهله لأن الصارف لها غير المجامع.
"ولكل يوم يفسده" من رمضان بالجماع السابق "كفارة" ولا يتداخل سواء كفر عن كل يوم قبل إفساده ما بعده أم لا لأن كل يوم عبادة مستقلة بنفسها لا ارتباط لها بما بعدها بدليل تخلل منافي الصوم من نحو أكل وجماع في الليالي بين الأيام.
فصل: في الفدية الواجبة بدلا عن الصوم وفيمن تجب عليه
"يجب" مع القضاء الفدية بثلاث طرق وهي "مد" وجنسه جنس الفطرة جنسًا ونوعًا وصفة فيجب "من غالب قوت البلد" في غالب السنة "يصرف إلى" واحد من "الفقراء
من تركة من مات وعليه صوم رمضان أو غيره، وتمكن من القضاء أو تعدى بفطره أو يصوم عنه قريبه أو من أذن له الوارث أو الميت، ويجب المد أيضًا على من لا يقدر على الصوم لهرم أو مرض لا يرجى برؤه، وعلى الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفًا على الولد
والمساكين" دون غيرهما من مستحقي الزكاة لأن المسكين ذكر في الآية1 الآية والفقير أسوأ حالا منه2 ولا يجب الجمع بينهما، ويجوز إعطاء واحد مدين وثلاثة لأن كل مد كفارة مستقلة، وبه فارق ما مر في كفارة الجماع، ويمتنع إعطاؤه دون مد وحده أو مع مد كامل لأنه بدل عن صوم يوم وهو لا يتبعض، ويجب المد "لكل يوم" لما مر أن كل يوم عبادة مستقلة.
الطريق الأول: فوات نفس الصوم فحينئذ "يخرج" مد لكل يوم "من تركة من مات وعليه صوم رمضان أو غيره" كنذر أو كفارة "و" قد "تمكن القضاء" ولم يقض "أو تعدى بفطره" وإن لم يتمكن "أو يصوم عنه قريبه" وإن لم يوصه بذلك سواء العاصب والوارث وولي المال وغيرهم من سائر الأقارب.
"أو" يصوم عنه "من أذن له" القريب المذكور سواء "الوارث" وغيره "أو" من أذن له "الميت" في أن يصوم عنه بأجرة أو دونها وذلك للأخبار الصحيحة كخبر الصحيحين: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" 3 وصح "أنه صلى الله عليه وسلم أذن لامرأة أن تصوم عن أمها صوم نذر ماتت وهو عليها"4، ولو صام عمن عليه رمضان مثلا ثلاثون قريبًا أو أجنبيًّا بالإذن في يوم واحد أجزأ، والإطعام أولى من الصوم للخلاف فيه دون غيره، وخرج بالقريب ومأذونه الأجنبي الذي يأذن له القريب ولا الميت فلا يجوز الصوم، وفارق نظيره من الحج بأن له بدلا وهو الإطعام والحج لا بدل له، ولو مات وعليه صلاة أو الاعتكاف فلا قضاء عليه ولا فدية، ولا يصح الصوم عن حي ولو نحو هرم اتفاقًا، وخرج بقوله "تمكن" ما إذا مات قبل التمكن منه بأن مات عقب موجب القضاء أو النذر أو الكفارة أو استمر به العذر كالسفر أو المرض إلى موته فإنه لا فدية عليه كما لا زكاة على من تلف ماله بعد الحول وقبل التمكن من الأداء.
"ويجب المد" لكل يوم "أيضًا على من لا يقدر على الصوم" الواجب سواء رمضان وغيره بأن عجز عنه "لهرم" أو زمانة "أو" لحقته به مشقة شديدة لأجل "مرض لا يرجى برؤه" قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] ، أي لا يطيقونه أو يطيقونه حال الشباب ثم يعجزون عنه أو
مع القضاء، وعلى من أفطر لإنقاذ حيوان مشرف على الهلاك، وعلى من أخر القضاء إلى رمضان آخر بغير عذر
يطيقونه أي يكلفونه فلا يطيقونه بناء على خلاف ما عليه الأكثرون من عدم نسخ الآية، والفدية هنا واجبة ابتداء لا بدلا عن الصوم، فلو أخرت عن السنة الأولى لم يلزمه للتأخير شيء، ولو عجز عنها لم تثبت في ذمته على ما بحثه النووي.
الطريق الثاني: فوات فضيلة الوقت.
"و" من ثم وجبت الفدية أيضًا "على" الحرة والقنة1 بعد العتق "الحامل والمرضع" غير المتحيرة وإن كانت مستأجرة أو متطوعة أو كانتا مريضتين أو مسافرتين "إذا أفطرتا خوفًا على الولد" فقط وإن كان من غير المرضع للآية السابقة فإنها على القول بنسخها باقية بلا نسخ في حقهما كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما، أما المتحيرة فلا فدية عليها للشك، هذا إن أفطرت ستة عشر يومًا فأقل وإلا لزمتها الفدية لما زاد لأنه لا يحتمل فساده بسبب الحيض، والفطر فيما ذكر جائز بلا واجب إن خيف تضرر الولد، لكن محله في المستأجرة والمتطوعة إذا لم توجد مرضعة مفطرة أو صائمة ولا تتعدد الفدية بتعدد الأولاد بخلاف العقيقة لأنها فداء عن كل واحد، ولو أفطرت المريضة أو المسافرة بنية الترخص لم يلزمهما فدية، وكذا إن لم يقصدا ذلك ولا الخوف على الولد أو قصدا الأمرين.
وخرج بقوله "على الولد" ما لو خافتا على أنفسهما ولو مع ولديهما لأنها لا فدية عليهما حينئذ كالمرض المرجو البرء، ولا تلزمهما الفدية وحدها بل "مع القضاء و" تجب الفدية والقضاء أيضًا "على من أفطر لإنقاذ حيوان مشرف على الهلاك" أو على إتلاف عضوه أو منفعته بغرق أو صائل أو غيرهما وتوقف الإنقاذ على الفطر فأفطر ولم تكن امرأة متحيرة ولا نحو مسافر بتفصيله السابق لأنه فطر ارتفق به شخصان وإن وجب.
وخرج بالحيوان المال فلا تلزم الفدية فيه أخذًا من كلام القفال2، لكنه فرضه في مال نفسه لأنه ارتفق به شخص واحد.
الطريق الثالث: تأخير القضاء.
"و" حينئذ فتجب الفدية لكل يوم "على من أخر القضاء" أي قضاء رمضان أو شيئًا منه سواء فاته بعذر أو بغير عذر "إلى رمضان آخر بغير عذر" بأن أمكنه القضاء في تلك السنة لخلوه عن نحو سفر ومرض قدر ما عليه من القضاء لخبر فيه ضعيف3 لكنه يعضده إفتاء ستة من الصحابة رضي الله عنهم به ولا مخالف لهم ولتعديه
فصل: "في صوم التطوع"
صوم التطوع سنة وهو ثلاثة أقسام: ما يتكرر بتكرر السنين، وهو صوم يوم عرفة لغير الحاج والمسافر، وعشر ذي الحجة، وعاشوراء وتاسوعاء والحادي عشر من
بحرمة التأخير حينئذ، أما إذا أخره بعذر كأن استمر مريضًا أو مسافرًا أو امرأة حاملًا أو مرضعًا إلى قابل1 أو أخر ذلك جهلا أو نسيانًا أو كرهًا فلا شيء عليه بالتأخير ما دام العذر باقيًا وإن استمر سنين لأن ذلك جائز في الأداء بالعذر ففي القضاء به أولى، وتتكرر الفدية بتكرر الأعوام فيجب لكل سنة مد لأن الحقوق المالية لا تتداخل.
