باب صلاة الجمعة
مدخل
...
باب: صلاة الجمعة
تجب الجمعة على كل مكلف حر ذكر مقيم بلا مرض ونحوه مما تقدم، وتجب
الأداء للعذر وقد زال قبل تمامها، وقضيته أنه لو قدم الثانية وأقام في أثناء الأولى لا تكون قضاء لوجود العذر في جميع المتبوعة وهو ما اعتمده الإسنوي لكن خالفه بعض شراح الحاوي1.
"ويجوز الجمع بالمطر تقديمًا" لا تأخيرًا لأن استدامة المطر ليست إلى المصلي بخلاف السفر، ويجوز جمع العصر إلى الجمعة بعذر المطر والسفر وذلك لما صح "أنه صلى الله عليه وسلم جمع بالمدينة الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر"2، قال الشافعي كمالك رضي الله عنهما: أرى ذلك بعذر المطر، ويؤيده جمع ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم به، وإنما يباح الجمع به في العصرين والعشاءين "لمن" وجدت فيه الشروط السابقة في جمع التقديم، نعم الشرط وجود المطر عند الإحرام بالأولى والتحلل منها والتحرم بالثانية ولا يضر انقطاعه فيما عدا ذلك.
و"صلى" أي أراد أن يصلي "جماعة في مكان" مسجد أو غيره وكانت تلك الجماعة تأتي ذلك المكان من محل "بعيد" عنه "وتأذى" كل منهم "بالمطر" ولو خفيفًا بحيث يبل الثوب والبرد والثلج إن ذابا أو كانا قطعًا كبارًا للمشقة حينئذ، أما إذا صلى ولو جماعة ببيته أو بمحل الجماعة القريب بحيث لا يتأذى "في طريقه" إليه بالمطر أو مشى في كن أو صلوا فرادى ولو في محل الجماعة فلا جمع لانتفاء التأذي، نعم للإمام الجمع بالمأمومين وإن لم يتأذ به.
باب: صلاة الجمعة
هي بتثليث الميم وبإسكانها، وهي فرض عين عند اجتماع شروطها الآتية، ومثل سائر الخمس في الأركان والشروط والآداب، لكنها اختصت بشروط لصحتها وشروط للزومها وبآداب كما يأتي بعض ذلك.
"تجب الجمعة على كل مكلف" لا صبي ومجنون كغيرها "حر" لا من فيه رق ولو مبعضًا وإن كانت النوبة له ومكاتبًا لنقصه "ذكر" لا امرأة وخنثى لنقصهما أيضًا "مقيم" بالمحل الذي تقام فيه وإن لم يكن مستوطنه لا مسافر كما يأتي "بلا مرض ونحوه مما تقدم" من سائر أعذار الجماعة، فالمعذور بشيء منها لا تلزمه الجمعة لما مر، ثم نعم لا تسقط عمن أكل
على المريض ونحوه إذا حضر وقت إقامتها، أو حضر في الوقت ولم يشق عليه الانتظار، ومن بلغه نداء صيت من طرف موضع الجمعة مع سكون الريح والصوت لا على مسافر سفرًا مباحًا طويلا أو قصيرًا، ويحرم السفر بعد الفجر إلا مع إمكانها في طريقه، أو توحش بتخلفه عن الرفقة، وتسن الجماعة في ظهر المعذورين ويخفونها إن خفي عذرهم، ومن صحت ظهره صحت جمعته، ومن وجبت عليه لا يصح إحرامه بالظهر قبل سلام الإمام، ويندب للراجي زوال عذره تأخير ظهره إلى اليأس من الجمعة.
منتنًا إلا إذا لم يقصد به إسقاطها وإلا لزمته، وصح أنه صلى الله عليه وسلم قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض" 1 "وتجب" الجمعة "على المريض ونحوه" كالمعذور بالمطر "إذا حضر" محل إقامتها "وقت إقامتها" ولا يجوز له الانصراف إلا إن كان هناك مشقة لا تحتمل كمن به إسهال ظن انقطاعه فحضر, ثم عاد بعد تحرمه وعلم من نفسه أنه إن مكث جرى جوفه فله الانصراف لاضطراره إليه، وكذا لو زاد ضرره بطول صلاة الإمام "أو حضر في الوقت" أي بعد الزوال "ولم يشق عليه الانتظار" بأن لم يزد ضرره بذلك لأن المانع في حقه مشقة الحضور وبالحضور زال المانع، فإن تضرر بالانتظار أو لم يتضرر لكن حضر قبل الوقت فله الانصراف ولمن لا تلزمه لنحو رق الانصراف مطلقًا.
"و" كما تجب على أهل محل إقامتها تجب على غيرهم وهم كل "من بلغه" نداء الجمعة لخبر: "الجمعة على من سمع النداء"2 إسناده ضعيف لكن له شاهد بإسناد جيد.
والمعتبر "نداء صيت" أي عالي الصوت يؤذن كعادته في علو الصوت وهو واقف على الأرض "من طرف موضع الجمعة" الذي يلي المكان الخارج عن موضعها "مع سكون الريح والصوت" واعتبر ما ذكر من الشروط لأنه عند وجودها لا مشقة عليه في الحضور بخلافه عند فقدها أو فقد بعضها، وتجب على من ذكر "لا على مسافر سفرًا مباحًا طويلا أو قصيرًا" بشرط أن يخرج من سور محلها أو عمرانه قبل الفجر.
"ويحرم" على من لزمته الجمعة "السفر بعد الفجر" ولو لطاعة لأنها مضافة إلى اليوم وإن كان وقتها بالزوال، ولذا دخل وقت غسلها بالفجر ولزم بعيد الدار السعي قبل وقتها ليدركها فيه "إلا مع إمكانها في طريقه أو" إن "توحش" أي حصلت له وحشة "بتخلفه عن الرفقة" وإن لم يخف ضررًا على الأوجه أو إن خشي ضررًا على محترم له أو لغيره.
"وتسن الجماعة في ظهر المعذورين" لعموم أدلتها "ويخفونها" ندبًا "إن خفي عذرهم" لئلا يتهموا بالرغبة عن صلاة الإمام أو الجمعة، أما ظاهر العذر كالمرأة فيسن لها إظهارها لانتفاء التهمة.
"ومن صحت ظهره" ممن لا تلزمه الجمعة "صحت جمعته" فيتخير
فصل: "للجمعة شروط زوائد"
للجمعة شروط زوائد:
الأول: وقت الظهر، فلا تقضى الجمعة فلو ضاق الوقت أحرموا بالظهر.
بين فعل ما شاء منهما لكن الجمعة أفضل لها لأنها صلاة أهل الكمال، نعم إن أحرم مع الإمام بالجمعة تعين عليه إتمامها فليس له أن يتمها ظهرًا بعد سلام الإمام لانعقادها عن فرضه.
"ومن وجبت عليه" الجمعة "لا يصح إحرامه بالظهر قبل سلام الإمام" من الجمعة ولو بعد رفعه من ركوع الثانية لتوجه فرضها بناء على الأصح أنها الفرض الأصلي، وليست بدلًا عن الظهر وبعد سلام الإمام يلزمه فعل الظهر فورًا وإن كانت أواء لعصيانه بتفويت الجمعة فأشبه عصيانه بخروج الوقت، ولو تركها أهل بلد تلزمهم وصلوا الظهر لم تصح إلا إن ضاق الوقت عن أقل واجب الخطبتين والركعتين "ويندب للراجي زوال عذره" قبل فوات الجمعة كالعبد يرجو العتق والمريض يرجو الخفة1 "تأخير ظهره إلى اليأس من الجمعة" لما في تعجيل الظهر حينئذ من تفويت فرض أهل الكمال، فإن أيس من الجمعة بأن رفع الإمام رأسه من ركوعها الثاني فلا تأخير، وإنما لم يكن الفوات فيما مر بهذا بل بالسلام لأن الجمعة ثم لازمة له فلا ترتفع إلا بيقين بخلافه هنا، أما من لا يرجو زوال عذره كالمرأة فيسن له حيث عزم على أنه لا يصلي الجمعة الظهر أول الوقت ليحوز فضيلته.
فصل:
"للجمعة" أي لصحتها "شروط زوائد" على شروط غيرها "الأول: وقت الظهر" بأن تقع كلها مع خطبتيها فيه للاتباع رواه الشيخان2.
