فصل في آية: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك﴾...
فصل قال العراقي: (ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ [النساء: 64] فقد علق الله تعالى قبول استغفارهم باستغفاره عليه الصلاة والسلام، وفي ذلك صريح دلالة على جواز التوسل به صلى الله عليه وسلم، وقبول المتوسل به، كما يفهم من قوله تعالى: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ [النساء: 6] وأنت تعلم أن استغفاره صلى الله عليه وسلم لأمته لا يتقيد بحال حياته، كما دلت عليه الأحاديث الواردة، مما سننقله، لا يقال: إن الآية وردت في قوم معينين، فلا عموم لها، لأنا نقول: إنها وإن وردت في قوم معينين في حال حياته صلى الله عليه وسلم، تعم بعموم العلة كل من وجد فيه ذلك الوصف، سواء كان في حال حياته، أو بعد موته صلى الله عليه وسلم).
والجواب أن نقول: قد سبق هؤلاء إلى الاستدلال بهذه الآية السبكي بنحو مما قال هذا، وأجابه الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي –رحمه الله تعالى- فقال1:
أما استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء: 64] الآية، فالكلام فيها في مقامين: أحدهما: عدم دلالتها على مطلوبه.
الثانية: بيان دلالتها على نقيضه.
وإنما يتبين الأمران بفهم الآية، وما أريد بها، وسيقت به، وما فهمه منها أعلم الأمة بالقرآن ومعانية، وهم سلف الأمة، ومن سلك سبيلهم.
ولم يفهم منها أحد من السلف والخلف إلا المجيء إليه في حياته ليستغفر لهم، وقد ذم تعالى من تخلف عن هذا المجيء، إذ ظلم نفسه، وأخبر أنه من المنافقين، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون:5].
وكذلك هذه الآية إنما هي في المنافق الذي رضي بحكم كعب بن الأشرف وغيره من الطواغيت، دون حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فظلم نفسه بهذا أعظم ظلم، حيث لم يجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر له، فإن المجيء إليه يستغفر له توبة وتنصل من الذنوب، وهذه كانت عادة الصحابة معه صلى الله عليه وسلم أن أحدهم متى صدر منه ما يقتضي التوبة، جاء إليه فقال: يا رسول الله إني فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، وهذا كان فرقاً بينهم وبين المنافقين.
فلما استأثر الله عز وجل بنبيه صلى الله عليه وسلم، ونقله من بين أظهرهم إلى دار كرامته، لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره ويقول: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت، أفترى: عطل1الصحابة والتابعون -وهم خير القرون على الإطلاق- هذا الواجب الذي ذم الله سبحانه من تخلف عنه، وجعل التخلف عنه من أمارات النفاق، ووفق2له من لا يؤبه له من الناس، ولا يعد في أهل العلم.
فكيف أغفل هذا أئمة الإسلام وهداة الأنام من أهل الحديث والفقه والتفسير، ومن لهم لسان صدق في الأمة، فلم يدعوا إليه، ولم يحضوا عليه، ولم يرشدوا إليه، ولم يفعله إحد منهم ألبتة؟ بل المنقول الثابت عنهم ما قد عرف مما يسوء الغلاة فيما يكرهه وينهى عنه من الغلو والشرك الجفاة عما يحبه ويأمر به من التوحيد والعبودية.
ولما كان هذا المنقول شجى في حلوق الغلاة، وقذى في عيونهم، وريبة في قلوبهم، قابلوه بالتكذيب والطعن في الناقل، ومن استحيا منهم من أهل العلم بالآثار قابله بالتحريف والتبديل.
ويأبى الله إلا أن يعلي منار الحق، ويظهر أدلته ليهتدي المسترشد، وتقوم الحجة
على المعاند فيعلي الله بالحق من يشاء، ويضع برده وبطره وغمص أهله من يشاء.
ويا لله العجب أكان ظلم الأمة لأنفسها ونبيها بين أظهرها موجود، وقد دعيت فيه إلى المجيء إليه ليستغفر1لها، وذم من تخلف عن المجيء2، فلما توفي صلى الله عليه وسلم ارتفع ظلمها لأنفسها بحيث لا يحتاج أحد منهم إلى المجيء إليه3ليستغفر له.
وهذا يبين أن هذا التأويل الذي تأوله عليه المعترض هذه الآية تأويل بطال قطعاً، ولو كان حقاً لسبقونا إليه علماً وعملاً، وإرشاداً ونصيحة.
ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنة، لم يكن على عهد السلف، ولا عرفوه، ولا بينوه للأمة، فإنه يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا، وضلوا عنه، واهتدى إليه هذا المعترض المستأخر، فكيف إذا كان التأويل يخالف تأويلهم ويناقضه.
وبطلان هذا التأويل أظهر من أن يطنب في رده، وإنما ننبه عليه بعض التنبيه.
ومما يدل على بطلانه قطعاً: أنه لا يشك مسلم أن من دعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، وقد ظلم نفسه ليستغفر له، فأعرض عن المجيء وأباه، مع قدرته عليه، كان مذموماً غاية الذم، مغموصاً بالنفاق.
ولا كذلك من دعي إلى قبره ليستغفر له، ومن سوى بين الأمرين، وبين المدعوين، وبين الدعوتين، فقد جاهر بالباطل، وقال على الله وكلامه ورسوله وأمناء1دينه غير الحق.
