البيان المبدي لشناعة القول المجديصفحات 82-121
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بسم الله الرحمن الرحيم

صفحات 82-121

ولا جاركموا في كسب مال... ولم يعهد له بكموا اختلاط ففيم سجنتموه وغظتموه... أما الجزاء أذيته اشتراط وسجن الشيخ لا يرضاه مثلي... ففيه لقدر مثلكموا انحطاط إلى أن قال: فها هو مات عنكم فاسترحتم... فعاطوا ما أردتم أن تعاط وحلوا واعقدوا من غير رد... عليكم وانطوى ذاك البساط والمقصود مناقضة هذا المعترض بمن أثنى عليه لا لغرض من الأغراض ومن قدح فيه فإنما ذاك لحظ نفسه شنع بما شنع من الاعتراض وإلا ففضل شيخ الإسلام ومناقبه أكثر من أن تذكر وأشهر من أن يحاط بها ويحصر وقد أثنى عليه من الأئمة من تقدم ذكرهم ومن لم نذكرهم فأكثر وأكثر وكلهم حفاظ نقاد وأئمة ثقات زهاد وممن أثنى عليه وبرأه مما نسب إليه من متأخري العلماء الشيخ إبراهيم بن حسن الكوراني المدني الشافعي وأمير المؤمنين في الحديث علامة دهره الشيخ على أفندي السويدي البغدادي الشافعي والشيخ

شهاب الدين محمود الآلوسي ذكر ذلك الشيخ نعمان خير الدين ابن شهاب الدين محمود الآلوسي، وجمهور من ذكرنا ممن أثنى عليه أئمة مذهب هذا المعترض وقد خالفهم وانتحل طريقة عباد القبور، وانتصر لهم بما لا يجدى عنه ولا ينفعه يوم يبعثر ما في القبور، ويحصّل ما في الصدور، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: من الآية227]، وليت هذا المكي راقب ولاحظ فيما كتبه من الانتصار، ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:52]، وجعل نصب عينيه إذا رأى محصول ما له وما عليه وظنه دليلاً، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:27ـ29]. فصل: قال المعترض: فمن تلك الأمور أن السندي المذكور يقول في رسالته أن الأحاديث التي أوردها يعني استدل بها شيخنا السيد دحلان لمذهب أهل الحق منقولة عن التقي السبكي في "شفاء

الأسقام" ليست فيها أحاديث صحاح ولاحسان إلى آخر كلامه.
قال المكي وحاصل ما يجاب به عن شيخنا أن تلك الأحاديث كثيرة مشهورة مسندة إلى مخرجيها قال: وليس المقصود بها تأسيس أيجاب شيء بل المقصود بيان استحباب زيارته صلى الله عليه وسلّم وجواز التوسل به ثم ذكر كلاماً حاثله أنّ الأحاديث الضعيفة يعمل بها وأن معارضته محمد بن عبد الهادي لها في الصارم المنكي غير مقبولة؛ لأنّه من اتباع ابن تيمية وأن كلامه فيها لأجل الهوى.
والجواب أن هذا المعترض أجنبي عن معرفة الحديث ورجاله ولا خبرة عنده بما قاله الحفاظ النقاد أهل الجرح والتعديل ولو كان عنده خبرة ومعرفة بهذا الفن لم يكن هذا حاصل ما عنده ومن كان بهذه المثابة سقط الكلام معه اللهم إلا أن يكون لديه معرفة ولكن أراد التلبيس والتمويه على خفافيش البصائر وما أظن ذلك وما أحسن ما قيل: وقل للعيون الرمد للشمس أعين... سواك تراها في مغيب ومطلع

وسامح نفوسا أطفأ الله نورها... بإهوائها لا تستفيق وتع ومما يبين لك عدم معرفته بالحديث ورجاله أنه ظن أنه لم يطعن في هذه الأحاديث إلا الحافظ محمد بن عبد الهادي فإنها كلها موضوعة مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأمثل ما فيها الحديث الذي رواه الإمام الدارقطني وقد تكلم فيه أئمة من حفاظ الإسلام وعلماء السنة الأعلام كالبخاري والبيهقي والنسائي والدارقطني والجوزجاني والعقيلي وأبو حاتم والنووي وغيرهم من العلماء الأعلام ولو سلمنا تسليماً جدلياً أنها أحاديث ضعيفة وأن الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال فإنما ذلك إذا لم تخالف حديثاً صحيحاً وكيف وقد خالفت ما في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلّم أنه قال: "لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد" الحديث، فبطل الاستدلال بها والعمل بها لمعارضتها للحديث الصحيح الصريح ولو أضرب هذا الجاهل عن الكلام في هذه المسألة لكان خيراً له ولكن ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ [المائدة: من الآية41].

وأين أنت يا هذا الجاهل المركب ومعرفة الحديث وأهله فلست من أهل هذه الصناعة ولا ممن يتجر في تلك البضاعة.
دع العيس وحاديها... واعط القوس باريها وقد ذكرت فيما كتبته في المواهب الربانية في رد أضاليل الشبه الدّحلانية ما نصّه من أبيات: وأمّا أحاديث الزّيارة كالتي... شعبت بها في الرّق واهيته العقد فمحض أكاذيب في أوضاع أفك... ملفقة أضحت عن الصدق في بعد فلم ترو في شيء من الكتب التي... عليها اعتماد الناس في الحل والعقد فأما حديث الدارقطني فإنه... لامثل ما فيها وإن كان لا يُجدي ولم يروه إلا لتبيين ضعفه... هناك الإمام الدارقطني على عمد وقد طعن الحفاظ فيه فمنهموا... أبو حاتم والبيهقي في ذوي النقد كمثل البخاري والنووي ومسلم... وكابن معين والنسائي ذي الجد وكالجوزجاني والعقيلي وغيرهم... من النبلاء الأثبات من كل مستهد فصل: قال المعترض: ومن تلك الأمور التي في رسالة السمدي أن الأئمة متفقون على كراهة دعاء الزائر لنفسه مستقبلا للحجرة

