أهل الأثرالأرشيف العلمي

استدلالُه بآية ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ والرد عليه:

قال في (ص:25 ـ 27) : ((الدليلُ الأوَّلُ: مع أنَّ غزوةَ تبوك في السنة التاسعة بعد العودة من حصار الطائف، وكان عددُ جيش المسلمين فيها ثلاثين ألفاً، يعتبر المهاجرون والأنصار فيهم قلَّة، ومع ذلك لَم يأت الثناءُ إلاَّ عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾.

والسؤال: لماذا لَم يخبرنا الله عزَّ وجلَّ أنَّه قد تاب على كلِّ جيش النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم تبوك؟! لماذا لَم يقل الله عزَّ وجلَّ: (لقد تاب الله على النبي والذين آمنوا الذين اتّبعوه في ساعة العسرة... )؟! أو (... على النَّبِيِّ والمؤمنين... )؟! الجوابُ واضحٌ بأنَّ تخصيصَ الله عزَّ وجلَّ المهاجرين والأنصار بالتوبة دليلٌ على أنَّ مَن سواهم ليسوا في منزلتهم، ولا يجوز الجزمُ بالتوبة عليهم.
وإنَّما نسكتُ عنهم كما سكت الله عنهم، وكأنَّ الله ـ والله أعلم ـ أراد بقَصْره الثناءَ على المهاجرين والأنصار أن يُشعر مَن سواهم بأنَّ المهاجرين والأنصار لَم يستحقوا التوبة عليهم من الله إلاَّ بأعمال جليلةٍ قدَّموها في الماضي، وأنَّ على مَن سواهم أن يُكثروا من التَّأسِّي بهم حتى يتوب الله عليهم كما تاب على المهاجرين والأنصار، والغريبُ أنَّ بعضَ الذين يَخلطون الأمورَ يستدلُّون بالآية السابقة على أنَّ الله تاب على جميع الصحابة، مع أنَّ الله عزَّ وجلَّ كان يستطيع أن يقول ذلك ويُعمِّم التوبةَ على كلِّ المؤمنين يومئذ، ولكنَّه لَم يقتصر على المهاجرين والأنصار إلاَّ لحكمة!!)).
وعلَّق في الحاشية على قوله: ((والغريبُ أنَّ بعضَ الذين يخلطون الأمورَ يستدلُّون بالآية السابقة على أنَّ الله تاب على جميع الصحابة)) بقوله: ((ويقصدون بالصحابة كلَّ مَن رأى النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو لَقِيَه من المسلمين، ثمَّ يقولون هذا وقلوبهم على الطُّلَقاء!!)).
والجوابُ عن ذلك من وجوه: الأوّل: أن يقال: إنَّ الآيةَ مشتملةٌ على توبة الله على المهاجرين والأنصار الذين معه في غزوة تبوك، لكن ليس في ذلك دليلٌ على ما زعمه

من قصر الصُّحبة على المهاجرين والأنصار قبل الحُديبية وهو الذي من أجله أورد الآية، وسبق أن أوردتُ الأدلَّةَ الدالَّة على شمول الصحبة لكلِّ مَن صحبه أو رآه بعد الحُديبية إلى حين وفاته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. الثاني: أنَّ الآيةَ دالَّةٌ على توبة الله عزَّ وجلَّ على مَن أسلم وهاجر إلى المدينة بعد الحُديبية وقبل فتح مكة، ومنهم أبو موسى الأشعري وأبو هريرة وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهم، وقد أخرجهم المالكي، وسبق أن ذكرت الأدلَّةَ الدالَّة على استمرار الهجرة المحمود أهلها إلى فتح مكة.
الثالث: أنَّ الآيةَ وإن لَم تنصَّ على التوبة على غير المهاجرين والأنصار، فليس فيها دليلٌ على حرمان الذين أسلموا بعد الفتح وخرجوا مع النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى تبوك من فضل الله ورحمته، بل قد ثبت في السُّنَّة الصحيحة حصول الأجر لِمَن لَم يخرج إلى تبوك بسبب العذر، تبعاً للخارجين إليها، فقد روى البخاري في صحيحه (4423) عن أنس رضي الله عنه: ((أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجع من غزوة تبوك فَدَنَا من المدينة فقال: إنَّ بالمدينة أقواماً ما سِرْتُم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلاَّ كانوا معكم، قالوا: يا رسول الله! وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة، حَبَسَهم العُذر)).
وروى مسلم في صحيحه (1911) بإسناده عن جابر رضي الله عنه قال: ((كنَّا مع النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في غزاة، فقال: إنَّ بالمدينة لرجالاً ما سِرتُم مسيراً ولا قطعتُم وادياً إلاَّ كانوا معكم، حبسهم المرض)).
وبإسنادٍ آخر إليه، وفيه زيادة: ((إلاَّ شَرَكوكم في الأجر))، فلماذا تحجر الواسع؟! ولماذا البخل على أهل الفضلِ بما تفضَّل الله به عليهم مِمَّن كانوا معه في غزوة تبوك من الطُّلَقاء وغيرهم، وقد فاتتهم الهجرة، لكن لَم يَفُتهم الجهادُ والنيَّة والنَّفيرُ عند الاستنفار؟! فقد قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((لا هجرة بعد

