الكذبمدخل
أهل الأثرالأرشيف العلمي

جعل الله الأمة الإسلامية أمة صفاء ونقاء في العقيدة والأفعال والأقوال.
فالصدق علامة لسعادة الأمة، وحسن إدراكها، ونقاء سريرتها.
فالسعادة مفتاحها الصدق والتصديق، والشقاوة دائرة مع الكذب والتكذيب.
ولقد أخبر -سبحانه وتعالى - أنه لا ينفع العباد يوم القيامة إلا صدقهم، وجعل علم المنافقين الذي تميزوا به هو الكذب في أقوالهم وأفعالهم، فجميع ما عابه عليهم أصله الكذب في القول والفعل.
فالصدق: بريد الإيمان، ودليله، ومركبه، وسائقه، وقائده، وحليته، ولباسه، بل هو لبه وروحه.
والكذب: بريد الكفر، والنفاق دليله، ومركبه، وسائقه، وقائده، وحليته، ولباسه، ولبه، فمضادة الكذب للإيمان كمضادة الشرك للتوحيد، فلا يجتمع الكذب والإيمان إلا ويطرح أحدهما صاحبه ويستقر موضعه.
فما أنعم الله على عبد من نعمة بعد الإسلام أعظم من الصدق الذي هو غذاء الإسلام وحياته، ولا ابتلاه ببلية أعظم من الكذب الذي هو مرض الإسلام وفساده.
أخي المسلم: إياك والكذب، فإنه يفسد عليك تصور المعلومات على ما

الجزء: 1 - الصفحة: 6

هي عليه، ويفسد عليك تصويرها وتعليمها للناس، فإن الكاذب يصور المعدوم موجوداً والموجود معدوماً، والحق باطلاً والباطل حقاً، والخير شراً والشر خيراً، فيفسد عليه تصوره وعلمه، عقوبة له، ثم يصور ذلك في نفس المخاطب المغتر به الراكن إليه فيفسد عليه تصوره وعلمه.
ونفس الكاذب معرضة عن الحقيقة الموجودة نزاعة إلى العدم مؤثرة للباطل، وإذا فسدت عليه قوة تصوره وعمله التي هي مبدأ كل فعل إرادي فسدت عليه تلك الأفعال وسرى حكم الكذب إليها وصار صدورها عنه كصدور الكذب عن اللسان، فلا ينتفع بلسانه ولا بأعماله.

تحريم الكذب

الكذب من قبائح الذنوب وفواحش العيوب.
قال الله - جل وعلا - ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36].
وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى

الجزء: 1 - الصفحة: 7

يكتب عند الله كذاباً» 1. قال العلماء: إن الصدق يهدي إلى العمل الصالح الخالص من كل مذموم.
والبر: اسم جامع للخير كله، وقيل: البر: الجنة، ويجوز أن يتناول العمل الصالح والجنة.
أما الكذب: فيوصل إلى الفجور، وهو الميل عن الاستقامة.
وقيل: الانبعاث في المعاصي.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كان فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» 2. وفي ذم التحدث بكل ما يسمعه المرء، قال - صلى الله عليه وسلم -: «كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع» 3.

الجزء: 1 - الصفحة: 8

وقال عبد الله بن عامر: جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيتنا وأنا صبي صغير فذهبت أخرج لألعب، فقالت أمي: يا عبد الله، تعال حتى أعطيك، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «وما أردت أن تعطيه؟ ». قالت: تمراً.
فقال: «أما إنك لو لم تفعلي لكتبت عليك كذبة» 4. وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً» 5. فاحذر - أخي المسلم - من مغبة الكذب، فإن الكذب أساس الفجور كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار» 6.


الجزء: 1 - الصفحة: 9

فصول الكتاب · 12 فصل
جارٍ التحميل