أهل الأثرالأرشيف العلمي

صفحات 97-136

فصل ومما ذكر فيه العقوبة على عدم الإيمان قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: 110]، وهذا من تمام قوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ الآية [الأنعام: 109،110]، فذكر أن هذا التقليب إنما حصل لقلوبهم لما لم يؤمنوا به أول مرة، وهذا عدم الإيمان.
لكن يقال: إنما كان هذا بعد دعوة الرسول لهم، وهم قد تركوا الإيمان، وكذبوا الرسول، وهذه أمور وجودية، لكن الموجب للعذاب هو عدم الإيمان، وما ذكر شرط في التعذيب، بمنزلة إرسال الرسول؛ فإنه قد يشتغل عن الإيمان بما جنسه مباح من أكل وشرب، وبيع وسفر، وغير ذلك وهذا الجنس لا يستحق عليه العقوبة إلا لأنه شغله عن الإيمان الواجب عليه.
ومن الناس من يقول: ضد الإيمان هو تركه، وهو أمر وجودي، لا ضد له إلا ذلك.
فصل الفرق السابع: من الحسنات والسيئات التي تتناول الأعمال والجزاء في كون هذه تضاف إلى النفس، وتلك تضاف إلى الله: أن السيئات التي تصيب الإنسان وهي مصائب الدنيا والآخرة ليس لها سبب إلا ذنبه الذي هو من نفسه، فانحصرت في نفسه.

وأما ما يصيبه من الخير والنعم فإنه لا تنحصر أسبابه؛ لأن ذلك من فضل الله وإحسانه، يحصل بعمله وبغير عمله، وعمله نفسه من إنعام الله عليه.
وهو سبحانه لا يجزي بقدر العمل، بل يضاعفه له، ولا يقدر العبد على ضبط أسبابها، لكن يعلم أنها من فضل الله وإنعامه، فيرجع فيها إلى الله، فلا يرجو إلا الله، ولا يتوكل إلا عليه، ويعلم أن النعم كلها من الله، وأن كل ما خلقه فهو نعمة كما تقدم فهو يستحق الشكر المطلق العام التام، الذي لا يستحقه غيره.
ومن الشكر: ما يكون جزاء على ما يسره على يديه من الخير، كشكر الوالدين وشكر من أحسن إليك من غيرهما؛ فإنه من لا يشكر الناس لا يشكر الله، لكن لا يبلغ من حق أحد وإنعامه أن يشكر بمعصية الله، أو أن يطاع بمعصية الله؛ فإن الله هو المنعم بالنعم العظيمة، التي لا يقدر عليها مخلوق.
ونعمة المخلوق إنما هي منه أيضاً، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [النحل: 53]، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: 13]، وجزاؤه سبحانه على الطاعة والمعصية والكفر لا يقدر أحد على مثله.
فلهذا لم يجز أن يطاع مخلوق في معصية الخالق، كما قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت: 8]، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: 15].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " على المرء المسلم

السمع والطاعة في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ". وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنما الطاعة في المعروف "، وقال: " من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه "، وقال: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ". وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أنه إذا عرف أن النعم كلها من الله، وأنه لا يقدر أن يأتي بها إلا الله، فلا يأتى بالحسنات إلا هو، ولا يذهب السيئات إلا هو، وأنه ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: 2] صار توكله ورجاؤه ودعاؤه للخالق وحده.
وكذلك إذا علم ما يستحقه الله من الشكر الذي لا يستحقه غيره صار علمه بأن الحسنات من الله يوجب له الصدق في شكر الله، والتوكل عليه.
ولو قيل: إنها من نفسه لكان غلطاً؛ لأن منها ما ليس لعمله فيه مدخل، وما كان لعمله فيه مدخل فإن الله هو المنعم به، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا مَلْجَأ ولا مَنْجَى منه إلا إليه.
وعلم أن الشر قد انحصر سببه في النفس، فضبط ذلك وعلم من أين يؤتى، فاستغفر ربه مما فعل وتاب، واستعان الله واستعاذ به مما لم يعمل بعد، كما قال من قال من السلف: لا يَرْجُوَنّ عَبْدٌ إلا ربه، ولا يَخافنَّ عبد إلا ذَنبه.
وهذا يخالف قول الجهمية ومن اتبعهم، الذين يقولون: إن الله يعذب بلا ذنب، ويعذب أطفال الكفار وغيرهم عذابا دائماً أبداً بلا ذنب.
فإن هؤلاء يقولون: يخاف الله خوفاً مطلقاً، سواء كان له ذنب أو لم يكن له

ذنب، ويشبهون خوفه بالخوف من الأسد، ومن الملك القاهر الذي لا ينضبط فعله ولا سطوته، بل قد يقهر ويعذب من لا ذنب له من رعيته.
فإذا صَدَّقَ العبد بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: 79]، علم بطلان هذا القول، وأن الله لا يعذبه ويعاقبه إلا بذنوبه، حتى المصائب التي تصيب العبد كلها بذنوبه.
وقد تقدم قول السلف ابن عباس وغيره أن ما أصابهم يوم أُحُد من الغم والفشل إنما كان بذنوبهم، لم يستثن من ذلك أحد.
وهذا من فوائد تخصيص الخطاب؛ لئلا يظن أنه عام مخصوص.
وفى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما يصيب المؤمن من وَصَب ولا نَصَب، ولا هَمٍّ ولا حزن ولا غَمٍّ، حتى الشوكة يشاكها، إلا كَفَّر الله بها من خطاياه ". فصل الفرق الثامن: أن السيئة إذا كانت من النفس، والسيئة خبيثة مذمومة، وصفها بالخبث في مثل قوله: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: 26].
قال جمهور السلف: الكلمات الخبيثة للخبيثين.
ومن كلام بعضهم: الأقوال والأفعال الخبيثة للخبيثين.
وقد قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: 24]، ﴿وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: 26]، وقال الله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10]، والأقوال والأفعال صفات القائل الفاعل.

فإذا كانت النفس متصفة بالسوء والخبث لم يكن محلها ينفعه إلا ما يناسبها.
فمن أراد أن يجعل الحيات والعقارب يعاشرون الناس كالسنانير لم يصلح.
ومن أراد أن يجعل الذي يكذب شاهداً على الناس، لم يصلح.
وكذلك من أراد أن يجعل الجاهل معلماً للناس، مفتياً لهم، أو يجعل العاجز الجبان مقاتلا عن الناس، أو يجعل الأحمق الذي لا يعرف شيئاً سائساً للناس، أو للدواب، فمثل هذا يوجب الفساد في العالم، وقد يكون غير ممكن، مثل من أراد أن يجعل الحجارة تَسْبَح على وجه الماء كالسفن، أو تصعد إلى السماء كالريح، ونحو ذلك.
فالنفوس الخبيثة لا تصلح أن تكون في الجنة الطيبة التي ليس فيها من الخبث شيء، فإن ذلك موجب للفساد، أو غير ممكن.
بل إذا كان في النفس خبث طهرت وهذبت، حتى تصلح لسكنى الجنة.
كما في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن المؤمنين إذا نجوا من النار أي عبروا الصراط وقفوا على قَنْطَرة بين الجنة والنار، فيُقْتَصّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، فإذا هُذِّبوا ونُقُّوا أذن لهم في دخول الجنة ". وهذا مما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فو الذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا ". والتهذيب: التخليص، كما يهذب الذهب، فيخلص من الغش.

