الإيضاح في علل النحوباب ذكر علّة امتناع الأفعال من الخفض
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب ذكر علّة امتناع الأفعال من الخفض

قال سيبويه: "ليس في الأفعال المضارعة جر، كما أنه ليس في الأسماء جزم، لأن المجرور داخل في المضاف إليه معاقب للتنوين، وليس ذلك في هذه الأفعال" هذا الذي يعتمد عليه الاس في امتناع الأفعال من الخفض.
وكل علة تذكر بد هذا في امتناع الأفعال من الخفض، فإنما هي شرح هذه العلة وإيضاحها أو مولّدة منها، وليس فيها زيادة معنى بوجه ولا سبب، لا في مذهب البصريين ولا الكوفيين، وإنما اشرح لك قول سيبويه أولاً، ثم أعود لذكر باقي العلل إن شاء الله.
أما قوله: ليس في الأفعال المضارعة جر، فالمضارعة عنده هي الأفعال المستقبَلة التي في أوائلها الزوائد الأربع؛ الهمزة والياء والنون والتاء، كقولك: أقوم ويقوم ونقوم وتقوم والمضارعة المشابهة، وإنما سمَّاها مضارعة، لأنها ضارعت الأسماء التي أشبهتها، ولذلك أعربها.
وإنما قال: وليس في الأفعال المضارعة جر فقصدها دون سائر الأفعال؛ لأن كل فعل سوى المضارع عنده مبني غير معرّب، وإنما كان في ذكر الجر، والجر إعراب، ولما كان إعراباً وكانت الأفعال سوى المضارعة مبنية غير مستحقة للإعراب، للعلل التيل قد ذكرتها لك فيما مضى من هذا الكتاب، سقط السؤال عنها، السؤال لِمَ لم تخفض؟ وبقي السؤال عن الفعل المضارع الذي هو معرب.
فكأنه أجاب من سأله فقال له: إذا كان الفعل

الجزء: 1 - الصفحة: 107

المضارع عندك معرباً، فلِم امتنع من الخفض؟ فقال: لأن المجرور داخل في المضاف إليه، معاقب للتنوين، وليس ذلك في هذه الأفعال.
واختصر الجواب كما ترى.
وشرحه أن المجرور مضاف إليه، واقع موقع التنوين، لأنه زيادة في الاسم يقع آخراً، والأفعال لا يضاف إليها فامتنعت من الخفض لذلك.
وتقريب هذا أن يقال: لِمَ تخفض الأفعال، لأن الخفض لا يكون إلا بالإضافة والإضافة إلى الأفعال مستحيلة فامتنعت من الخفض لذلك.
سؤال على أصحاب سيبويه.
يقال لهم: فإذا كان اعتماد صاحبكم، كمخا زعمتم عنه في امتناع الأفعال من الخفض، هو لأن الإضافة إليها غير سائغة، وأن الخفض لا يكون إلا بالإضافة، فما دليلكم على أن الإضافة إلى الأفعال غير سائغة؟ الجواب: الدليل على أن الإضافة إلى الأفعال غير سائغة هو أن الإضافة في الكلام على ثلاثة أوجه؛ إضافة الشيء إلى مالكه، كقولك: هذه دار زيد وهذا ثوب عبد الله، وإضافة الشيء إلى مستحقه أو الموصل إليه، كقولك: الحمد لله، أي هو مستحقه، والشكر لزيد، ومررت بعبد الله، لأن الباء أوصلت مرورك إلى عبد الله، كما أوصلت اللام الشكر إلى زيد، وكذلك سائر حروف الجر إنما هي صلات للأفعال إلى مفعوليها.
وإضافة الشيء إلى جنسه، كقولك: هذا ثوب خز، وخاتم حديد، وباب ساج.
وما أشبه ذلك.
فلما كانت الأفعال لا تملك، لأنها ليست واقعة على مسمَّيات تستحق الملك، لأنها إنما هي عبارة عن حركات الفاعلين في زمان ماض منقض أو حاضر أو منتظَر، لم تكن إضافة الشيء إليها إضافة ملك.
ألا ترى أن قولك: هذا غلام ضرب، أو صاحب يقوم وما أشبه ذلك، وأنت تريد به أن الفعل مستحق (له، لا معنى له) فلم تمكن الإضافة إليها من هذا الوجه، كما أنها لا تملك شيئاً كذلك أيضاً لا تستحقه، لأنه