"فلا تقضي الجمعة" لأنه لم ينقل "فلو ضاق الوقت" عن أن يسعها مع خطبتيها أو شكوا هل بقي ما يسع ذلك أم لا "أحرموا بالظهر" وجوبًا لفوات الشرط، ولو مد الركعة الأولى حتى تحقق أنه لم يبق ما يسع الثانية أتم وانقلبت ظهرًا من الآن وإن لم يخرج الوقت، ولو خرج الوقت وهم فيها أتموها ظهرًا وجوبًا، ولا يشترط تجديد نية لأنهما صلاتا وقت واحد فجاز بناء أطولهما على أقصرهما كصلاة الحضر مع السفر، ويسر بالقراءة من حينئذ، ولا أثر للشك أثناءها في خروجه لأن الأصل بقاؤه3، ولو قام المسبوق ليكمل فخرج الوقت انقلبت له ظهرًا أيضًا.
الثاني: أن تقام في خطة بلد أو قرية.
الثالث: أن لا يسبقها ولا يقارنها جمعة في تلك البلد أو القرية إلا لعسر الاجتماع.
الرابع: الجماعة وشروطها أربعون مسلمًا ذكرًا مكلفًا حرًّا متوطنًا لا يظعن إلا لحاجة
"الثاني" من الشروط: "أن تقام في خطة بلدة أو قرية" مبنية ولو بنحو قصب للاتباع، فلا تصح إلا في أبنية مجتمعة في العرف وإن لم تكن في مسجد وإن انهدمت وأقاموا لعمارتها ولو في غير مظال لأنها وطنهم، وبه فارق ما لو نزلوا مكانًا ليعمروه قرية فإن جمعتهم لا تصح فيه قبل البناء، ودخل في قوله خطة -وهي بكسر الخاء المعجمة أرض خط عليها أعلام للبناء فيها- الفضاء المعدودة من الأبنية المجتمعة بأن كان في محل منها لا تقصر فيه الصلاة وإن كان منفصلا عن الأبنية، بخلاف غير المعدود منها وهو ما يقصر فيه المسافر إذا وصله، وعليه يحمل قولهم: لو بنى أهل بلد مسجدهم خارجها لم يجز لهم إقامة الجمعة فيه لانفصاله وخرج بالبلد والقرية الخيام وإن استوطنها أهلها فلا جمعة عليهم.
"الثالث" من الشروط: "أن لا يسبقها ولا يقارنها جمعة في تلك البلاد أو القرية" للاتباع "إلا لعسر الاجتماع" في محل مسجد أو غيره منها فحينئذ يجوز تعددها بحسب الحاجة أما إذا سبقت واحدة مع عدم عسر الاجتماع فهي الصحيحة، وما بعدها باطل، وإما إذا تقارنتا فهما باطلتان، والعبرة في السبق والمقارنة بالراء من تكبيرة إحرام الإمام، فإن علم سبق وأشكل الحال أو علم السابق ثم نسي فالواجب الظهر على الجميع لالتباس الصحيحة بالفاسدة، وإن علمت المقارنة أو لم يعلم سبق ولا مقارنة أعيدت الجمعة إن اتسع الوقت لعدم وقوع جمعة مجزئة من خلاف من منع التعدد ولو لحاجة.
"الرابع" من الشروط: "الجماعة" فلا تصح بأربعين فرادى لأنه لم ينقل "وشروطها" أي الجماعة ليعتد بها في الجمعة "أربعون" بالإمام لأن الأمة أجمعوا على اشتراط العدد فيها وإلا صلى الظهر، ولا تصح الجمعة إلا بعدد ثبت فيه توقيف1 وقد ثبت جوازها بأربعين1 ولم تثبت صلاته صلى الله عليه وسلم لها بأقل من أربعين فلا تجوز بأقل منه "مسلمًا ذكرًا مكلفًا" أي بالغًا عاقلًا "حرًا متوطنًا" ببلد الجمعة بأن يكون بحيث "لا يظعن" عن وطنه صيفًا ولا شتاء "إلا لحاجة" كتجارة وزيارة فلا تنعقد بأضداد من ذكر لنقصهم، ومنهم غير المتوطن كمن أقام على عزم عوده إلى بلده بعد مدة ولو طويلة كالمتفقهة32
فإن نقصوا في الصلاة صارت ظهرًا، ويجوز كون إمامها عبدًا أو مسافرًا أو صبيًّا إن زاد على الأربعين.
الخامس: خطبتان قبل الصلاة، وفروضهما خمسة: حمد الله تعالى، والصلاة على
والمتوطن خارج بلد الجمعة وإن سمع النداء فلا تنعقد بهما، وفي صحة تقدم إحرام من لا تنعقد بهم على من تنعقد بهم اضطراب طويل، فينبغي لمن لا تنعقد به أن لا يحرم بها إلا بعد إحرام أربعين ممن تنعقد بهم.
"فإن نقصوا" عن الأربعين بانفضاض أو غيره "في" الخطبة أو بينها وبين الصلاة أو في الركعة الأولى من "الصلاة" بطلت الخطبة في الأولتين والجمعة في الثالثة و"صارت ظهرًا" إلا أن أتموا على الفور بمن سمع أركان الخطبتين، فحينئذ يبني على ما مضى أو كان أحرم قبل الانفضاض من كمل العدد به وإن لم يسمع الخطبة لأنهم لما لحقوا والعدد تام صار حكمهم واحدًا، ولو تحرم تسعة وثلاثون لاحقون بعد رفع الإمام من ركوع الأولى ثم انفض الأربعون الذين أحرم بهم أو نقصوا فالجمعة باقية وإن لم يحضر اللاحقون الركعة الأولى لما مر، ولا يضر تباطؤ المأمومين بالإحرام بعد إحرام الإمام لكن بشرط تمكنهم من قراءة الفاتحة قبل ركوعه وإلا لم تنعقد الجمعة بهم، ولو كان في الأربعين أمي قصر في التعلم لم تصح جمعتهم لارتباط صحة صلاة بعضهم ببعض فصار كاقتداء القارئ بالأمي، ولو جهلوا كلهم الخطبة لم تصح الجمعة بخلاف ما إذا جهلها بعضهم، وعلم مما تقرر أن الجماعة هنا إنما تشترط في الركعة الأولى، فلو صلى بالأربعين ركعة ثم أحدث فأتم كل وحده أو فارقوه في الثانية وإن لم يحدث وأتموا منفردين أجزأتهم الجمعة، لكن يشترط بقاء العدد إلى السلام، فلو بطلت صلاة واحد من الأربعين حال انفرادهم في الركعة الثانية بطلت صلاة الجميع لتبين فساد صلاته من أولها فكأنه لم يحرم.
"ويجوز كون إمامها عبدًا أو مسافرًا أو صبيًا" أو محدثًا ولم يبن حدثه إلا بعد الصلاة أو محرمًا برباعية كالعصر "إن زاد على الأربعين" ولا أثر لحدثه لأنه لا يمنع الجماعة ولا نيل فضلها فإن لم يكن زائدًا على الأربعين لم تنعقد الجمعة لانتفاء العدد المعتبر، ومثله ما لو بان كافرًا أو امرأة وإن زاد على الأربعين لأنهما ليسا أهلًا للإمامة بحلا، ولو بان حدث الأربعين صحت للإمام وللمتطهر تعبًا له وإن لم يكن الإمام زائدًا على الأربعين لأنه لم يكلف العلم بطهارتهم، بخلاف ما لو بان فيهم نحو عبد أو امرأة لسهولة الاطلاع على حاله.
"الخامس" من الشروط: "خطبتان قبل الصلاة" للاتباع1 وأخرت خطبتا نحو العيد
رسول الله صلى الله عليه وسلم والوصية بالتقوى، وتجب هذه الثلاثة في الخطبتين. الرابع: قراءة آية مفهمة في إحداهما. الخامس: الدعاء للمؤمنين في الثانية، وشروطهما: القيام لمن قدر، وكونهما بالعربية وبعد الزوال والجلوس بينهما بالطمأنينة، وإسماع العدد الذي تنعقد به والولاء بينهما وبينهما والصلاة وطهارة الحدثين، وطهارة النجاسة والستر.
للاتباع أيضًا1.
"وفروضهما" من حيث المجموع "خمسة: حمد الله تعالى" للاتباع2 ويشترط كونه بلفظ الله ولفظ حمد وما اشتق منه كالحمد لله أو أحمد الله أو الله أحمد أو لله الحمد أو أنا حامد لله فخرج الحمد للرحمن والشكر لله ونحوهما فلا يكفي.
"والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم" ويتعين صيغتها كاللهم صل أو أصلي أو نصلي أو الصلاة والسلام على محمد أو أحمد أو الرسول أو النبي أو الحاشر أو الماحي أو العاقب أو البشير أو النذير فخرج سلم الله على محمد ورحم الله محمدًا وصلى الله عليه فلا يكفي على المعتمد خلافًا لمن وهم فيه وإن تقدم له ذكر يرجع إليه الضمير.
"والوصية بالتقوى" للاتباع ولأنه المقصود الأعظم من الخطبة ولا يتعين لفظها بل يكفي أطيعوا الله أو اتقوا الله، ولا يكفي الاقتصار فيها على التحذير من غرور الدنيا وزخارفها لأن ذلك معلوم حتى عند الكافر، بل لا بد من الحث على الطاعة أو المنع من المعصية.
"وتجب هذه" الأركان "الثلاثة في" كل من "الخطبتين" اتباعًا للسلف والخلف.
"والرابع: قراءة آية مفهمة" للاتباع سواء آية الوعد والوعيد وغيرهما فلا يكفي شطر آية ولو طويلة ولا آية غير مفهمة نحو ثم نظر وتكفي ولو "في إحداهما" لأن الثابت القراءة في الخطبة دون تعين محلها، ويسن كونها بعد فراغ الأولى وقراءة ق في الأولى في كل جمعة للاتباع.
"الخامس: الدعاء للمؤمنين" والمؤمنات بأخروي "في" الخطبة "الثانية" لاتباع السلف والخلف وإن اختص بالسامعين نحو رحمكم الله.
"وشروطهما" أي شروط كل منهما "القيام لمن قدر" عليه للاتباع3 فإن عجز عنه بالضابط السابق في صلاة الفرض خطب قاعدًا فإن عجز عن ذلك فمضطجعًا ويجوز الاقتداء به وإن لم يتبين عذره لأن الظاهر أنه معذور،
فصل: "في بعض سنن الخطبة وصلاة الجمعة"
تسن على منبر فإن لم يتيسر فعلى مرتفع، وأن يسلم عند دخوله وعند طلوعه، وإذا
فإن بانت قدرته لم يؤثر والأولى للعاجز الاستنابة.
"وكونها بالعربية" وإن كان الكل أعجميين لاتباع السلف والخلف، فإن أمكن تعلمهما بها خوطب به جميع أهل البلد على الكفاية، وإن زادوا على الأربعين فإن لم يفعلوا عصوا ولا جمعة لهم بل يصلون الظهر، وفائدة الخطبة بها وإن لم يعرفها القوم العلم بالوعظ من حيث الجملة إذ الشرط سماعها لا فهم معناها، وإن لم يمكن تعلمها خطب واحد بلغته وإن لم يعرفها القوم فإن لم يحسن أحد منهم الترجمة فلا جمعة لهم بانتفاء شرطها.
"و" كونهما "بعد الزوال" للاتباع1 "والجلوس بينهما" للاتباع2 "بالطمأنينة" فيه وجوبًا كما في الجلوس بين السجدتين هذا في القائم إن أمكنه الجلوس وإلا فصل بسكتة، وكذا من يخطب جالسًا لعجزه فلا يكفيه الفصل بالاضطجاع، ويندب كون الجلوس ونحوه بقدر سورة الإخلاص "وإسماع العدد الذي تنعقد به" الجمعة بأن يرفع الخطيب صوته بأركانهما حتى يسمعها تسعة وثلاثون غيره كاملون فلا بد من الإسماع والسماع بالفعل لا بالقوة3، ولو كان الخطيب أصم لم يشترط أن يسمع نفسه على الوجه وإن كان من الأربعين، ولا يشترط معرفة الخطيب معنى أركان الخطبة خلافًا للزركشي4 "والولاء بينهما" أي بين كلمات كل من الخطبتين "وبينهما" وبين "الصلاة" للاتباع "وطهارة الحدثين" الأصغر والأكبر "وطهارة النجاسة" في الثوب والبدن والمكان "والستر" للعورة للاتباع كما في الصلاة فلو أحدث في الخطبة استأنفها وإن سبقه الحدث وقصر الفصل بخلاف ما لو أحدث بينهما وبين الصلاة وتطهر عن قرب لأنهما مع الصلاة عبادتان مستقلتان كما في الجمع بين الصلاتين، وأفهم كلامه أنه لا يشترط ترتيب الأركان الثلاثة ولا نية الخطبة ولا نية فرضيتها.
فصل: في بعض سنن الخطبة وصلاة الجمعة
"تسن" الخطبة "على منبر" للاتباع5 "فإن لم يتيسر فعلى مرتفع" لأنه أبلغ في الإعلام،
أقبل عليهم، وأن يجلس حالة الأذان، وأن يقبل عليهم بوجهه، وأن تكون بليغة مفهومة قصيرة، وأن يعتمد على نحو عصا بيساره ويمناه بالمنبر، ويبادر بالنزول، ويكره التفاته والإشارة بيده، ودقة درج المنبر، ويقرأ في الأولى الجمعة، وفي الثانية المنافقين، أو سبح الأعلى، وفي الثانية الغاشية جهرًا.
فإن تعذر استند إلى خشبة أو نحوها.
"وأن يسلم" الخطيب على الحاضرين "عند دخوله" المسجد لإقباله عليهم ولا يسن له فعل التحية.
"و" أن يسلم ثانيًا على من "عند" المنبر قرب وصوله وإرادة "طلوعه" للاتباع "و" أن يسلم ثالثًا "إذا أقبل عليهم" للاتباع أيضًا "وأن يجلس" على المستراح "حالة الأذان" ليستريح من تعب الصعود وأن يؤذن بين يديه للاتباع "وأن يقبل عليهم بوجهه" ويستدبر القبلة للاتباع ولأنه اللائق بالمخاطبات، فإن استقبل أو استدبر كره، وأن يرفع صوته زيادة على الواجب للاتباع1 أيضًا، وأن لا يلتفت يمينًا ولا شمالا ولا يعبث بل يخشع كما في الصلاة.
"وأن تكون" الخطبة "بليغة" لأن المبتذلة الركيكة لا تؤثر في القلوب "مفهومة" لكل الناس لأن الغريبة الوحشية لا ينتفع بها أكثرهم "قصيرة" يعني متوسطة بين الطويلة والقصيرة للاتباع رواه مسلم2، ولا يعارضه خبره أيضًا المصرح بالأمر بقصرها وبإطالة الصلاة بأن ذلك علامة على الفقه3 لأن القصر والطول من الأمور النسبية، فالمراد بإقصارها إقصارها عن الصلاة، وبإطالة الصلاة إطالتها على الخطبة، فعلم أن سن قراءة ق في الأولى لا ينافي كون الخطبة قصيرة أو متوسطة.
"وأن يعتمد" الخطيب "على نحو عصا" أو سيف أو قوس "بيساره" للاتباع4 وحكمته أن هذا الدين قام بالسلاح "و" تكون "يمناه" مشغولة "بالمنبر" إن لم يكن فيه نجاسة كعاج أو ذرق طير فإن لم يجد شيئًا من ذلك جعل اليمنى على اليسرى تحت صدره.
"و" أن "يبادر بالنزول" ليبلغ المحراب مع فراغ المؤذن من الإمامة في تحقيق الموالاة ما أمكن بين الخطبة والصلاة.
"ويكره" ما ابتدعه جهلة الخطباء
فصل: "في سنن الجمعة"
يسن الغسل لحاضرها، ووقته من الفجر، ويسن تأخيره إلى الرواح، والتبكير لغير
ومنه "التفاته" في الخطبة الثانية "والإشارة بيده" أو غيره "ودقة درج المنبر" في صعوده بنحو سيف أو رجله والدعاء إذا انتهى إلى المستراح قبل جلوسه عليه، والوقوف في كل مرقاة وقفة خفيفة يدعو فيها، ومبالغة الإسراع في الثانية، وخفض الصوت بها والمجازفة في وصف السلاطين عند الدعاء لهم، ومن البدع المنكرة كتب كثير أوراقًا يسمونها حفائظ آخر جمعة من رمضان حال الخطبة، بل قد يحرم كتابة ما لا يعرف معناه لأنه قد يكون دالا على كفر، "ويقرأ" ندبًا "في" الركعة "الأولى الجمعة وفي" الركعة "الثانية المنافقين" ولو صلى بغير المحصورين "أو" في الأولى "سبح الأعلى وفي الثانية الغاشية" للاتباع فيهما وقراءة الأوليين أولى كما يشير إليه كلامه فإن ترك الجمعة أو سبح في الأولى عمدًا أو لا وقرأ بدلهما المنافقين أو الغاشية قرأ الجمعة أو سبح في الثانية ولا يعيد ما قرأه في الأولى، وإن لم يقرأ في الأولى واحدة منهما جمع بينهما في الثانية لئلا تخلو صلاته عنهما، ويسن أن تكون قراءته في الركعتين "جهرًا" للاتباع.