الشريفة، والجواب أن يقال: ما ذكره السندي من أنّ الأئمّة اتفقوا على كراهة دعاء الزائر لنفسه مستقبلاً للحجرة الشريفة ثابت عن الأئمة كما نقله الثقات الأثبات ولا يمكن لأحد أن يكابر في دفع ذلك لا بنقل صحيح ولا سقيم، قال شيخ الإسلام قدّس الله روحه في منسك له صنفه في آخر عمره: "ويسلم عليه مستقبلاً الحجرة مستدبر القبلة عند أكثر العلماء كمالك والشافعي وأحمد وأما أبو حنيفة فإنه قال: يستقبل القبلة فمن أصحابه من قال: يستدبر الحجرة ومنهم من قال يجعلها عن يساره واتفقوا على أنه لا يستلم الحجرة ولا يقبلها ولا يطوف بها ولا يصلي إليها ولا يدعو هناك مستقبلاً للحجرة؛ فإن هذا كله منهي عنه باتفاق الأئمة، ومالك من أعظم الناس كراهية لذلك والحكاية عنه أنه أمر المنصور أن يستقبل القبر وقت الدعاء كذب على مالك بل ولا يقف عند القبر للدعاء لنفسه فإنّ هذا بدعة ولم يكن أحد من الصحابة يقف عنده يدعو لنفسه ولكن كانوا يستقبلون القبلة ويدعون في مسجده" انتهى.
وقال أيضاً: "وكره السلف رضي الله عنهم قصدها بالدعاء متأولين في ذلك قوله صلى الله عليه وسلّم: " لا تتخذوا قبري عيداً" كما ذكرنا ذلك

عن علي بن الحسن، والحسن بن الحسن ابن عمه، وهما أفضل أهل البيت من التابعين، وأعلم بهذا الشأن من غيرهما المجاورتهما الحجرة النبوية نسباً ومكاناً وقد ذكرنا عن أحمد وغيره إنه أمر من سلم على النبي صلى الله عليه وسلّم وصاحبيه، ثم أراد أن يدعو أنه ينصرف ويستقبل القبلة وكذلك أنكر ذلك غير واحد من العلماء المتقدمين كمالك وغيره من المتأخرين مثل أبي الوفاء ابن عقيل، وأبي الفرج ابن الجوزي، وما أحفظ لا عن صاحب ولا عن تابع ولا عن إمام معروف أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء عندها، ولا روى أحد في ذلك شيئاً لا عن النبي صلى الله عليه وسلّم، ولا عن الصحابة، ولا عن أحد من الأئمة المعروفين وقد صنف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته وذكروا فيه الآثار فما ذكر أحدٌ منهم في فضل الدعاء عند شيء من القبور حرفاً واحداً فيما أعلم، فكيف يجوز والحالة هذه أن يكون عندها أجوب وأفضل، والسلف تنكره ولا تعرفه وتنهى عنه ولا تأمر به" انتهى.
وقوله: ثم ذكر عن ابن تيمية، وعن ابن عبد الهادي مثل ما ذكر وزاد أن دعاء الزائر لنفسه إذا كان تبعاً للدعاء

لأصحاب القبور لا ينهى عنه أحد من المسلمين لكن زيادتهما المذكورة بعد أن ذكرا أحاديث تدل على ذلك على عادة التابعين لابن تيمية إذا أنكروا شيئاً، ثم ورد عليهم ما يغاير إنكارهم جاهدوا بنحو لم يصح النقل أو بنحو إنما جاز لأجل كذا كدعواه جواز الدعاء بعد صحة الحديث به إنه لأجل التبعية إلى آخر ما قال.
فيقال: في جوابه هذا كله هوس وتخليط وليس لك فيه راحة ولا يفيدك شيئاً فإن الأحاديث الواردة في زيارة القبور الزيارة الشرعية ليس فيها إلاّ الدعاء لهم والترحم عليهم والاستغفار كما في حديث عائشة رضي الله عنها الذي رواه مسلم، وكذلك حديث بريدة عن أبيه عند مسلم وغيره من الأحاديث الصحيحة الثابتة بنقل العدل الضابط عن مثله، وقوله بعد أن ذكر أحاديث تدل على ذلك على عادة التابعين لابن تيمية إذا أنكروا شيئاً ثم ورد عليهم ما يغاير إنكارهم.
فيقال: نعم هي عادة اتباع ابن تيمية يذكرون الأحاديث ويعتمدون عليها ويستدلون بها على موارد النزاع ويتركون قول من خالفها

كائنا من كان فإنه لا قول لأحد مع سنة سنّها رسول الله صلى الله عليه وسلّم فهلا ذكرت ما يغاير إنكارهم إن كنت من أهل العلم والمعرفة ولو كان عندك من الحق ما يغاير إنكارهم لما أهملته ولجبهت به من أنكر ذلك ونقل عن الأئمة خلافه، ولكنها عنقاء مغرب ومن الدعاء ما ليس عنده كذبته شواهد الامتحان.
قوله: جاهدوا بنحو لم يصح النقل أو بنحو إنما جاز لأجل كذا كدعواه جواز الدعاء بعد صحة الحديث به أنه لأجل التبعية، فيقال: نعم كل حكم وشرع لم يأذن به الله ورسوله ولا صح به نقل عن الله ولا عن رسوله ولا عن الصحابة والتابعين لا يعملون به ولا يثبتونه ويردونه على من قال به كائنا من كان لقوله صلى الله عليه وسلّم: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، ودعواه جواز الدعاء بعد صحة الحديث به أنه لأجل التبعية فقد صح الحديث كما تقدم عند مسلم وغيره وكونه إنما جاز تبعاً وضمنا صريح في نفس الحديث بقوله: "اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم"، فالدّعاء

بهذا ونحوه لا يكره مطلقاً بل يؤمر به كما جاءت به السنة ضمنا وتبعاً، وإنما المكروه أن يتحرى المجيئ إلى القبر للدعاء عنده كما ذكره الحافظ محمد بن عبد الهادي وكما تقدمت الإشارة إليه في حديث علي بن الحسين، والحسن بن الحسن ابن عمه.
وقوله: وحقيقة الأمر منع ابن تيمية للدعاء ونحوه تجاه قبر النبي صلى الله عليه وسلّم لما هو معتقده ومعتقد متابعيه أن النبي صلى الله عليه وسلّم بعد موته لا جاه له.
فيقال: إنما منع ذلك الأئمة الأربعة المقلدون المتفق على هدايتهم ودرايتهم وجلالتهم وعلمهم فاتبعهم ابن تيمية في المنع من ذلك وأنت خالفتهم وتركت طريقتهم وهديهم وما أمروا به، وما نهوا عنه فإن كان منع ابن تيمية من ذلك يلزم منه اعتقاد أن النبي صلى الله عليه وسلّم لا جاه له فكذلك هو لازم للأئمة الأربعة حيث منعوا من ذلك وهذا لا يقوله من يدري ما يقول وأين هذا من قولك عند ردّ كلام السندي ثبوت توسّل الإمام الشافعي بأبي حنيفة وهو كذب محض فقلت: وكفى بقولك تعني السندي أقوال من