فتبين أن الجنة إنما يدخلها المؤمنون بعد التهذيب والتنقية من بقايا الذنوب، فكيف بمن لم يكن له حسنات يعبر بها الصراط؟ وأيضاً فإذا كان سببها ثابتاً فالجزاء كذلك، بخلاف الحسنة، فإنها من إنعام الحي القيوم الباقي، الأول الآخر، فسببها دائم، فيدوم بدوامه.
وإذا علم الإنسان أن السيئة من نفسه، لم يطمع في السعادة التامة، مع ما فيه من الشر، بل علم تحقيق قوله تعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123]، وقوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة: 7، 8]. وعلم أن الرب عليم حليم، رحيم عدل، وأن أفعاله جارية على قانون العدل والإحسان، وكل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يمين الله ملأى، لا يَغِيضُها نفقة، سَحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يَغِضْ ما في يمينه، والقِسْط بيده الأخرى يخفض ويرفع ". وعلم فساد قول الجهمية، الذين يجعلون الثواب والعقاب بلا حكمة ولا عدل، ولا وضع للأشياء مواضعها، فيصفون الرب بما يوجب الظلم والسفه، وهو سبحانه قد شهد ﴿أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18].
ولهذا يقولون: لا ندري ما يفعل بمن فعل السيئات، بل يجوز عندهم أن يعفو عن الجميع، ويجوز عندهم أن يعذب الجميع، ويجوز أن يعذب ويغفر بلا موازنة، بل يعفو عن شر الناس، ويعذب خير الناس على سيئة صغيرة، ولا يغفرها له.

وهم يقولون: السيئة لا تمحى، لا بتوبة ولا حسنات ماحية ولا غير ذلك، وقد لا يفرقون بين الصغائر والكبائر.
قالوا: لأن هذا كله إنما يعلم بالسمع والخبر، خبر الله ورسوله.
قالوا: وليس في الكتاب والسنة ما يبين ما يفعل الله بمن كسب السيئات، إلا الكفر، وتأولوا قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: 31]، بأن المراد بالكبائر: قد يكون هو الكفر وحده، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 116]. وقد ذكر هذه الأمور القاضي أبو بكر بن الباقلاني وغيره، ممن يقول بمثل هذه الأقوال ممن سلك مسلك جَهْم بن صَفْوان في القَدَر وفى الوعيد، وهؤلاء قصدوا مناقضة المعتزلة في القدر والوعيد.
فأولئك لما قالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد، وأنه يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، وسلكوا مسلك نفاة القدر في هذا، وقالوا في الوعيد بنحو قول الخوارج، قالوا: إن من دخل النار لا يخرج منها، لا بشفاعة ولا غيرها، بل يكون عذابه مؤبداً، فصاحب الكبيرة، أو من رجحت سيئاته عندهم لا يرحمه الله أبدا، بل يخلده في النار.
فخالفوا السنة المتواترة وإجماع الصحابة فيما قالوه في القدر، وناقضهم جهم في هذا وهذا.
وسلك هؤلاء مسلك جهم، مع انتسابهم إلى أهل السنة والحديث واتباع السلف، وكذلك سلكوا في الإيمان والوعيد مسلك المرجئة الغلاة كجهم وأتباعه.
وجهم اشتهر عنه نوعان من البدعة: نوع في الأسماء والصفات،

فغلا في نفي الأسماء والصفات، ووافقه على ذلك ملاحدة الباطنية والفلاسفة ونحوهم، ووافقه المعتزلة في نفي الصفات دون الأسماء.
والكلابِيَّة - ومن وافقهم من السالمية، ومن سلك مسلكهم من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية - وافقوه على نفي الصفات الاختيارية دون نفي أصل الصفات.
والكَرَّامِيَّة ونحوهم: وافقوه على أصل ذلك، وهو امتناع دوام ما لا يتناهى، وأنه يمتنع أن يكون الله لم يزل متكلما إذا شاء، وفعالاً لما يشاء إذا شاء؛ لامتناع حوادث لا أول لها، وهو عن هذا الأصل الذي هو نفى وجود ما لا يتناهى في المستقبل قال بفناء الجنة والنار.
وقد وافقه أبو الهذيل [هو أبو الهذبل محمد بن الهذبل ين عبد الله ين مكحول العبدي، مولى عبد القيس، شيخ المعتزلة، إشتهر بعلم الكلام وكان خبيث القول فارق إجماع المسلمين، له كتب كثبرة منها كتاب سماه [ميلاس] على إسم مجوسى أسلم على يده، ولد في البصرة سنة 135هـ، وتوفى بسامرا سنة 235هـ] إمام المعتزلة على هذا، لكن قال بتناهى الحركات.
فالمعتزلة في الصفات مخانيث الجهمية.
وأما الكلابية: فيثبتون الصفات في الجملة، وكذلك الأشعريون، ولكنهم كما قال الشيخ أبو إسماعيل الأنصارى: الجهمية الإناث، وهم مخانيث المعتزلة.
ومن الناس من يقول: المعتزلة مخانيث الفلاسفة.
وقد ذكر الأشعري وغيره هذا؛ لأن قائله لم يعلم أن جهماً سبق هؤلاء إلى هذا الأصل، أو لأنها مخانيثهم من بعض الوجوه، وإلا فإن مخالفتهم للفلاسفة كبيرة جداً.
والشهرستانى يذكر عن شيوخهم: أنهم أخذوا ما أخذوا عن الفلاسفة؛ لأن الشهرستانى إنما يرى مناظرة أصحابه الأشعرية في الصفات ونحوها مع المعتزلة، بخلاف أئمة السنة والحديث؛ فإن مناظرتهم إنما كانت مع الجهمية، وهم المشهورون عند السلف والأمة بنفى الصفات.

وأهل النفي للصفات والتعطيل لها، هم عند السلف يقال لهم: الجهمية، وبهذا تميزوا عند السلف عن سائر الطوائف.
وأما المعتزلة: فامتازوا بقولهم بالمنزلة بين المنزلتين، لما أحدث ذلك عمرو بن عبيد وكان هو وأصحابه يجلسون معتزلين للجماعة، فيقول قتادة وغيره: أولئك المعتزلة، وكان ذلك بعد موت الحسن البصري في أوائل المائة الثانية، وبعدهم حدثت الجهمية.
وكان القدر قد حَدَّث أهله قبل ذلك في خلافة عبد الله بن الزبير، بعد موت معاوية؛ ولهذا تكلم فيهم ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم وغيرهما.
وابن عباس مات قبل ابن الزبير، وابن عمر مات عقب موته، وعقب ذلك تولى الحجاج العراق سنة بضع وسبعين.
فبقي الناس يخوضون في القَدَر بالحجاز والشام والعراق، وأكثره كان بالشام والعراق بالبصرة، وأقله كان بالحجاز.
ثم لما حدَّثت المعتزلة - بعد موت الحسن، وتُكلم في المنزلة بين المنزلتين، وقالوا بإنفاذ الوعيد، وخلود أهل التوحيد في النار، وأن النار لا يخرج منها من دخلها، وهذا تغليظ على أهل الذنوب - ضموا إلى ذلك القدر؛ فإن به يتم التغليظ على أهل الذنوب، ولم يكن الناس إذ ذاك قد أحدثوا شيئاً من نفي الصفات.
إلى أن ظهر الجَعْد بن درهم، وهو أولهم، فضحى به خالد

