غلاة الشيعة والناصبة يوالي جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ويكف عما شجر بينهم ويرى إنهم أحق الناس بالعفو عما يصدر منهم وأقرب الخلق إلى مغفرة الله وإحسانه لفضائلهم وسوابقهم وجهادهم ولي أيديهم من فتح القلوب بالعلم النافع والعمل الصالح فمحو آثار الشرك وعبادة الأولياء والنيران والأصنام والكواكب ونحو ذلك مما عبده جهال الأنام ويرى البراءة مما عليه الرافضة وإنهم سفهاء لئام ويرى أن أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر فعمر فعثمان فعلي رضي الله عنهم أجمعين، ويعتقد أن القرآن الذي نزل به الروح الأمين على قلب سيّد المرسلين وخاتم النبيين كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود ويبرأ من رأى الجهمية القائلين بخلق القرآن ويحكي تكفيرهم عن جمهور السلف أهل العلم والإيمان ويبرأ من رأي الكلابية اتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب القائلين بان كلام الله هو المعنى القائم بنفس الباري وأن ما نزل به جبرئيل حكاية أو عبارة عن المعنى النفسي ويقول هذا من قول الجهمية
وأول من قسم هذا التقسم هو ابن كلاب وأخذه عنه الأشعري وغيره كالقلانسي، ويخالف الجهمية في كل ما قالوه وابتدعوه في دين الله ولا يرى ما ابتدعه الصوفية من البدع والطرائق المخالفة لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلّم وسنته في العبادات والخلوات والأذكار المخالف للمشروع ولا يرى ترك السنن والأخبار النبوية لرأي فقيه ومذهب عالم خالف ذلك باجتهاده بل السنة أجل في صدره وأعظم عنده من أن تترك لقول أحد كائنا من كان قال عمر بن عبد العزيز: "لا رأي لأحد مع سنة سنّها رسول الله صلى الله عليه وسلّم" نعم عند الضرورة وعدم الأهلية والمعرفة بالسنن والأخبار وقواعد الاستنباط والاستظهار يصار إلى التقليد لا مطلقاً بل فيما يتعسر ويخفى ولا يرى إيجاب ما قاله المجتهد لا بدليل تقوم به الحجة من الكتاب والسنة خلافاً لغلاة المقلدين ويوالي الأئمة الأربعة ويرى فضلهم وإمامتهم وأنهم من الفضل والفضائل في غاية ورتبة يقصر عنها المتطاول ويوالي كافة أهل الإسلام وعلمائهم
من أهل الحديث والفقه والتفسير وأهل الزهد والعبادة ويرى المنع من الانفراد عن أئمة الدين من السلف الماضين برأي مبتدع أو قول مخترع فلا يحدث في الدين ما ليس له أصل يتبع وما ليس من أقوال أهل العلم والأثر، ويؤمن بما نطق به الكتاب وصحت به الأخبار وجاء الوعيد عليه من تحريم دماء المسلمين وأموالهم وإعراضهم ولا يبيح من ذلك إلا ما أباحه الشرع وأهدره الرسول ومن نسب إليه خلاف هذا فقد كذب وافترى وقال: ما ليس له به علم ويسجزيه الله وما وعد به أمثاله من المفترين.
فهذا اعتقاد الشيخ إذ كنت جاهلاً... بأحواله بل قلت زورا ومأثما ولم تتحقق أو علمت وإنما... دعاك إلى ما قلته البغي والعما فلم تبصر الشمس المنيرة في الضحى... وأعشاك منها ضوؤها إذ تبسما فحدّق بعين القلب فيما مفكرا... وأنصف بحكم العدل إن كنت مسلما فإن كان هذا أصل كل ضلالة... وكل فساد في الورى قد تجهّما وليس هو الدّين الحنيفي والهدى... وكان لدى هذا ابتداعا ومأثما وليس اعتقاد الأئمة كلهم... وأخرهم فيه قفا من تقدما
فقد خاب مسعى كل حبر وجهبذ... وقد سلكوا نهجاً من الغي مظلماً وكان هو الآتي بكل فضيلة... وأصحابه أهل الضلالة والعما وعباد عبد القادر الحبر ذي النهى... وما في المعلى حيث من كان يرتما ويقصد بالأمر المحرم فعله... من الكفر والشرك الذي كان أظلما وقبر ابن علوان الذي شاع ذكره... كذا البُرعي والزيلعي إذ يعظما وقبر ابن عباس وحوّى وزبيب... وقبر علي والحسين وكلّما على ظهرها من معبد لذوي الرّدى... ومشهد كفرغيّه قد تعظما لئن كان أصحاب الحديث ومن على... طريقتهم جاءوا ضلاللا محرما وكانوا على غير الهدى لاتباعهم... من الدين والتوحيد ما كان أقوما وكان وعباد القبور على الهدى... يقينا ولمايا لقواقط مأثما فقد هزلت واخلولق الدين وانمحت... معالمه بين الورى إذ تهدّما فيا منصفا بالله أية عصبة... على الدين والتوحيد إن كنت مسلما فكن حاكما بالحق لا متعصبا... ولم من أتى ظلما وإفكا محرماً أم اتخذ الأنداد لله جهرة... يحب كحب الله عبدا معظّماً ويدعوه في كشف الملمات أن عرت... وتفريحه كربا أضروا لما