ذكروا فعالهم ليست من الحجة في شيء قبحا وسوء أدب مع الإمام الشافعي وأضرابه وإذا لم تقتد وتعتبر بأقوال وأفعال من ذكر في مثل هذه الفضائل مع كونهم أئمة الشريعة والمجمع على تحققهم بمرتبة الاجتهاد المطلق فيمن يحسن الاقتداء فقد نقضت أصلك وعدت عليه بالهدم والرد في هذا الموضع بالرد على ابن تيمية واتباعه حيث اتبعوا ما صح عن الأئمة الأربعة ولم تذكر ما ينقض ذلك عنهم وإني لك بذلك فكان داؤك هو الداء العضال الذي قد ختم بالطبع والأقفال وأيضاً قوله: أن معتقده ومعتقد متابعيه أن النبي صلى الله عليه وسلّم بعد موته لا جاه له كذب بحت، بل هم من أعظم الناس رعاية لحقه واحتراما له يأتمرون بأمره وينتهون عما نهى عنه ولا يشرعون في دين الله ما لم يأذن به فيزورون القبور لأمره بذلك ولا يشدون الرحال إليها لنهيه عن ذلك ويدعون لأهل القبور ولا يدعونهم ويستغفرون لهم ويطلبون لهم العافية ولا يطلبون منهم بخلاف الذين بدلوا قولاً غير الذي قيل لهم بدلوا الدعاء لهم بدعائهم والطلب

لهم بالعافية بالطلب منهم فالله المستعان.
شعراً: نزلوا بمكة في قبائل هاشم... ونزلت بالبيدآء أبعد منزل فصل: قال المعترض فيما اعترض به على كلام محمد بن إسماعيل الصنعاني: إنّ الذين ينادون الأموات وينحرون لهم وينذرون لهم كذب وزور، فإن المعرفة من عوام مكة أن من كان عنده مريض مثلاً نوى أنه يتقرب إلى الله تعالى بصدقه لأجل أنه تعالى يتفضل عليه بعافية مريضه فقد يقول لله عليّ صدقة كذا أن شفى الله مريضي وإما كون أحد يذبح للميت الفلاني فلا سمعنا قط به وأمّا تخصيصهم الصدقة بكونها عند ذلك الميت الولي الصالح فغرضهم أن الصدقة للفقراء الحاضرين عنده أولى وأحسن؛ لأنهم يتوسلون بالولي إلى ربه ويطلبون منه أن يتوجه إلى ربه في قبول دعواتهم من ربهم لا منه، فلو سألت صغيرهم وغبيهم وعبدهم هل الميت الولي ينفعك أو يضرك أو يشقى مريضك لصاح لك وأنكر ذلك واعترف أن الضار والنافع هو الله تعالى لا غير إلى آخر ما

اعترض به، فالجواب أن يقال: إن الصدقة بهذا النذر للسدنة والمجاورين نذر معصية لا يجب الوفاء به باتفاق العلماء والمعصية تصدق بالعبادة للمنذور له ومعلوم أن إخراجه على وجه القربة والتعظيم لأهل القبور عبادة وشرك وتقرب إلى غير الله وشرع لما لم يأذن به الله ولم تأت به شريعة ولم يكن من هدي السلف والقرون المفضلة، ولأن العكوف عند القبور وسدانتها أصل عبادة الأصنام كما ذكره ابن عباس وغيره في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ الآية [نوح: من الآية23].
وأما قوله: لأنهم يتوسلون بالولي إلى ربه فجوابه أن التوسل بالولي بعد موته والطلب منه أن يتوجه إلى ربه مصادمة لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:14]، فأخبر تعالى أنهم لا يسمعون دعاء من دعاهم ولو سمعوا على سبيل الفرض والتقدير ما استجابوا لهم لأن ذلك ليس لهم فإن الله تعالى لم يأذن لأحد من عباده في دعاء أحد منهم لا استقلالا ولا

واسطة وأخبرنا سبحانه وتعالى أن هذا الدعاء شرك بقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: من الآية14]، وهذا الطلب والتوجه إلى الأموات في قضاء الحاجات وتفريج الكربات هو شرك جاهلية العرب الذين بعث فيهم عبد الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلّم فإنهم كانوا يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين ويلتجئون إليهم ويسألونهم على وجه التوسل بجاههم وشفاعتهم ليقربوهم إلى الله زلفي كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع من كتابه كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [يونس:18]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: من الآية3]، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الاحقاف:28].
ومعلوم أن المشركين لم يزعموا أن الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السموات والأرض أو استقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد ولو في خلق ذرة من الذرات، وإنما عبدوهم والتجأوا

إليهم ودعوهم على وجه التوسل بجاههم وطلب الشفاعة منهم، فقول هذا المكي أنهم يتوسلون بالولي إلى ربه ويطلبون منه أن يتوجه إلى ربه هو كقول جاهلية العرب الذين نزل القرآن بتكفيرهم سواء بسواء.
وقوله: وأما كون أحد يذبح للميت الفلاني فلا سمعنا قط به فيقال: ولا سمعت أحداً منهم يقول: يا رسول الله، يا كعبة الله، يا مقام إبراهيم، وهل هذا إلا مكابرة محضة فإن من لم ينكر هذا وهو ينادي به على رؤس الأشهاد ولا رآه شركاً كيف ينكر الذبح لغير الله عند ضرائح الأموات ولا سمعت أيضاً ما يقال عندها في المعلات ولا رأيت ما فيها من المساجد المبنية على القبور ولا ما يصرف إليها من النذور ولا رأيت إيقاد السرج فيها وقد قال صلى الله عليه وسلّم: "لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" والذي رأيت في المعلات أكثر من مائة قنديل.
وليس يصح في الأذهان شيء... إذا احتاج النهار إلى دليل وأيضاً قوله لأنهم يتوسلون بالولي إلى ربه ويطلبون منه أن يتوجه إلى ربه إلى آخره مراد هؤلاء الملاحدة أنهم يجعلونهم وسائط