بن عبد الله القسري، وقال: أيها الناس ضَحُّوا، تقبل الله ضحاياكم، فإني مُضَحٍّ بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً.
ثم نزل فذبحه.
وهذا كان بالعراق.
ثم ظهر جهم بن صفوان من ناحية المشرق من تِرمِذ، ومنها ظهر رأي جهم.
ولهذا كان علماء السنة والحديث بالمشرق، أكثر كلاماً في رد مذهب جهم من أهل الحجاز والشام والعراق، مثل إبراهيم بن طَهْمَان [هو أبو سعيد إبراهيم بن طهمان بن شعيب الهروى الخراسانى، حافظ، ولد في هراة وأقام في نيسابور وبغداد، وتوفى سنة 861هـ] وخارجة بن مصعب، ومثل عبد الله ابن المبارك، وأمثالهم وقد تكلم في ذمهم وابن الماجشون وغيرهما وكذلك الأوزاعي وحماد بن زيد وغيرهم.
وإنما اشتهرت مقالتهم من حين محنة الإمام أحمد بن حنبل وغيره من علماء السنة، فإنهم في إمارة المأمون قووا وكثروا؛ فإنه كان قد أقام بخراسان مدة، واجتمع بهم، ثم كتب بالمحنة من طرسوس سنة ثماني عشرة ومائتين، وفيها مات.
وردوا أحمد بن حنبل إلى الحبس ببغداد إلى سنة عشرين، وفيها كانت محنته مع المعتصم ومناظرته لهم في الكلام، فلما رد عليهم ما احتجوا به عليه، وبين أن لا حجة لهم في شيء من ذلك، وأن طلبهم من الناس أن يوافقوهم، وامتحانهم إياهم جهل وظلم، وأراد المعتصم إطلاقه، فأشار عليه من أشار بأن المصلحة ضربه، حتى لا تنكسر حرمة الخلافة مرة بعد مرة، فلما ضربوه قامت الشناعة عليهم في العامة، وخافوا الفتنة، فأطلقوه.
وكان أحمد بن أبي دؤاد قد جمع له نفاة الصفات القائلين بخلق

القرآن من جميع الطوائف؛ فجمع له مثل أبى عيسى محمد بن عيسى برغوث، ومن أكابر النجارية أصحاب حسين النجار.
وأئمة السنة - كابن المبارك، وأحمد بن إسحاق، والبخاري وغيرهم - يسمون جميع هؤلاء: جهمية.
وصار كثير من المتأخرين من أصحاب أحمد وغيرهم يظنون أن خصومه كانوا المعتزلة.
ويظنون أن بشر بن غياث المريسي وإن كان قد مات قبل محنة أحمد، وابن أبى دؤاد ونحوهما كانوا معتزلة وليس كذلك.
بل المعتزلة كانوا نوعاً من جملة من يقول: القرآن مخلوق، وكانت الجهمية أتباع جهم، والنجارية أتباع حسين النجار، والضرارية أتباع ضرار بن عمرو، والمعتزلة هؤلاء، يقولون: القرآن مخلوق، وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا أن جهماً اشتهر عنه نوعان من البدعة: أحدهما: نفي الصفات.
والثاني: الغلو في القدر والإرجاء.
فجعل الإيمان مجرد معرفة القلب، وجعل العباد لا فعل لهم ولا قدرة.
وهذان مما غلت المعتزلة في خلافه فيهما.
وأما الأشعري، فوافقه على أصل قوله، ولكن قد ينازعه منازعات لفظية.
وجهم لم يثبت شيئاً من الصفات لا الإرادة ولا غيرها فهو إذا قال: إن الله يحب الطاعات، ويبغض المعاصي، فمعنى ذلك عنده: الثواب والعقاب.
وأما الأشعري، فهو يثبت الصفات كالإرادة فاحتاج حينئذ أن يتكلم

في الإرادة: هل هي المحبة أم لا؟ وأن المعاصي: هل يحبها الله أم لا؟ فقال: إن المعاصي يحبها الله ويرضاها، كما يريدها.
وذكر أبو المعالي الجويني: أنه أول من قال ذلك، وأن أهل السنة قبله كانوا يقولون: إن الله لا يحب المعاصي.
وذكر الأشعري في الموجز: أنه قد قال ذلك قبله طائفة سماهم، أشك في بعضهم.
وشاع هذا القول في كثير من الصوفية ومشايخ المعرفة والحقيقة، فصاروا يوافقون جهماً في مسائل الأفعال والقدر، وإن كانوا مكفرين له في مسائل الصفات، كأبي إسماعيل الأنصاري الهروي، صاحب كتاب " ذم الكلام "، فإنه من المبالغين في ذم الجهمية لنفيهم الصفات.
وله كتاب " تكفير الجهمية " ويبالغ في ذم الأشعرية، مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة والحديث، وربما كان يلعنهم.
وقد قال له بعض الناس بحضرة نظام الملك: أتلعن الأشعرية؟ فقال: ألعن من يقول: ليس في السموات إله، ولا في المصحف قرآن، ولا في القبر نبي، وقام من عنده مغضباً.
ومع هذا، فهو في مسألة إرادة الكائنات، وخلق الأفعال، أبلغ من الأشعرية.
لا يثبت سبباً ولا حكمة، بل يقول: إن مشاهدة العارف الحكم لا تبقى له استحسان حسنة، ولا استقباح سيئة.
والحكم عنده هي المشيئة؛ لأن العارف المحقق عنده هو من يصل إلى مقام الفناء، فيفنى عن جميع مراداته بمراد الحق، وجميع الكائنات مرادة له، وهذا هو الحكم عنده.
والحسنة والسيئة يفترقان في حظ العبد؛

لكونه ينعم بهذه، ويعذب بهذه.
والالتفات إلى هذا هو من حظوظ النفس، ومقام الفناء ليس فيه إلا مشاهدة مراد الحق.
وهذه المسألة وقعت في زمن الجنيد، كما ذكر ذلك في غير موضع.
وبين لهم الجنيد الفرق الثاني، وهو أنهم مع مشاهدة المشيئة العامة لابد لهم من مشاهدة الفرق بين ما يأمر الله به وما ينهى عنه وهو الفرق بين ما يحبه وما يبغضه.
وبين لهم الجنيد، كما قال في التوحيد: هو إفراد الحدوث عن القدم.
فمن سلك مسلك الجنيد، من أهل التصوف والمعرفة، كان قد اهتدى ونجا وسعد.
ومن لم يسلك في القدر مسلكه، بل سوى بين الجميع، لزمه ألا يفرق بين الحسنات والسيئات، وبين الأنبياء والفساق، فلا يقول: إن الله يحب هؤلاء وهذه الأعمال.
ولا يبغض هؤلاء وهذه الأعمال، بل جميع الحوادث هو يحبها كما يريدها، كما قاله الأشعري.
وإنما الفرق: أن هؤلاء ينعمون، وهؤلاء يعذبون.
والأشعري لما أثبت الفرق بين هذا وهذا بالنسبة إلى المخلوق كان أعقل منهم.
فإن هؤلاء يدعون أن العارف الواصل إلى مقام الفناء لا يفرق بين هذا وهذا.
وهم غلطوا في حق العبد وحق الرب.
أما في حق العبد، فيلزمهم أن تستوى عنده جميع الحوادث، وهذا محال قطعاً.
وهم قد تمر عليهم أحوال يفنون فيها عن أكثر الأشياء،