فصل: في صوم التطوع
"صوم التطوع سنة" لخبر الصحيحين: "من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا" 2 "وهو" يعني المتأكد منه "ثلاثة أقسام" الأول: "ما يتكرر بتكرر السنين وهو صوم يوم عرفة" وهو تاسع ذي الحجة لخبر مسلم: "صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده" 3 قال الإمام: والمكفر الصغائر أي ما عدا حقوق الآدميين فإن لم تكن ذنوب زيد في حسناته وإنما يسن صوم يوم عرفة "لغير الحاج والمسافر" والمريض بأن يكون قويًّا مقيمًا أما الحاج فلا يسن له صومه بل يسن له فطره وإن كان قويًّا للاتباع وليقوى على الدعاء، ومن ثم يسن صومه لحاج لم يصل عرفة إلا ليلا، وأما المسافر والمريض فيسن لهما فطره مطلقًا.
ويوم عرفة أفضل الأيام، ويسن أن يصوم معه الثمانية التي قبله وهو مراد المصنف بقوله: "وعشر ذي الحجة" لكن الثامن مطلوب من جهة الاحتياط لعرفة ومن جهة دخوله في العشر غير العيد، كما أن صوم يوم عرفة مطلوب من جهتين لما تقرر من أنه يسن صوم العشر غير العيد لكن صوم ما قبل عرفة يسن للحاج وغيره.
"و" صوم "عاشوراء" وهو عاشر المحرم "وتاسوعاء" وهو تاسعه للخبر الصحيح: "صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله" 4, وصح أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع" 5, فمات قبله صلى الله عليه وسلم.
"و" يسن صومها مع "الحادي عشر من المحرم" لخبر فيه
المحرم، وست من شوال، ويسن تواليها واتصالها بالعيد؛ وما يتكرر بتكرر الشهور، وهي الأيام البيض: وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر.
والأيام السود: وهي الثامن والعشرون وتالياه، وما يتكرر بتكرر الأسابيع: وهو الاثنين والخميس، وسن صوم الأشهر الحرم: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب،
رواه أحمد1 ولحصول الاحتياط به وإن صام التاسع لأن الغلط قد يكون بالتقديم وبالتأخير ولا بأس بإفراد عاشوراء.
"و" صوم "ست من شوال" لمن صام رمضان للخبر الصحيح: "من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر" 2 أما من لم يصم رمضان ولو تعذر فهو ولو سن له صومها على الأوجه لكن لا يحصل له الثواب المذكور لترتبه في الخبر على صيام رمضان.
"ويسن تواليها واتصالها بالعيد" مبادرة للعبادة.
"و" القسم الثاني: "ما يتكرر بتكرر الشهور وهي الأيام البيض" وصفها بالبياض مجاز عن بياض لياليها لتعميمها بالنور "وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر" لما صح: "أنه صلى الله عليه وسلم أمر أبا ذر بصيامها"3 والمعنى فيه أن الحسنة بعشر أمثالها، وصوم الثلاثة كصوم الشهر، ومن ثم سن صوم ثلاثة من كل شهر ولو غير أيام البيض فإن صامها أتى بالسنتين، وصوم ثالث عشر ذي الحجة حرام فيصوم بدله سادس عشر، والأحسن أن يصوم الثاني عشر مع الثلاثة عشر للخلاف في أنها أولها.
"و" صوم "الأيام السود" في وصفها بالسواد تجوز يعرف مما مر "وهي الثامن والعشرون وتالياه" لكن عند نقص الشهر يتعذر الثالث فيعوض عنه أول الشهر لأن ليلته كلها سوداء، ويسن صوم السابع والعشرين مع الثلاثة بعده.
"و" القسم الثالث: "ما يتكرر بتكرر الأسابيع وهو الاثنين والخميس" لما صح أنه صلى الله عليه وسلم كان يتحرى صومهما وقال: "إنهما يومان تعرض فيهما الأعمال فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم" 4 والمراد عرضها على الله، وأما رفع الملائكة لها فإنه بالليل مرة وبالنهار مرة،
وكذا صوم شعبان، وأفضلها المحرم ثم باقي الحرم، ثم شعبان، ويكره إفراد الجمعة والسبت والأحد، وأفضل الصيام صوم يوم وفطر يوم.
ورفعها في شعبان الثابت في الخبر1 محمول على رفع أعمال العام مجملة.
"وسن صوم الأشهر الحرم" بل هي أفضل الشهور للصوم بعد رمضان.
"وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب وكذا" يسن "صوم شعبان" لما صح: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم غالبه"2 "وأفضلها" أي الأشهر الحرم "المحرم" ثم رجب وإن قيل: إن الأخبار فيه ضعيفة أو موضوعة3 "ثم باقي الحرم" ولو قيل بتفضيل ذي الحجة على ذي القعدة لم يبعد "ثم" بعد الحرم "شعبان" لأنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم أكثره ولم يستكمل شهرًا مما عدا رمضان غيره، وهذا لا يقتضي تفضيله على الحرم كما بسطته في بعض الفتاوى.
"ويكره إفراد الجمعة" لما صح من نهيه صلى الله عليه وسلم عن صومه إلا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده4 وليتقوى بفطره على الوظائف الدينية، ومن ثم لو لم يضعف عنها بالصوم لم يكره له إفراده.
"و" إفراد "السبت" وإفراد "الأحد" للنهي عن الأول5 وقيس به الثاني لجامع أن اليهود تعظم الأول والنصارى تعظم الثاني فقصد الشارع بذلك مخالفتهم، ومحل ذلك ما إذا لم يوافق إفراد كل من الأيام الثلاثة عادة له وإلا فلا كراهة، ولا يكره إفرادها بنذر وقضاء وكفارة، وخرج بالإفراد ما لو صام أحدها مع يوم قبله أو بعده فلا كراهة، ويسن صوم الدهر غير العيدين وأيام التشريق لمن لم يخف به ضررًا أو فوت
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حق.
"و" مع ذلك "أفضل الصيام صوم يوم وفطر يوم" فهو أفضل من صوم الدهر خلافًا لابن عبد السلام1 لخبر الصحيحين: "أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا" 2 وفيه أفضل من ذلك.
تتمة: يحرم على المرأة تطوع غير عرفة وعاشوراء بغير إذن زوجها الحاضر أو علم رضاه للنهي عنه3، وكالزوج السيد إن حلت له وإلا حرم بغير إذنه إن حصل لها به ضرر ينقص الخدمة.
والعبد كمن لا تحل فيما ذكر.
باب: الاعتكاف
هو سنة مؤكدة، وشروطه سبعة: الإسلام، والعقل، والنقاء عن الحيض والنفاس وأن لا يكون جُنُبًا، وأن يلبث فوق طمأنينةِ الصلاة، وأن يكون في المسجد والجامع أولى، وأن ينوي الاعتكاف، وتجب نية الفرضية إن نذره ويجدد النية بالخروج إن لم ينو
باب: الاعتكاف
وهو لغة: اللبث، وشرعًا: لبث مخصوص من شخص مخصوص في مكان مخصوص، وهو من الشرائع القديمة.
"هو سنة مؤكدة" ولا يختص بوقت لإطلاق الأدلة لكنه في العشر الأواخر من رمضان أفضل لما مر1.
"وشروطه سبعة" الأول: "الإسلام" فلا يصح من كافر لتوقفه على النية وهو ليس من أهلها.
"و" الثاني: "العقل" فلا يصح من مجنون ومغمى عليه وسكران إذ لا نية لهم، ويصح من المميز والعبد والمرأة وإن كره لذوات الهيئة.
"و" الثالث: "النقاء عن الحيض والنفاس، و" الرابع: "أن يكون جنبًا" فلا يصح من حائض ونفساء وجنب لحرمة مكثهم من حيث كونه مكثًا بخلاف من حرم مكثه لأمر خارج.