الجزء: 1 - الصفحة: 108

لو جاز أن تستحق جاز أن تملك، فلما لم تستقر على شيء بعينه لم يتميز استحقاقها المستحق.
ألا ترى أن كل فعل دال على حدَث ومحدِثه وزمان ومكان، لأنه قد علم أن فاعلاً ومفعولاً لا يكونان إلا في مكان.
كقولك: قام زيد: فقد دل ذلك القيام على فاعله وعلى الزمان الماضي، وعلمت أنه لا بد لزيد من مكان فيه فعل القيام، وإن لم يكن في لفظ الفعل دليل.
فإن كان الفعل مع ذلك متعدياً إلى مفعول أو مفعولين أو ثلاثة، دل على ذلك أجمع.
وفيه أيضاً دليل على حال كان فيها الفاعل والمفعول.
فإذا كان الفعل واقعاً على هذه الأشياء كلها، ثم أضيف إليه مستحق أو ما يحق له ملكه، لم يدر بأي شيء من هذه الأشياء يتصل، فلم تجز الإضافة إليه من هذين الوجهين.
وكذلك إيصال الفعل بحرف الخفض إلى مفعوله، كقولك: مررت بزيد، وركبت إلى عبد الله، غير جائز مثله في الأفعال، لأن هذه المخفوضات مفعولات في الحقيقة كما ترى، والفعل لا يكون مفعولاً وذلك محال، ولو جاز أن يكون مفعولاً لكان اسماً لأنه قد مضى القول بأن كل شيء وقع في حيّز الفاعل أو المفعول فهو اسم، في أول الكتاب بما فيه غني عن الإعادة.
جواب في امتناع الأفعال من الإضافة إليها.
قال أبو الحسن سعيد ابن مسعدة الأخفش: لم يدخل الأفعال جر، لأنها أدلة، وليست الأدلة بالشيء الذي تدل عليه.
وأما زيد وعمرو وأشباه ذلك، فهو الشيء بعينه، وإنما يضاف إلى الشيء بعينه لا إلى ما يدل عليه، وليس يكون جر في شيء من الكلام إلا بالإضافة.

الجزء: 1 - الصفحة: 109

تلخيص قول الأخفش هذا وشرحه: أما قوله: ليس الجر في الأفعال لأنها أدلة، فهو كما ذكرناه أولاً من أن الأفعال عبارة عن حركات الفاعلين، فهي أدلة على فاعليتها، وفي حروفها دليل على الحدث، وفي أبنيتها دليل على الزمان، وفي المتعدي منها دليل على المفعول.
وأما قوله: وليست الأدلة بالشيء الذي تدل عليه، فكلام غير مشكل ولا محتاج إلى تفسير، لأن كل ذي عقل يعلم (أن) الدليل على الشيء غيره.
وأما قوله: وأما زيد وعمرو وأشباه ذلك فهو الشيء بعينه، فكلام ملبس مشكل خارج مخرج المُلغَز من الكلام، لأنه لا اتصال له بما ذكره، وأي اتصال بين قوله: وليس الأدلة بالشيء الذي تدل عليه، وبين قوله: وأما زيد وعمرو وأشباه ذلك فهو الشيء بعينه؟ وإنما غرضه أن يخبر أن الإضافة إلى الفعل غير ممكنة لأنه دليل على الفاعل والمفعول والحدث، والإضافة إنما تكون إلى الفاعل أو المفعول أو الحدث، ولا تجوز الإضافة إلى ما دل على هذه الأشياء وهو الفعل، لأن الدليل على الشيء غيره، ولا تجوم الإضافة إلى الدليل والمراد به المدلول عليه.
وأما قوله: وليس جر في شيء من الكلام إلا بالإضافة فهو قول سيبويه الذي قدمته لك أولاً وذكرت لك أن كل علة يحتج بها في امتناع الفعل من الخفض راجعة إليه موضحة له.
جواب ثالث في امتناع الأفعال من الإضافة إليها أو خفضها.
وهو للأخفش أيضاً.
قال الأخفش: لا يدخل الأفعال الجر، لأنه لا يضاف إلى الفعل، والخفض لا يكون إلا بالإضافة.
ولو أضيف إلى الفعل، والفعل لا يخلو من فاعل.
وجب أن يقوم الفعل وفاعله مقام التنوين، لأن المضاف إليه يقوم