فصل: في سنن الجمعة
"يسن الغسل لحاضرها" أي مريد حضورها وإن لم تجب عليه لأن الغسل للصلاة لا لليوم بخلاف العيد، وذلك لما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: "من أتى الجمعة من الرجال أو النساء فليغتسل ومن لم يأتها فليس عليه غسل" 1 ويكره تركه للخلاف في وجوبه وإن صح الحديث بخلافه وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل" 2 "ووقته من الفجر" لأن الأخبار علقته باليوم.
"ويسن تأخيره إلى الرواح" لأنه أفضى إلى الغرض من التنظيف ولا يبطله حديث ولا جنابة، ويندب لمن عجز عنه التيمم بنية الغسل بدلًا عنه إحرازًا لفضيلة العبادة وإن فات قصد النظافة كسائر الأغسال المسنونة.
"و" يسن "التبكير" إلى المصلى ليأخذوا مجالسهم وينتظروا الصلاة للخبر الصحيح: "من اغتسل يوم الجمعة ثم
الإمام من طلوع الفجر، ولبس البيض، والتنظيف، والتطيب، والمشي بالسكينة،
راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة" 1, وفي رواية صحيحة: "وفي الرابعة دجاجة، وفي الخامسة عصفورًا وفي السادسة بيضة" 2, وفي أخرى صحيحة أيضًا: "وفي الرابعة بطة، وفي الخامسة دجاجة وفي السادسة بيضة" 3, وإنما يندب البكور "لغير الإمام" أما الإمام فيندب له التأخير إلى وقت الخطبة للاتباع والساعات المذكورة "من طلوع الفجر" والمراد بها ساعات النهار الفلكية وهو اثنتا عشر ساعة زمانية صيفًا وشتاء، والعبرة بخمس ساعات منها أو ست طال الزمان أو قصر، ويؤيده الخبر الصحيح وهو: "يوم الجمعة ثنتا عشر ساعة" 4 إذ مقتضاه أن يومها لا يختلف فلتحمل على مقدار سدس بين الفجر والزوال لكن بدنة من جاء أول ساعة أكمل من بدنة من جاء آخرها، وبدنه المتوسط متوسطة، وكذا يقال في بقية الساعات، هذا هو المعتمد من اضطراب طويل في المسألة.
"ولبس" الثياب "البيض" والأعلى منها آكد لمن صح من قوله صلى الله عليه وسلم: "البسوا من ثيابكم البيض فإنها من خير ثيابكم" 5 وما صبغ غزله قبل النسج أولى مما صبغ بعده، بل يكره المصبوغ بعده ولم يلبسه صلى الله عليه وسلم ولبس الأول، ويندب للإمام أن يزيد في حسن الهيئة والعمة والارتداء.
"والتنظيف" بحلق العانة ونتف الإبط وقص الشارب وتقليم الأظفار وبالسواك وإزالة الأوساخ والروائح الكريهة للاتباع6 "والتطيب" وأفضله وهو المسك آكد للخبر الصحيح: "من اغتسل يوم الجمعة ولبس من أحسن ثيابه ومس من طيب إن كان عنده ثم أتى ولم يتخط أعناق الناس ثم
والاشتغال بقراءة أو ذكر في طريقه وفي المسجد، والإنصات بترك الكلام والذكر للسامع، وبترك الكلام دون الذكر لغيره، ويكره الاحتباء فيها، وسلام الداخل لكن تجب إجابته،
صلى ما كتب له ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يخرج من صلاته كان كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها" 1.
"والمشي بالسكينة" للخبر الصحيح: "من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها" 2 ومعنى غسل قيل جامع حليلته فألجأها إلى الغسل، إذ يسن له الجماع قبل ذهابه ليأمن أن يرى في طريقه ما يشغل قلبه، والأولى فيه أن معناها من غسل ثيابه وغسل رأسه ثم اغتسل لخبر أبي داود3.
وبكر بالتخفيف: خرج من باب بيته باكرًا وبالتشديد: أتى الصلاة أو وقتها وابتكر أي أدرك أول الخطبة، ومحل ندب ما ذكر ما لم يضق الوقت وإلا وجب إن لم يدرك الجمعة إلا به، ويكره عند اتساع الوقت العدو إليها كسائر العبادات.
"والاشتغال بقراءة أو ذكر في طريقه وفي المسجد" ليحوز فضيلة ذلك "والإنصات" في الخطبة ليحصل الإصغاء إليها قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ ، أي الخطبة ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: 204] ، وإنما يحصل "بترك الكلام والذكر" بالنسبة "للسامع وبترك الكلام دون الذكر لغيره" أي لغير السامع إذ الأولى أن يشتغل بالتلاوة والذكر، وأفهم كلامه أن ندب الإنصات لا يختص بالأربعين بل سائر الحاضرين فيه سواء، أما الكلام فمكروه لخبر مسلم: "إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت" 4, وإنما يحرم لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على من كلمه وهو يخطب ولم يبن له وجوب السكوت، والأمر في الآية للندب ومعنى لغوت تركت الأدب جمعًا بين الأدلة، ولا يكره الكلام قبل الخطبة وبعدها وبين الخطبتين ولا كلام الداخل إلا إن اتخذ له مكانًا واستقر فيه.
"ويكره الاحتباء" للحاضرين ما دام الخطيب "فيها"
ويستحب تشميت العاطس وقراءة سورة الكهف يومها وليلتها وإكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيهما، والدعاء في يومها وساعة الإجابة فيما بين جلوس الإمام للخطبة وسلامه،
أي الخطبة لما صح من النهي عنه1 ولأنه يجلب النوم.
"و" كره "سلام الداخل" على الحاضرين كما في المجموع وغيره لأنهم مشغولين بما هو أهم منه.
"لكن تجب إجابته" لأن عدم مشروعيته لعارض لا لذاته بخلافه على نحو قاضي الحاجة.
"ويستحب" لكل من الحاضرين "تشميت العاطس" إذا حمد الله بأن يقول له: رحمك الله لعموم أدلته2، وإنما لم يكره كسائر الكلام لأن سببه قهري، ولو عرض مهم ناجز كتعليم خير ونهي عن منكر وإنذار مهلك لم يكره الكلام بل قد يجب3، ومر أنه يحرم على أحد الحاضرين بعد صعود الخطيب المنبر وجلوسه اشتغال بالصلاة وإن لم يسمع الخطبة.
"و" يسن "قراءة سورة الكهف" وإكثارها "يومها وليلتها" لما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: "من قرأها يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين" 4 وورد "من قرأها ليلتها أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق" 5, وقراءتها نهارًا آكد والأولى بعد صلاة الصبح مبادرة بالعبادة ما أمكن "وإكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيهما" أي في يومها وليلتها للأخبار الكثيرة الشهيرة في ذلك6 "والدعاء في يومها" ليصادف ساعة الإجابة فإنها فيه كما ثبت في أحاديث كثيرة لكنها متعارضة في وقتها.
"وساعة الإجابة" أرجاها أنها "فيما بين جلوس الإمام للخطبة وسلامه", كما رواه مسلم7، والمراد أنها لا تخرج عن هذا الوقت لا أنها مستغرقة له لأنها لحظة لطيفة
يكره التخطي، ولا يكره لإمام، ومن بين فرجة والعظم إذا ألف موضعًا، ويحرم التشاغل عنها بعد الأذان الثاني، ويكره بعد الزوال، ولا تدرك الجمعة إلا بركعة، فإن أدركه بعد ركوع الثانية نواها جمعة وصلاها ظهرًا، وإذا أحدث الإمام في الجمعة أو غيرها استخلف مأمومًا موافقًا لصلاته، ويراعي المسبوق نظم إمامه ولا يلزمه تجديد نية القدوة.
وخبر: "التمسوها آخر ساعة بعد العصر" 1 قال في المجموع: يحتمل أنها متنقلة تكون مرة في وقت ومرة في آخر كما هو المختار في ليلة القدر.
"ويكره" تنزيهًا وقيل تحريمًا وعليه كثيرون وهو المختار من حيث الدليل للأخبار الصحيحة الدالة عليه "التخطي" لما فيه من الإيذاء2 "ولا يكره لإمام" لا يبلغ المنبر أو المحراب إلا به لاضطراره إليه، ومن ثم لو وجد طريقًا يبلغ لهما بدونه كره له "و" لا "من بين يديه فرجة" وبينه وبينها صف أو صفان لتقصير القوم بإخلائها لكن يسن له إن وجد غيرها أن لا يتخطى، فإن زاد في التخطي على الصفين ورجا أن يتقدموا إليها إذا أقيمت الصلاة كره لكثرة الأذى.