"و" الخامس: "أن يلبث فوق طمأنينة الصلاة" ساكنًا كان أو مترددًا وإن كان مفطرًا لإشعار لفظ الاعتكاف بذلك، ولما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: $"ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه"2 فلا يكفي مكث أقل ما يجزئ في طمأنينة الصلاة كمجرد العبور؛ لأن كلا منهما لا يسمى اعتكافًا ولو نذر اعتكافًا مطلقًا أجزأه لحظة لكن يسن يوم لأنه لم ينقل الاعتكاف أقل منه وضم الليلة إليه، ويسن كلما دخل المسجد أن ينويه لينال فضله، وكذا إذا مر فيه ليناله على قول بشرط أن يقلد القائل به فيما يظهر.
"و" السادس: "أن يكون في المسجد" للاتباع سواء سطحه وصحنه ورحبته المعدودة منه، فلا يصح في مصلى بيت المرأة ولا فيما وقف جزؤه شائعًا مسجدًا وإن حرم مكث الجنب فيه احتياطًا في الموضعين، ولا في مسجد أرضه مستأجرة إلا إن بنى فيه مسطبة ووقفها مسجدًا "و" المسجد "الجامع أولى" للاعتكاف من مسجد غير جامع للخروج من خلاف من أوجبه ولكثرة جماعته وللاستغناء عن الخروج للجمعة، وقد يجب الاعتكاف فيه بأن ينذر زمنًا متتابعًا فيه يوم جمعة وكان ممن تلزمه ولم يشترط الخروج لها لأن الخروج لها يقطع التتابع.
"و" السابع: "أن ينوي الاعتكاف" عند مقارنة اللبث كما في الصلاة وغيرها "وتجب نية الفرضية إن نذره" ليتميز عن النفل وإنما لم يشترط من نية الفرضية تعيين
الرجوع، وإن قدره بمدة فيجددها إن خرج لغير قضاء الحاجة، وإن كان متتابعًا جددها إن خرج لما يقطع التتابع، وإن عين في نذره مسجدًا فله أن يعتكف في غيره، إلا المساجد الثلاثة، ويحرم بغير إذن الزوج والسيد.
سبب وجوبه وهو النذر لأن وجوبه لا يكون إلا به بخلاف الصوم والصلاة.
"ويجدد" وجوبًا معتكف أطلق الاعتكاف في نيته بأن لم يقدره بزمان "النية بالخروج" من المسجد ولو لقضاء الحاجة إن أراد العود إليه للاعتكاف لأن الثاني اعتكاف جديد فاحتاج إلى نية جديدة.
"إن لم ينو الرجوع" حال الخروج بخلاف ما لو خرج عازمًا على العود فإنه لا يلزمه تجديد النية لأنه يصير كنية المدتين ابتداء.
"وإن قدره بمدة" مطلقة كيوم أو شهر "فيجددها" أي النية وجوبًا إذا عاد "إن خرج" غر عازم على العود "لغير قضاء الحاجة" بخلاف ما إذا خرج لقضاء الحاجة من بول أو غائط أو إخراج ريح فإن اعتكافه لا ينقطع لأن ذلك لا بد منه فهو كالمستثنى عند النية، ولا فرق في ذلك بين الاعتكاف المتطوع به والواجب، كما إذا نذر أيامًا غير معينة ولم يشترط تتابعًا.
"وإن كان" الاعتكاف "متتابعًا" وخرج منه غير عازم على العود "جددها" أي النية وجوبًا إذا عاد "إن خرج لما يقطع التتابع" بخلاف ما إذا خرج لما لا يقطعه من قضاء حاجة وأكل وغيرهما مما يأتي فإنه لا يلزمه تجديد النية لشمول النية جميع المدة "وإن عين في نذره مسجدًا" لم يتعين "فله أن يعتكف في غيره" وكذا الصلاة لكن يندبان فيما عينه "إلا المساجد الثلاثة" المسجد الحرام ومسجد المدينة والأقصى فتتعين لمزيد فضلها، نعم يجزئ الفاضل عن المفضول ولا عكس فيجزئ المسجد الحرام عن الآخرين، ومسجد المدينة عن المسجد الأقصى، ولا يجزئ الأقصى عن الآخرين، ولا مسجد المدينة عن المسجد الحرام، ودليل تفاوتها في الفضل ما صح عن غير طعن في "أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة في مسجد المدينة، وأنها في مسجد المدينة بألف صلاة فيما عدا المسجد الحرام، وأنها في المسجد الأقصى أفضل من خمسمائة صلاة فيما سواه"1 أي إلا المسجدين الأولين بقرينة ما قبله، وفي ذلك مزيد بينته في حاشية الإيضاح، وبينت فيها أيضًا أن المراد بالأول الكعبة والمسجد حولها، وبالثاني ما كان في زمنه صلى الله عليه وسلم دون ما زيد فيه.
"ويحرم" الاعتكاف على الزوجة والقن "بغير إذن الزوج والسيد" نعم إن لم تفت به منفعة كأن حضر المسجد بإذنهما فنوياه حل.
فصل: "فيما يبطل الاعتكاف وفيما يقطع التتابع"
ويبطل الاعتكاف بالجماع، والمباشرة بشهوة إن أنزل وبالجنون والإغماء والجنابة والردة والسكر، وإذا نذر اعتكاف مدة معينة لزمه، ويقطع التتابع السكر والكفر، وتعمد الجماع، وتعمد الخروج من المسجد لا لقضاء الحاجة ولا الأكل ولا الشرب إن تعذر
فصل: فيما يبطل الاعتكاف وفيما يقطع التتابع
"ويبطل الاعتكاف" بموجب جنابة يفطر به الصائم، فيبطل "بالجماع" من واضح عمدًا مع العلم والاختيار "وبالمباشرة بشهوة إن أنزل" وبالاستمناء كما مر مبسوطًا في الصوم وإن فعل ذلك خارج المسجد لمنافاته له، ويحرم ذلك في الاعتكاف الواجب مطلقًا وفي المستحب في المسجد.
"و" يبطل "بالجنون والإغماء" إن طرآ بسبب تعدى به لأنهما حينئذ كالسكر، أما إذا لم يطرآ بسبب تعدى به فلا يقطعانه إن لم يخرج من المسجد أو خرج ولم يمكن حفظه فيه أو أمكن لكن بمشقة، بخلاف ما إذا أخرج من المسجد وقد أمكن حفظه فيه بلا مشقة على ما اقتضاه كلام الروضة وغيرها إذ لا عذر في إخراجه.
"و" يبطل بالحيض والاحتلام ونحوه من "الجنابة" التي لا تبطل الصوم كإنزال بلا مباشرة وجماع ناس أو جاهل ومكره إن لم يغتسل فورًا لوجوب المبادرة بالغسل رعاية للتتابع، وله الغسل في المسجد إن لم يمكث فيه والخروج له وإن أمكنه في المسجد؛ لأنه أصون لمروءته ولحرمة المسجد، وإذا عاد له جدد النية إن كان اعتكافه غير متتابع وإلا فلا.
"والردة والسكر" المحرم وإن لم يخرج المتصف بأحدهما من المسجد لعدم أهليته للعبادة.
"وإذا نذر اعتكاف مدة معينة لزمه" اعتكاف تلك المدة مع تتابعها فلا يجوز تقديمه عليها ولا تأخيره عنها وإنما يلزم التتابع إن تلفظ بالتزامه سواء كانت المدة معينة أم غير معينة بخلاف ما إذا نواه فإنه لا يلزمه على المعتمد.
"ويقطع التتابع السكر والكفر وتعمد الجماع" وغيرها مما مر آنفًا بتفصيله.
"و" يبطله أيضًا "تعمد الخروج من المسجد" لما ليس ضروريًا ولا ما هو ملحق بالضروري "ولا" يؤثر الخروج "لقضاء الحاجة" إذ لا بد منه وإن كثر خروجه لذلك العارض نظرًا إلى جنسه ولا يكلف فيه كالأكل الصبر إلى حد الضرورة ولا غير داره كسقاية المسجد إن لم تلق به، وله الوضوء الواجب خارج المسجد تبعًا للاستنجاء.