وجبر مهوض وانتصار على العدى... وعزّ وإسعاف على كل من رما ويرجوه في جلب المنافع جملة... ويقصده فيما أهمّ وأسئما ويطلب منه الغوث بل يستعينه... إذا فادح الخطب أدلهمّ واجهما ويخشاه بل ينقاد بالذل رهبة... ومستصغرا بل مستكينا مسلما ينيب إلى من ليس يملك ذرة... ويرغب في مأمول ما منه يرتما وقد كان فيما نابه متوكلا... عليه وينسى فاطر الأرض والسّما ويخضع منقادا له متذللا... ومستسلما هذا هو الكفر والعما ويهرع بالمنذور والذبح لاجيا... إليه بما ادّى وأبدى وعظما أهذا أم العبد الذي ليس خائفا... ولا راجيا إلا إلها معظّما مليكا عظيما قادرا متفردا... معاذا ملاذا للعباد ومعصما ويعلم أن الله لا ربّ غيره... هو الخالق الرّزاق بل كان منعما فأفعاله سبحانه وبحمده... تفرد عن ند بها وتعظما فليس له فيها شريك ولا له... مثيل فيدعى أو نديد فيرتما كذلك لا يدعى ويلجى ويرتجا... لكشف ملم أو مهمّ تفخما سواه فأنواع العبادة كلها... بأفعالنا لله قصدا تحتما
فأيهما أولى وأهدى طريقة... وأيهما باللوم قد كان ألوما أهذا الذي أدى العبادات كلها... بأنواعها لله حقا معظما أم المشركون الجاعلون لربهم... عديلا فأنصف أيّنا كان أظلما وقد كان فيما قد تقدم عبرة... لمن كان ذا قلب وقد كان مسلما بأخبار أحبار ثقات أئمة... عن الشرك في الأقطار والظلم والعما وفي نجدنا من ذاك ما مر ذكره... وفي كل قطر منهل الكفر قد طما فأظهر مولانا بفضل ورحمة... وجود وإحسان إماما مفهّما تقيا تقيا المعيا مهذبا... نبيلا جليلا بالهدى قد ترسما تبحر في كل الفنون فلم يكن... يشق له فيها غبار ولن وما وسبّاق غايات وطلاع انجد... وبحر خضم أن طلاطم أوطما فأطد للتوحيد ركنا مشيّداً... وأرشد حيرانا لذاك وعلّما وحذّر عن نهج الرّدى كل مسلم... وهدّ من الإشراك ما كان قد سما وجادله الأحبار فيما أتى به... وكل امرء منهم لدى الحق أحجما والزم كلا عجزه فتألبوا... عليه وعادوه عنادا ومأثما
فلم يخش في الرحمن لومة لائم... ولا صده كيد من القوم قد طما وكل امر أبدى العداوة جاهداً... وبالكفر والتجهيل والبهت قدرما فأظهره المولى على كل من بغى... عليه وعاداه فما نال مغنما وكيف وقد أبدى نوابغ جهلهم... فكم مقول منهم تحدّى فأبكما والقمه بالحق والصدق صخرة... وكان إذا لاقي العداة عثمثما وقد رفع المولى به رتبة الهدى... بوقت به الكفر ادلهم واجهما فزالت مباني الشرك بالدين وانمحت... وفل حسام كان بالكفر لهذما وحالت مغاني الغي واللهو والهوى... فإشراق نور الحق لما تبسّما فيا أيها المكيّ اقصر فإنما... قصاراك أن تلقى الكماة فتندما فكم من أخي جهل أتى من شقائه... ليبني من الكفران ركنا مهدما وعاث سفاها في ذوي الدين والهدى... وكان بما أبدى جريّا عشمشما ففودر مجد ولا على أم رأسه... وقد خاب مسعاه وما نال مغنما كنجل ابن جرجيس ودحلان إذ هما... قد اقترحا كذبا وإفكا محرما فمن رام خذلانا لدين محمد... وناصره نال الشقاء المحتّما سنسقيه بالبرهان كأساً روية... إذا ما تحسّاها سماما وعلقما
فللدين أنصار حماة تجردوا... وقد فوقوا نحو المعادين أسهما وقد خلت أن الربع أقفر منهموا... فأجريت أقلاما من الجهل والعما برد عيييّ سامج لا يقوله... ويحكيه إلا من يكون مبرسما أو الأحمق المسلوب لبة عقله... ولو كان ذا عقل إذا ما تكلما ولكنه من غيّه وغبائه... بثبج خُداريّ من الجهل قد ظما فصل في ذكر شيء من كلام الشيخ في رسائله ودعوته إلى الله التي سماها هذا المكي أصل كل ضلال وفساد، فتأمل ما ذكر الشيخ رحمه الله بعين البصيرة والأنصاف، وإياك ورد ما فيه قبل التأمل بالجهل والاعتساف لما منّ به أهل الضلال والشقاق والخلاف، فقد وضعوا من الأكاذيب والهذيان ما تنفر عنه صبيان العقول من عبدة القبور والأوثان، وتشمئز منه نفوس أهل الغي والطغيان وتراهم عند سماع ذكر الوهابية كالحمرة المستنفرة بلا أرسان ويفزعون منهم كالغيل حين يقال للصبيان فتأمله بشراشر قلبك وسرج ثاقب فكرك في غور معانيه، وفصاحته ورصانة مباينة، قال رحمه الله تعالى في رسالة له المسألة الأولى إن الله خلقنا وصورنا و
لم يتركنا هملاً بل أرسل إلينا رسولا معه كتاب من ربنا فمن أطاعه فهو في الجنة ومن عصاه فهو في النار والدليل على ذلك قوله تعالى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ﴾ الآية [المزمل:15] وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء:13] والآية بعدها.
الثانية: أن الله سبحانه ما خلق الخلق إلا لعبادته وحده مخلصين له الدين والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذريات:56]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾ [البينة: من الآية5].
الثالثة: إنه إذا دخل المشرك في العبادة بطلت ولم تقبل وأن كل ذنب يرجى له العفو إلا الشرك والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الآية [الزمر:65]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: من الآية72].
