زعمه أنَّ صُحبةَ الكثيرين من أصحاب النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لغوية لا شرعية والرد عليه:
قال في (ص:56) : ((قد يورد البعضُ على ما سبق بعضَ الاعتراضات، وهذا من حقِّ كلِّ مَن قرأ البحثَ أو سمع به، كما أنَّه من حقِّنا أن نبيِّن رأينا في هذه الاعتراضات، سواء كانت بحقٍّ أم بغيره، ومن تلك الاعتراضات: 1 ـ
قد يقول البعض: ما دام أنَّ اللغة واسعةٌ ويجوز فيها أن تطلق الصحابي أو الصاحب على من صحب ولو صحبة يسيرة، فلماذا التضييق في الأمر؟ الجواب: نحن للأسف تجاوزنا مسألة اللغة نفسها، فأصبحنا نطلق الصاحب على من رأى وليس على من صحب، فهذا أوَّلاً.
ثانياً: سبق أن كرَّرنا أننا لا نُمانع من إطلاق الصحبة إذا أريد بها مطلق الصحبة، لكن هذا الإطلاق جائز في الكفَّار والمنافقين أيضاً، بمعنى أنَّ المنافقين يدخلون في الصحبة من حيث اللغة كما أنَّ الكفَّار يدخلون كذلك، فاللغة تحتمل ذلك، ولذلك نحن ذكرنا أنَّ الصُّحبةَ الشرعيَّة فقط هي التي تقول: إنَّه لا يجوز أن تطلق على المسلمين بعد فتح مكة حتى ولو رأوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وصَحبوه؛ لأنَّهم وإن كانوا صحابة لغة، وقد يكون بعضُهم صحابةً من حيث العُرف، لكنَّهم ليسوا صحابةً من الناحية الشرعية)).
ويُجاب عن ذلك بما يلي: أوَّلاً: أنَّ اعتبارَ الصُّحبة اليسيرة للنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بل ومجرَّد الرؤية للنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كافٍ لعَدِّ مَن حصل له ذلك صحابيًّا، وسبق ذِكرُ الأدلَّة الدَّالة على اعتبار مَن لقيه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صحابيًّا في أوَّل هذا الردِّ، منها الدليل السادس والثامن والرابع عشر التي فيها النص على اعتبار مَن رآه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صحابيًّا.
ثانياً: ما ذكره مِن أنَّ الصُّحبةَ الشرعيَّة لا يجوز أن تُطلَق على المسلمين بعد فتح مكة حتى ولو رأوا النَّبِيَّ وصحبوه... إلخ، أقول: لَم يقتصِر على نفي الصُّحبة الشرعية المحمود أهلها على مَن أسلم بعد فتح مكة، بل تعدَّى ذلك إلى نفي الصُّحبة الشرعية عن الذين أسلموا بعد الحديبية وهاجروا إليه
وصحِبوه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كما ذكر ذلك في تعريف الصحابيِّ الذي ذكره في أوَّل رسالته، وذكر ذلك أيضاً في آخرها، وأثنائها، وسبقت الإجابةُ عن ذلك فيما مضى مراراً.
ثالثاً: ما ذكره من أنَّ مَن أُضيفت إليه الصُحبة وليست صحبتُه شرعية، أنَّ صحبتَه شبيهةٌ بصُحبة الكفار المنافقين، أقول: سبق أن بيَّنتُ في أوَّل هذا الرَّدِّ أنَّ صُحبةَ هؤلاء للنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانت مع الإيمان به وتصديقه واتِّباعه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهذا خلاف صحبة المنافقين والكفار، وبناءً على هذا أقول: أَيَجوز في عقل ودين أن تكون تلك الألوف الكثيرةُ مِمَّن أسلم وصحِب النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد الحديبية إلى حين وفاته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تكون صُحبتُهم كصحبةِ الكفار والمنافقين، وفيهم العباس عم النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وابنه عبد الله وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص ومعاوية، بل والمغيرة بن شعبة ـ وهو من أهل بيعة الرضوان ـ رضي الله عنهم جميعاً؟! وسبق للمالكيِّ أن نفى صُحبتَهم للرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ونقلتُ كلامَه في ذلك ورددتُ عليه فيما مضى.
رابعاً: قوله في أول كلامه: ((كما أنَّه من حقِّنا أن نبيِّن رأينا في هذه الاعتراضات، سواء كانت بحقِّ أم بغيره))، أقول: إذا كانت الاعتراضات بحقٍّ، فإنَّ الإجابةَ عليها بغير الرجوع والتسليم من المجادلة بالباطل.
* * *