"ولا" لأجل "الأكل" وإن أمكن في المسجد فقد يستحيي منه ويشق عليه بخلاف الشرب وإذا خرج لداره ولقضاء الحاجة أو الأكل فإن تفاحش بعدها عن المسجد عرفًا، وفي طريقه مكان أقرب منه لائق به وإن كان لصديقه أو كان له دار إن لم يتفاحش بعدهما وأحدهما أقرب تعين الأقرب في الصورتين وإلا انقطع تتابعه، ولا يضر وقوفه لشغل بقدر الصلاة المعتدلة على الميت ما لم يعدل عن طريقه أو يتباطأ في مشيه أو يجامع وإن كان سائرًا وإلا بطل تتابعه أيضًا.
"ولا الشرب" والوضوء الواجب "إن تعذر الماء في المسجد" بخلاف ما إذا وجد الماء فيه أو تيسر إحضاره ولو من بيته.
"ولا
الماء في المسجد، ولا للمرض إن شق لبثه فيه أو خشي تلويثه، ومثله الجنون والإغماء، ولا إن أكره بغير حق على الخروج، ولا يقطعه الحيض إن لم تسعه مدة الطهر.
للمرض إن شق لبثه فيه" لاحتياجه إلى نحو فراش وتردد طبيب "أو خشي تلويثه" بخبث أو مستقذر يخرج منه بخلاف نحو الحمى الخفيفة والصداع.
"ومثله" في ذلك "الجنون والإغماء" إذا حصل أحدهما للمعتكف.
"ولا" يضر "إن" دام في المسجد أو خرج وقد "أكره بغير حق على الخروج" أو خرج خوفًا من ظالم أو غريم وهو معسر ولا بينة له أو من نحو سبع أو حريق لعذره كأن حمل بغير إذنه بخلاف ما لو أخرج مكرهًا بحق كزوجة وقن يعتكفان بلا إذن، وكمن أخرجه ظالم لأداء حق مطل به أو خرج خوف غريم له وهو غني مماطل أو معسر وله بينة فينقطع تتابعه بذلك لتقصيره.
"ولا يقطعه الحيض إن لم تسعه مدة الطهر" بأن طالت مدة الاعتكاف بحيث لا ينفك عن الحيض غالبًا بأن يكون أكثر من خمسة عشر يومًا وفيه نظر رددته في شرح الإرشاد، ولا يقطعه أيضًا خروج مؤذن راتب إلى منارة المسجد المنفصلة عنه لكنها قريبة منه للأذان لإلفه صعودها للأذان، وإلف الناس صوته ولا الخروج لأن يقام عليه حد ثبت بغير إقراره ولا لأجل عدة ليست بسببها، ولا لأجل أداة شهادة تعين عليه تحملها وأداؤها للعذر في جميع ذلك بخلاف أضداده.
باب: كتاب الحج والعمرة
مدخل
...
كتاب: الحج والعمرة
هما فرضان، وشرط وجوبهما الإسلام، والحرية، والتكليف، والاستطاعة ولها شروط:
الأول: وجود الزاد وأوعيته ومؤنة ذهابه وإيابه.
الثاني: وجود راحلة لمن بينه وبين مكة مرحلتان، أو شق محمل لمن لا يقدر على
كتاب: الحج
هو لغة القصد.
وشرعًا: قصد الكعبة للأفعال الآتية, "والعمرة" وهي لغة: الزيارة.
وشرعًا قصد الكعبة للأفعال الآتية.
"هما فرضان" أما الحج فبالإجماع.
وأما العمرة فلما صح عن عائشة, قلت: يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ قال: "نعم جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة" 1 وخبر: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة أواجبة هي؟ قال: "لا"2 ضعيف اتفاقًا ثم لهما مراتب خمس: صحة مطلقة وشرطها الإسلام فقط فيصح إحرام الولي أو مأذونه عن المجنون والصبي الذي لا يميز.
وصحة مباشرة وشروطها الإسلام مع التمييز وإذن الولي فلا تصح مباشرة غير مميز ولا مميز لم يأذن له وليه.
ووقوع عن حجة النذر وشروطها الإسلام والتكليف.
ووقوع عن حجة الإسلام وعمرته وشروطه التكليف والحرية فيجزئ حج الحر المكلف الفقير واعتماره عن فرض الإسلام.
والمرتبة الخامسة وجوبهما "وشرط وجوبهما الإسلام" فلا يجبان على كافر أصلي في الدنيا ويجبان على مرتد وإن استطاع في حال ردته ثم أعسر بعد إسلامه، لكن لو مات مرتدًا لم يحج عنه لتعذر وقوعه له.
"والحرية والتكليف" فلا يجبان على رقيق وصبي ومجنون لنقصهم.
"والاستطاعة" لقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97] .
والعمرة كالحج والاستطاعة الواحدة كافية فيهما "ولها شروط.
الأول: وجود الزاد وأوعيته" حتى السفرة3 "ومؤنة ذهابه وإيابه" اللائقة به من نحو ملبس ومطعم وغيرهما مما يأتي.
"الثاني: وجود راحلة" فاضلة عن جميع ما مر وما يأتي ذهابًا وإيابًا وإن لم يكن له بوطنه أهل ولا عشيرة.
"لمن بينه وبين مكة مرحلتان" والأصل فيها وفي النفقة أنه صلى الله عليه وسلم فسر بهما السبيل في الآية4، والمراد بها هنا كل دابة اعتيد ركوبها في مثل تلك المسافة ولو نحو بغل
الراحلة، وللمرأة مع وجود شريك، ولا تشترط الراحلة لمن بينه وبين مكة أقل من مرحلتين وهو قوي على المشي، ويشترط كون ذلك كله فاضلًا عن دينه ومؤنة من عليه مؤنتهم ذهابًا وإيابًا، وعن مسكن وخادم يحتاج إليه.
وحمار.
وبوجدانها القدرة على تحصيلها ببيع أو إجارة بثمن أو بأجرته لا بأزيد وإن قلت الزيادة، أو ركوب موقوف عليه أو على الحمل إلى مكة أو موصى بمنفعته إلى ذلك والأوجه الوجوب على من حمله الإمام من بيت المال كأهل وظائف الركب من القضاة أو غيرهم، والشرط إما وجود راحلة فقط وهو في حق من ذكر إن بعد محله أو ضعف كما يأتي.
"أو" وجود "شق محمل" وهو "لمن لا يقدر على الراحلة" بأن يلحقه بها مشقة شديدة إذ لا استطاعة معها وضابطها أن يخشى منها مبيح تيمم، فإن لحقته بالمحمل وهو شيء من خشب أو نحوه يجعل في جانب البعير للركوب فيه اشترط فيه قدرته على الكنيسة1 وهو المسمى الآن بالمحارة.
فإن عجز فمحفة2، فإن عجز فسرير يحمله رجال وإن بعد محله لأن الفرض أنه قادر على مؤن ذلك وأنها فاضلة عما مر.
"وللمرأة" والخنثى وإن لم يتضرر؛ لأن المحمل أستر لهما والشرط وجدان المحمل في حق من ذكر "مع وجود شريك" عدل يليق به مجالسته وليس به نحو جذام ولا برص فيما يظهر في الكل، فإن لم يجده فلا وجوب.
وإن وجد مؤنة المحمل بتمامه، ولو سهلت معادلته بنحو أمتعة ولم يخش منها ضررًا ولا مشقة لم يشترط وجود الشريك.
"ولا تشترط الراحلة لمن بينه وبين مكة أقل من مرحلتين وهو قوي على المشي" بأن لم يلحقه به المشقة الآتية إذ ليس عليه في ذلك كثير ضرر، بخلاف ما لو ضعف عن المشي بأن خشي منه مبيح تيمم فإنه لا بد له من المحمل في حقه مطلقًا وحيث لم يلزمه المشي فالركوب قبل الإحرام وبعده أفضل، والأفضل الركوب على القتب3 والرحل4 للاتباع.