الجزء: 1 - الصفحة: 110

مقام التنوين، وهو زيادة في المضاف كما أن التنوين زيادة، فلم يجز أن نقيم الفعل والفاعل مقام التنوين لأن الاسم لا يحتمل زيادتين، ولم يبلغ من قلة التنوين وهو واحد أن يقوما مقامه، كما لا يحتمل الاسم الألف واللام مع التنوين وهذه علة جيدة.
سؤال على المعتمدين على هذا الجواب.
يقال لهم: فإذا كان اعتلالكم في امتناع الأفعال من الإضافة إليها، هو أنه لم يمكن أن يقول الفعل والفاعل مقام التنوين لأن المضاف إليه واقع مقام التنوين لم يجز أن يقوم اثنان مقام التنوين، كما لم يحتمل الاسم الألف واللام مع التنوين فإن هذا يفسد عليكم باجتماع الألف واللام ونون الاثنين والجميع، والألف واللام زائدان والنون زائدة ومؤدية معنى التنوين، فقد جمعتم بين زيادتين فررتم من اجتماع مثلهما، وجعلتموه الدليل على امتناع الأفعال من الإضافة إليها، فقد بطل ما ذهبتهم إليه من ذلك، وبان فساده.
الجواب في ذلك أن يقال: إنما كرهنا الجمع بين زيادتين تجريان مجرى واحداً في تمكين الاسم، وهما الألف واللام والتنوين، وذلك أن الألف واللام يمكنان الاسم فهما دليل تمكنه.
وكذلك التنوين دليل تمكن الاسم.
ألا ترى أن ما لا يتمكن لا يدخله التنوين، وما دخلته الألف واللام تمكن، والنون ليست كذلك، لأنها ليست دليل تمكّن، فجاز الجمع بينهما لذلك ولم يجز الجمع بين التنوين والألف واللام، لأن في كل منهما كفاية عن صاحبه في التمكن.
جواب آخر: وهو أن النون عوض من حركة تنوين، وكان حكمهما جميعاً أن يثبتا في كل حال، فحذف التنوين في الواحد لئلا يشبه النون الأصلية، فلما صار إلى التثنية والجمع ورجع إلى أصله فثبت لأنه لا يلتبس بشيء.

الجزء: 1 - الصفحة: 111

سؤال على أصحاب سيبويه في امتناع الأفعال من الخفض.
وهو أن يقال لهم: إذا كان اعتمادكم في امتناع الأفعال من الخفض، إنما هو لاستحالة الإضافة إليها، فيجب على هذا ألا تضاف الأفعال البتة، لأن الشيء المحال لا يصير غير محال، ما دام على الجهة التي وُجد فيها مجالاً من غير تغيير حال ولا بناء.
وإذا أريناكم أشياء قد أضيفت إليها الأفعال بان فساد ما احتججتم به وبطل ما ذهبتم إليه وقد رأينا العرب قد أضافت أشياء إلى الأفعال؛ منها أنها أضافت إليها أسماء الزمان كقولهم: هذا يوم يقوم زيد، وهذه ساعة يذهب بكر، وقصدتك يوم خرج عبد الله، وأقصدك يوم يقوم أخوك، وكذلك ما أشبهه.
وقد أضافت إليها قولهم (ذو)، وذلك قولهم: اذهب بذي تسلم، واذهبا بذي تسلمان، واذهبوا بذي تسلمون، وكذلك يقولون للمرأة: اذهبي بذي تسلمين، واذهبا بذي تسلمان، واذهبن بذي تسلمن.
وأضافوا إلى الأفعال (آية) في قولهم: (ألا أبلغ لديك بني تميمٍ ... بآية ما تُحبّونَ الطعاما)