ومن أنواع هذا الشرك أن يعتقد الإنسان في غير الله من نجم أو إنسان نبيّاً كان أو صالحاً أو كاهنا أو ساحراً أو نباتاً أو شيطاناً أو غير ذلك أنه يقدر بذاته على جلب منفعة لمن دعاه واستغاث به أو دفع مضرة، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ
رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ الآية [فاطر:2]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: من الآية107]، فإذا ثبت في القلب أنه عز وجل بهذه الصفات فوجب أن لا يستغاث إلا به ولا يستعان إلا به، ولا يدعى إلا هو ولا يخاف ولا يرجى إلا هو، ولذلك قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا﴾ [التوبة: من الآية51]، وقال تعالى توبيخاً لأهل الكتاب الذين يستغيثون بعيسى وأمه وعزير عليهم السلام لما أنزل الله عليهم القحط والجدب: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ الآية [الاسراء:56]، وقال تعالى لنبيه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية [الكهف:110]، وقال: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [لأعراف:188]. ومن أنواع هذا الشرك: التوكل، والصلاة، والنذر، والذبح لغير الله فقد قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: من الآية123]، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: من الآية58]، وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: من الآية23]، وقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة:3]، وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:2]، وقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:162]. ومن أنواع هذا الشرك
تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله واعتقاد ذلك، فقد قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة:31]، فقال عدي بن حاتم: "يا رسول الله ما عبدوهم، قال: بلى أما حرموا عليهم الحلال فأطاعوهم؟ قال: بلى، قال: أما حللوا عليهم الحرام فأطاعوهم؟ قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم".
وأحبارهم ورهبانهم علماؤهم وعبادهم وذلك أنهم اتخذوهم أربابا وهم لا يعتقدون ربوبيتهم بل يقولون ربّنا ربهم الله لكن أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله وجعل الله ذلك عبادة فمن أطاع إنساناً عالماً أو عابداً أو غيره في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله واعتقد ذلك بقلبه فقد اتخذه ربا كالذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، ومن ذلك أن نفراً من المشركين قالوا يا محمد الميتة من قتلها؟ قال: الله، قالوا: كيف تجعل قتلك أنت وأصحابك حلالاً، وقتل الله حراماً؟ فأنزل الله قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:121]. ومن أنواع هذا الشرك العكوف على قبور المشهورين بالنبوة والصحبة، والولاية لأنّ الناس يعرفون الرجل الصالح وبركته
ودعائه فيعكفون على قبره ويقصد وأن ذلك فتارة يسألونه وتارة يسألون الله عند قبره وتارة يصلون ويدعون الله عند قبره ولما كان هذا مبدأ الشرك سدّ النبي صلى الله عليه وسلّم هذا الباب ففي الصحيحين: أنه قال: في مرض موته: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا" قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره لكن كره أن يتخذ مسجداً وقال: "لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً وصلوا عليّ حيث ما كنتم فإن صلواتكم تبلغني"، وقال صلى الله عليه وسلّم: "لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج"، وقال في الموطأ عنه صلى الله عليه وسلّم: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد"، وفي صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه، قال: "بعثني رسول الله أن لا أدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته"، فأمر بطمس التماثيل من الصورة الممثلة على صورة الميت، والتمثال الشاخص المشرف فوق قبره فإن الشرك يحصل بهذا وبهذا، وبلغ عمر رضي الله عنه أن قوما يذهبون إلى الشجرة التي بايع النبي صلى الله عليه وسلّم أصحابه تحتها فأمر بقطعها وأرسل
إليه أبو موسى أنه ظهر بتستر قبر دانيال وعنده صحيفة فيه أخبار ما سيكون، وفيه أخبار المسلمين ,انهم إذا جدبوا كشفوا عن القبر فمطروا، فأرسل إليه عمر يأمره أن يحفر في النهار ثلاثة عشر قبرا ويدفنه بالليل في واحد منها لئلا يعرفه الناس فيفتتنون به".
واتخاذ القبور مساجد مما حرم الله ورسوله وإن لم يبن عليها مسجداً، ولما كان اتخاذ القبور مساجد وبناء المساجد عليها محرما لم يكن من ذلك شيء على عهد الصحابة والتابعين، وكان الخليل عليه السلام في المغارة التي دفن فيها وهي مسدودة لا أحد يدخلها ولا تشدّ الصحابة الرحال لا له ولا إلي غيره من المقابر، ففي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلّم قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا".
وكان من يأتي منهم إلى المسجد الأقصى يصلون فيه ثم يرجعون لايأتون مغارة الخليل ولا غيرها، وكانت مسدودة حتى استولى النصارى على الشام في أواخر المائة الرابعة ففتحوا البلاد وجعلوا ذلك مكان كنيسة، ولما فتح المسلمون البلاد اتخذه بعض الناس مسجداً، وأهل العلم ينكرون ذلك.
وهذه البقاع
وأمثالها لم يكن السابقون الأولون يقصدونها ولا يزورنها فإنها محل الشرك ولهذا توجد فيه الشياطين كثيراً، وقد رآهم غير واحد على صورة الإنسان ويقولون لهم رجال الغيب يظنون أنهم رجال من الإنس غائبون عن الأبصار، وإنما هم جن والجن رجال، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:6]، وما أحدث في الإسلام من المساجد على القبور هو من فعل من لم يعرف شريعة الإسلام وما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلّم من كمال التوحيد وإخلاص الدين لله وحده وسدّ أبواب الشرك التي يفتحها الشيطان ولهذا يوجد من كان أبعد عن التوحيد والإخلاص ومعرفة الإسلام أكثر تعظيماً لمواضع الشرك، فالعارفون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم وحديثه أولى بالتوحيد والإخلاص وأهل الجهل بذلك أقرب للشرك والبدء ثم ذكر كلاماً طويلاً، وقال في رسالته إلى عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف، وأمّا ما ذكر لكم عني فإني لم آته بجهالة بل أقول ولله الحمد وله المنة وبه القوة ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:161]، ولستُ لله الحمد ادعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو أمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم أو الذهبي
أو ابن كثير أو غيرهم بل ادعوا إلى الله وحده لا شريك له وادعوا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم التي وصّى بها أول أمّته وآخرهم وأرجو أني لا أرد الحق إذا تأنى بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه أن أتاني منكم كلمة من الحق لأقبلنها على الرأس والعين ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلّم فإنه لا يقول إلا الحقّ.