"ويشترط كون ذلك كله" أي ما مر من نحو الراحلة والمؤنة "فاضلا عن دينه" ولو مؤجلا وإن أمهل به إلى إيابه لأن الحال5 على الفور والحج على التراخي والمؤجل يحل عليه فإذا صرف ما معه في الحج لم يجد ما يقضي به الدين "و" عن "مؤنة من عليه مؤنتهم" كزوجته وقريبه ومملوكه
الثالث: أمْنُ الطريق.
الرابع: وجود الزاد والماء في المواضع المعتاد حمله منها بثمن مثله، وهو القدر اللائق به في ذلك المكان والزمان، وعلف الدابة في كل مرحلة، ولا يجب على المرأة إلا إن خرج معها زوج أو محرم أو نسوة ثقات.
المحتاج إليه، والمراد المؤنة اللائقة بهم من نحو ملبس ومطعم وإعفاف أب وأجرة طبيب وثمن أدوية لحاجة قريبه ومملوكه إليهما ولحاجة غيرهما إذا تعين الصرف إليه، ويشترط الفضل عن جميع ما يحتاجه إلى ذلك "ذهابًا وإيابًا" إلى وطنه, وإن لم يكن له به أهل ولا عشيرة لما في الغربة من الوحشة ولنزع النفوس إلى الأوطان وعلى القاضي منعه حتى يترك لممونه نفقة الذهاب والإياب، ولكنه يخيره في الزوجة بين طلاقها وترك نفقتها عند ثقة يصرفها عليها.
"وعن مسكن وخادم يحتاج إليه" أي إلى خدمته لنحو زمانة أو منصب تقديمًا لحاجته الناجزة، نعم إن كانا نفيسين لا يليقان به لزم إبدالهما بلائق إن وفى الزائد عليه بمؤنة نسكه، ومثلهما الثوب النفيس، ولو أمكن بيع بعض الدار ولو غير نفيسة وفي ثمنه بمؤنة النسك لزمه أيضًا، والأمة النفيسة للخدمة أو للتمتع كالعبد فيما ذكر، ولا يلزم العالم أو المتعلم بيع كتبه لحاجته إليها إلا إن كان له من كتاب نسختان وحاجته تندفع بإحداهما فيلزم بيع الأخرى ولا الجندي بيع سلاحه ولا المحترف بيع آلته.
"الثالث: أمن الطريق" أمنًا لائقًا بالسفر ولو ظنًّا على نفس والبضع والمال وإن قل، فإن خاف على شيء منها لم يلزمه النسك لتضرره سواء كان الخوف عامًّا أم خاصًّا على المعتمد، ولا أثر للخوف على مال خطير استصحبه للتجارة وكان يأمن عليه ولو تركه في بلده، ويشترط الأمن أيضًا من الرصدي وهو من يرقب الناس ليأخذ منهم مالا1، فإن وجد لم يجب النسك وإن قل المال ما لم يكن المعطى له وهو الإمام أو نائبه.
"الرابع: وجود الزاد والمال في المواضع المعتاد حمله منها بثمن مثله وهو القدر اللائق به في ذلك المكان والزمان", فإن عدم ذلك ولو في مرحلة اعتيد حمله منها تبين عدم الوجوب، والعبرة في ذلك بعرف أهل كل ناحية لاختلافه باختلاف النواحي.
"و" وجود "علف الدابة في كل مرحلة" لعظم تحمل المؤنة في حمله بخلاف الماء والزاد لكن بحث2 في المجموع اعتبار العادة فيه كالماء وسبقه إليه سليم3 وغيره واعتمده السبكي وغيره.
"ولا يجب" الحج
الخامس: أن يثبت على الراحلة بغير مشقة شديدة، ولا يجب على الأعمى الحجإلا إذا وجد قائدًا، ومن عجز عن الحج بنفسه وجبت عليه الاستنابة إن قدر عليها بماله أو بمن يطيعه، إلا إذا كان بينه وبين مكة دون مسافة القصر فيلزمه بنفسه.
ولا يستقر "على المرأة" ولو عجوزًا لا تشتهي سواء المكية وغيرها "إلا إن" وجد فيها ما مر و"خرج معها زوج أو محرم" لها بنسب أو رضاع أو مصاهرة لما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تسافر المرأة بريدًا إلا ومعها زوجها أو ذو محرم" 1 ولا يشترط عدالتهما لأن الوازع الطبعي أقوى من الوازع الشرعي.
ومثلهما عبدها الثقة إن كانت ثقة أيضًا إذ لا يجوز لكل منهما نظر الآخر والخلوة به إلا حينئذ، ويكفي مراهق وأعمى له وجاهة وفطنة بحيث تأمن معه على نفسها، ويشترط فيمن يخرج معها مصاحبته لها بحيث يمنع تطلع أعين الفجرة إليها وإن كان قد يبعد عنها قليلا في بعض الأحيان، والأمرد الجميل لا بد أن يخرج معه من يأمن على نفسه من قريب ونحوه.
"أو نسوة ثقات" بأن بلغن وجمعن صفات العدالة وأن كن إماء سواء العجائز وغيرهن، وإن لم يخرج معهن زوج أو محرم لإحداهن لانقطاع الأطماع باجتماعهن، ومن ثم جازت خلوة رجل بامرأتين دون عكسه، وأفهم كلامه أنه لا بد من ثلاث غيرها وأنه لا يكتفي بغير الثقات وإن كن محارم، واعتبار العدد إنما هو بالنظر للوجوب الذي الكلام فيه، أما بالنظر لجواز الخروج فلها أن تخرج مع واحدة لفرض الحج، وكذا وحدها إذا أمنت، أما سفرها لغير فرض فحرام مع النسوة مطلقًا.
"الخامس: أن يثبت على الراحلة بغير مشقة شديدة" فمن لا يثبت عليها أصلا أو يخشى من ثبوته عليها محذور تيمم لا يلزمه الحج بنفسه بل بنائبه بشروطه الآتية.
السادس: أن يجد ما مر من الزاد وغيره وقت خروج الناس من بلده.
السابع: إمكان السير بأن يبقى من الزمن عند وجود الزاد ونحوه مقدار ما يمكن السير فيه إلى الحج السير المعهود فإن احتاج إلى أن يقطع في كل يوم أو في بعض الأيام أكثر من مرحلة لم يلزمه الحج ولا يقضي من تركته لو مات قبله.
الثامن: أن يجد رفقة بحيث لا يأمن إلا بهم يخرج معهم ذلك الوقت المعتاد، فإن تقدموا بحيث زادت أيام السفر أو تأخروا بحيث احتاج أن يقطع معهم في يوم أكثر من مرحلة فلا وجوب لزيادة المؤنة في الأول وتضرره في الثاني، ويلزمه السفر وحده في طريق آمنة لا يخاف فيها الواحد وإن استوحش.
التاسع: أن يجد ما مر من الزاد ونحوه بمال حاصل عنده فلا يلزمه اتهابه2 ولا قبول هبته لعظم المنة فيه ولا شراؤه بثمن مؤجل, وإن امتد الأجل إلى وصوله موضع ماله، ولا أثر لدين له مؤجل أو حال على معسر أو منكر ولا بينة له ولا يمكنه الظفر بماله، بخلاف الحال
فصل: "في المواقيت"
يحرم بالعمرة كل وقت، وبالحج في أشهره، وهي: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.
فلو أحرم به في غير وقته انقعد عمرة، ومن كان بمكة فيحرم بالحج منها،
على مليء مقر أو عليه بينة أو أمكنه الظفر من ماله بقدره ووجدت شروط الظفر والمال الموجود بعد خروج القافلة كالمعدوم.
"ولا يجب على الأعمى الحج" والعمرة "إلا إذا وجد قائدًا" ويشترط قدرته على أجرته إن طلبها ولم تزد على أجرة مثله، وكذا يشترط قدرة المرأة على أجرة نحو الزوج إن طلبها.