الجزء: 1 - الصفحة: 112

وقال آخر، وهو من القصيدة: (بآية تُقْدِمون الخيلَ زوراً ... كأنّ على سَنابِكها مُداما) فقد بان بإضافتهم هذه الأشياء إلى الأفعال بطلان ما ذكرتم.
الجواب في ذلك أن يقال: إن الشيء إذا اطرّد عليه باب، فصحَّ في القياس وقام في المعقول، ثم اعترض عليه شيء شاذ نزر قليل، لعلة تلحقه، لم يكن ذلك مُبطلاً للأصل، والمتَّفقِ عليه في القياس المطرد، ومثل هذا موجود في جميع العلوم حتى في علوم الشرائع والديانات.
فليس إضافة هذه الأشياء إلى الأفعال - لو صح أنها على ما ذهبتم إليه، مع قلتها وكثرة ما امتنع من ذلك - بمفسدة لما ذكرناه.
فكيف ولكل شيء مما ذكرتموه سبب وعلة ليس على الظاهر الذي توهَّمتموه.
فمن ذلك: أن إضافة أسماء الزمان إلا الأفعال في قولهم: هذا يوم يقوم زيد، وما أشبه ذلك، إنما جازت لأن الأفعال مع فاعليها جمل، ومن شروط أسماء الزمان أن تضاف إلى الجمل إذا كانت موضحة لها، كقولك: قصدتك يوم أخوك منطلق، وزرتك يوم الحجّاج أمير.
وكذلك ما أشبهه.
أضيفت إلى الأفعال وفاعليها، لدخولها في باب الجمل، كما أضيفت إلى سائر الجمل.
جواب آخر في إضافة أسماء الزمان إلى الأفعال وهو أن الغرض إنما هو المصادر، فكأن المضاف إليه في الحقيقة المصدر، لأن تأويل قولك: هذا يوم يقوم زيد، هذا يوم قيام زيد، وليس هذا المعنى موجوداً في إضافة سائر الأسماء إليها، لأنه لا فائدة تقع فيه.
ألا ترى أنك لو قلت؛ هذا غلام يركب زيد، وأنت

الجزء: 1 - الصفحة: 113

تريد هذا غلام ركوب زيد، كان محالاً، فاستجيز ذلك في أسماء الزمان بحسن إضافتهم إلى المصادر، والأفعال دالة على مصادرها، فكأن الإضافة إلى المصادر في الحقيقة.
جواب ثالث في إضافة أسماء الزمان إلى الأفعال.
وهو أن الفعل بلفظه دالٌ على الزمان، والمصدر دال على الفاعل والمفعول لا بلفظه، وكان الزمان بعض الفعل، فإضافة الزمان إلى الفعل كإضافة بعض إلى بعض.
جواب رابع في إضافة الزمان إلى الفعل.
قال الأخفش: إنما اضيفت أسماء الزمان إلى الأفعال لأن الأزمنة كلها ظروف للأفعال والمصادر، والظروف أضعف الأسماء فقووّها بالإضافة إلى الأفعال.
وهذا قول ضعيف، لأن الأفعال أضعف من الأسماء، لأن الضعف والقوة في العربية إنما هما في التمكن والامتناع منه، والأسماء أمكن من الأفعال فلن توقيها إضافتها إلى الأفعال.
ومع ذلك فيقال له: فهلا قووَّا كل ضعيف من الأسماء (بإضافته) إلى الأفعال ليقويها ذلك.
وإلا فما الفرق؟ يقال له أيضاً: فإن كانت إضافتها إلى الأفعال تقويها، فما بالها تُبنى إذا أضيف إليها كما قال الشاعر: (على حين عاتبت المَشيب على الصبي ... وقلت ألمَّا تصح والشيب وازع) ألا ترى أن أكثر الرواة على فتح حين ها هنا بناءً لها لإضافتها إلى الفعل.