ومن رسالته لعبد الله بن سحيم قال: ولا يخفى أن المسائل التي ذكرتم أنها بلغتكم في كتاب من العارض جملتها أربعة وعشرون مسألة بعضها حق وبعضها بهتان وكذب وقبل الكلام فيها لا بد من تقديم أصل وذلك أن أهل العلم إذا اختلفوا والجهال إذا تنازعوا ومثلي ومثلكم إذا اختلفنا في مسألة هل الواجب اتباع أمر الله ورسوله وأهل العلم أو والواجب اتباع عادة الزمان التي أدركنا الناس عليها ولو خالفت ما ذكره العلماء في جميع كتبهم، وإنما ذكرت هذا ولو كان واضحاً لأن بعض المسائل التي ذكرت أنا قلتها لكن هي موافقة لما ذكره العلماء في كتبهم الحنابلة وغيرهم، ولكن هي مخالفة لعادة الناس التي نشأوا عليها فأنكرها على من أنكرها لأجل
مخالفة العادة وإلا فقد رأوا تلك في كتبهم عياناً وأقروا بها وشهدوا أن كلامي هو الحق لكن أصابهم ما أصاب الذين قال الله فيهم ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ الآية [البقرة: من الآية89] وهذا هو ما نحن فيه بعينه فإن الذي راسلكم هو عدو الله ابن سحيم، وقد بينت له ذلك فأقر به وعندنا كتب يده في رسائل متعددة أنّ هذا هو الحق وأقام على ذلك سنين لكن أنكر آخر الأمر لأسباب أعظمها البغي أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده وذلك أن العامة قالوا له ولأمثاله: إذا كان هذا هو الحق فلأي شيء لم تنهونا عن عبادة شمسان وأمثاله فتعذروا أنكم ما سألتمونا قالوا وإن لم نسألكم كيف نشرك بالله عندكم ولا تنصحونا وظنوا أن يأتيهم في هذا غضاضة وأن فيه شرفاً لغيرهم، قال: وإذا تبين هذا فالمسائل التي شنع بها منها ما هو من البهتان الظاهر وهي قوله: إني مبطل كتب المذاهب، وقوله: إني أقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، وقوله: إني أقول: أن اختلاف العلماء نقمة، وقوله أني أكفر من توسل بالصالحين، وقوله: إني أكفّر البوصيريّ، لقوله: يا أكرم الخلق، وقوله: أني أقول: لو أقدر على هدم حجرة
الرسول لهدمتها ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزابان من خشب، قوله أني أنكر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلّم، وقوله: إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم وأني أكفر من يحلف بغير الله، فهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: من الآية16]، ولكن قبله من بهت محمداً صلى الله عليه وسلم أنه يسب عيسى ابن مريم ويسب الصالحين تشابهت قلوبهم وبهتوه بأنه يزعم أن الملائكة وعيسى وعزيراً في النار، فأنزل الله في ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الانبياء:101]. وأما المسائل الأخر وهي أني أقول لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلا الله، ومنها أني أُعرِّف من يأتيني بمعناها، ومنها أني أقول: لا إله إلا هو الذي فيه السر، ومنه تكفير الناذر إذا أراد به التقرب لغير الله وأخذ النذر لذلك، ومنها أن الذبح للجن كفر، والذبيحة حرام ولو سمّى الله عليها إذا ذبحها للجن، فهذه خمس مسائل كلها حق وأنا قلتها ونبدأ الكلام عليها لأنها أم المسائل وقبل ذلك أذكر معنى لا إله إلا الله، فنقول: التوحيد نوعان: توحيد الربوبية، وهو أن الله سبحانه منفرد بالخلق
والتدبير عن الملائكة والأنبياء وغيرهم، وهذا حق لا بد منه، لكن لا يدخل الرجل في الإسلام؛ لأنّ أكثر الناس مقرون به، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:31]، والذي يدخل الرجل في الإسلام هو توحيد الألوهية، وهو أن لا يعبد إلا الله لا ملك مقرب ولا نبي مرسل وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلّم بعث والجاهلية يعبدون أشياء مع الله فمنهم من يدعو الأصنام ومنهم من يدعو عيسى، ومنهم من يدعو الملائكة فنهاهم عن هذا وأخبرهم أن الله أرسله ليوحد ولا يدعى من دونه لا الملائكة ولا الأنبياء فمن تبعه ووحد الله فهو الذي شهد أن لا إله إلا الله، ومن عصاه ودعا عيسى والملائكة واستنصرهم والتجأ إليهم فهو الذي جحد لا إله إلا الله مع إقراره إنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله، وهذه جملة لها سبط طويل لكن الحاصل أن هذا مجمع بين العلماء، ثم تكلم رحمه الله تعالى على بقية المسائل الخمس، وذكر ما عليه أهل التحقيق من أهل المذاهب الأربعة، وقال في الرسالة التي أرسلها إلى عبد الرحمن بن عبد الله السويدي بعد أن ذكر أن الأعداء