"و" لا "المعظم" لعلم أو صلاح "إذا ألف موضعًا" من المسجد على ما قاله جمع لأن النفوس تسمح بتخطيه وفيه نظر، والذي يتجه الكراهة له كغيره بل تأخيره الحضور إلى الزحمة غاية في التقصير بالنسبة إليه فلم يسامح له في ذلك، ويحرم عليه أن يقيم أحدًا ليجلس مكانه بل يقول: تفسحوا أو توسعوا للأمر به3، فإن قام الجالس باختياره وأجلس غيره فلا كراهة على الغير، نعم يكره للجالس ذلك إن انتقل إلى مكان أبعد لكراهة الإيثار بالقرب.
"ويحرم" على من تلزمه الجمعة "التشاغل عنها" ببيع أو غيره "بعد" الشروع في "الأذان الثاني" بين يدي الخطيب لآية آخر الجمعة4، وقيس بالبيع فيها كل شاغل أي ما شأنه ذلك ولا يبطل العقد وإن حرم لأنه لمعنى خارج ولو تبايع اثنان أحدهما تلزمه الجمعة إثمًا كما لو لعب الشافعي الشطرنج مع حنفي؛ نعم له نحو شراء ما يحتاجه كماء طهره ونحو البيع5 وهو سائر إليها وفي المسجد.
"ويكره" التشاغل بذلك "بعد الزوال" وقبل الأذان السابق لدخول وقت الوجوب نعم لا كراهة في نحو مكة مما يفحش فيه التأخير لما فيه من الضرر ومر أن بعيد الدار يلزمه السعي ولو قبل الوقت فيحرم عليه التشاغل بذلك من وقت وجوب السعي ولو قبل الوقت.
باب: صلاة الخوف
إذا التحم القتال المباح، أو اشتد الخوف، أو هرب هربًا مباحًا من حبس وعدو
"ولا تدرك الجمعة إلا بركعة" لما مر من أنه يشترط الجماعة وكونهم أربعين في جميع الركعة الأولى، فلو أدرك المسبوق ركوع الثانية واستمر معه إلى أن يسلم أتى بركعة بعد سلام الإمام جهرًا وتمت جمعته، ولو شك مدرك الركعة الثانية قبل سلام الإمام هل سجد معه أم لا سجد وأتمها جمعة أو بعد سلامه أتمها ظهرًا لأنه لم يدرك ركعة معه فعلم أنه لو أتى بركعته الثانية وعلم في تشهده ترك سجدة من الثانية سجدها ثم تشهد وسجد للسهو وهو مدرك للجمعة وإن علمها من الأولى أو شك فاتته الجمعة حصلت له ركعة من الظهر.
"فإن أدركه بعد ركوع الثانية نواها جمعة" وجوبًا وإن كانت الظهر هو اللازمة له موافقة للإمام ولأن اليأس منها لا يحصل إلا بالسلام "وصلاها ظهرًا" لعدم إدراك ركعة مع الإمام.
"وإذا أحدث الإمام" أو بطلت صلاته بغير الحدث "في الجمعة" استخلف هو أو أحد المأمومين: وجوبًا إن بطلت في الركعة الأولى ليدركوا الجمعة وندبًا إن بطلت في الثانية ليتموها جماعة، وإنما لم يجب الاستخلاف فيها لإدراكهم مع الإمام ركعة، وإذا استخلف فيها جاز لهم المتابعة والانفراد، ويشترط في خليفة الجمعة أن يكون مأمومًا وإن لم يحضر الخطبة ولا الركعة الأولى ثم الخليفة في الأولى يتم الجمعة، وكذا خليفة الثانية إن اقتدى في الأولى ثم أحدث الإمام في الثانية فاستخلفه بخلاف ما لو اقتدى في الثانية لأنه لم يدرك ركعة خلف إمام يكون تابعًا له في إدراك الجمعة وإنما أدركه وهو خليفة، نعم إن أدرك المسبوق الثانية خلفه أتمها جمعة لأنه صلى ركعة خلف من يراعي نظم صلاة الجمعة، أما غير المأموم فلا يجوز استخلافه في الجمعة لأنه يشبه إنشاء جمعة بعد أخرى وهو ممتنع.
"أو" بطلت صلاة الإمام "في غيرها" من سائر الفروض والنوافل "استخلف" ندبًا مطلقًا الإمام أو غيره "مأمومًا" أو غيره لكن يشترط أن يكون "موافقًا لصلاته" أي الإمام ليمشي على نظمه كأن يستخلف في أولى الرباعية أو ثالثتها، بخلاف ما إذا استخلفه في ثانيتها أو رابعتها لأنه يحتاج إلى القيام وهم إلى الجلوس.
"ويراعي" الخليفة "المسبوق نظم" صلاة "إمامه" لأنه التزمه بقيامه مقامه "و" من ثم "لا يلزمهم" أي المأمومين "تجديد نية القدوة" به والله أعلم.
باب: كيفية "صلاة الخوف"
من حيث إنه يحتمل في الصلاة عنده ما لا يحتمل فيها عند غيره ويتبعه بيان حكم اللباس، وقد جاءت بها الأحاديث على ستة عشر نوعًا اختار الشافعي رضي الله عنه منها أنواعًا أربعة ذكر المصنف منها واحدًا لكثرة وقوعه فقال:
"إذا التحم القتال المباح" ولو مع باغ أو صائل عليه أو على غيره ولم يتمكنوا من
وسبع أو ذب عن ماله، عذر في ترك القبلة أو كثرة الأفعال والركوب والإيماء بالركوع والسجود أخفض ولا يعذر في الصياح.
تركه1 "أو اشتد الخوف" ولم يأمنوا أن يدركهم العدو ولو ولوا أو انقسموا "أو هرب هربًا مباحًا من حبس" بغير حق "وعدو" زاد على الضعف "وسبع" وسيل لم يجد معدلًا عنه وغريم لا يصدقه في دعوى إعساره ولا بينة معه أو من قاصد نفسه أو ماله أو حريمه، ومن مقتص رجا بهربه منه سكون غضبه حتى يعفو عنه. "أو ذب" ظالمًا "عن" نحو "ماله" أو حريمه أو مال الغير أو حريمه، ففي كل هذه الصور لا يباح إخراج الصلاة عن وقتها بل يصلي كيف أمكن عند ضيق الوقت "وعذر" حينئذ "في ترك القبلة" عند العجز عن الاستقبال بسبب العدو ونحوه سواء الراكب والماشي وحالة التحرم وغيرها للضرورة، ويعذر حينئذ أيضًا في استدبار الإمام التقدم عليه للضرورة. "أو" في "كثرة الأفعال" التي يحتاج إليها ابتداء كالطعنات والضربات المتوالية والعدو والإعداء2.
"و" في "الركوب" الذي احتاج إليه ابتداء وفي الأثناء كذلك لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239] ، ولو أمن وهو راكب نزل فورًا وجوبًا وبنى إن لم يستدبر القبلة وإلا استأنف.
"و" في "الإيماء بالركوع" والسجود عند العجز عنهما للضرورة.
"و" يجب أن يكون "السجود أخفض" ليتميز عن الركوع، وفي حمل السلاح الملطخ بنجس لا يعفى عنه إذا احتاج إلى إمساكه وإن لم يضطر إليه لكن يجب عليه القضاء في هذه الأخيرة لندرة عذره.
"ولا يعذر في الصياح" بل تبطل به الصلاة إذ لا ضرورة إليه بل السكوت أهيب، ولا يعذر أيضًا في النطق بلا صياح كما في الأم، وعلم من كلامه أنه يمتنع جميع ما ذكر على العاصي بنحو قتاله كبغاة وقطاع طريق أو هربه كأن لم يزد العدو على ضعفنا لأن الرخص لا تناط بالمعاصي، ولا يباح شيء من ذلك لطالب عدو خاف فوته لو صلى متمكنًا لأن الرخص إنما وردت في خوف فوت ما هو حاصل وهي لا تتجاوز محلها وهو المحصل، نعم إن خشي كره3 عليه أو كمينًا أو انقطاعه عن رفقته جاز له لأنه خائف، ومن خاف فوت الوقوف بعرفة لو صلى متمكنًا وجب عليه تحصيل الوقوف وترك الصلاة في وقتها لأن قضاء الحج صعب بخلاف الصلاة.