أما الفناء عن جميعها فممتنع؛ فإنه لابد أن يفرق كل حي بين ما يؤلمه وبين ما يلذه، فيفرق بين الخبز والتراب، والماء والشراب.
فهؤلاء عزلوا الفرق الشرعي الإيمانى الرحمانى، الذي به فرق الله بين أوليائه وأعدائه، وظنوا أنهم مع الجمع القدري.
وعلى هذا، فإن تسوية العبد بين جميع الحوادث ممتنع لذاته، بل لابد للعبد من أن يفرق؛ فإن لم يفرق بالفرق الشرعي فيفرق بين محبوب الحق ومكروهه وبين ما يرضاه وما يسخطه وإلا فرق بالفرق الطبعي بهواه وشيطانه، فيحب ما تهواه نفسه، وما يأمر به الشيطان.
ومن هنا وقع منهم خلق كثير في المعاصي، وآخرون في الفسوق، وآخرون في الكفر، حتى جَوَّزوا عبادة الأصنام.
ثم كثير منهم من ينتقل إلى وحدة الوجود، وهم الذين خالفوا الجنيد وأئمة الدين في التوحيد، فلم يفرقوا بين القديم والمحدث.
وهؤلاء صرحوا بعبادة كل موجود كما قد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع وهو قول أهل الوحدة، كابن عربي الحاتمي، وابن سبعين، والقونوي، والتلمسانى، والبليانى، وابن الفارض، وأمثالهم.
والمقصود هنا: الكلام على من نفى الحكم والعدل والأسباب في القدر من أهل الكلام والمتصوفة، الذين وافقوا جهماً في هذا الأصل.
وهو بدعته الثانية التي اشتهرت عنه، بخلاف الإرجاء؛ فإنه منسوب إلى طوائف غيره.
فهؤلاء يقولون: إن الرب يجوز أن يفعل كل ما يقدر عليه

ويمكن فعله، من غير مراعاة حكمة، ولا رحمة ولا عدل، ويقولون: إن مشيئته هي محبته.
ولهذا تجد من اتبعهم غير معظم للأمر والنهي، والوعد والوعيد بل هو منحل عن الأمر الشرعي كله، أو عن بعضه، أو متكلف لما يعتقده أو يعلمه؛ فإنهم أرادوا أن الجميع بالنسبة إلى الرب سواء، وأن كل ما شاءه فقد أحبه، وأنه يحدث ما يحدثه بدون أسباب يخلقه بها، ولا حكمة يسوقه إليها، بل غايته أنه يسوق المقادير إلى المواقيت.
لم يبق عندهم فرق في نفس الأمر بين المأمور والمحظور، بل وافقوا جَهْماً، ومن قال بقوله كالأشعري في أنه في نفس الأمر لا حسن ولا سيئ، وإنما الحسن والقبح مجرد كونه مأموراً به ومحظوراً، وذلك فرق يعود إلى حظ العبد، هؤلاء يدعون الفناء عن الحظوظ.
فتارة يقولون في امتثال الأمر والنهي: إنه من مقام التلبيس، أو ما يشبه هذا، كما يوجد في كلام أبي إسماعيل الهروي صاحب منازل السائرين.
وتارة يقولون: يفعل هذا لأهل المارستان أي العامة كما يقوله الشيخ المغربى، إلى أنواع، ليس هذا موضع بسطها.
ومن يسلك مسلكهم غايته إذا عظم الأمر والنهي أن يقول كما نقل عن الشاذلي: يكون الجمع في قلبك مشهوداً، والفرق على لسانك موجوداً.

ولهذا يوجد في كلامه وكلام غيره أقوال وأدعية وأحزاب تستلزم تعطيل الأمر والنهي، مثل أن يدعو أن يعطيه الله إذا عصاه أعظم مما يعطيه إذا أطاعه، ونحو هذا مما يوجب أنه يجوز عنده أن يجعل الذين اجترحوا السيئات كالذين آمنوا وعملوا الصالحات، بل أفضل منهم، ويدعون بأدعية فيها اعتداء، كما يوجد في جواب الشاذلي، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
وآخرون من عوام هؤلاء يجوزون أن يكرم الله بكرامات أكابر الأولياء من يكون فاجراً، بل كافراً، ويقولون: هذه موهبة وعطية، يعطيها الله من يشاء، ما هي متعلقة لا بصلاة، ولا بصيام، ويظنون أن تلك من كرامات الأولياء، وتكون كراماتهم من الأحوال الشيطانية، التي يكون مثلها للسحرة والكهان، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة 101، 102]. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم حَذْو القُذَّةِ بالقذة، حتى لو دخلوا جُحْر ضَبٍّ لدخلتموه ". والمسلمون الذين جاءهم كتاب الله: القرآن عدل كثير منهم ممن أضله

الشيطان من المنتسبين إلى الإسلام إلى أن نبذ كتاب الله وراء ظهره، واتبع ما تتلوه الشياطين، فلا يعظم أمر القرآن ولا نهيه، ولا يوالى من أمر القرآن بموالاته، ولا يعادي من أمر القرآن بمعاداته، بل يعظم من رآه يأتي ببعض خوارقهم، التي يأتي بمثلها السحرة والكهان بإعانة الشياطين، وهي تحصل بما تتلوه الشياطين.
ثم منهم من يعرف أن هذا من الشيطان، ولكن يعظم ذلك لهواه، ويفضله على طريق القرآن ليصل به إلى تقديس العامة، وهؤلاء كفار، كالذين قال الله تعالى فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَن يَلْعَنِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: 51،52]. وهؤلاء ضاهوا الكفار، الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ﴾ الآية [البقرة: 101، 102]. ومنهم من لا يعرف أن هذا من الشياطين.
وقد يقع في مثل هذا طوائف من أهل الكلام، والعلم، وأهل العبادة، والتصوف، حتى جَوَّزوا عبادة الكواكب والأصنام، لما رأوه

فيها من الأحوال العجيبة، التي تعينهم عليها الشياطين، لما يحصل لهم بها من بعض أغراضهم، من الظلم والفواحش، فلا يبالون بشركهم بالله، ولا كفرهم به وبكتابه إذا نالوا ذلك، ولم يبالوا بتعليم ذلك للناس، وتعظيمهم لهم، لرياسة ينالونها، أو مال ينالونه.
وإن كانوا قد علموا أنه الكفر والشرك عملوه، ودعوا إليه، بل حصل عندهم ريب وشك فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو اعتقاد أن الرسول خاطب الجمهور بما لا حقيقة له في الباطن؛ لأجل مصلحة الجمهور، كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة والملاحدة والباطنية.
وقد دخل في رأي هؤلاء طائفة من هؤلاء وهؤلاء، وهذا مما ضاهوا به فارس والروم وغيرهم؛ فإن فارس كانت تعظم الأنوار، وتسجد للشمس وللنار.
والروم كانوا - قبل النصرانية - مشركين يعبدون الكواكب والأصنام، فهؤلاء الذين أشبهوا فارس والروم شر من الذين أشبهوا اليهود والنصارى، فإن أولئك ضاهوا أهل الكتاب فيما بُدِّل أو نُسِخ، وهؤلاء ضاهوا من لا كتاب له من المجوس والمشركين، فارس والروم، ومن دخل في ذلك من الهند واليونان.
ومذهب الملاحدة الباطنية: مأخوذ من قول المجوس بالأصلين، ومن قول فلاسفة اليونان بالعقول والنفوس.
وأصل قول المجوس: يرجع إلى أن تكون الظلمة المضاهية للنور هي إبليس، وقول الفلاسفة بالنفس.
فأصل الشر عبادة النفس والشيطان، وجعلهما شريكين للرب

وأن يعدلا به، ونفس الإنسان تفعل الشر بأمر الشيطان.
وقد علَّم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه أن يقول إذا أصبح وإذا أمسى، وإذا أخذ مضجعه: " اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ". وهذا من تمام تحقيق قوله تعالى: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: 79]، مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42] وقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 85] وقد ظهرت دعوى النفس الإلهية في فرعون ونحوه، ممن ادعى أنه إله مع الله أو من دونه، وظهرت فيمن ادعى إلهية بشر مع اللَّه كالمسيح وغيره.
وأصل الشرك في بنى آدم كان من الشرك بالبشر الصالحين المعظمين؛ فإنهم لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم عبدوهم.
فهذا أول شرك كان في بني آدم، وكان في قوم نوح، فإنه أول رسول بعث إلى أهل الأرض يدعوهم إلى التوحيد، وينهاهم عن الشرك، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً﴾ [نوح: 23،24] وهذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم

نوح، فلما ماتوا جعلوا الأصنام على صورهم، ثم ذهبت هذه الأصنام لما أغرق الله أهل الأرض، ثم صارت إلى العرب، كما ذكر ذلك ابن عباس وغيره، إن لم تكن أعيانها، وإلا فهي نظائرها.
وأما الشرك بالشيطان فهذا كثير.
فمتى لم يؤمن الخلق بأنه " لا إله إلا الله " بمعنى: أنه المعبود المستحق للعبادة دون ما سواه، وأنه يحب أن يعبد، وأنه أمر أن يعبد وأنه لا يعبد إلا بما أحبه مما شرع، من واجب ومستحب - فلابد أن يقعوا في الشرك وغيره.
فالذين جعلوا الأقوال والأفعال كلها بالنسبة إلى الله سواء، لا يحب شيئاً دون شيء، فلا فرق عنده بين من يعبده وحده لا يشرك به شيئاً، وبين من يعبد معه آلهة أخرى، وجعلوا الأمر معلقاً بمشيئة، ليس معها حكمة ولا رحمة ولا عدل، ولا فرق فيها بين الحسنات والسيئات، طمعت النفس في نيل ما تريده بدون طاعة الله ورسوله.
ثم إذا جوزوا الكرامات لكل من زعم الصلاح، ولم يقيدوا الصلاح بالعلم الصحيح والإيمان الصادق والتقوى، بل جعلوا علامة الصلاح هذه الخوارق، وجوزوا الخوارق مطلقاً، وحكوا في ذلك مكاشفات، وقالوا أقوالا منكرة.
فقال بعضهم: إن الولي يُعْطَى قول: " كن "، وقال بعضهم: إنه لا يمتنع على الولي فعل ممكن، كما لا يمتنع على الله تعالى فعل محال.
وهذا قاله ابن عربي والذين اتبعوه، قالوا: إن الممتنع لذاته مقدور عليه، ليس عندهم ما يقال: إنه غير مقدور عليه للولي، حتى ولا الجمع بين الضدين،

ولا غير ذلك.
وزاد ابن عربي: إن الولي لا يعزب عن قدرته شيء من الممكنات، والذي لا يعزب عن قدرته شيء من الممكنات هو الله وحده.
فهذا تصريح منهم بأن الولي مثل الله، إن لم يكن هو الله.
وصرح بعضهم بأنه يعلم كل ما يعلمه الله، ويقدر على كل ما يقدر الله عليه.
وادعوا أن هذا كان للنبي، ثم انتقل إلى الحسن بن علي، ثم من الحسن إلى ذريته واحداً بعد واحد، حتى انتهى ذلك إلى أبي الحسن الشاذلي، ثم إلى ابنه.
خاطبني بذلك من هو من أكابر أصحابهم.
وحدثني الثقة من أعيانهم، أنهم يقولون: إن محمداً هو الله.
وحدثني بعض الشيوخ، الذين لهم سلوك وخبرة: أنه كان هو وابن هود في مكة، فدخلا الكعبة، فقال له ابن هود وأشار إلى وسط الكعبة: هذا مهبط النور الأول، وقال له: لو قال لك صاحب هذا البيت: أريد أن أجعلك إلهاً ماذا كنت تقول له؟ قال: فَقَفّ شَعرِي [أي: قمت فَزَعًا.
انظر: القاموس، مادة: قفف] من هذا الكلام وانخنست [أي: انقبضت.
انظر: القاموس، مادة: خنس] أو كما قال.
ومن الناس من يحكي عن سهل بن عبد الله: أنه لما دخل الزنج البَصْرة، قيل له في ذلك، فقال: هاه إن ببلدكم هذا من لو سألوا الله أن يزيل الجبال عن أماكنها لأزالها، ولو سألوه ألا يقيم القيامة لما أقامها، لكنهم يعلمون مواضع رضاه، فلا يسألونه إلا ما يحب.
وهذه الحكاية، إما كذب على سهل وهو الذي نختار أن يكون حقاً أو تكون غلطاً منه، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وذلك أن ما أخبر الله

أن يكون فلابد أن يكون، ولو سأله أهل السموات والأرض ألا يكون لم يجبهم، مثل إقامة القيامة، وألا يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، وغير ذلك، بل كل ما علم الله أنه يكون فلا يقبل الله دعاء أحد في ألا يكون.
لكن الدعاء سبب يقضى الله به ما علم الله أنه سيكون بهذا السبب، كما يقضى بسائر الأسباب ما علم أنه سيكون بها.
وقد سأل الله تعالى من هو أفضل من كل من في البصرة بكثير، ما هو دون هذا فلم يجابوا؛ لما سبق الحكم بخلاف ذلك، كما سأله إبراهيم عليه الصلاة والسلام - أن يغفر لأبيه، وكما سأله نوح عليه السلام سأله نجاة ابنه، فقيل له: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: 46].
وأفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، قيل له في شأن عمه أبى طالب: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى﴾ [التوبة: 113]، وقيل له في المنافقين: ﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: 6] وقد قال تعالى عموما: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]، وقال: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: 23]، فمن هذا الذي لو سأل الله ما يشاؤه هو أعطاه إياه؟ ! وسيد الشفعاء محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، أخبر أنه: يسجد تحت العرش، ويحمد ربه، ويثنى عليه، فيقال له: " أي محمد، ارفع رأسك، وقل يُسْمَعْ، وسَلْ تُعْطَ، واشفع تشفع ". قال: " فيُحَدُّ لي حداً، فأدخلهم الجنة "، وقد قال تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: 55].

وأي اعتداء أعظم وأشنع من أن يسأل العبد ربه ألا يفعل ما قد أخبر أنه لابد أن يفعله، أو أن يفعل ما قد أخبر أنه لا يفعله؟ وهو سبحانه كما أخبر عن نفسه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]، وقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين﴾ [غافر: 60].
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من داع يدعو الله بدعوة، ليس فيها ظلم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخر له من الخير مثلها، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها ". فالدعوة التي ليس فيها اعتداء، يحصل بها المطلوب أو مثله.
وهذا غاية الإجابة؛ فإن المطلوب بعينه قد يكون ممتنعاً، أو مفسداً للداعي أو لغيره، والداعي جاهل، لا يعلم ما فيه المفسدة عليه، والرب قريب مجيب، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، والكريم الرحيم إذا سئل شيئاً بعينه، وعلم أنه لا يصلح للعبد إعطاؤه أعطاه نظيره، كما يصنع الوالد بولده إذا طلب منه ما ليس له، فإنه يعطيه من ماله نظيره، ولله المثل الأعلى.
وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما طلبت منه طائفة من بني عمه أن يوليهم ولاية لا تصلح لهم، فأعطاهم من الخمس ما أغناهم عن ذلك وزوجهم، كما فعل بالفضل بن عباس، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.
وقد روي في الحديث: " ليس شيء أكرم على الله من الدعاء "، وهذا حق.