أجلبوا علينا بخيل الشيطان بأشياء قال: ومنها إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه فضلاً عن أن يفتريه منها ما ذكرتم أنى أكفر جميع الناس إلا من اتبعني وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة ويا عجباً كيف يدخل هذا في عقل عاقل هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون وكذلك قولهم أنه يقول لو أقدر أهدم قبة النبي صلى الله عليه وسلّم لهدمتها وأما دلائل الخيرات فله سبب وذلك إني أشرت على من قبل نصيحتي من إخواني أن لا يصير في قلبه أجل من كتاب الله ويظن أن القراءة فيه أجل من قراءة القرآن وأما إحراقه والنهي عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلّم بأيّ لفظ كان فهذا من البهتان والحاصل أن ما ذكر عنا من الأسباب غير دعوة الناس إلى التوحيد والنهي عن الشرك فكله من البهتان، وقال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الوهاب إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام نصر الله بهم سيد الأنام وتابعي الأئمة الأعلام: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد جرى علينا من الفتنة، ما بلغكم وبلغ غيركم وسببه هدم بنيان في أرضنا على قبور الصالحين فلما كبر هذا على
العامة لظنهم أنه تنقيص للصالحين ومع هذا نهينا عن دعوة الصالحين وأمرناهم بإخلاص الدعاء لله، فلما أظهرنا هذه المسألة مع ما ذكرنا من هدم البنيان على القبور كَبُر على العامة جداً وعاضدهم بعض من يدعى العلم ولأسباب آخر لا تخفى على مثلكم أعظمها اتباع هوى العوام ورفعوا الأمر إلى المشرف والمغرب، وذكروا عنا أشياء يستحيي العاقل من ذكرها وأنا أخبركم بما نحن عليه خبرا لا أستطيع أن أكذب فيه بسبب أن مثلكم لا يروج عليه الكذب على أناس متظاهرين بمذهبم عند الخاص والعام فنحن ولله الحمد متبعون غير مبتدعين على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وحتى أن من البهتان الذي أشاع الأعداء عني أني ادعي الاجتهاد ولا أتبع الأئمة، فإن بان لكم أن هدم البناء على القبور والأمر بترك دعوة الصالحين لما أظهرناه وتعلمون أعزكم الله أن المطاع في كثير من البلدان لو تبين بالعمل بهاتين المسألتين أنها تكبر على العامة الذين درجو هم وأباؤهم على ضد ذلك فإن كان الأمر كذلك فهذه كتب الحنابلة عندكم بمكة المشرفة شرفها الله مثل الإقناع وغاية المنتهى والإنصاف الذي عليه اعتماد المتأخرين وهو
عند الحنابلة كالتحفة والنهاية عند الشافعية وهم ذكروا في باب الجنائز هدم البناء على القبور واستدلوا عليه بما في صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعثه فهدم القبور المشرفة وأنه هدمها واستدلوا على وجوب إخلاص الدعوة لله والنهي عما اشتهر في زمانهم من دعاء الأموات بأدلة كثيرة وبعضهم يحكي الإجماع على ذلك، فإن كانت المسألة إجماعا فلا كلام، وإن كانت مسألة اجتهاد فمعلومكم أنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد، فمن عدل بمذهبه في محل ولايته لا ينكر عليه.
قال: وبالجملة هذا ما نحن عليه وأنتم تعلمون أن من هو أجلّ منا لو تبين في هذه المسائل قامت عليه القيامة وأنا أشهد الله وملائكته وأشهدكم أني على دين الله ورسوله، وأني متبع لأهل العلم وما غاب عني من الحق وأخطأت فيه فبينوه لي وأشهد الله أني أقبله على الرأس والعين والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
ومن كلامه رحمه الله تعالى: هذه مسائل مهمة يحتاج إليها من أحب نفسه ولا قوة إلا بالله.
الأولى: أن محمداً صلى الله عليه وسلّم جاءنا بالبينات والهدى من عند ربنا ليخرج الناس
من الظلمات إلى النور بشيراً ونذيراً فأول ما أنزل عليه ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر:2] أراد الإنذار عن الشرك هذا قبل الإنذار عن الزنا والسرقة وعن نكاح الأمهات، فمن أقرّ بهذا وعرف ما عليه أكثر الناس من المشرق إلى المغرب رأى العجب وفهم المسألة غير فهمه الأول.
الثانية: أنه لما هدم هذا وأنذرهم عنه أخرج الناس من الظلمات إلى النور وهو التوحيد الذي قال الله فيه ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:3] أي عظّم بالإخلاص، وليس المراد بتكبير الأذان والصلوات فإنه لم يشرع عند نزول الآية، فمن عرف هذه وبشر نفسه بها وعرف ما عليه غالب أهل الأرض عرف قدر المسألة.
الثالثة: المعرفة بالضرورة أنه الله بعثه ليصدق ويتبع لا ليكذب ويعصى، وأما من أقرّ بالمسألتين ثم صرّح أن من اتبعه في التوحيد وصدقه في النذارة وأطاعه وانتذر خرج من دينه وحل دمه وماله فهذا مع كونه أبلغ من الجنون فهو من أعظم آيات الله وعجائب قدرته على تقليبه للقلوب كيف يجتمع في قلب رجل يشهد أن التوحيد هو دين الله ويعاديه ويشهد أن الشرك هو الكفر ويواليه ويذب عن أهله باللسان و
والسنان والمال.
وهذا آخر ما أردنا إيراده من كلامه في رسائله ودعوته إلى الله ليعلم الموحد المنصف حقيقة ما كان عليه الشيخ رحمه الله، ولا يلتبس الأمر عليه لشناعة من شنع من أعداء الله ورسوله الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين وهذا هو الأصل الذي يزعم هذا المعترض الجاهل أنه أصل كل ضلال وفساد، فالله المستعان.