الفتح، ولكن جهادٌ ونيَّة، وإذا استُنفرتم فانفروا)) أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، واللفظ للبخاري (2825). ثمَّ إنَّ الأنصارَ الذين أثنى الله عليهم في كتابه العزيز إنَّما حصَّلوا اسمَ النُّصرة ووصْفَها لكونِهم نصروا الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد حصَّل المهاجرون وصْفَ النُّصرةِ مع الهجرة، ومَن لَم يكن من المهاجرين والأنصار وقد نصر النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وجاهد معه في سبيل الله له نصيبٌ من هذا الوصف في الجملة، وله الثواب الجزيل من الله على ما حصل منه من النُّصرة، وقد نوَّه الله بفضل وثواب مَن آمن وجاهد مع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في غزواته ـ ومنها تبوك ـ بقوله: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ أَعَدَّ الله لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾، وأخبر أنَّه كافيه وكافي مَن اتَّبعه من المؤمنين في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾.
* * *

فصول الكتاب · 33 فصل · 145 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الانتصار للصحابة الأخيار في رد أباطيل حسن المالكي · 145 صفحة
مقدمة الكتابمقدمةمقدمةزعمه قَصْر الهجرة على المهاجرين قبل الحُديبية، وقَصْر الصُّحبة على المهاجرين والأنصار قبل الحُديبية، والرد عليه:استدلالُه بآية ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ والرد عليه:استدلالُه بآية: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾، والرد عليه:استدلالُه بآيات سورة الحشر والرد عليه:استدلاله بآية سورة الحديد والرد عليه:استدلاله بآية سورة الأنفال والرد عليه:استدلاله بآية سورة الفتح والرد عليه:استدلالُه بحديث: ((المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض)) والرد عليه:استدلالُه بحديث: ((الناسُ حيِّز وأنا وأصحابي حيِّز)) والرد عليه:تشكيكه في أفضلية أبي بكر رضي الله عنه على غيرِه والرد عليه:تشكيكه في أَحقِّية أبي بكر بالخلافة بعد وفاة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والرد عليه:زعمه أنَّ العبَّاس بن عبد المطلب وابنه عبد الله رضي الله عنهما ليسَا من الصحابة والرد عليه:زعمه أنَّ خالد بن الوليد رضي الله عنه ليسَ من الصحابة والرد عليه:زعمه أنَّ معاويةَ رضي الله عنه ليسَ من الصحابة والرد عليه:زعمه أنَّ عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهما ليسَا من الصحابة والرد عليه:زعمه أنَّ صُحبةَ الكثيرين من أصحاب النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لغوية لا شرعية والرد عليه:فهمه الخاطئ للصُّحبة الشرعيَّة والرد عليه:زعمه أنَّ الإجماعَ لا بدَّ فيه من اتِّفاق أمَّة الإجابة بفِرَقِها المختلفة والرد عليه:إنكاره القول بعدالة الصحابة والرد عليه:آثارٌ في توقير الصحابة وبيان خطرِ النَّيل من أحدٍ منهم:الإمام أحمد بن حنبل (241هـ) رحمه الله:الإمام أبوجعفر الطحاوي (322هـ) رحمه الله:الإمام ابن الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (327هـ) رحمه الله:الإمام ابن ابن أبي زيد القيرواني (386هـ) رحمه الله:الإمام أبوعثمان الصابوني (449هـ) رحمه الله:الإمام أبو المظفَّر السمعاني (489هـ) رحمه الله:الحافظ ابن كثير (774هـ) رحمه الله:الحافظ ابن حجر العسقلاني (852هـ) رحمه الله:الشيخ يحيى بن أبي بكر العامري (893هـ) رحمه الله:آياتٌ وأحاديث في حفظ اللسان من الكلام إلاَّ في خير:
جارٍ التحميل