فصل: "في اللباس"
يحرم الحرير والقز للذكر البالغ إلا لضرورة كجرب وحكة وقمل، ويحل المركب من حرير وغيره إن استويا في الوزن وإلباس الصبي الحرير، والذهب والفضة، والحرير
فصل: في اللباس
"يحرم الحرير والقز" وهو نوع منه لكنه أدون1 "للذكر" والخنثى "البالغ" العاقل أي عليه بسائر وجوه الاستعمالات كالتستر والتدثر لما صح عنه صلى الله عليه وسلم من النهي عن لبسه وعن الجلوس عليه2، وقيس بهما سائر وجوه الاستعمالات، ولأن فيه من معنى الخيلاء أنه يورث رفاهية وزينة وإبداء زي يليق بالنساء دون شهامة الرجال "إلا لضرورة" أو حاجة "كجرب وحكة" إن آذاه غيره ودفع حر وبرد شديدين "وقمل" فيحل استعماله لأجل ذلك حضرًا وسفرًا إن كان القمل لا يندفع بدونه ولا بأسهل منه للحاجة، ولأنه صلى الله عليه وسلم أرخص فيه لعبد الرحمن بن عوف وللزبير لحكة كانت بهما3 ويجوز بل يجب لبسه إذا لم يجد غيره ليستر عورته ولو في الخلوة، وللمحارب لبس ديباج لا يقي غيره وقايته، وكذا لمن فاجأه قتال بغتة فلم يمكنه طلب غير الحرير أو لم يجد غيره.
"ويحل المركب من حرير وغيره إن استويا في الوزن" أو كان الحرير أقل سواء زاد ظهور الحرير أو لا لأنه حينئذ لا يسمى حريرًا والأصل بخلاف ما أكثره حرير في الوزن لأنه حينئذ يسمى ثوب حرير، وخرج بالذكر المرأة فيحل لها سائر استعماله افتراشًا وغيره لما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: "حل لإناثهم" 4 نعم يحرم عليها تزيين الجدران به وتعليق الستور على الأبواب ونحوها، وخرج بالبالغ الصبي وبالعاقل المجنون.
"و" من ثم حل "إلباس الصبي" ولو مراهقًا والمجنون "الحرير و" حلي "الذهب والفضة" في يوم العيد وغيره إذ ليس لهما شهامة تنافي خنوثة ذلك ولأنهما غير مكلفين، وكاللبس هنا أيضًا سائر وجوه الاستعمال.
"و"
للكعبة، وتطريف معتاد وتطريز وترقيع قدر أربع أصابع وحشو وخياطة به وخيط سبحة،
يحل "الحرير للكعبة" أي لسترها سواء الديباج وغيره لفعل السلف والخلف له وليس مثلها في ذلك سائر المساجد، ويكره تزيين مشاهد العلماء والصلحاء وسائر البيوت بالثياب لخبر مسلم1.
ويحرم بالحرير والمصور.
أما تزيين الكعبة بالذهب والفضة فحرام كما يشير إليه كلامهم "و" يحل للرجل والخنثى "تطريف معتاد" أي جعل ثوبه مسجفًا بالحرير بقدر العادة وإن جاوزت أربع أصابع لما صح "أنه صلى الله عليه وسلم كان له جبة يلبسها له رقعة في طوقها من ديباج وفرجاها مكفوفان بالديباج"2، و"أنه كان له جبة مسجفة الطوق، والكمين والفرجين بالديباج"3، أما ما جاوز العادة فيحرم.
"وتطريز وترقيع قدر أربع أصابع" مضمومة بخلاف ما إذا جاوزها لخبر مسلم: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير إلا موضع أصبع أو أصبعين أو ثلاث أو أربع"4 ولو تعددت محالهما اشترط على الأوجه أن لا يزيد على طرازين كل طراز على كم، وأن كل طراز لا يزيد على إصبعين ليكون مجموعهما أربع أصابع، والتطريز جعل الطراز الذي هو حرير خالص مركبًا على الثوب، أما المطرز بالإبرة فكالمنسوج على الأوجه فإن زاد الحرير على وزن الثوب حرم وإلا فلا.
"و" يحل "حشو" لنحو مخدة وجبة بالحرير ولبس ذلك المحشو واستعماله لأنه ليس ثوبًا منسوجًا ولا يعد صاحبه لابس حرير وبهذا فارق حرمة البطانة.
"و" يحل للرجل وغيره "خياطة به" لذلك "وخيط سبحة" كما في المجموع وليقة5 الدواة لاستتارها بالحبر قاله الزركشي.
وكيس المصحف قاله الفوراني6، وكيس الدراهم وغطاء الكوز على ما زعمه الإسنوي، وخلع الحرير من الملوك على ما نقل عن الماوردي لا
والجلوس عليه فوق حائل، ويحرم على الرجل المزعفر والمعصفر، ويسن التختم بالفضة للرجل دون مثقال في الخنصر واليمنى أفضل، ويكره نزول الثوب من الكعبين، ويحرم للخيلاء، ويكره لبس الثياب الخشنة لغير غرض شرعي.
كتابة الصداق فيه ولو للمرأة على المعتمد ولا اتخاذه بلا لبس "و" حل لمن مر "الجلوس عليه فوق حائل" فرش عليه ولو خفيفًا مهلهل النسج لأنه لا يسمى في العرف مستعملا له.
"ويحرم على الرجل" والخنثى "المزعفر والمعصفر" كما في الروضة وغيرها من تصويب البيهقي1 وأطال فيه.
وألحق جمع المورس2 بالمزعفر3 لكن ظاهر كلام الأكثرين حله، وحرم على الرجل وغيره استعمال جلد الفهد والنمر.
"ويسن التختم بالفضة للرجل" ولو لغير ذي منصب للاتباع4 والأولى أن يكون "دون مثقال" فإن بلغ مثقالًا وعده العرف إسرافًا حرم وإلا فلا على الأوجه، وخبر: "فلا يبلغه مثقالا"5 ضعيف وإن حسنه بعض المتأخرين. ويسن كونه "في الخنصر" اليمنى أو اليسرى للاتباع6.
"و" لكن "اليمنى أفضل" لأن حديث لبسه فيها أصح كما قاله البخاري، ويكره لبسه في غير الخنصر وقيل يحرم واعتمده الأذرعي7 ويجوز لبسه فيهما معًا وبفص وبدونه وجعله في باطن الكف أفضل ونقشه ولو بذكر ولا يكره ويكره تنزيهًا للرجل لبس فوق خاتمين، وللمرأة لبس أكثر من خلخالين، ويجوز التختم بنحو الحديد والنحاس والرصاص بلا كراهة وخبر: "ما لي أرى عليك حلية أهل النار" 8 لرجل وجده لابسًا خاتم حديد ضعيف لكن حسنه بعضهم فالأولى
باب: صلاة العيدين
هي سنة، ووقتها بعد طلوع الشمس إلى الزوال، ويسن تأخيرها إلى الارتفاع وفعلها في المسجد إلا إذا ضاق وإحياء ليلتيهما بالعبادة، والغسل من نصف الليل، والتطيب
ترك ذلك، والسنة في الثوب والإزار للرجل أن يكون إلى نصف الساقين، ويجوز بلا كراهة إلى الكعبين، وفي العذبة1 أن تكون بين الكتفين، وفي الكم أن يكون إلى الرسغ وهو المفصل بين الكف والساعد.
"ويكره نزول" ذلك عما ذكر ومنه نزول "الثوب" أو الإزار "من الكعبين" أي عنهما.
"ويحرم" نزول ذلك عما ذكر فيه "للخيلاء" أي بقصده للوعيد الشديد الوارد فيه2، وللمراة إرسال الثوب على الأرض إلى ذراع ويكره لها الزيادة على ذلك، وابتداء الذراع من الكعبين على الأقرب وإفراط توسعة الأكمام والثياب بدعة وسرف، نعم ما صار شعارًا للعلماء يندب لهم لبسه كما قال العز بن عبد السلام ليعرفوا بذلك فيسألوا وليطاعوا فيما عنه زجروا، ويسن أن يبدأ بيمينه لبسًا ويساره خلعًا، وأن يخلع نحو نعليه إذا جلس وأن يجعلهما وراءه أو بجنبه إلا لعذر، وأن يطوي ثيابه ذاكرًا اسم الله تعالى وإلا لبسها الشيطان كما ورد "ويكره لبس الثياب الخشنة لغير غرض شرعي" على ما قاله جمع لكن الذي اختاره3 في المجموع أنه خلاف السنة ويقاس بذلك أكل الخشن.