فلما أظهر الله هذا الدين على يديه ورفع الله له به المراتب وشاع جميل ذكره في المشارق والمغارب، وتبدى لأهل الدين كواكب سعد منيرة الإشراق، وظهر دين الله في جميع الأقطار والآفاق، وكثر على ذلك صحبه وجمعه وزاد إعلانه بالتوحيد وصدعه، شرق بهذا الدين من نشأوا على تلك العادات، وصرفوا ما لله من العبادات للمعبودات وانقطعت عنهم بهذه الدعوة الإسلامية المآكل والرياسات فعدلوا إلى إشاعة ما لفقوه من الشناعات، وما زخرفوه من الأكاذيب والتمويهات، وإنما حملهم على ذلك الحسد المحرم المذموم، حيث صار كل منهم لما أمله محروم، وبالخزي والمذلة موسوم، كما قيل
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه... فالقوم أعداء له وخصوم كضرائر الحسناء قلن لوجهها... حسداً وبغياً إنه لذميم وقد شرح الله صدور كثير من العلماء لدعوته وسروا واستبشروا بطلعته وأثنوا عليه نثراً ونظماً فمن ذلك ما قاله عالم صنعاء محمد ابن الأمير في أبيات له، قال فيها: قفي واسألي عن عالم حل سوحها... به يهتدي من ضل عن منهج الرشد محمد الهادي لسنة أحمد... فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي لقد أنكرت كل الطوائف قوله... بلا صدر في الحق منهم ولا ورد وما كل قول بالقبول مقابل... ولا كل قول واجب الرد والطرد سوى ما أتى عن ربنا ورسوله... فذلك قول جل قدرا عن الرد وأما أقاويل الرجال فإنها... تدور على قدر الأدلة في النقد وقد جاءت الأخبار عنه بأنه... يعيد لنا الشارع الشريف بما يبدي وينشر جهرا ما طوى كل جاهل... ومبتدع منه فوافق ما عندي ويعمر أركان الشريعة هادما... مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد أعادوا بها معنى سواع ومثله... يغوث وود بئس ذلك من ودّ
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها... كما يهتف المضطر بالصمد الفرد وكم عفروا في سوحها من عقيرة... أهلت لغير الله جهر أعلى عمد وكم طائف حول القبور مقبل... ومستلم الأركان منهن باليد وقال الشيخ الإمام عالم الأحساء أبو بكر حسين بن غنام في أبيات له: لقد رفع المولى به رتبة الهدى... بوقت به يعلى الضلال ويرفع سقاه نمير الفهم مولاه فارتوى... وعام بتيار المعارف يقطع فأحيا به التوحيد بعد اندراسه... وأوهى به من مطلع الشرك مهيع سما ذروة المجد التي ما ارتقى لها... سواه ولا حاذى فناها سميدع وشمر في منهاج سنة أحمد... يشيد ويحيى ما تعفّى ويرفع يناظر بالآيات والسنة التي... أمرنا إليها في التنازع نرجع فاضحت به السمحاء يبسم ثغرها... وأمسى محياها يضيئ ويلمع وعاد به نهج الغواية طامساً... وقد كان مسلوكاً به الناس تربع وجرت به نجد ذيول افتخارها... وحق لها بالألمعيّ ترفع فأثاره فيها سوام سوافر... وأنواره فيها تضيئ وتلمع ولنقتصر في بيان أصل ظهور هذه الدعوة وحقيقة ما كان
عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله على هذا المقدار من الإيجاز والاختصار، ومن أراد الوقوف على استيفاء هذا المقام فعليه بمطالعة روضة الأفكار والأفهام للشيخ الإمام أبي بكر حسين بن غنام رحمه الله تعالى.
فصل: قال المعترض بعد ذكره أن الأصل الأصيل لهذا الفساد الذي عم البلاد والعباد هو الشيخ ابن تيمية، قال: ولا أطيل في وصفه وحاله بل اقتصر على ملخص ما ذكره العلامة شهاب الدين الشيخ ابن حجر الهيثمي ثم ذكر كلاما بارداً حاصله أن شيخ الإسلام ابن تيمية مقالاته زائغة خارجة عن قانون الشريعة وأنه لا يليق ممن يدعى العلم ويطلب نصرة الدين والشريعة أن يقتدى ويقلد من هذا حاله يعني شيخ الإسلام ثم ذكر كلام الهيثمي.
والجواب أن هذا الرجل ممن أعمى الله بصيرته وأضله على علم وقد انقدحت في قلبه الشبهات وصادفت قلباً خالياً فهو لا يقبل إلا ما لفق من الترهات وما فاض من غيض ذوي الحسد والحقد والتمويهات بما لا يجدي عند ذوي العقول السليمة والألباب الزاكية المستقيمة، وما نقم عليه هؤلاء إلا إنّ الله تعالى اطلع شمس سعده في سماء الهداية وفاق بما أعطاه
الله تعالى على أقرانه بالرواية والدراية فحسدوه إذ لم ينالوا سعيه كما قيل.
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه... فالقوم أعداء له وخصوم وقد عرف من كان له معرفة وعلم أن كلام هؤلاء وبهتم مما يدل على فضله وجلالته وهيبته وفطانته وذلك مما يزيده الله به رفعة وشرفاً في الدنيا والآخرة ويوجب إن شاء الله حسن العاقبة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْأِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:11].