بينهم وبين الله كالمجاب الذين بين الملك وبين رعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه فيسألونهم وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم والناس يسألونهم أدبا منهم أن يباشروا سؤال الملك أو لأن طلبهم من الوسائط انفع من طلبهم من الملك لكونهم أقرب إلى الملك من الطّالب فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل.
قال شيخ الإسلام: "وهؤلاء المشبهون شبهوا الخالق بالمخلوق وجعلوا لله أنداداً وفي القرآن من الرّد على هؤلاء ما تتسع له هذه الفتوى فإن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس على أحد وجوه ثلاثة: أما لأخبارهم من أحوال الناس بما لا يعرفون ومن قال: إن الله لا يعرف أحوال العباد حتى يخبره بذلك بعض الملائكة أو الأنبياء أو غيرهم فهو كافر بل هو سبحانه يعلم السّر وأخفى لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وهو السميع البصير يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات لا يشغله

سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين.
الوجه الثاني: أن يكون الملك عاجزاً عن تدبير رعيته ودفع أعاديهم الأباء وأن يعينونه فلا بدّ له من أعوان وأنصار لذله وعجزه والله سبحانه ليس له ظهير ولا ولي من الذل، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:22]، وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ [الاسراء:111]، وكل ما في الوجود من الأنساب فهو سبحانه خالقه وربه ومليكه فهو الغني عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم في الحقيقة شركاؤهم والله سبحانه ليس له شريك في الملك لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ولهذا لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه لا ملك ولا نبي ولا غيرهما فإن من يشفع عند غيره بغير إذنه فهو شريك في حصول المطلوب لأنه أثر فيه بشفاعته حتى جعله يفعل ما يطلب منه والله سبحانه

وتعالى لا شريك له بوجه من الوجوه ويسمى الشفيع شفيعاً لأنه يشفع غيره أي يصير له شفعاً، قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ﴾ [النساء: من الآية85]، وكل من أعان غيره على أمر فقد شفعه فيه، والله تعالى وتر لا يشفعه أحد بوجه من الوجوه.
الوجوه الثالث: أن يكون الملك ليس مريد النفع رعيته والإحسان إليهم ورحمتهم إلا بمحرك يحركه من خارج فإذا خاطب الملك من ينصحه ويعظه أو من يدل عليه بحيث يكون يرجوه ويخافه تحركت إرادة الملك وهمته في قضاء حوائج رعيته أما لما يحصل له من الرغبة والرهبة من كلام المدل عليه، والله تعالى هو رب كل شيء ومليكه وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها وكل الأسباب إنما تكون بمشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهوذا أجرى نفع العباد بعضهم على يد بعض فجعل هذا يحسن إلى هذا ويدعو له ويشفع فيه ونحو ذلك فهو الذي خلق ذلك كله وهو الذي خلق في قلب

هذا المحسن والداعي والشافع إرادة الإحسان والدعاء والشفاعة ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف مراده أو يعلمه ما لم يكن يعلمه أو من يرجوه الرب ويخافه ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت ولكن ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له"، والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون إلا بإذنه، قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الانبياء: من الآية28]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: من الآية23]، بخلاف الملوك فإن الشافع عندهم قد يكون له ملك أو يكون شريكاً لهم في الملك وقد يكون مظاهرا لهم معاوناً على ملكه وهؤلاء يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك والملك يقبل شفاعتهم تارة على وجه إنعامهم عليه حتى أنه يقبل شفاعة ولده وزوجته لذلك فإنه محتاج إلى الزوجة وإلى الولد حتى لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك إلى أن قال والله تعالى لا يرجو أحداً ولا يخافه ولا يحتاج إلى أحد بل هو الغني إلى أن قال: والمقصود هنا أن من أثبت وسائط بين الله تعالى و

بين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك بل هذا دين المشركين عباد الأوثان" إلى آخر ما قال رحمه الله، فانظر رحمك الله إلى ما قاله الشيخ رحمه الله، ثم تأمل كلام المكي أنهم إنما يتوسلون بالولي إلى ربه ويطلبون منه أن يتوجه إلى ربه في قبول دعواتهم من ربهم لا منه هل بين كلامه وبين ما ذكره شيخ الإسلام فرق والله المستعان.
وقوله: ويعتقدون فيهم ما يعتقده العلماء إن الميت لا تفنى روحه بل هو سميع عليم معارفه باقية وبركته باقية.
فالجواب أن يقال: وهذه أيضاً وهلة عظيمة وبليته أخرى فإنها مصادمة ومكابرة لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ الآية [فاطر:14]، ولقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الاحقاف:5ـ6]، وقد سوى هذا المعترض بين من نفى الله التسوية بينهما وهل هذا إلا مصادمة ومعارضة للقرآن فليهنأ معارضة كلام الله والجمع بين ما فرق الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ

وَلا الأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: من الآية22]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل:20ـ21]، وقد تقرر أنّ الأموات لا يساوون الأحياء في وجه من الوجوه إذ الموت غير الحياة المعهودة وما ثبت لهم من الحياة فهي برزخية غير الحياة المعهودة في الدنيا فمن أراد بها الحياة المعهودة في الدنيا التي تقوم فيها الروح بالبدن وتدبره وتصرفه ويحتاج معها إلى الطعام والشراب واللباس فهذا خطأ ظاهر والحس والعقل يكذبه كما يكذبه النص وأما من أراد حياة أخرى غير هذه الحياة بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا ليسأل ويمتحن في قبره ويرد السّلام على المسلمين فهذا حق ونفيه خطأ وقد دل عليه النص الصحيح الصريح وهذه الحياة متفاوتة فحياة الأنبياء أكمل من حياة الشهداء وحياة الشهداء أكمل من حياة غيرهم وهذه الحياة حياة برزخية لا يعلم كنهها إلا الله فقول هذا الجاهل المركب إنهم يتوسلون بالولي إلى ربه ويطلبون منه أن يتوجه إلى ربه في قبول دعواتهم قول غير معقول وضلال عند