الجزء: 1 - الصفحة: 114

وقد أعربها بعضهم إلا أنه وإن كانت الإضافة للأفعال إنما هي لتقويتها فقد كان يجب ألا تبنى في حال إضافتها إليها.
والقول في حين وبنائها وإعرابها يذكر في باب المبنيات إن شاء الله.
الجواب عن إضافة آية إلى الفعل وذكر علل ذلك.
وأما آية فهي عندي لا تجوز إضافتها إلى الفعل.
ولم يأت في ذلك ما يحتج به، ولا تصح في القياس إضافتها إليه.
وقد احتج بعض أصحابنا لذلك بعلة أنا أقدم ذكرها وأبيّن فسادها، ثم أذكر ما عندي في ذلك إن شاء الله.
زعم بعض أصحابنا (إنما جاز إضافة آية إلى الفعل لأنها بمنزلة الوقت، وذلك أن الأوقات إنما تذكر ليدل بها على ترتيب الحوادث الكائنة فيها؛ في تقديم ما يتقدم منها، وتأخير ما يتأخر، وما يقترن وجوده بوجود غيره.
والمقدار الذي بين وجود المتقدم منها والمتأخر، فصار ذكر الوقت علما لما وقع أو يقع منها وما يقترن بغيره.
ألا ترى أنك إذا قلت: إذا أذن المؤذن فائتني، فقد جعلت أذان المؤذن وقتاً لإتيانه وعلما له.
كما أنك إذا قلت: إذا كان يوم كذا وكذا فائتني.
فقد جعلت ذلك اليوم وقتاً لإتيانه وعلامة متى وجدها لزمه امتثال أمرك عند كونها.
وكذلك إذا قال: لا أفعل ذلك بآية يقوم.
فقد جعل يقوم وقتاً لما يريده فصح إضافة العلامة إلى الفعل، كما يضاف إليه الوقت، لأنهما في القصد يؤولان إلى شيء واحد).

الجزء: 1 - الصفحة: 115

شرح فساد هذا القول.
أما قوله: إن الأوقات إنما تذكر ليُدل بها على ترتيب كون الحوادث في تقديم المتقدم منها وتأخير المتأخر والمقدار الذي بينهما واقتران ما يقترن وجوده بغيره، فكلامه صحيح لا مطعن عليه.
وأما تشبيه ذلك بآية فمغالطة، لأنه إذا قال: إذا أذّن المؤذن فائتني، فوقت الإتيان غير وقتع الأذان، وإن كان علماً له، يستدل (به) على لزوم الإتيان له.
وإذا قال: بآية يقوم، فقد زعم أنه جعل يقوم وقتاً لما يريده، وهذا غلط، لأن الفعل لا يكون وقتاً بل يحتاج إلى وقت فيكون فيه.
وهذا بيّن الإحالة.
ومع ذلك فإنك إذا قلت له: افعل ذلك بآية يقوم، فإنك تأمره بفعل يحدثه، وتذكرّه علامة بينك وبينه، وليس مثل قولك هذا يوم يقوم زيد.
وأما قوله: وجاز إضافة الآية إلى الفعل كإضافة الوقت لأنهما يؤولان إلى شيء واحد.
فليس بشيء لأن الوقت يضاف إلى الفعل طلباً للمصدر.
فناب الفعل عن مصدره بدلالته عليه.
والآية عنده - كما زعم - تضاف إلى الفعل والمعنى أن الفعل وقت لما أراده.
وهذا مقلوب غير متسق ولا منتظم.
وأما القول الصحيح في آية عندي فهو أن إضافتها إلى الفعل غير جائزة ولا صحيحة، لأنها ليست بوقت فتدخل في جملة أسماء الزمان، وقد مضى ذكر عللها.
ولا هي متعلقة من الفعل بشيء.
ولا فرق بين آية وسائر الأسماء في ذلك.
(فأما قول) الشاعر: (الا أبلغ لديك بني تميمٍ ... بآية ما تحبّون الطَّعاما) فليست هذه إضافة صحيحة إلى الفعل، وإنما هي إلى المصدر، لأن (ما) بتأويل المصدر، فكأنه قال بآية محبتهم الطعام.
كما تقول أعجبني ما صنعت

الجزء: 1 - الصفحة: 116

أي أعجبني صنعك (و) كما تقول: ما أحسن ما كان زيد، وأنت تريد ما أحسن كون زيد.
وهذا بيّن واضح.
وأما قوله: (بآية تُقدمون الخيل زُورا ... كأن على سنابكها مُداما) فإنه أراد بآية ما تقدمون الخيل ليجعل (ما) مع الفعل بتأويل المصدر كما ذكرناه في البيت الأول، فاضطر فحذفها من لفظة ضرورة وهو ينويها.
كما قال: (وكَحلَ العينين بالعواوِرِ) فلم يهمز الواو وقد وقعت طرفاً بعد ألف، لأن تقديره بالعواوير.
فإذا قدرها كذلك بعدت من الطرف، ولا يجوز همزها، كما لم تهمز في قولهم طواويس ونواويس، وكما قرأ بعض القراء "لقد تقطع بينكم" بالنصب في بين لتقدير ما.
فإذا كان مثل هذا - أعني إضمار ما - قد جاز في القرآن، فهو في الشعر أجوز.
فيكون قوله بآية تقدمون تقديره بآية ما تقدمون.
وأما القول في إضافة ذي إلى الفعل في قولهم: اذهب بذي تسلم فإن هذه