باب: صلاة العيدين
الأصل فيها الإجماع وغيره، وأول عيد صلاه النبي صلى الله عليه وسلم عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة ولم يتركها.
"هي سنة" مؤكدة على كل مكلف وإن لم تلزمه الجمعة فلا إثم ولا قتال بتركها، وتسن حتى للحاج بمنى لكن فرادى لا جماعة، "ووقتها بعد طلوع الشمس" أي يدخل بالطلوع ويبقى "إلى الزوال ويسن تأخيرها إلى الارتفاع" أي ارتفاع الشمس قدر رمح للاتباع وللخروج من خلاف من قال: إنما تدخل بارتفاعها.
"و" يسن "فعلها في المسجد" لشرفه فإن صلى في الصحراء كره ويقف نحو الحيض ببابه "إلا إذا ضاق" عن الناس فالسنة فعلها في الصحراء123
والتزين للقاعد والخارج وللكبار والصغار للمصلي وغيره، وخروج العجوز ببذلة بلا طيب، والبكور لغير الإمام، والمشي ذهابًا والرجوع بطريق آخر أقصر كما في سائر
للاتباع1، ويكره فعلها حينئذ في المسجد وكاتساعه حصول نحو مطر مانع من الصحراء، وتسن في مسجد مكة وبيت المقدس مطلقًا تبعًا للسلف والخلف.
"و" يسن "إحياء ليلتيهما" أي ليلة عبد الفطر وعيد الأضحى "بالعبادة" من نحو صلاة وقراءة وذكر لما ورد بأسانيد ضعيفة: "من أحيا ليلة العيد أحيا الله قلبه يوم تموت القلوب"2 ويحصل ذلك بإحياء معظم الليل.
"و" يسن "الغسل" لكل من العيدين للاتباع3 وإن كان سنده ضعيفًا4 ويدخل وقته "من نصف الليل"ليتسع الوقت لأهل السواد5 الآتين إليه قبل الفجر لبعد خطتهم6 والأفضل فعله بعد الفجر.
"و" يسن "التطيب والتزين" بما مر7 في الجمعة ومنه ليس أحسن ما عنده والأولى البياض إلا أن يكون غيره أحسن فهو أفضل، وفارق ندب البياض في الجمعة مطلقًا بأن القصد هنا إظهار التواضع، ويندب ذلك لكل أحد حتى "للقاعد" في بيته والخارج "إلى صلاة العيد" والكبار والصغار "للمصلي" منهم "غيره" بخلاف نظيره في الجمعة لا يفعله إلا مريد حضورها لما مر ثم.
"و" يسن "خروج العجوز" لصلوات العيد والجماعات "ببذلة" أي في ثياب مهنتها وشغلها "بلا طيب" ويتنظفن بالماء، ويكره بالطيب والزينة كما يكره الحضور لذوات الهيئات ولو عجائز وللشابات وإن كن مبتذلات بل يصلين
العبادات، والإسراع في النحر، والتأخير في الفطر والأكل فيها قبلها وتمر، ووتر، ويكبر
في بيوتهن ولا بأس بجماعتهن ولا بأن تعظهن واحدة، ويندب لمن لا يخرج منهن التزين إظهارًا للسرور وإنما يجوز الخروج للحليلة بإذن حليلها.
"و" يسن لقاصد صلاة العيد "البكور" إلى المصلى ليحصل فضيلة القرب إلى الإمام وانتظار الصلاة "لغير الإمام" أما الإمام فيسن له تأخير الحضور إلى إرادة التحرم للاتباع.
"و" يسن "المشي" إلى المصلى إن قدر عليه "ذهابًا" أي في الذهاب للخبر الصحيح في الجمعة: "وأتوها وأنتم تمشون" 1، أما العاجز لبعد أو ضعف فيركب، وأما غيره فلا يسن له المشي راجعًا بل هو مخير بينه وبين الركوب، نعم إن تضرر الناس بركوبه لغير الزحمة كره إن خفّ الضرر وإلا حرم.
"و" يسن لمصلي العيد "الرجوع" من المصلى "بطريق" أي في طريق "آخر" غير الذي ذهب فيه وأن يكون "أقصر" من طريق الذهاب "كما في سائر العبادات" لمن صح "أنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك في العيد"2 إما لشهادة الطريقين له أو لتبرك أهلهما به أو لاستفتائه3 فيهما أو لتصدقه على فقرائهما أو لإرادة غيظ المنافقين أو للتفاؤل بتغير الحال إلى المغفرة والرضا.
"و" يسن للإمام "الإسراع في" الخروج من صلاة عيد "النحر والتأخير" قليلًا "في" الخروج إلى صلاة عيد "الفطر" لما ورد مرسلًا من أمره صلى الله عليه وسلم بذلك وليتسع الوقت بعد صلاة النحر للتضحية وقبل صلاة الفطر لإخراج الفطرة.
"و" يسن "الأكل" والشرب "فيه" أي الفطر "قبلها" أي قبل الصلاة والإمساك في عيد النحر للاتباع4 وليتميز اليومان عما قبلهما، ويسن الأكل من كبد الأضحية للاتباع5.
"و" يسن "تمر ووتر" أي أن يكون المأكول كذلك للاتباع6، وصلاة العيد ركعتان وصفتهما في الشروط والأركان والسنن كغيرها لكنها
في الركعة الأولى قبل القراءة سبعًا يقينًا مع رفع اليدين بين الاستفتاح والتعوذ، وفي الثانية خمسًا، ولا يكبر المسبوق إلا ما أدرك، وقراءة ق واقتربت أو الأعلى والغاشية، ويقول بين كل تكبيرتين: "الباقيات الصالحات": سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر سرًا واضعًا يمناه على يسراه بينهما ثم خطب خطبتين يجلس قبلهما جلسة خفيفة ويذكر فيهما ما يليق، ويكبر في الأولى تسعًا وفي الثانية سبعًا ولاء.
امتازت عن غيرها بأمور تندب فيها.
"و" منها أنه "يكبر" الإمام والمنفرد "في الركعة الأولى" ولو من المقضية "قبل القراءة" أي قراءة الفاتحة "سبعًا يقينًا" سوى تكبير الإحرام والركوع فإن شك أخذ بالأقل "مع رفع اليدين" في كل تكبيرة حذو منكبيه كما مر في صفة الصلاة ووقت السبع الفاصل "بين الاستفتاح والتعوذ" فإن فعلها بعد التعوذ حصل أصل السنة لبقاء وقتها بخلاف ما إذا شرع في الفاتحة عمدًا أو سهوًا أو جهلا بمحله1 أو شرح إمامه قبل أن يأتي بالتكبير أو يتمه فإنه يفوت ولا يأتي به للتلبس بفرض، ولو تداركه بعد الفاتحة سن له إعادتها أو بعد الركوع بأن ارتفع ليأتي به بطلت صلاته إن علم وتعمد.
"وفي الثانية خمسًا" ويأتي فيها نظير ما تقرر في الأولى، والمأموم يوافق إمامه إن كبر ثلاثًا أو ستًّا فلا يزيد عليه ولا ينقص عنه ندبًا فيهما، ولو ترك إمامه التكبيرات لم يأت بها.
"ولا يكبر المسبوق إلا ما أدرك" من التكبيرات مع الإمام، فلو اقتدى به في الأولى مثلًا ولم يبق من السبع إلا واحدة مثلًا كبرها معه ولا يزيد عليها ولو أدركه في أول الثانية كبر معه خمسًا وأتى في ثانيته بخمس أيضًا أن في قضاء ذلك ترك سنة أخرى.
"و" يسن "قراءة ق" في الأولى وإن أم بجميع غير محصورين "واقتربت" في الثانية "أو الأعلى" في الأولى "والغاشية" في الثانية للاتباع "ويقول" ندبًا "بين كل التكبيرات" من السبع أو الخمس "الباقيات الصالحات" في قوله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: 46] ، وهي عند ابن عباس وجماعة "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" ويسن أن يأتي بذلك "سرًّا" وأن يكون "واضعًا يمناه على يسراه" تحت صدره "بينهما" أي بين كل تكبيرتين كما يضعهما كذلك في حال القراءة كما مر في صفة الصلاة.