وأما دلالة الآية على خلاف تأويله فهو أنه سبحانه صدرها بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء:64] وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم إذ ظلموا أنفسهم طاعة له، ولهذا ذم من تخلف عن هذه الطاعة، ولم يقل مسلم قط إن على من ظلم نفسه بعد موته أن يذهب إلى قبره، ويسأله أن يستغفر له، ولو كان هذا طاعة له لكان خير القرون قد عصوا هذه الطاعة، وعطلوها، ووفق لهذا هؤلاء الغلاة العصاة، وهذا بخلاف قوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:65] فإنه نفى الإيمان عمن لم يحكمه، وتحكيمه هو تحكيم ما جاء به حياً وميتاً، ففي
حياته كان هو الحكم بينهم بالوحي، وبعد وفاته نوابه وخلفاءه، يوضح ذلك أنه قال: "لا تجعلوا قبري عيداً "1 ولو كان يشرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له لكان القبر أعظم أعياد المذنبين، وهذا مضادة صريحة لدينه، وما جاء به، ولو كان مشروعاً لأمر به أمته، وحضهم عليه، ورغبهم فيه، ولكان الصحابة وتابعوهم بإحسان أرغب شيء فيه، وأسبق إليه.
ولم ينقل عن أحد منهم قط وهم القدوة بنوع من أنواع الأسانيد أنه جاء إلى قبره ليستغفر له، ولا شكا إليه، ولا سأله.
والذي صح عنه مجيء القبر للتسليم فقط، هو ابن عمر، وكان يفعل ذلك عند قدومه من السفر، ولم يكن يزيد على التسليم شيئاً ألبتة، ومع هذا فقد قال عبيد الله بن عمر العمري الذي هو أجل أصحاب نافع، أو من أجلهم: ما نعلم أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك إلا ابن عمر.
...............................................................................................................
...............................................................................................................
ومعلوم أنه لا هدي أكمل من هدي الصحابة، ولا تعظيم لرسول الله فوق تعظيمهم، ولا معرفة لقدرة فوق معرفتهم، فمن خالفهم إما أن يكون أهدى منهم، أو يكون مرتكباً لنوع من البدع، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لقوم رآهم اجتمعوا على ذكر يقولونه: لأنتم أهدى من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم... أو أنتم على شعبة الضلال.
فتبين أنه لو كان استغفاره لمن جاءه مستغفراً بعد موته ممكناً أو مشروعاً، لكان كمال شفقته ورحمته بالأمة تقتضي ترغيبهم في ذلك، وحضهم عليه.
انتهى.
وأما قوله: (فقد علق تعالى قبول استغفارهم باستغفاره)، وهذا حق، ولكنه في حال حياته لا بعد وفاته.
وقوله: (وفي ذلك صريح دلالة على جواز التوسل به صلى الله عليه وسلم، وقبول المتوسل به).
فأقول: نعم، هذا حق، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يتوسلون به في حال حياته، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اللهم إنا1كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، فاسقنا.
فلو كان التوسل به بعد وفاته جائزاً لما عدل الفاروق إلى عمه العباس، مع إمكان التوسل به عند قبره -لو كان جائزاً- ومن المعلوم أن التوسل المشروع إنما هو بدعائه، كما تقدم بيانه، وكما سيأتي إن شاء الله.
بل في ذلك أصرح دلالة على المنع من التوسل به الشرعي بعد وفاته، بدليل أنه لا أكمل من هدي الصحابة، ولا تعظيم للرسول صلى الله عليه وسلم فوق تعظيمهم، ولا معرفة لقدره فوق معرفتهم، ومع ذلك لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره، ويقول: يا رسول الله فعلت كذا وكذا، فاستغفر لي، ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت.
وأما قوله: (وأنت تعلم أن استغفاره صلى الله عليه وسلم لأمته لا يتقيد بحال حياته، كما دلت عليه الأحاديث الواردة مما سننقله).
فأقول: لو كان طلب الاستغفار منه صلى الله عليه وسلم جائزاً بعد وفاته عند قبره، أو من مكان بعيد منه، أو كان مشروعاً لأمر به أمته، وحضهم عليه، ورغبهم فيه، ولكان الصحابة رضي الله عنهم وتابعوهم بإحسان أرغب شيء فيه، وأسبق إليه، ولم ينقل عن أحد منهم قط -وهم القدوة- بنوع من أنواع1الأسانيد أنه جاء إلى قبره ليستغفر له، ولا شكا إليه، ولا سأله، وقد تقدم بيان هذا.
وأما قوله: (لا يقال إن الآية وردت في قوم معينين، فلا عموم لها... ) الخ.
فأقول: نعم، الأمر كما أقر به الخصم في هذا2المقام، من أن الآية وردت في قوم معينين من أهل النفاق، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ [النساء:61] فهي تعم ما وردت فيه، وما كان مثله، فهي عامة في حق كل من ظلم نفسه من كل منافق قيل به: تعال إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، فصد عن الرسول صدوداً، وتحاكم إلى الطاغوت، ثم جاء الرسول في حياته،
فاستغفر الله واستغفر له الرسول في حياته، وأما المؤمن الذي عصى وظلم نفسه، فجاء قبر الرسول صلى الله عليه وسلم فاستغفر الله، فليس مثله، لما تقدم بيانه.