فصل ولما كان الأمر كما أخبر الله به في قوله: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: 79]، أوجب هذا ألا يطلب العبد الحسنات والحسنات تدخل فيها كل نعمة إلا من الله، وأن يعلم أنها من الله وحده، فيستحق الله عليها الشكر الذي لا يستحقه غيره، ويعلم أنه لا إله إلا هو، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [النحل: 53].
فهذا يوجب على العبد شكره وعبادته وحده، ثم قال: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: 53]، وهذا إخبار عن حالهم، والجؤار: يتضمن رفع الصوت.
والإنسان إنما يجأر إذا أصابه الضر، وأما في حال النعمة فهو ساكن، إما شاكراً وإما كفوراً: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 53، 54]. وهذا المعنى قد ذكره الله في غير موضع، يذم من يشرك به بعد كشف البلاء عنه، وإسباغ النعماء عليه، فيضيف العبد بعد ذلك الإنعام إلى غيره، ويعبد غيره تعالى، ويجعل المشكور غيره على النعم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 33، 43]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 63، 64]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ

مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: 8].
وقوله: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ﴾ أي: نسى الضر الذي كان يدعو الله لدفعه عنه، كما قال: فى سورة الأنعام: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الآيتان: 40،41]. فذم الله سبحانه حزبين: حزباً لا يدعونه في الضراء، ولا يتوبون إليه، وحزباً يدعونه ويتضرعون إليه ويتوبون إليه.
فإذا كشف الضر عنهم أعرضوا عنه، وأشركوا به ما اتخذوهم من الأنداد من دونه.
فهذا الحزب نوعان كالمعطلة، والمشركة حزب إذا نزل بهم الضر لم يدعو الله ولم يتضرعوا إليه، ولم يتوبوا إليه، كما قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 42، 43]،وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: 76]، وقال تعالى: ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: 126]، وقال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: 21].
وحزب يتضرعون إليه في حال الضراء، ويتوبون إليه، فإذا كشفها عنهم أعرضوا عنه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا

مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 12]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَان أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ﴾ [فصلت: 51]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 67]، وقال في المشركين ما تقدم: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 53، 54]. والممدوح هو القسم الثالث، وهم الذين يدعونه، ويتوبون إليه ويثبتون على عبادته، والتوبة إليه في حال السراء، فيعبدونه ويطيعونه في السراء والضراء، وهم أهل الصبر والشكر، كما ذكر ذلك عن أنبيائه عليهم السلام فقال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 87، 88]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: 34،35]،وقال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ

بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآب﴾ [ص: 21 25]، وقال تعالى عن آدم وحواء: ﴿فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 22،23] وقال: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 37].
وقال تعالى عن المؤمنين الذين قتل نبيهم: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 146 148]. وقوله ﴿قُتِل﴾ أي: النبي قُتِل.
وهذا أصح القولين.
وقوله: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ جملة في موضع الخبر، صفة للنبي صفة بعد صفة أي كم من نبي معه ربيون كثير قُتل، ولم يقتلوا معه، فإنه كان يكون المعنى: أنه قتل وهم معه، والمقصود: أنه كان معه ربيون كثير، وقُتِل في الجملة، وأولئك الربيون ﴿مَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ﴾

والربيون: الجموع الكثيرة، وهم الألوف الكثيرة.
وهذا المعنى هو الذي يناسب سبب النزول، وهو ما أصابهم يوم أُحُد، لما قيل: " إن محمداً قد قتل "، وقد قال قبل ذلك: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144] وهى التي تلاها أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
فإنه عند قتل النبي وموته، تحصل فتنة عظيمة للناس المؤمنين والكافرين وتحصل رِدَّة ونفاق؛ لضعف قلوب أتباعه لموته، ولما يلقيه الشيطان في قلوب الكافرين: إن هذا قد انقضى أمره، وما بقى يقوم دينه، وإنه لو كان نبيا لما قتل وغلب، ونحو ذلك.
فأخبر الله تعالى؛ أنه كم من نبي قتل.
فإن بنى إسرائيل قتلوا كثيراً من الأنبياء، والنبي معه ربيون كثير أتباع له، وقد يكون قتله في غير حرب ولا قتال، بل يقتل وقد اتبعه ربيون كثير، فما وهن المؤمنون لما أصابهم بقتله، وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب الصابرين، ولكن استغفروا لذنوبهم التي بها تحصل المصائب فما أصابهم من سيئة فمن أنفسهم وسألوا الله أن يغفر لهم، وأن يثبت أقدامهم، فيثبتهم على الإيمان والجهاد لئلا يرتابوا، ولا ينكلوا عن الجهاد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 15]، وسألوه أن ينصرهم على القوم الكافرين.

سألوا ربهم ما يفعل لهم في أنفسهم من التثبيت، وما يعطيهم من عنده من النصر؛ فإنه هو الناصر وحده، وما النصر إلا من عند الله.
وكذا أنزل الملائكة عوناً لهم، قال تعالى لما أنزل الملائكة: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 10] وقال تعالى: ﴿فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 148]، وهذا مبسوط في موضع آخر.
والمقصود هنا أنه لما كانت الحسنة من إحسانه تعالى والمصائب من نفس الإنسان وإن كانت بقضاء الله وقدره وجب على العبد أن يشكر ربه سبحانه وأن يستغفره من ذنوبه، وألا يتوكل إلا عليه وحده، فلا يأتي بالحسنات إلا هو، فأوجب ذلك للعبد توحيده، والتوكل عليه وحده، والشكر له وحده والاستغفار من الذنوب.
وهذه الأمور كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمعها في الصلاة، كما ثبت عنه في الصحيح: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع، يقول: " ربنا ولك الحمد، ملء السماء وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد ". فهذا حمد، وهو شكر لله تعالى وبيان أن حمده أحق ما قاله العبد، ثم يقول بعد ذلك: " اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ". وهذا تحقيق لوحدانيته، لتوحيد الربوبية خلقاً وقدراً وبداية وهداية

هو المعطى المانع، لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع، ولتوحيد الإلهية شرعا وأمراً ونهياً وهو أن العباد، وإن كانوا يعطون ملكا وعظمة، وبختا ورياسة في الظاهر أو في الباطن، كأصحاب المكاشفات والتصرفات الخارقة، فلا ينفع ذا الجد منك الجد، أي: لا ينجيه ولا يخلصه من سؤلك وحسابك حظه وعظمته وغناه.
ولهذا قال: " لا ينفعه منك " ولم يقل: " لا ينفعه عندك "، فإنه لو قيل ذلك أوهم أنه لا يتقرب به إليك، لكن قد لا يضره.
فيقول صاحب الجد: إذا سلمت من العذاب في الآخرة فما أبالى، كالذين أوتوا النبوة والملك، لهم ملك في الدنيا وهم من السعداء، فقد يظن ذو الجد الذي لم يعمل بطاعة الله من بعده أنه كان كذلك، فقال: " ولا ينفع ذا الجد منك "، ضمن " ينفع " معنى " ينجى ويخلص "، فبين أن جده لا ينجيه من العذاب، بل يستحق بذنوبه ما يستحقه أمثاله ولا ينفعه جده منك، فلا ينجيه ولا يخلصه.
فتضمن هذا الكلام تحقيق التوحيد، وتحقيق قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ [الفاتحة: 5]، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: 123] وقوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88] وقوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: 8، 9]. فقوله: " لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت ": توحيد الربوبية الذي يقتضى أنه سبحانه هو الذي يسأل ويدعى، ويتوكل عليه.
وهو سبب لتوحيد الإلهية، ودليل عليه، كما يحتج به في القرآن على المشركين؛

فإن المشركين كانوا يقرون بهذا التوحيد توحيد الربوبية ومع هذا يشركون بالله، فيجعلون له أنداداً، يحبونهم كحب الله، ويقولون: إنهم شفعاؤنا عنده، وإنهم يتقربون بهم إليه.
فيتخذونهم شفعاء وقرباناً، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: 18]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُون﴾ [الأحقاف: 27، 28]. وهذا التوحيد هو عبادة الله وحده لا شريك له، وألا نعبده إلا بما أحبه وما رضيه، وهو ما أمر به وشرعه على ألسن رسله صلوات الله عليهم فهو متضمن لطاعته وطاعة رسوله، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، وأن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد من كل ما سواهما.
وهو يتضمن أن يحب الله حباً لا يماثله ولا يساويه فيه غيره، بل يقتضى أن يكون رسوله صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه.
فإذا كان الرسول لأجل أنه رسول الله يجب أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه، فكيف بربه سبحانه وتعالى؟ وفى صحيح البخاري أن عمر قال: يا رسول الله، والله إنك لأحب إلي من كل شيء، إلا من نفسي.
فقال: " لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك ". قال: فو الذى بعثك بالحق، إنك لأحب إلي من نفسي.
قال: " الآن يا عمر ".

