فصل في الإستغاثة وقصة هاجر...
فصل قال العراقي: (ومن أدلة جواز الاستغاثة: ما رواه البخاري في "صحيحه" من حديث ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في قصة هاجر أن إسماعيل عليه السلام "أنها لما أدركها وولدها العطش جعلت تسعى في طلب الماء، فسمعت صوتاً ولا ترى شخصاً، فقالت: أغث إن كان عندك غوث" فلو كانت الاستغاثة بغير الله شركاً لما طلبت الغوث، ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لأصحابه، ولم ينكره، ولما نقله الصحابة من بعده، وذكر المحدثون).
والجواب أن نقول: الكلام فيمن يستغاث به عند الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، أو سؤال ما لا يعيطه إلا الله، ولا يمنعه إلا الله، وأما ما عدا ذلك مما يجري فيه التعاون والتعاضد بين الناس، واستغاثة بعضهم ببعض، في الأمور العادية، فهذا لا نمنع منه، ونقول به، وليس الكلام فيه.
ولفظ الاستغاثة لفظ مشترك بين ما يجوز، وبين ما لا
يجوز، فأما ما يجوز فما قدمنا ذكره مما هو في مقدرو العبد، والذي لا يجوز، وفاعله يكون مشركاً، هو طلبها من الأموات والغائبين، من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، كما نطقت بذلك الآيات والأحاديث النبوية.
وقصة هاجر قد أوردها البخاري في باب قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: 125] من –كتاب أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام1- والمقصود من
القصة أن هاجر -عليها السلام- لم تطلب إلا من حاضر محسوس، وليس ما طلبته مما اختص طلبه بالله سبحانه، فإنها طلبت من المصوت ما يسد جوعتها، ويروي غلتها، كما يقول المنقطع في الطريق العادم الزاد والماء إذا مر عليه أحد وأحس به: أغثني بما عندك من ماء وطعام، وأعطني مما تفضل الله به عليك من الأنعام، أفيقال لهذا إنه طلب ما لا يقدر عليه إلا الله، والتجأ في شدته إلى من سواه؟ فقاتل الله أهل الكفر والضلال، كيف لعب الشيطات بعقولهم، حتى أوردهم المهالك، انتهى باختصار من قول بعض أهل التحقيق من أهل العلم.