أهل الحق غير مقبول فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً بنص رسول الله صلى الله عليه وسلّم حيث قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث" الحديث، فإذا كان قد انفطع عمله لنفسه فكيف يطلب منه أن ينفع غيره أو يشفع له هذا من أمحل المحال وأضل الضلال.
وقوله: إن الميت لا تفني روحه بل هو سميع عليم معارفه باقية وبركته باقية إلى آخره.
فالجواب: أن يقال: إن سماع الميت مقيد بحال دون حال لا في جميع حالاته كما يشير إليه قول قتادة في أهل القليب وسماع الميت خفق نعال من يدفنونه إذا ولوا عنه وحال الأموات تختلف اختلافاً عظيماً وللأرواح بعد مفارقة هذا الجسم شأن لا يحيط بتفصيله إلا الله ومن زعم أن الاستمداد منهم جائز لا يفرق بين القريب والبعيد كما هو مشاهد ممن يدعو الأنبياء والصالحين ويستمد منهم وأفضل الخلق صلى الله عليه وسلّم قد ثبت عنه أنه يبلغ صلاة أمته مع البعد عن قبره ولا يسمعه فكيف بغيره فإذا ثبت أنه لا يسمعه من بعيد بل يبلغه فغيره أولى فكيف يعتقد في الأموات أنهم يسمعون

وينفعون ويضرون وهم جثث بالقبور صارت أجسامهم إلى الفنا والبلا فكيف ذهب الشيطان بعقول هؤلاء المشركين إلى أن بلغ بهم إلى أن نزلوا المخلوق منزلة الخالق والعبد العاجز منزلة المعبود القاهر فوق عباده ونزلوا الميت منزلة الحي القيوم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض فجعلوهم شركاء لله في الإلهية والربوبية والملك وفي علم الغيب واعتقدوا فيهم أنهم يسمعون من دعاهم من الأماكن البعيدة وهم أموات رفات وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ الآية [النحل:20ـ21] فترك هؤلاء المشركون الإيمان بالقرآن ونبذوه وراء ظهورهم واعتقدوا المحال الذي أحالته العقول الصحيحة وأنكرته الفطر السليمة المستقيمة وإذا كان المدعو في حال حياته واجتماع حواسه وحركاته لا يسمع من دعاه على البعد ولو مسيرة فرسخ فكيف يجوز في عقل من له أدنى مسكة من عقل أنه إذا مات وفارقت روحه جسده وذهبت حواسه وحركته بالكلية وصار رهينا في الثرى جسداً بلا روح أنه والحالة

هذه يسمع من دعاه وإذا كانت أرواح الأنبياء والصالحين في أعلى عليين فيمتنع عقلاء وشرعاً وفطرة وقدر أن الأرواح التي فوق السموات السبع وفي أعلى عليين أنها تسمع دعاء أهل الأرض وتنفعهم وتتصرف فيهم هذا محال قطعا وضلال مبين بدليل قوله تعالى: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الاحقاف: من الآية5]، فكل من دعى من الأموات والغائبين والأنبياء والصالحين فمن دونهم غافل عن دعاء داعية بنصوص القرآن العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فسبحان من أنزل كتابه روحاً وهدى ونورا وبرهانا يهتدى به من هداه الله إلى صراطه المستقيم فمن قال: إنهم بعد مماتهم يسمعون دعاء من دعاهم لأنّ أرواحهم لا تفنى وهم في أعلى عليين فقد سوى بين الأرواح وبين الله الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ويسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات ولا يشغله سمع عن سمع وبين الأموات والحي الذي لا يموت ونسبته اعتقاد ذلك إلى العلماء كذب بحث وتمويه على الجهال فلم يعتقد هذا أحد من

العلماء المعروفين المشهورين بالعلم والصلاح والدين الذين لهم قدم صدق في العالمين وإنما يعتقد هذا من يجوز دعاء الصالحين والالتجاء إليهم في الحياة وبعد الممات وبهذا تعرف خطأ هذا المعترض في اعتراضه على الصنعاني رحمه الله تعالى.
فصل: قال المعترض ومن تلك الأمور التي ذكر عبد الله السندي في رسالته قوله في حال زائر قبور الصالحين لكن لأي معنىً قام يمشي إلى القبر إلى آخر ما ذكره ثم قال وإذا لم يكن له اعتقاد في الميت على الصفة التي ذكرنا فهو عاص أثم إلى آخر كلامه نقلاً عن محمد بن إسماعيل الصنعاني هذا ما نقله المكي قال وهو صريح في أن الصنعاني المذكور من التابعين لابن تيمية في معتقد هم الفاسد أن الولي الصالح لا يبقى له قدر ولا تشريف بعد موته إلى آخر ما ذكره وهذا المكي جاهل لا يعرف الرجال بالحق بل من كان معتقده معتقد أهل السنة والجماعة فهو من أتباع ابن تيمية ونعما هي من خصلة سنيته، وحينئذ فالجواب أن يقال: قد تقدم قريباً نفى مساواة الميت بالحي فلا نطيل بإعادته فلم يبق إلاّ

ما ذكره العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله تعالى وهو أن مشيك إلى القبر لتسمع الميت توسلك به وتعطف قلبه عليك وتتخذ عنده يداً بقصده وزيارته والدعاء عنده والتوسل به إذ قد تقدم أنه قد انقطع عمله فهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضراً فكيف بغيره وهذا المعترض ما وجد ما يرد به كلام الصنعاني إلا أنه من التابعين لابن تيمية ولم يأت بدليل يرد ما ذكره إلا أن معتقد أهل السنة والجماعة المعتصمين بكتاب الله وسنة رسوله معتقد فاسد وذاك لجهله بما كان عليه السلف الصالح والصدر الأول فإنه لم ينقل عنهم أنهم كانوا يشدون الرحال لزيارة المشاهد ويقصدونهم لتفريج الكربات وإجابة الدعوات هذا لم ينقله أحد عنهم ولم يفعله أحد منهم وليس عند هذا المعترض إلا ما عند عبدة القبور والصالحين من الأكاذيب الموضوعة والحكايات المصنوعة والحكايات المصنوعة وتمويهات من كانت أفئدتهم بالشر مطبوعة.
قال المعترض: ومما يرد قوله: فهو عاصٍ آثم ما نقله عبد الله السندي عن الشيخ حسين بن