وقد قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6]،وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 24].
فإن لم يكن الله ورسوله، والجهاد في سبيله، أحب إلى العبد من الأهل والمال على اختلاف أنواعه فإنه داخل تحت هذا الوعيد.
فهذا التوحيد توحيد الإلهية يتضمن فعل المأمور وترك المحظور.
ومن ذلك: الصبر على المقدور، كما أن الأول يتضمن الإقرار بأنه لا خالق ولا رازق، ولا معطى ولا مانع، إلا الله وحده، فيقتضى ألا يسأل العبد غيره، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يستعين إلا به، كما قال تعالى في النوعين: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، وقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: 123]. وهذا التوحيد هو الفارق بين الموحدين والمشركين، وعليه يقع الجزاء والثواب في الأولى والآخرة، فمن لم يأت به كان من المشركين الخالدين، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
أما توحيد الربوبية، فقد أقر به المشركون، وكانوا يعبدون مع

الله غيره، ويحبونهم كما يحبونه، فكان ذلك التوحيد الذي هو توحيد الربوبية حجة عليهم.
فإذا كان الله هو رب كل شيء ومليكه، ولا خالق ولا رازق إلا هو، فلماذا يعبدون غيره معه، وليس له عليهم خلق ولا رزق، ولا بيده لهم منع ولا عطاء، بل هو عبد مثلهم لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً؟ ! فإن قالوا: ليشفع فقد قال الله: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255] فلا يشفع من له شفاعة من الملائكة والنبيين إلا بإذنه.
وأما قبورهم وما نصب عليها من قباب وأنصاب أو تماثيلهم التي مثلت على صورهم، مجسدة أو مرقومة فجعل الاستشفاع بها استشفاعا بهم، فهذا باطل عقلا وشرعا؛ فإنها لا شفاعة لها بحال، ولا لسائر الأصنام التي عملت للكواكب والجن والصالحين، وغيرهم.
وإذا كان الله لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى فما بقى الشفعاء شركاء، كشفاعة المخلوق عند المخلوق؛ فإن المخلوق يشفع عنده نظيره أو من هو أعلى منه، أو دونه بدون إذن المشفوع إليه، ويقبل المشفوع إليه ولا بد شفاعته إما لرغبته إليه، أو فيما عنده من قوة أو سبب ينفعه به أو يدفع عنه ما يخشاه، وإما لرهبته منه، وإما لمحبته إياه، وإما للمعاوضة بينهما والمعاونة، وإما لغير ذلك من الأسباب.
وتكون شفاعة الشفيع هي التي حَرَّكَت إرادة المشفوع إليه، وجعلته

مريداً للشفاعة، بعد أن لم يكن مريداً لها، كأمر الآمر الذي يؤثر في المأمور، فيفعل ما أمره به بعد أن لم يكن مريداً لفعله.
وكذلك سؤال المخلوق للمخلوق، فإنه قد يكون محركا له إلى فعل ما سأله.
فالشفيع كما أنه شافع للطالب شفاعته في الطلب، فهو أيضاً قد شفع المشفوع إليه، فبشفاعته صار المشفوع إليه فاعلا للمطلوب، فقد شفع الطالب والمطلوب.
والله تعالى وِتْر، لا يشفعه أحد، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فالأمر كله إليه وحده، فلا شريك له بوجه، ولهذا ذكر سبحانه نفى ذلك في آية الكرسي، التي فيها تقرير التوحيد، فقال: ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]. وسيد الشفعاء صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، إذا سجد وحمد ربه، يقال له: " ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فيحد له حداً، فيدخلهم الجنة ". فالأمر كله لله، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: 154]،وقال لرسوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: 128]، وقال: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54].
فإذا كان لا يشفع عند الله أحد إلا بإذنه، فهو يأذن لمن يشاء، ولكن يكرم الشفيع بقبول الشفاعة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " اشفعوا تؤجروا، ويقضى الله على لسان نبيه ما شاء ". وإذا دعاه الداعي، وشفع عنده الشفيع، فسمع الدعاء، وقبل الشفاعة لم يكن هذا مؤثراً فيه، كما يؤثر المخلوق في المخلوق؛ فإنه سبحانه هو الذي جعل

هذا يدعو وهذا يشفع، وهو الخالق لأفعال العباد، فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها وهو الذي وفقه للعمل ثم أثابه عليه، وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه، فما يؤثر فيه شيء من المخلوقات، بل هو سبحانه الذي جعل ما يفعله سبباً لما يفعله.
وهذا مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر، وأن الله خالق كل شيء وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون شيء إلا بمشيئته، وهو خالق أفعال العباد، كما هو خالق سائر المخلوقات.
قال يحيى بن سعيد القطان: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: إن الله خالق أفعال العباد.
ولكن هذا يناقض قول القَدَريِة، فإنهم إذا جعلوا العبد هو الذي يحدث، ويخلق أفعاله بدون مشيئة الله وخلقه، لزمهم أن يكون العبد قد جعل ربه فاعلاً لما لم يكن فاعلاً له، فبدعائه جعله مجيباً له وبتوبته جعله قابلا للتوبة، وبشفاعته جعله قابلا للشفاعة.
وهذا يشبه قول من جعل المخلوق يشفع عند الله بغير إذنه.
فإن " الإذن " نوعان: إذن بمعنى المشيئة والخلق، وإذن بمعنى الإباحة والإجازة.
فمن الأول: قوله في السحر: ﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [البقرة: 102] فإن ذلك بمشيئة الله تعالى وقدرته، وإلا فهو لم يبح السحر.
والقدرية تنكر هذا " الإذن ". وحقيقة قولهم: إن السحر يضر بدون إذن الله.
وكذلك قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ [آل عمران: 166]،فإن الذي

أصابهم من القتل والجراح والتمثيل والهزيمة، إذا كان بإذنه فهو خالق لأفعال الكفار ولأفعال المؤمنين.
والنوع الثاني: قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [الأحزاب: 45، 46]،وقوله: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 5]، فإن هذا يتضمن إباحته لذلك، وإجازته له، ورفع الجُنَاح والحَرَج عن فاعله، مع كونه بمشيئته وقضائه.
فقوله: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]، هو هذا الإذن الكائن بقدره وشرعه، ولم يرد بمجرد المشيئة والقدر؛ فإن السحر وانتصار الكفار على المؤمنين كان بذلك الإذن.
فمن جعل العباد يفعلون أفعالهم بدون أن يكون الله خالقاً لها، وقادراً عليها، ومشيئاً لها، فعنده كل شافع وداع قد فعل ما فعل بدون خلق الله وقدرته، وإن كان قد أباح الشفاعة.
وأما الكفر، والسحر، وقتال الكفار، فهو عندهم بغير إذنه، لا هذا الإذن ولا هذا الإذن؛ فإنه لم يبح ذلك باتفاق المسلمين.
وعندهم: أنه لم يشأه ولم يخلقه، بل كان بدون مشيئته وخلقه.
والمشركون المقرون بالقدر يقولون: إن الشفعاء يشفعون بالإذن القَدَرِي، وإن لم يإذن لهم إباحة وجوازاً.
ومن كان مكذباً بالقدر مثل كثير من النصارى يقولون: إن شفاعة الشفعاء بغير إذن، لا قَدَرِي ولا شرعي.
والقدرية من المسلمين يقولون: يشفعون بغير إذن قدري.