الجزء: 1 - الصفحة: 117

اللفظة جرت في كلامهم كالمثل.
قال الأصمعي: تقول العرب: اذهب بذي تسلم.
والمعنى اذهب والله يسلمك، دعاء له بالسلامة.
واذهبا بذي تسلمان، والمعنى اذهبا والله يسلمكما.
واذهبوا بذي تسلمون، والمعنى والله يسمكم.
فإذا كانت هذه الكلمة جارية مجرى المثل، فإن الأمثال يحتمل فيها ما لا يحتمل في غيرها وتزال كثيراً عن القياس.
كذلك مجراها في كلامهم.
واحتمل ذلك فيها لقلة دورها في الكلام.
ولذلك تقديران في العربية صحيان في القياس؛ أحدهما أن تكون (ذو) هو الموضوع لذات الشيء، كما تقول: مررت برجل ذي مال، فذي هو الرجل نفسه وأضفته إلى المال.
فإذا قلت: اذهب بذي تسلم، فذي نعت قام مقام المنعوت، كما تقولك مررت بذي مال، وأنت تريد برجل ذي مال، فيكون التقدير اذهب بيوم ذي تسلم أو بوقت ذي تسلم، أي ذي تسلمه، فذو (هو) اليوم والوقت، فلذلك جاز إضافته إلى الفعل كما يضاف الزمان، وقد مضى القول في هذا.
ويؤول التأويل إلى أن الإضافة في الحقيقة إلى المصدر، فكأنه قيل: اذهب بسلامك.
والوجه الآخر أن تكون (ذو) بمنزلة الذي، وهي لغة للعرب، فكأنه قيل: اذهب بالذي تسلمه، فالهاء مقدرة في المعنى محذوفة من اللفظ، وهو مصدر تقديره اذهب بالسلامة التي تسلمها، وقال الذي وهو يريد السلامة، لأنه مؤنث غير حقيقي فتذكيره جائز، فذهب بالسلامة إلى السلام كما قال عز وجل ﴿فمن جاءه موعظةٌ من ربه﴾ والذي قد تكون مصدراً كما قال عز وجل

الجزء: 1 - الصفحة: 118

﴿وخضتم كالذي خاضوا﴾ تقديره وخضتم كخوضهم.
وقد مضى هذا في ذكر الأصول وشرحها، وإنما هذا كتاب علل ومسائل، وسنذكر من مثل هذه المسائل في آخر الكتاب، ما تزداد به بما ذكرته لك بصيرة إن شاء الله.
وقال آخرون: لم تجز الإضافة إلى الأفعال، لأن من شاء الإضافة تعريف المضاف وتقريبه من المعرفة بأدنى اختصاص توجبه له.
والأفعال لا تعريف فيها ولا اختصاص، لأنها غير واقعة على شيء بعينه، إنما هي عبارة عن حركات الفاعلين في زمان ماض أو حاضر أو منتظَر، فهي تدل على فاعل ومفعول ومصدر.
وظرف.
ويتصل بذلك الحال والمكان، والمضاف إليها لا يدرى بأي شيء من هذه الأشياء يتعلق.
ألا ترى أن المنكور قد يُعرَّف في بعض الأحوال فيتعرف، والأفعال نفسها لا يمكن تعريفها، فكان تعريف ما يضاف إليها أبعد.
سؤال على أصحاب هذه المقالة.
يقال لهم: أولاً ما دليلكم على أن الأفعال كلها نكرات؟ الجواب أن يقولوا: الدليل على ذلك اجتماع النحويين كلهم من البصريين والكوفيين على أن الأفعال نكرات.
ولم يكونوا ليجتمعوا على الخطأ ولا يعيّنه واحد منهم مع كثرة علماء الفريقين، وفحصهم عن دقائق النحو وغوامض المسائل.
وإذ اكان هذا متفقاً عليه عندنا وعندكم، فالسؤال عنا فيه ساقط إذ كنا فيه سواء.
جواب آخر، وهو جواب الجماعة.
قال النحويون كلهم: الدليل على أن الأفعال نكرات أنها لا تنفك من الفاعلين.
والفعل والفاعل جملة يستغنى بها وتقع بها الفائدة.
والجمل نكرات كلها، لأنها لو كانت معارف لم تقع بها فائدة