"ثم" بعد الصلاة "خطب" ندبًا ولو لمسافرين لا منفردًا للاتباع "خطبتين" كخطبتي الجمعة في الأركان والسنن دون الشروط فلا تجب هنا بل تسن، ويسن أن يسلم على من عند المنبر وأن يقبل على الناس بوجهه ثم يسلم عليهم ثم "يجلس قبلهما جلسة خفيفة" بمقدار الأذان في الجمعة "ويذكر فيهما" أي الخطبتين "ما يليق" بالحال فيتعرض لأحكام زكاة الفطر
فصل: "في توابع ما مر"
يكبر غير الحاج برفع الصوت إن كان رجلًا من غروب الشمس ليلتي العيدين في الطريق ونحوها، ويتأكد مع الزحمة ثلاث تكبيرات متواليات، ويزيد لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، وندب زيادة الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلًا، ويستمر إلى تحرم الإمام، ويكبر الحاج من ظهر يوم النحر إلى صبح آخر التشريق، ويكبر غيره من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر التشريق بعد صلاة كل فرض أو نفل أداء وقضاء وجنازة وإن نسي كبر إذا تذكر، ويكبر لرؤية النعم في الأيام المعلومات -وهي عشر ذي الحجة- ولو شهدوا قبل الزوال برؤية الهلال الليلة الماضية أفطرنا وصلينا العيد أو بعد الزوال وعدلوا قبل الغروب فاتت وتقضى، أو بعد الغروب صليت من الغد أداء.
في عيده ولأحكام الأضحية في عيدها للاتباع في بعض ذلك1 "ويكبر ندبًا" في الخطبة "الأولى" عند استفتاحها "تسعًا يقينًا متوالية إفرادًا، "وفي" الخطبة "الثانية" عند استفتاحها "سبعًا" كذلك "ولاء" لما ورد عن بعض التابعين بسند ضعيف أن ذلك في السنة والتكبيرات المذكورة مقدمة للخطبة لا منها.
فصل: في توابع ما مر
"يكبر غير الحاج" سواء الرجل والمرأة لكن "برفع الصوت إن كان رجلًا" إظهارًا لشعار العيد بخلاف المرأة والخنثى "من غروب الشمس ليلتي العيدين في الطريق ونحوها" من المنازل والمساجد والأسواق راكبًا وماشيًا وقائمًا وقاعدًا وفي غير ذلك من سائر الأحوال، "و" لكن "يتأكد مع الزحمة" وتغاير الأحوال فيما يظهر قياسًا على التلبية للحاج.
وكيفية التكبير أن يكون "ثلاث تكبيرات متواليات" اتباعًا للسلف والخلف "ويزيد" بعد الثلاث "لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد وندب" أخذًا من كلام الأم "زيادة الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلًا" لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله والله أكبر "ويستمر" مكبرًا كذلك "إلى تحرم الإمام" أي نطقه بالراء من تكبيرة الإحرام بصلاة العيد، فإن صلى منفردًا فالعبرة بإحرامه، وتكبير ليلة عيد الفطر منصوص عليه في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ ، أي عدة صوم رمضان ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185] ، وليلة عيد النحر نقيس عليه ومن ثم كان الأول آكد.
"ويكبر الحاج من ظهر يوم النحر إلى صبح آخر" أيام "التشريق"؛ لأن أول صلاة يصليها بعد تحلله الظهر وآخر صلاة يصليها بمنى قبل نفره الثاني الصبح أي من شأنه ذلك، فلا فرق بين أن يقدم التحلل على الصبح أو يؤخره
باب: صلاة الكسوف هي سنة مؤكدة، وهي ركعتان، ويستحب زيادة قيامين وركوعين وتطويل القيامات، عنه، ولا بين أن يكون بمنى أو غيرها، ولا بين أن ينفر النفر الأول أو الثاني قبل صلاة الظهر أو بعدها في جميع ذلك فيما يظهر، "ويكبر غيره" أي غير الحاج "من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر" أيام "التشريق" للاتباع وتكبير الحاج وغيره في الوقتين المذكورين يكون "بعد" أي عقب "صلاة كل فرض أو نفل أداء وقضاء وجنازة" ومنذورة "وإن نسي" التكبير عقب الصلاة "كبر إذا تذكر" وإن طال الزمان لأنه شعار للأيام لا تتمة للصلاة بخلاف سجود السهو "ويكبر" ندبًا "لرؤية النعم" أي عند رؤية شيء منها وهي الإبل والغنم "في الأيام المعلومات وهي عشر ذي الحجة" لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28] ، "ولو شهدوا قبل الزوال" يوم الثلاثين بزمن يسع الاجتماع والصلاة كلها أو ركعة منها "برؤية الهلال الليلة الماضية أفطرنا وصلينا العيد" أداء أو قبل الزوال بزمن لا يسع ما ذكر "أو بعد الزوال وعدلوا قبل الغروب" قبلوا أيضًا وأفطرنا لقبول شهادتهم لكن الصلاة "فاتت" لخروج وقتها "وتقضى" في أي زمن أراد لما مر في صلاة النفل "أو" شهدوا "بعد الغروب" أو قبله وعدلوا بعده لم يقبلوا بالنسبة لصلاة العيد إذ لا فائدة في قبولهم إلا تركها فلم نصغ إلى شهادتهم ولذا "صليت من الغد أداء" وليس يوم الفطر أول يوم في شوال مطلقًا بل يوم فطر الناس، وكذا يوم النحر يوم يضحون ويوم عرفة يعرفون للحديث الصحيح1 بذلك، أما بالنسبة لنحو أجل وتعليق طلاق فتسمع شهادتهم مطلقًا.
باب: صلاة الكسوف
للشمس والقمر
ويسميان خسوفين وكسوفين وقيل الكسوف للشمس والخسوف للقمر.
و"هي سنة مؤكدة" للاتباع2 فإنه صلى الله عليه وسلم فعلها: "وهي" على كيفيات أقلها1
وتطويل الركعات والسجدات، والجهر في القمر، ثم يخطب الإمام خطبتين أو واحدة، ويحث فيهما على الخير، ويفوت الكسوف بالانجلاء وبغروب الشمس، والخسوف بالانجلاء وبطلوع الشمس، لا بالفجر ولا بغروبه خاسفًا، وإذا اجتمع صلوات خاف فواتها قدم الفرض ثم الجنازة ثم العيد ثم الكسوف، وإن وسع الوقت قدم الجنازة ثم الكسوف، ويصلون لنحو الزلازل والصواعق منفردين.
"ركعتان"1 كسنة الظهر "ويستحب" إذا أراد أدنى الكمال "زيادة قيامين وركوعين" بأن يجعل في كل ركعة قيامًا بعد الركعة بعد القيام للاتباع، ويسن أن يأتي بسمع الله لمن حمده ثم بربنا لك الحمد في كل اعتدال وإن كان يقرأ فيه كالاعتدال من قراءة الفاتحة كما مر "و" يسن إن أراد الأكمل "تطويل القيامات" فيقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة البقرة أو قدرها، وفي القيام الثاني بعد الفاتحة آل عمران أو قدرها، وفي الثالث بعد الفاتحة النساء أو قدرها، وفي الرابع بعد الفاتحة المائدة أو قدرها.
"وتطويل الركعات والسجدات" للاتباع بأن يسبح في الأول منها قدر مائة آية من البقرة، وفي الثاني قدر ثمانين، وفي الثالث قدر سبعين، وفي الرابع قدر خمسين.
"و" يسن "الجهر" بالقراءة "في" كسوف "القمر" والإسرار بها في كسوف الشمس لأنها نهارية والأولى ليلية.
"ثم" بعد الصلاة "يخطب الإمام خطبتين" للاتباع كخطبة الجمعة في الأركان والسنن دون الشروط.
"أو واحدة" على ما قاله جماعة أخذًا من نص البويطي2 لكنه مردود بأن النص لا يفهم ذلك وبأن الأوجه أنه لابد من خطبتين.
"وبحث فيهما على الخير" كالعتق والصدقة والتوبة والاستغفار ويحذرهم من الغفلة والتمادي في الغرور للاتباع في بعض ذلك والأمر به في الباقي "ويفوت الكسوف" أي صلاة كسوف الشمس "بالانجلاء" التام يقينًأ لأنه المقصود بالصلاة وقد حصل "وبغروب الشمس" كاسفة لعدم الانتفاع بها بعده "والخسوف" أي صلاة خسوف القمر3 "بالانجلاء" التام يقينًا "وبطلوع الشمس" لذهاب سلطانه "لا بالفجر" لبقاء ظلمة الليل والانتفاع به "ولا بغروبه" قبل الفجر أو بعده وقبل طلوع الشمس "خاسفًا" كما لو استتر بغمام "وإذا اجتماع صلوات خافت فواتها قدم"