ومن سأل الله بغير إذنه الشرعي، فقد شفع عنده بغير إذن قدري ولا شرعي.
فالداعي المأذون له في الدعاء مؤثر في الله عندهم، لكن بإباحته.
والداعي غير المأذون له، إذا أجاب دعاءه، فقد أثر فيه عندهم لا بهذا الإذن ولا بهذا الإذن، كدعاء بلعام بن باعوراء وغيره، والله تعالى يقول: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]. فإن قيل: فمن الشفعاء من يشفع بدون إذن اللّّه الشرعي، وإن كان خالقاً لفعله كشفاعة نوح لابنه، وشفاعة إبراهيم لأبيه، وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبّى بن سلول، حين صلى عليه بعد موته.
وقوله: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ قد قلتم: إنه يعم النوعين، فإنه لو أراد الإذن القدري لكان كل شفاعة داخلة في ذلك كما يدخل في ذلك كل كفر وسحر.
ولم يكن فرق بين ما يكون بإذنه، وما لا يكون بإذنه، ولو أراد الإذن الشرعي فقط، لزم قول القدرية، وهؤلاء قد شفعوا بغير إذن شرعي؟ قيل: المنفى من الشفاعة بلا إذن هي الشفاعة التامة، وهى المقبولة، كما في قول المصلى: " سمع الله لمن حمده " أي: استجاب له، وكما في قوله تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]، وقوله ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: 45]، وقوله: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45]، ونحو ذلك.
فإن الهدى، والإنذار، والتذكير، والتعليم، لابد فيه من قبول المتعلم، فإذا تعلم حصل له التعليم المقصود، وإلا قيل: علمته فلم يتعلم، كما قيل: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: 17]، فكذلك الشفاعة.

فالشفاعة مقصودها قبول المشفوع إليه، وهى الشفاعة التامة، فهذه هي التي لا تكون إلا بإذنه، وأما إذا شفع شفيع فلم تقبل شفاعته كانت كعدمها، وكان على صاحبها التوبة والاستغفار منها، كما قال نوح: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: 47]، وكما نهى الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على المنافقين، وقال له: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 84]، وقال له: ﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: 6]، ولهذا قال على لسان المشركين: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: 100، 101]. فالشفاعة المطلوبة هي شفاعة المطاع الذي تقبل شفاعته، وهذه ليست لأحد عند الله تعالى إلا بإذنه قدراً وشرعا، فلابد أن يأذن فيها، ولابد أن يجعل العبد شافعا، فهو الخالق لفعله، والمبيح له، كما في الداعي هو الذي أمره بالدعاء، وهو الذي يجعل الداعي داعياً، فالأمر كله لله، خلقاً وأمراً، كما قال: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54].
وقد روى في حديث ذكره ابن أبى حاتم وغيره أنه قال: " فمن يثق به، فليدعه " أي: فلم يبق لغيره لا خلق ولا أمر.
ولما كان المراد الشفاعة المثبتة هي الشفاعة المطلقة، وهى المقصود بالشفاعة وهى المقبولة، بخلاف المردودة، فإن أحداً لا يريدها، لا الشافع ولا المشفوع له، ولا المشفوع إليه، ولو علم الشافع والمشفوع له أنها ترد لم يفعلوها.
والشفاعة المقبولة هي النافعة، بين ذلك في مثل قوله: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ

إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: 23] وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: 109]، فنفى الشفاعة المطلقة وبين أن الشفاعة لا تنفع عنده إلا لمن أذن له، وهو الإذن الشرعي، بمعنى: أباح له ذلك وأجازه، كما قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: 39]، وقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: 53]، وقوله: ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: 58]، ونحو ذلك.
وقوله: ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ هو إذن للمشفوع له فلا يأذن في شفاعة مطلقة لأحد، بل إنما يأذن في أن يشفعوا لمن أذن لهم في الشفاعة فيه، قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: 108، 109]، وفيه قولان: قيل: إلا شفاعة من أذن له الرحمن.
وقيل: لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن، فهو الذي تنفعه الشفاعة.
وهذا هو الذي يذكره طائفة من المفسرين، لا يذكرون غيره؛ لأنه لم يقل: " لا تنفع إلا من أذن له " ولا قال: " لا تنفع الشفاعة إلا فيمن أذن له "، بل قال: ﴿لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ فهي لا تنفع ولا ينتفع بها، ولا تكون نافعة إلا للمأذون لهم، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: 23].
ولا يقال: لا تنفع إلا لشفيع مأذون له، بل لو أريد هذا، لقيل: لا تنفع الشفاعة عنده إلا من أذن له، وإنما قال: ﴿لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وهو المشفوع له، الذي تنفعه الشفاعة.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ لم يعد إلى " الشفعاء " بل عاد إلى المذكورين في قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾ ثم قال: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ﴾ ثم بين أن هذا منتف ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ

قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ [سبأ: 22، 23]، فلا يعلمون ماذا قال، حتى يفزع عن قلوبهم فكيف يشفعون بلا إذنه؟ وهو سبحانه إذا أذن للمشفوع له فقد أذن للشافع.
فهذا الإذن هو الإذن المطلق، بخلاف ما إذا أذن للشافع فقط؛ فإنه لا يلزم أن يكون قد أذن للمشفوع له، إذ قد يأذن له إذناً خاصاً.
وهكذا قال غير واحد من المفسرين.
قالوا: وهذا يدل على أن الشفاعة لا تنفع إلا المؤمنين، وكذلك قال السلف في هذه الآية.
قال قتادة في قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: 109] قال: كان أهل العلم يقولون: إن المقام المحمود الذي قال الله تعالى: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]، هو شفاعته يوم القيامة، وقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ إن الله تعالى يشفع المؤمنين بعضهم في بعض.
قال البغوي: ﴿إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ أذن الله له أن يشفع له، ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ أي: ورضي قوله.
قال ابن عباس: يعنى قال: " لا إله إلا الله ". قال البغوي: فهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمن.
وقد ذكروا القولين في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وقدم طائفة هناك: أن المستثنى هو الشافع، دون المشفوع له، بخلاف ما قدموه هنا.
منهم البغوي، فإنه لم يذكر هنا في الاستثناء إلا المشفوع له، وقال هناك: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: 23]، في الشفاعة، قاله تكذيباً لهم، حيث قالوا: ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: 18]، قال: ويجوز أن يكون المعنى: إلا لمن أذن له أن يشفع له.

فصول الكتاب · 4 فصل · 162 صفحة
فصول الحسنة والسيئة · 162 صفحة
صفحات 17-56صفحات 57-96صفحات 97-136صفحات 137-162
الحسنة والسيئة
تأليف ابن تيمية
-
تقدّمك في الكتاب: صفحات 97-136 — 3 من 4
جارٍ التحميل