غنام الإحسائي وهو من علمائهم المرضين عندهم إلى آخر ما نقله المعترض.
والجواب: أنّ هذا المعترض أسقط من كلام الشيخ ابن غنام ما يهدم أصله ويوافق الصنعاني رحمه الله وذكر ما لا يغني عنه عند التحقيق وجعله مناقضة وأنا أذكر كلام الصنعاني رحمه الله وكلام ابن غنام على أصله ليتبين لك تمويه هذا المعترض وعدم علمه ومعرفته بكلام العلماء والمتوافق المؤتلف والمتناقض المختلف قال الصنعاني رحمه الله: "ومن قال إنه لم يقصد بدعاء الأموات والنحر لهم والنذر عليهم عبادتهم فقل له فلأي مقتضى صنعت هذا الصنيع فإن دعاك للميت عند نزول أمر ربّك لا يكون إلا لشيء في قلبك عبر عنه لسانك فإن كنت تهذوا بذكر الأموات عند عروض الحاجات من دون اعتقاد منك لهم فأنت مصاب بعقلك وهكذا إن كنت تنحر لله وتندر لله فلأي معنى جعلت ذلك للميت وحملته إلى قبره فإنّ الفقراء على ظهر البسيطة في كل بقعة من بقاع الأرض وفعلك وأنت عاقل لا يكون إلا لمقصد قد قصدته أو أمر قد أردته

وإلا فأنت مجنون قد رفع عنك القلم ولا نوافقك على دعوى الجنون إلا بعد صدور أفعالك وأقوالك في غير هذا على نمط أفعال المجانين فإن كنت تصدرها مصدر أفعال العقلاء فأنت تكذب على نفسك في دعواك الجنون في هذا الفعل بخصوصه فراراً عن أن يلزمك ما لزم عبّاد الأوثان الذين حكى الله عنهم في كتابه العزيز ما حكاه بقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً﴾ الآية [الأنعام:136]، فتأمل كلامه رحمه الله وأن هذا فعل عاقل مختار قاصد معتقد لذلك ثم قال: بعد ذلك في حال الزائر وإذا لم يكن له اعتقاد في الميت على الصفة التي ذكرنا فهو عاص إثم.
وأما كلام ابن غنام رحمه الله فقال: "العاشرة: قولهم في الاستسقاء لا بأس بالتوسل بالصالحين وقول أحمد يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلّم خاصة مع قولهم أنه لا يستغاث بمخلوق فالفرق ظاهر جداً وليس الكلام فما نحن فيه فكون بعض يرخص بالتوسل بالصالحين، وبعضهم يخصه بالنبي صلى الله عليه وسلّم وأكثر العلماء ينهى عن ذلك ويكرهه هذه المسألة من مسائل الفقه ولو كان الصواب عندنت قول

الجمهور أنه مكروه فلا ننكر على من فعله ولا إنكار في مسائل الاجتهاد، لكن أنكرنا على من دعا المخلوق أعظم مما يدعو الله تعالى ويقصد القبر يتضرع عند الشيخ عبد القادر أو غيره يطلب منه تفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإعطاء الرغبات فأين هذا ممن يدعو الله مخلصاً له الدين لا يدعو مع الله أحداً ولكن يقول في دعائه" أسألك بنبيك أو بالمرسلين أو بعبادك الصالحين" أو يقصد قبر معروف أو غيره يدعو عنده لكن لا يدعو إلا الله مخلصاً له الدين فأين هذا مما نحن فيه فانظر رحمك الله كيف أسقط من كلام ابن غنام مما يهدم أصله وذكر منه ما ظن أنه مناقضة وهو عين الموافقة فإن قوله رضي الله عنه لكن أنكرنا على من دعا المخلوق أعظم مما يدعو الله تعالى ويقصد القبر يتضرع عند الشيخ عبد القادر أو غيره يطلب تفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإعطاء الرغبات موافق لكلام الصنعاني رحمه الله في قوله فإن دعائك للميت عند نزول أمر ربك لا يكون ألا لشيء في قلبك عبر عنه لسانك فأين المناقضة بين هذين الكلامين.
وأما قول الصنعاني في حال الزائر

وإذا لم يكن له اعتقاد في الميت على الصفة التي ذكرنا فهو عاص آثم وقول ابن غنام فأين هذا ممن يدعو الله مخلصاً له الدين لا يدعو مع الله أحداً ولكن يقول في دعائه أسألك بنبيك إلى آخره فإن كلام الصنعاني رحمه الله في شد الرحال لزيارة المشاهد وشد الرحال إليها بدعة محرمة ومن فعل ذلك ولم يكن له اعتقاد في البيت فهو عاص آثم لقوله صلى الله عليه وسلّم: "لا تشد الرّحال إلا إلى ثلاثة مساجد" الحديث.
وأما شد الرحال إلى المشاهد فبأي دليل ومن فعل ذلك كان عاصيّا آثما لارتكابه ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وكلام ابن غنام في التوسل.
وقد اختلف العلماء في جوازه ومنعه كما ذكروا إذا كانت المسألة اجتهادية فهولاء إنكار في مسائل الاجتهاد فأين المناقضة بين هذين الكلامين هذا في التوسل وهذا في شدّ الرحال، وابن غنام رحمه الله من أشد الناس منعاً من شد الرحال إلى المشاهد وليس في كلامه هذا ما يشعر بجوازه لا لفظا ولا معنى إنما كلامه في الفرق بين من يدعو الصالحين ويطلب منهم تفريج الكربات

وإغاثة اللهفات وبين من لا يدعو إلا الله مخلصاً له الدين لا يدعو مع الله أحداً لكن يقول في دعائه أسألك بكذا وكذا فإن فعل الأول عنده كفر وخروج من الإسلام والثاني فعله مكروه عنده ومن فعله باجتهاد فلا ينكر عليه ولكن هذا المعترض أراد بهذا التلبيس والتمويه على خفافيش البصائر وإن كلام هؤلاء متناقض فالله يجزيه الذي هو أهله.
فصل: قال المعترض ـ بعد أن ذكر كلام الشوكاني في قوله: إن التوسل بأهل الفضل هو في التحقيق توسل بأعمالهم إذ لا يكون الفاضل فاضلا إلا بأعماله ورد السندي على الشوكاني هذا الكلام بأربعة وجوه ذكرها قال المكي: فانظر كيف أنكر على الشوكاني تقدير المضاف واستدلّ بالرّد عليه بوجوه أربعة كما نقلته آنفاً ثم وقع في تقدير المضاف في قوله، فإن المراد بالتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلّم هو التوسّل بدعائه إلى كلامه.
ومقصوده بهذا أنهما من اتباع ابن تيمية وقد ناقض أحدهما الآخر، والجواب أن يقال: إذا كان السندي من أتباع ابن تيمية والشوكاني كذلك من أتباع ابن تيمية