وقد قال رحمه الله تعالى: لو لم تكن لي في القلوب مهابة... لم تكدح الأعداء فيّ وتقدح كالليث لمّا هيب خطله الربي... وعوت لهيبته الكلاب النبح يرمونني شرز العيون لأنني... غلت في طلب العلى وتصبح وقد كفانا من تقدم من أهل العلم في رد ما قاله ابن حجر وتهجيفه وبيان ما حمله على ذلك وسوف يلتقيان عند الله وكذلك ما قاله غيره من امتثاله من معاصريه فلا نطيل بذكر ذلك لكن نذكر من كلام أهل العلم أنموذجاً يعرف به كذب هولاء المتهوكين المتعمقين الرامين
البراء بما هم منه بريئون وأنه رحمه الله تعالى بالمحل المحوط والمقام المغبوط، وأن من ذكره بالتحقيق والعلم والديانة، اعلم وأورع وأفضل ممن عثاني عرضه بالكذب وشأنه، وإذا كان ذلك كذلك تبين لك بطلان ما اعتمد عليه هذا المعترض وأنه حاطم سيل وحاطب ليل ولذلك لم يسلك في شيخ الإسلام طريق العدل والإنصاف بل سلك طريق أهل التعصب لأهل الباطل والاختلاف ولو كان له نصيب من عقل ودين وإنصاف لكان الواجب عليه تكذيب ذلك القيل المنسوب إليه إذ غالبها من الموضوعات عليه، قال تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:12]، وقال: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:16]، وهذا وإن كان قد نزل في شأن أم المؤمنين لما قال فيها أهل الإفك ما قالوا فإن حكمه عام في جميع المؤمنين كما دل عليه قوله: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً﴾، ولهذا شرع جلد القاذف وصار باب القذف وحده بابا عظيماً من أبواب الشريعة وكان سببه قصة أمّ المؤمنين فإنه ما نزل بها أمر تكرهه إلا جعل الله فيه للمؤمنين فرجا ومخرجا و
والله الذي لا إله إلا هو أن شيخ الإسلام أخشى لله واتقى لله من أن يقول على الله وعلى رسوله وفي دين الله ما نسبه إليه هؤلاء الوضّاعون المفترون مما خالف الكتاب والسنة ودرج عليه سلف الأمة وأن تكون طريقته زائغة أو عن الحق رائقة فإن طريقته ولله الحمد والمنة اتباع الحق المحض ومعرفة مقادير جميع طوائف الأمة، وتعظيم من يستحق التعظيم من جميعهم ورد الباطل على كل من جاء به فهو رحمه الله تعالى ملتزم ما أمر الله به من الوصايا العشر التي أنزلها في سورة الأنعام وجمع فيها أصول الشريعة حيث يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: من الآية152]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: من الآية8]، فإذا كان الله قد أمر المؤمنين أن لا يحملنهم بغض قوم على ترك العدل وهم إنما كانوا يبغضون الكفار فكيف بمن يتكلم فيمن علم الخاص والعام من أهل السنة إمامته وعدالته وجهاده في الله حق جهاده وذبه عن السنة وتمحيضها عن شوائب الشرك والبدع والأهواء ويعترض عليه بغير إنصاف وعدل بل بالجور والظلم والعدوان وقد قال
تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:58]، وقد علم الخاص والعام واشتهر من عدله وإنصافه أن ليس عنده في مسائل الفروع ميل إلا إلى ما دل عليه الكتاب والسنة وإذا ذكر المسألة فإنه يذكر فيها مقالات الأئمة الأربعة وأصحابهم وغير أصحابهم ممن بعدهم أو قبلهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم ويذكر دليل كل قول وتقرير على وجه لا يكاد يوجد في الكتب المصنفة لهم فكيف في مسائل أصول الدين التي ليس بين الأئمة في مسائلها المشهورة خلاف وإنما يخالف فيها أهل الأهواء والبدع وهو من أعرف خلق الله بمذاهب أهل الأهواء ووقت حدوثها إذا تحققت ذلك فكل المسائل التي ذكرها هذا المعترض عن ابن حجر قد تكلم عليها شيخ الإسلام بالعدل والإنصاف وذكر أقوال الناس فيها وحقق ما سلكه أهل التحقيق من أهل العلم في ذلك ورد ما خالف الكتاب والسنة وما انفرد رحمه الله في قول قاله عن أهل السنة المحضة بل كل مسألة يذكر المخالف أنه ما قلها أحد قبله قد ذكر من قال بها من السّلف وأهل التحقيق من أهل العلم فرحمه
الله تعالى وعفى عنه، قال الإمام الذهبي في معجم شيوخه هو شيخنا وشيخ الإسلام وفريد العصر علما ومعرفة وشجاعة وذكاء وتنويراً إلهياً، وكرما ونصحاً للأمّة وأمر بالمعروف ونهياً عن المنكر سمع الحديث وأكثر بنفسه من طلبه وكتابته، وخرج ونظر في الرجال والطبقات وحصل ما لم يحصله غيره وبرع في تفسير القرآن وغاص في دقائق معانيه بطبع سيال وخاطر وقاد إلى مواضع الإشكال ميّال واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها وبرع في الحديث وحفظه فقل من يحفظ ما يحفظ من الحديث مع شدة استحضاره له وقت الدليل وفاق الناس في معرفة الفقه واختلاف المذاهب وفتاوى الصحابة والتابعين وأتقن العربية أصولاً وفروعاً ونظر في العقليات وعرف أقوال المتكلمين ورد عليهم وبنه على خطئهم وحذر منهم ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين وأوذي في الله تعالى من المخالفين وأخيف في نصر السنة المحفوظة حتى أعلى الله تعالى مناره وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له وكبت أعداءه وهدى به رجالاً كثيرة من أهل الملل والنحل وجبل قلوب الملوك والأمراء
على الانقياد له غالباً وعلى طاعته وأحيي به الشام بل الإسلام بعد أن كاد ينثلم خصوصاً في كائنة التتار وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي فلو حلفت بين الركن والمقام إني ما رأيت بعيني مثله وأنه ما رأى هو مثل نفسه لما حنثت" انتهى.
فانظر إلى ما قاله هذا الإمام من أنّ الله أحيي به الشام بل الإسلام وأن الله جمع قلوب أهل التقوى على محبته والد عاله وأنه أكبر من أن ينبه الذهبي على سيرته، ثم انظر إلى ما قاله المكي وما نقله عن ابن حجر وما قاله عن علوي نقلاً عن الذهبي، فالله المستعان.