"ومن عجز عن الحج بنفسه" وقد أيس من القدرة عليه لزمانة أو هرم أو مرض لا يرجى برؤه ويسمى معضوبًا "وجبت عليه الاستنابة إن قدر عليها بماله" بأن وجد أجرة من يحج عنه بأجرة المثل فاضلة عما مر، نعم يستثنى مؤنة نفسه وعياله فلا يشترط كونها فاضلة عنها إلا يوم الاستئجار فقط؛ لأنه إذا لم يفارقهم يمكنه تحصيل مؤنتهم بخلاف المباشر بنفسه "أو بمن يطيعه" بأن وجد متبرعًا يحج عنه وهو موثوق به ولا حج عليه وهو ممن يصح منه حجة الإسلام ولم يكن معضوبًا فيلزمه القبول بالإذن له في الحج عنه لأنه مستطيع بذلك وإن كان المطيع أنثى أجنبية.
نعم إن كان المطيع أصلا أو فرعًا وهو ماش لم تجب إنابته لأن مشيهما يشق عليه، وكذا إن لم يجد ما يكفيه أيام الحج وإن كان راكبًا كسوبًا، والفقير المعول على الكسب أو السؤال كالبعض في ذلك، ولو توسم الطاعة في قريب أو أجنبي لزمه سؤاله، بخلاف ما لو بذل له آخر مالا يستأجر به من يحج عنه فإنه لا يلزمه قبوله، نعم إن استأجر المطيع الذي هو والد أو ولد من يحج عن المعضوب لزمه القبول، ويجوز للمعضوب الاستنابة أو تجب "إلا إذا كان بينه وبين مكة دون مسافة القصر فيلزمه" أن يحج "بنفسه"؛ لأنه لا يتعذر عليه الركوب في المحمل فالمحفة فالسرير الذي يحمله رجال ولا نظر للمشقة عليه لاحتمالها في حد القرب فإن فرض تعذر ذلك عليه صحت إنابته وإن كان مكيًّا.
فصل: في المواقيت
"يحرم بالعمرة كل وقت"؛ لأن جميع السنة وقت لها، نعم يمتنع على الحاج الإحرام بها ما دام عليه شيء من أعمال الحج كالرمي؛ لأن بقاء حكم الإحرام كبقاء نفس الإحرام، ومن ثم لم يتصور حجتان في عام واحد خلافًا لمن زعم تصوره، ويسن الإكثار من العمرة ولو في اليوم الواحد إذ هي أفضل من الطواف على المعتمد، والكلام فيما إذا استوى الزمن المصروف إليها وإليه.
"و" يحرم "بالحج في أشهره وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة" فيمتد وقت الإحرام به من ابتداء شوال إلى صبح يوم النحر فيصح الإحرام به وإن
وبالعمرة من أدنى الحل، وغير المكي يحرم بالحج والعمرة من الميقات، وهو لتهامة اليمن يلملم، ولنجده قرن، ولأهل العراق ذات عرق، ولأهل الشام ومصر والمغرب الجحفة، ولأهل المدينة ذو الحليفة، فإن جاوز الميقات مريدًا للنسك ثم أحرم عليه دم إن لم يعد إلى الميقات قبل التلبس بنسك، والإحرام من الميقات أفضل من بلده.
ضاق الزمن كأن أحرم به مصري بمصر مثلا قبيل فجر النحر "فلو أحرم به في غير وقته" كرمضان أو بقية الحجة "انعقد عمرة" وإن كان عالمًا بذلك متعمدًا له وأجزأته عن عمرة الإسلام لشدة لزوم الإحرام، فإذا لم يقبل الوقت ما أحرم به انصرف لما يقبله، هذا حكم الميقات الزماني "و" أما الميقات المكاني فهو أن "من كان بمكة" كانت ميقاته بالنسبة للحج وإن كان من غير أهلها "فيحرم بالحج منها" سواء القارن والمتمتع والمفرد فإن فارق ما لا يجوز فيه القصر لو سافر منها مما مر بيانه في بابه وأحرم خارجها ولم يعد إليها قبل الوقوف أثم ولزمه دم، وكذا إن عاد إليها قبله وقد وصل في خروجه إلى مسافة القصر، ويستثنى من ذلك الأجير المكي إذا استأجر عن آفاقي1 فإنه يلزمه الخروج إلى ميقات المحجوج عنه ليحرم منه، والأفضل لمن يحرم من مكة أن يصلي سنة الإحرام بالمسجد ثم يأتي باب داره ويحرم منه، ثم يأتي المسجد لطواف الوداع إن أراده فإنه مندوب له "و" أما بالنسبة للعمرة فليست ميقاتًا بل يحرم من بها "بالعمرة من أدنى الحل" من أي جانب شاء فإن أحرم بها في الحرم انعقد، ثم إن خرج إلى أدنى الحل فلا دم وإلا أثم ولزمه دم، وأفضل بقاع الحل للإحرام بالعمرة الجعرانة للاتباع ثم التنعيم لأمره صلى الله عليه وسلم عائشة بالاعتمار منه ثم الحديبية "وغير المكي" وهو من ليس بمكة سواء الآفاقي والمكي القاصد مكة للنسك "يحرم بالحج والعمرة من الميقات" الذي أقته صلى الله عليه وسلم لطريقه التي يسلكها "وهو لتهامة اليمن يلملم ولنجده" أي اليمن ومثله نجد الحجاز "قرن" بسكون الراء "ولأهل العراق" وخراسان "ذات عرق" وكل من هذه الثلاثة على مرحلتين من مكة.
"ولأهل الشام" الذين لا يمرون على ذي الحليفة.
"و" أهل "مصر والمغرب الجحفة" قرية خربة بعيدة عن رابغ على نحو ست مراحل من مكة.
"ولأهل المدينة ذو الحليفة" وهي المحل المسمى الآن بأبيار عليٍّ بينها وبين المدينة نحو ثلاثة أميال فهي أبعد المواقيت من مكة، ومن سلك طريقًا لا ميقات به فإن سامته ميقات يمنة أو يسرة أحرم من محاذاته ولا أثر لمسامته وراء أو خلفًا فإن أشكل عليه الميقات أو موضع محاذاته تحرى، ويسن أن يحتاط فإن حاذى ميقاتين وأحدهما أقرب إليه فهو ميقاته فإن استويا في القرب إليه فميقاته الأبعد من مكة، وإن حاذى الأقرب إليها أولا فإن استويا في القرب إليها وإليه أحرم من محاذاتهما ما لم يحاذ أحدهما قبل الآخر فيحرم من محاذاته، ولا ينتظر محاذاة الآخر، كما ليس للمار على ذي الحليفة أن يؤخر إحرامه إلى الجحفة، ومن مسكنه بين مكة والميقات فميقاته مسكنه فإن لم يكن بطريقه ميقات ولا حاذى ميقاتًا أحرم على مرحلتين من مكة.
"فإن جاوز الميقات مريدًا للنسك" الحج أو العمرة "ثم أحرم" ولم ينو العود إليه أو إلى مثل مسافته "فعليه دم" لعصيانه بالمجاوزة إجماعًا ويلزمه العود إليه محرمًا أو ليحرم منه تداركًا لما تعدى بتفويته ويعصي بتركه إلا لعذر وإنما يلزمه الدم "إن" أحرم بعد المجاوزة في تلك السنة و"لم يعد إلى الميقات" ولا إلى مثل مسافته وإن كان تركه للعود إليه لعذر لإساءته بترك الإحرام من الميقات، بخلاف ما إذا عاد لأنه قطع المسافة كلها محرمًا وإنما ينفعه العود "قبل التلبس بنسك" إن عاد بعد التلبس بنسك ولو طواف القدوم لم يسقط عنه الدم لتأدي النسك بإحرام ناقص "والإحرام من الميقات أفضل" منه "من بلده" للاتباع فإنه صلى الله عليه وسلم أحرم بحجته وبعمرة الحديبية من ذي الحليفة.
فصل: "في بيان أركان الحج والعمرة"
أركان الحج خمسة: الإحرام، والوقوف بعرفة، والطواف، والسعي، والحلق.