واختلفا في مسألة فاختلافهم لا يسقط الحق مع من كان والحق أحق أن يتبع والصواب هو ما قاله السندي فإن حقيقة التوسل بالشيء التوسل بذاته والتوسل بالأعمال أمر خارج زائد على الحقيقة ولا يصرف عن الحقيقة إلى المجازا لا لمانع فلا يتم له الدليل على أن التوسل بذواتهم إنما هو باعتبار ما قام بهم من الأعمال الصالحة فإن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة لم يتوسلوا إلا بأعمالهم الخارجة عن حقيقة الذات ولم يتوسلوا بذواتهم وكونه أعني هذا المعترض جعل كلام السندي متناقضاً لأنه قال في آخر الكلام فإن المراد بالتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلّم وبعم النبي صلى الله عليه وسلّم في هذا القول هو التوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلّم وبدعاء عمّه هذا ليس بتناقض فإن التوسل بالنبي في عرف الصحابة هو التوسل بدعائه وكذلك لما توسل عمر بالعباس إنما هو بدعائه لقوله: "قم يا عباس فادع الله"، وكقول معاوية ليزيد بن الأسود الجرشي: "قم يا يزيد فادع الله"، وليس هذا توسلاً بالذوات لأن التوسل بالذوات لم يرد إلا بلفظ غير ثابت لا يصح والتوسل بالأعمال قد ثبت بالكتاب

والسنة الصحيحة وليس هذا من تقدير المضاف في شيء حتى يكون تناقضاً.
فصل: قال المعترض: ومن تلك الأمور التي ذكرها عبد الله السنديّ بعد أن نقل عن شيخنا السيد دحلان أن العلامة ابن جماعة نقل عن الإمام أبي حنيفة استقبال القبر الشريف أي للزائر عند السلام عليه صلى الله عليه وسلّم، قوله: أقول راجعت منسك ابن جماعة فلم أجد أثراً من هذا النقل وإنما فيه في ذلك الباب إن الذي صححه الحنفية أنه يستقبل القبلة عند السلام عليه والدعاء إلى آخره قال: والجواب: أولاً: أن شيخنا فيما نقله عن ابن جماعة من الأوضاع التي ملأ بها رسالته الوضيعة ومقالاته الواهية الشنيعة فإنه رجل كذاب وضاع لا يستحيي من الكذب على أهل العلم وقد قال صلى الله عليه وسلّم: "إن مما أدرك الناس من أمر النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت".
والذي يدل على كذبه ما قاله ابن جماعة في منسكه: أن الذي صحّحه الحنفية أنه يستقبل

القبلة عند السلام عليه والدعاء وإطلاق دحلان ما نقله عنه ولم يقيده بمنسك ولا باب غير مسلم له صحة ذلك؛ لأنه معروف بالوضع والكذب وإذا كان ذلك كذلك فالمثبت للكذب لا يقدم على النافي له فإن المتقرر عند العلماء إن الجرح مقدم على التعديل فمالك ولهذه الصناعة وأنت لست ممن يتجر في هذه البضاع ولا ممن يسرح النظر في تلك الفياض ويسيم في فيح تلك المطاوح والرياض.
فقل لغليظ القلب ويحك ليس ذا... بعشك فادج طالباً عشك البال ولا تك ممن مد باعا إلى جنا... فقصر عنه قال ذا ليس بالمجال وقول المعترض: أن في رد هذه المقالة الخاطئة سوء أدب في حق علامة زمانه فهذا من عدم معرفته بما كان عليه أهل الحديث من الجرح والتعديل ونفيهم ما لم يصح نقله عن أهل العلم بالبرهان والدليل إذ نفى الكذب عنهم من نصرهم والذب عنهم والقيام بحقوقهم وبتبرئتهم من الكذب المنسوب إليهم وأما دحلان فهو لا حرمة له لأنه من الدعاة إلى عبادة القبور وطلب الحوائج من الأموات والالتجاء إليهم في كشف الشدائد في الملمات والمهمات ومن كان بهذه المثابة

فلا حرمة له ولا كرامة قال: وأرجو بفضل الله إن لم تتب وتندم أن يجازيك الله على سؤضيعك تباً ليفك هذه الرسالة في الرد على شيخنا السيد أحمد دحلان بالذل والهوان في الدنيا والآخرة سوف ترى إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار.
والجواب أن يقال: نعم إذا انكشف الغبار، وافترق الناس فريقين فريق إلى الجنة وفريق إلى النار، هل تحته فرس أجراه لنصر الله ورسوله وأئمة المسلمين أو حمار، وستعلم حينئذ من كان على نهج الرسول وطريقه ومن نحى طريقة أبي جهل وكان من فريقه، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: من الآية227]، و ﴿لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:67]، وليس من نصر الله ورسوله وأئمة المسلمين وذب عنهم وأمر بتوحيد الله بإخلاص العبادة له بالدعاء والخوف والرّجاء والخشية والرغبة والرهبة والخضوع والخشوع والمحبة والتعظيم والتوكل والإنابة والاستغاثة والاستعانة وغيرها من أنواع العبادات كمن ذب عمن صرفها لغيره من المعبودات الأحياء منهم والأموات فأحبهم محبة تأله وخضوع ودعاء مع الله في المهمات والملمات والحوادث التي لا يكشفها ولا