الجزء: 1 - الصفحة: 119

لأنها قد كان يعرفها المخاطب فلا تقع له بها فائدة.
فلما كانت الجمل مستفادة علم أنها نكرات، ولذلك لم تجز الكناية عن الجمل، لأن المكاني معارف والجمل نكرات، فلذلك لم تضمر.
وكذلك الأفعال لما كانت مع الفاعلين جملاً، كانت نكرات ولم يجز إضمارها.
سؤال آخر على أصحاب هذه المقالة.
يقال لهم: فإذا كانت الأفعال نكرات كما ذكرتم، فهلا عفرتموها كما تعرف النكرات، ثم أضفتم إليها كما نفعل ذلك بسائر النكرات، إذا احتيج إلى تعريفها عرّفت؟ الجواب، وهو جواب الجماعة لا ينفرد به قوم دون قوم.
وهو أن تعريف الأفعال محال، لأنها لا تضاف، كما أنه لا يضاف إليها.
ومنها أن تعريفها بالألف واللام من دلائل الأسماء التي تختص بها.
لأنها يشير بها المتكلم إلى عهد بينه وبين من يخاطبه في الذي يدخل عليه الألف واللام.
والأفعال غير محصورة على شيء واحد كما ذكرنا فتعرف ذلك الشيء.
ومنها أنها كما ذكرنا جملة، ودخول الألف واللام على الجمل محال.
ومنها أنها لا تتعرف بالموضع، إلا أن يسمى بها رجل أو امرأة، فإذا سمي بها رجعت إلى أحكام الأسماء، وجاز فيها جميع ما يجوز في الأسماء.
سؤال على أصحاب هذا الجواب.
يقال لهم: فقد علمنا أن الأفعال لا يضاف إليها بما تقدم من الاحتجاج لذلك.
فلم لا تجوز إضافتها نفسها؟ ؟ الجواب، يقال: لم تجز إضافة الأفعال، لأن الفعل لا ينفك من فاعله كما ذكرنا مضمراً أو مظهراً.
والفعل والفاعل جملة بمنزلة المبتدأ وخبره، فكما لا تجوز إضافة الجمل، كذلك لا تجوز إضافة الفعل.
ألا ترى أنه غير جائز إضافة قولك زيد منطلق وعبد الله أخوك وهذا زيد، وكذلك قام محمد وخرج أخوك وكذلك ما أشبهه؟ انتهى القول في امتناع الأسماء من الجزم، والافعال من الخفض.

الجزء: 1 - الصفحة: 120

فصول الكتاب · 23 فصل
فصول الإيضاح في علل النحو
باب أقسام الكلامباب القول في اختلاف النحويين في تحديد الاسم والفعل والحرفباب معرفة حد الاسم والفعل والحرفباب القول في الفعل والمصدر. أيهما مأخوذ من صاحبهباب القول في علل النحوباب القول في الإعراب والكلام. أيهما أسبقباب القول في الإعراب، لم دخل في الكلامباب القول في الاعراب، أحركة هو أم حرفباب القول في الإعراب، لم وقع في آخر الاسم دون أوله ووسطهباب القول في المستحق للإعراب من هذه الأقسام الثلاثة التي هي الأسماء والأفعال والحروفباب القول في الاسم والفعل والحرف أيها أسبق في المرتبة والتقدمباب القول في الأفعال أيها أسبق في التقدمباب عن فعل الحال وحقيقتهباب ذكر العلة في تسمية هذا النوع من العلم نحواباب الفرق بين النحو اللغة والإعراب والغريبباب القول في معنى الرفع والنصب والجر من طريق اللغةباب ذكر الفائدة في تعلم النحوباب ذكر علة دخول التنوين في الكلام ووجوههباب ذكر علّة ثقل الفعل وخفَّة الاسمباب علة امتناع الأسماء من الجزمباب ذكر علّة امتناع الأفعال من الخفضباب القول في التثنية والجمعباب القول في الألف والياء والواو في التثنية والجمع أهي إعراب أم حروف إعراب؟
جارٍ التحميل