وأركان العمرة أربعة وهي: الإحرام، والطواف، والسعي، والحق.
فصل: في بيان أركان الحج والعمرة
"أركان الحج خمسة" بل ستة "الإحرام" وهو نية الدخول في النسك "والوقوف بعرفة والطواف والسعي والحلق" والترتيب في معظمها إذ لا بد من تقديم الإحرام على الكل والوقوف على ما بعده والطواف على السعي ويجوز تقديم الحلق عليهما وتأخيرهما عنه.
"وأركان العمرة أربعة" بل خمسة "وهي: الإحرام والطواف والسعي والحلق" والترتيب في الكل1 على ما ذكر.
فصل: "في بيان الإحرام"
الإحرام نية الحج أو العمرة أو هما، وينعقد مطلقًا ثم يصرفه لما شاء، ويستحب فصل: في بيان الإحرام "الإحرام نية" الدخول في "الحج أو العمرة أو هما" لما صح عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من أراد أن يهلّ بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهلّ بحج فليفعل، ومن أراد أن يهلّ بعمرة فليفعل" 1 "وينعقد" الإحرام "مطلقًا" لما روى الشافعي رضي الله عنه: "أنه صلى الله عليه وسلم خرج هو وأصحابه ينتظرون القضاء أي نزول الوحي فأمر من
التلفظُ بالنية فيقول: نويت الحج أو العمرة وأحرمت به لله تعالى، وإن حج أو اعتمر عن غيره قال: نويت الحج أو العمرة عن فلان وأحرمت به لله تعالى، ويستحب التلبية مع النية والإكثار منها، ورفع الصوت بها للرجل إلا في أول مرة فيسر بها، ويندب أن يذكر ما
لا هدي معه أن يجعل إحرامه عمرة ومن أهدى أن يجعله حجًّا" "ثم يصرفه" أي الإحرام المطلق بالنية لا باللفظ "لما شاء" من حج وعمرة وقران وإن ضاق وقت الحج، أما لو فات ففيه خلاف، والمتجه أنه يبقى مبهمًا فإن عينه لعمرة فذاك أو لحج فكمن فاته الحج.
وأفهم كلامه أنه لا يجزئ العمل قبل التعيين بالنية، نعم لو طاف ثم صرفه للحج وقع طوافه عن القدوم وإن كان من سنن الحج، ولو أحرم مطلقًا ثم أفسده قبل التعيين فأيهما عينه كان مفسدًا له، ويجوز له أن يحرم كإحرام زيد، ثم إن كان زيد مطلقًا أو غير محرم أصلا أو أحرم إحرامًا فاسدًا انعقد له مطلقًا، وإن علم حال زيد وإن كان زيد مفصلا ابتداء تبعه في تفصيله، بخلاف ما لو أحرم مطلقًا وصرفه لحج أو لعمرة ثم أدخل عليها الحج ثم أحرم كإحرامه فلا يلزمه في الأولى أن يصرفه لما صرفه له زيد ولا في الثانية إدخال الحج على العمرة إلا أن يقصد التشبه به في الحال في الصورتين.
"ويستحب التلفظ بالنية" التي يريدها مما ذكر ليؤكد ما في القلب كما في سائر العبادات " فيقول" بقلبه ولسانه: "نويت الحج أو العمرة" أو الحج والعمرة أو النسك "وأحرمت به لله تعالى، وإن حج أو اعتمر عن غيره قال نويت الحج أو العمرة عن فلان وأحرمت به لله تعالى، ويستحب التلبية مع النية" فيقول عقب التلفظ بما ذكر: لبيك اللهم لبيك ... إلخ, لخبر مسلم: "إذا توجهتم إلى منى فأهلوا بالحج" 2 والإهلال رفع الصوت بالتلبية والعبرة بالنية لا بالتلبية فلو لبى بغير ما نوى فالعبرة بما نوى "و" يستحب "الإكثار منها" أي من التلبية في دوام إحرامه حتى لنحو الحائض وتتأكد عند تغير الأحوال من نحو صعود وهبوط واجتماع وافتراق وإقبال ليل أو نهار وركوب ونزول وفراغ من صلاة وتكره في مواضع النجاسة "و" يستحب "رفع الصوت بها للرجل" حتى في المساجد بحيث لا يتعبه الرفع لما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال" 3
أحرم به وصيغتها: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، ويكررها ثلاثًا، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسأل الله تعالى الرضا والجنة والاستعاذة من النار، ثم دعا بما أحب، وإذا رأى المحرم أو غيره شيئًا يعجبه أن يكرهه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة.
ومن قوله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الحج العج والثج" 1 والعج، رفع الصوت بالتلبية، والثج نحر البدن، أما المرأة ومثلها الخنثى فيندب لها إسماع نفسها فقط فإن جهرت بها كره، وإنما حرم أذانها لأن كل أحد يصغي إليه فربما كان سببًا لإيقاع الناس في الفتنة بخلافه هنا فإن كل أحد مشتغل بتلبيته عن تلبية غيره "إلا في أول مرة" وهي التي في ابتداء الإحرام "فيسر بها" ندبًا بحيث يسمع نفسه فقط على المعتمد "و" في هذه " يندب أن يذكر ما أحرم به" لا فيما بعدها "وصيغتها" المستحبة تلبيته صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه وهي: "لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" 2 ويجوز كسر إن وفتحها والكسر أصح وأشهر، ويستحب أن يقف وقفة لطيفة عن قوله: والملك "ويكررها" أي جميع التلبية المذكورة لا لفظ لبيك فقط "ثلاثًا" والمقصود بلبيك وهو مثنى مضاف الإجابة لدعوة الحج في قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: 27] ، من لب بالمكان إذا أقام به، ومعناه أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، فالقصد بلبيك التكثير لا التثنية والزيادة على ما ذكر غير مكروهة.
"ثم" بعد فراغه من تلبيته وتكريرها ثلاثًا إن أراد أن "يصلي" ويسلم "على النبي صلى الله عليه وسلم" بصوت أخفض من صوت التلبية لتتميز عنها والأفضل صلاة التشهد.
"ثم" بعد ذلك "يسأل الله تعالى الرضا والجنة والاستعاذة من النار" كما روي بسند ضعيف عن فعله صلى الله عليه وسلم "ثم دعا بما أحب" دينًا ودنيا، ويسن أن لا يتكلم في أثناء التلبية، وقد يندب له الكلام كرد السلام، وقد يجب كإنذار مشرف على التلف ويكره السلام عليه "وإذا رأى المحرم أو غيره شيئًا يعجبه أو يكرهه قال" ندبًا: "لبيك إن العيش" أي الغنى المطلوب الدائم "عيش الآخرة" أي فلا أحزن على فوات ما يعجب ولا أتأثر بحصول ما يكره وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك في أسر أحواله وفي أشد أحواله، فالأول وقوفه بعرفة لما رأى جميع المسلمين، والثاني في حفر الخندق لما رأى ما بالمسلمين.
فصل: "في سنن تتعلق بالنسك"
ويسن الغسل للإحرام، ولدخول مكة، ولوقوف عرفة ومزدلفة ولرمي أيام التشريق، وتطييب بدنه للإحرام دون ثوبه، ولبس إزار ورداء أبيضين جديدين ثم مغسولين
فصل: في سنن تتعلق بالنسك
"ويسن الغسل للإحرام" بسائر كيفياته للاتباع حتى للحائض والنفساء؛ لأن القصد التنظف لكن تسن لهما النية والأولى لهما تأخير الإحرام إلى الطهر إن أمكن وحتى غير المميز فليغسله وليه، ومن عجز عنه لفقد الماء حسًّا أو شرعًا تيمم ندبًا لأن الغسل يراد للقربة والنظافة، فإذا فات أحدهما بقي الآخر، ويجري ذلك في سائر الأغسال الآتية.