يجيب الدعاء فيها إلا فاطر الأرض والسموات وعكف حول أجداثهم وقبل أعتابهم وتمسح بآثارهم طلبا للغوث واستجابة الدعوات.
والله لن يستويا ولن يتلاقيا... حتى تشيب مفارق الغربان وما أحسن ما قيل شعراً: وما يستوي الشخصان هذا مصعد... إلى المرقب الأعلى وهذا مصوب وما يستوي البرقان هذا مبشر... بغيث وهذا كاذب للمع خلّب ولولا العيون الرمد ما كان يستوي... على حالة ضدان نور وغيهب فصل: قال المعترض: ومن تلك الأمور التي ذكرها السندي بعد أن نقل عن شيخنا عن ابن حجر أن الإمام الشافعي أيام هو ببغداد كان يتوسّل بالإمام أبي حنيفة إلى آخر قوله: لا بد فيما ذكر من سند يعتمد عليه وبعده أقوال من ذكروا فعالهم ليست من الحجة في شيء قال: فيقال لعبد الله السندي مثل هذا المطلب لا يتوقف على سند الأحكام إلى آخر ما قال.
والجواب إنما قاله عبد الله السندي هو الحق والصواب لما قدمنا أن الناقل لها معروف بالوضع والكذب وهي كما ذكر في إغاثة اللهفان

من أن الحكاية المنسوبة عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي حنيفة من الكذب الظاهر بل قد ثبت عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال: "أكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجداً مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس وذكر هذا عن أبي بكر الأثرم وغيره من أصحاب أحمد وسائر العلماء ذكره شيخ الإسلام رحمه الله وأما كون هذا المطلب لا يتوقف على سند فهذا لا يقوله من له أدنى إلمام بالعلوم ولا معرفة له بالمنطوق والمفهوم بل لا بد في نقل ذلك من سند يعتمد عليه وإلا فهو كذب والكذب مردود على من افتراه وافترعه.
وقول المكي: وكفى بقولك أقوال من ذكروا فعالهم ليست من الحجة في شيء قبحا وسوء أدب مع الإمام الشافعي وأضرابه وإذا لم تقتد بأقوال وأفعال من ذكر في مثل هذه الفضائل فيمن يحسن الاقتداء إلى آخر ما قال، فيقال: لو صحت هذه الحكاية وحاشى وكلاً إن تصح وكان الشافعي رضي الله عنه قد فعلها ولم يفعلها مالك ولا أبو حنيفة ولا أحمد فضلاً عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أفكان فعله حجة على مالك وأبي حنيفة وأحمد

وعلى كل من خالفه في هذه المسألة والصحابة رضي الله عنهم لم يذكر عن أحد منهم أنه فعل هذا ولا جاء به خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقد صح عنه صلى الله عليه وسلّم أنه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، ومن نقل هذا عن أحد من الصحابة فعليه الدليل بنقل العدل الضابط عن مثله وإذا لم ينقل فهو مردود على من قال به أو فعله لأن العبادات مبناها على التوقيف وهؤلاء الأئمة الأربعة قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه وذلك هو الواجب عليهم.
قال أبو حنيفة رحمه الله: "هذا رأيي فمن جاء برأي خير منه قبلناه"، ومالك كان يقول: "إنما أنا بشر أصيب وأخطئ فأعرضوا قولي على الكتاب والسنة"، أو كلاماً هذا معناه والشافعي يقول: "إذا صح الحديث فأضربوا بقولي الحائط وإذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق" فهي قولي والإمام أحمد كان يقول: "لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي ولا الثوري وتعلم كما تعلمنا".
فإذا كان الأئمة الأربعة رضي الله عنهم قد نهونا عن تقليدهم إلا فيما وافق الكتاب والسنة ولم يكن مع الإمام الشافعي سنة فيما فعله على سبيل الفرض والتقدير

لم يكن حجة كيف وقد قال: "إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط"، وحسن الأدب معه أن يتمثل أمره في المعروف وسوء الأدب معه أن يرتكب ما نهى عنه مما خالف الحق ويكفيك من سوء معتقد هذا المكي وعدم بصيرته أنه جعل هذه الأوضاع التي لا تصح عن أحد من الأئمة فضائل فالله المستعان.
فصل: قال المعترض: ومن تلك الأمور التي ذكرها عبد الله ترجمته لمحمد بن عبد الوهاب ناقلاً عن الشيخ حسين بن غنام الأحسائي مما يفيد الثناء على محمد بن عبد الوهاب، قال: فيقال لعبد الله السندي عندنا معاشر أهل الحق من أهل المذاهب الأربعة ومقلديهم أن ثناءك على ابن عبد الوهاب من أعظم عيوب رسالتك وكيف تثني على من طبق البقاع خبره الشنيع وملأ الأسماع وصفه الوضيع، وقد ذمّه من علماء عصره عدد كثير فذكر منهم عبد الله بن داود الحنبلي، وأحمد بن علي القباني صاحب البصرة وعطاء المكي وأحمد المصري الأحسائي، ومحمّد بن عبد الرحمن بن عفالق، وعلوي بن أحمد الحداد.
والجواب أن يقال: إن معاشر أهل الحق ولله الحمد والمنة على خلاف ما زعمت وعلى غير

طريقتك التي انتحلت وقد أثنوا عليها وارتضوها وأقروا ما فيها من الثناء الجميل ويتقنوا فضل الشيخ وعلمه وتحقيقه، وصنفوا مصنفات أوضحوا فيها معتقده وتصديقه وأنه كان على ما كان عليه السلف الصالح في باب العلم والإيمان، والتحقيق والعرفان، ولا عبرة بمن خالفهم وإن كانوا عديد الشاء والبعران وأما من ذمه ممن ذكرت فإن كل هؤلاء ممن شرق بهذا الدين وعصفت عليهم عواصف الشقوة فسفتهم إلى أسفل السافلين، وماذاك إلا لما ألفوه من عادات أهل الزمان من عبادة الطواغيت والأوثان و ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: من الآية23].
وحسداً منهم وبغيا حيث من الله على هذا الشيخ بإظهار هذه الدعوة كما قال إخوانهم ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: من الآية53]، وكل من هؤلاء قد أدحض الله حجته وألقم حجراً بالعلم والبرهان وصارت مصنفاتهم وردودهم ضحكة للساخرين وشماتته لمن نظر فيها من أهل المعرفة والدين؛ لأنهم إنما نقلوا فيها منكراً من القول وزوراً، وأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر: من الآية5] وعدلوا عن منهج

فصول الكتاب · 3 فصل · 160 صفحة
جارٍ التحميل