"ولدخول مكة" وإن كان حلالا للاتباع، نعم من خرج من مكة وأحرم بالعمرة من قريب بحيث لا يغلب التغير في مسافته كالتنعيم واغتسل للإحرام لم يسن له الغسل لدخولها لحصول النظافة بالغسل السابق، وكذا من أحرم بالحج من ذلك، ويسن الغسل أيضًا لدخول الحرم ولدخول الكعبة ولدخول المدينة.
"ولوقوف عرفة" والأفضل أنه يكون بعد الزوال "و" للوقوف في "مزدلفة" على المشعر الحرام ويكون بعد الفجر.
"ولرمي" جمار كل يوم من "أيام التشريق" لآثار وردت في ذلك ولأن هذه المواضع يجتمع بها الناس فأشبه غسل الجمعة ونحوها، والأفضل أن يكون الغسل للرمي بعد الزوال، وأفهم كلامه أن لا يسن الغسل لرمي جمرة العقبة يوم النحر ولا لمبيت مزدلفة ولا لطواف القدوم أو الإفاضة أو الحلق وهو كذلك اكتفاء بما قبل الثلاثة الأول مع اتساع وقت ما عدا الثاني والثالث "و" يستحب "تطييب بدنه للإحرام" بعد الغسل للاتباع1 رجلا كان أو غيره لانعزال المرأة هنا عن الرجال بخلافها في الصلاة في جماعتهم، وأفضل أنواع الطيب المسك والأولى خلطه بماء الورد "دون ثوبه" فلا يندب له تطييبه بل يكره ولا يحرم بما تبقى عينه بعد الإحرام، وله استدامته ولو في ثوبه لا شده فيه، ولو أخذه من بدنه أو ثوبه ثم أعاده إليه وهو محرم أو نزع ثوبه المطيب ثم لبسه لزمته الفدية.
وكذا لو مسه بيده عمدًا ولا أثر لانتقاله بعرق للعذر "و" يستحب للرجل قبل الإحرام "لبس إزار ورداء" للاتباع2 "أبيضين" لخبر مسلم "البسوا من ثيابكم البياض" 3 "جديدين ثم" إن لم يجدهما
ونعلين، وركعتان يحرم بعدهما مستقبلا عند ابتداء سيره، ويستحب دخول مكة قبل الوقوف، ومن أعلاها نهارًا ماشيًا حافيًا، وأن يطوف للقدوم إن كان حاجًّا أو قارنًا ودخل مكة قبل الوقوف.
لبس "مغسولين" ويندب غسل جديد يغلب احتمال النجاسة في مثله "ونعلين" لخبر أبي عوانة: "ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين"1 ويكره المصبوغ إلا المزعفر والمعصفر فإنهما يحرمان أما المرأة والخنثى فلا حرج عليهما في غير الوجه والكفين ويستحب له قبل الغسل أن يتنظف بقص شارب وأخذ شعر إبط وعانة وظفر إلا في عشر ذي الحجة لمريد التضحية "و" يسن بعد فعل ما ذكر "ركعتان" أي صلاتهما بنية سنة الإحرام للاتباع ولا يصليهما في وقت الكراهة لحرمتهما فيه في غير حرم مكة، ويجزئ عنهما الفريضة والنافلة لكن إن نواهما مع ذلك حصل ثوابهما أيضًا وإلا سقط عنه الطلب ولم يثب عليهما نظير ما مر في تحية المسجد، ثم إذا صلاهما "يحرم بعدهما" حال كونه "مستقبلا" للقبلة عند الإحرام لخبر البخاري بذلك والأفضل أن يحرم "عند ابتداء سيره" فيحرم الراكب إذا استوت به دابته قائمة لطريق مكة والماشي إذا توجه إلى طريق مكة للاتباع في الأول وقياسًا عليه في الثاني "ويستحب" للحاج "دخول مكة قبل الوقوف" بعرفة للاتباع2 ولكثرة ما يفوز به من الفضائل التي تفوته لو دخلها بعد الوقوف "و" يستحب أن يدخلها "من أعلاها" وهو المسمى الآت بالحجون وإن لم يكن في طريقه للاتباع3 وأن يدخلها "نهارًا" والأفضل أوله بعد صلاة الصبح للاتباع4 و"ماشيًا" و"حافيًا" إن لم تلحقه مشقة ولم يخف تنجس رجله ولم يضعفه عن الوظائف؛ لأنه أشبه بالتواضع والأدب، ومن ثم ندب له المشي والحفاء من أول الحرم بقيده المذكور، ودخول المرأة في نحو هودجها أفضل، وينبغي أن يستحضر عند دخول الحرم ومكة من الخشوع والخضوع والتواضع ما أمكن، ولا يزال كذلك حتى يدخل من باب السلام، فإذا وقع بصره على الكعبة أو وصل الأعمى أو من في الظلمة إلى محل يراها لو زال مانع الرؤية وقف ودعا بالمأثور في ذلك وبما أحب "وأن يطوف للقدوم" عند دخوله المسجد مقدمًا له على تغيير ثيابه واكتراء منزله وغيرهما إن أمكنه، نعم إن رأى الجماعة قائمة أو قرب
فصل: "في واجبات الطواف وسننه"
:
وواجبات الطواف ثمانية: ستر العورة، وطهارة الحدث والنجس، وجعل البيت على يساره، والابتداء من الحجر الأسود، ومحاذاته بجميع بدنه وكونه سبعًا، وكونه داخل
قيامها أو ضاق وقت صلاة لو نافلة أو منع الناس من الطواف أو كان فيه زحمة يخشى منها أذى بدأ بالصلاة فيما عدا الأخيرتين وبتحية المسجد فيهما، وإنما يندب طواف القدوم للداخل "إن كان" حلالا أو "حاجًّا أو قارنًا ودخل مكة قبل الوقوف" لأنه ليس عليه عند دخوله طواف مفروض، بخلاف المعتمر فإنه لا قدوم عليه لأنه مخاطب عند دخوله بطواف عمرته، فإذا فعله اندرج فيه طواف القدوم، وبخلاف حاج أو قارن دخل مكة بعد الوقوف وانتصاف ليلة النحر فإنه مخاطب بطواف حجه.
فإذا فعله اندرج فيه طواف القدوم أيضًا، ولا يفوت طواف القدوم بالجلوس وإن كان تحية للبيت، ويندب لذات الهيئة تأخيره إلى الليل، ويسن لمن قصد دخول الحرم ومكة أن يحرم بنسك.
فصل: في واجبات الطواف وسننه
"وواجبات الطواف ثمانية" الأول والثاني والثالث: "ستر العورة وطهارة الحدث والنجس" كما في الصلاة ولخبر: "الطواف بالبيت صلاة" 1 فلو أحدث أو تنجس بدنه أو ثوبه أو مطافه بغير معفو عنه أو عري مع القدرة على الستر في أثناء الطواف تطهر وستر عورته وبنى على طوافه وإن تعمد ذلك وطال الفصل، إذ لا تشترط الموالاة فيه كالوضوء، ويسن الاستئناف.
وغلبة النجاسة في المطاف مما عمت به البلوى، فيعفى عما يشق الاحتراز عنه أيام الموسم وغيره بشرط أن لا يتعمد المشي عليها، وأن لا يكون فيها أو في ممارسها رطوبة، والعاجز عن التر يطوف ولا إعادة عليه، والأوجه أن للمتيمم والمتنجس العاجزين عن الماء طواف الركن ليستفيدا به التحلل ثم إن عادا إلى مكة لزمتهما إعادته.
"و" الرابع: "جعل البيت على يساره" مع المشي أمامه للاتباع2، فإن جعله على يمينه ومشى أمامه أو القهقري أو أمامه أو خلفه أو على يساره ومشى القهقرى لم يصح لمنافاته ما ورد الشرع به، وإذا جعله على يساره وذهب تلقاء وجهه فلا فرق على الأوجه بين أن يذهب ماشيًا أو قاعدًا زحفًا أو حبوًا، أن يكون ظهره للسماء ووجه للأرض أو عكسه، وفيما عدا