وقال الحافظ العماد بن كثير رحمه الله تعالى في رجب سنة 704 سبعمائة وأربع راح الشيخ تقي الدين ابن تيمية إلى مسجد التاريخ وأمر أصحابه وتلامذته بقطع صخرة كانت هناك بنهر فلوحا تزار وينذر لها فقطعها وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها فأراح من المسلمين شبهة كان شرها عظيماً وبهذا وأمثاله أبرزوا له العداوة وكذلك بكلامه في ابن عربي وأتباعه فحسد وعودي ومع هذا لا تأخذه في الله لومة لائم ولم يبال بمن عاداه ولم يصلوا إليه بمكروه وأكثر ما نالوا منه الحبس مع أنه
لم ينقطع في بحث لا بمصر ولا بالشام ولم يتوجه لهم عليه ما يشين وإنما أخذوه وحبسوه بالجاه كما سيأتي إن شاء الله انتهى، فانظر إلى كلام الحافظ ابن كثير رحمه الله أنه إنما حسد وعودي لأجل إزالة معابد الشرك والكلام في ابن عربي.
وقال ابن الوردي في تاريخه ـ وقد عاصره ورآه وكانت له خبرة تامة بالرجال وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث مع حفظه لمتونه الذي انفرد به وهو عجيب في استحضاره واستخراج الحجج منه وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة والمسند بحيث يصدق عليه أن يقال: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث ولكن الإحاطة لله تعالى غير أنه يغترف فيه من بحر وغيره من الأئمة يغترفون من السواقي وأما التفسير فسلم له قال وله الباع الطويل في معرفة مذاهب الصحابة والتابعين: قل أن يتكلم في مسألة ألا ويذكر فيها مذاهب الأربعة وقد خالف الأربعة في مسائل معرفة وصنف فيها واحتج لها بالكتاب والسنة وبقي سنين يفتى بما قام الدليل عنده، ولقد نصر السنة المحضة والطريقة السلفية، وكان دائم الابتهال
كثير الاستغاثة قوى التوكل ثابت الجاش له أوراد وأذكار يديمها لا يداهن ولا يحابي محبوبا عند العلماء والصلحاء والأمراء والتجار والكبراء" انتهى ملخصاً فانظر إلى ما قاله ابن الوردي وقد عاصره ولقد نصر السنة المحضة والطريقة السلفية وهذا المعترض الجاهل وأضرابه يقولون أنه قد تحقق ضلاله وخروجه عن قواعد الشريعة فبعداً للقوم الظالمين.
وقال العلامة الشيخ عماد الدين الواسطي رحمه الله في حقه بعد ثناء طويل جميل ما لفظه: "فوالله ثم والله لم يُر تحت أديم السماء مثل شيخكم ابن تيمية علماً وعملاً وحالا وخلقاً واتباعاً وكرماً وحلماً وقياماً في حق الله تعالى عند انتهاك حرماته أصدق الناس عقدا وأصحهم علما وعزماً وأنفذهم وأعلاهم في انتصار الحق وقيامه همة وأسخاهم كفا وأكملهم اتباعاً لسنّة محمد صلى الله عليه وسلّم ما رأينا في عصرنا هذا من تستجلي النبوة المحمدية وسننها من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل يشهد القلب الصحيح أن هذا هو الاتباع حقيقة" فانظر إلى كلام العلامة الشيخ عماد الدين الواسطي وهو ممن عاصره ورآه فرحمه الله وعفى عنه
ونقل في الشذرات عن الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد وقد سئل عن الشيخ ابن تيمية بعد اجتماعه به كيف رأيته قال: رأيت رجلاً سائر العلوم بين عينيه يأخذ ما شاء منها ويترك ما شاء فقيل له: فلم تتناظران قال لأنه يحب الكلام وأحبّ السكوت.
وقال ابن مفلح في طبقاته كتب العلامة تقي الدين السبكي إلى الحافظ الذهبي في أمر الشيخ تقي الدين ابن تيمية ما نصه فالمملوك يتحقق قدره وزخارة بحره وتوسعته في العلوم الشرعية والعقلية وفرط ذكائه واجتهاده وأنه بلغ في ذلك كل المبلغ الذي يتجاوزه الوصف والمملوك يقول ذلك دائماً وقدره في نفسي أكبر من ذلك وأجل مع ما جمعه الله تعالى لي من الزهادة والورع والديانة ونصرة الحق والقيام فيه لا لغرض سواه وجرمه على سنن السلف وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى وغرابة مثله في هذا الزمان بل في أزمان" انتهى.
فانظر إلى ما قاله السبكي مع أنه ممن وقع فيه وعاداه والحق ما شهدت به الأعداء.
وقال الإمام محمد التافلاني مفتي الحنفية بعد كلام له وقد
أثنى عليه جمهور معاصريه، وجمهور من تأخر عنه وكانوا خير مناصريه وهم ثقاة صيارفة حفاظ، عريفهم في النقد دونه عريف عكاظ وطعن فيه بعض معاصريه بسبب أمور أشاعها مشيع لحظ نفسه أو لأجل المعاصرة التي لا ينجو من سمها إلا من قد كمل في قدسه، فخلف من بعدهم مقلدهم في الطعن فتجاوز فيه الحد ورماه بعظائم موجبة للتعزير أو الحد، ولو قال هذا المقلد كقول بعض السلف حين سئل عما جرى بين الإمام علي ومعاوية فقال: تلك دماء طهر الله منها سيوفنا أفلا نطهر منها الستنا لنجا من هذا العناء، وقول الآخر لما سئل عن ذلك فأجاب ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ الآية [البقرة: من الآية134]، وهذا الإمام تصانيفه قد ملأت طباق الثرى وأطلع عليها القاصي والداني من علماء الورى فما وجدوا فيها عقيدة زائغة، ولاعن الحق رائفة كم سل السيوف الصوارم على فرق الضلال وكم رماهم بصواعق براهين محرقة كالجبال تنادي عقيدته البيضاء بعقيدة السلف، ولا ينكر صحتها وأفضليتها من خلف منا ومن سلف شهد له الأقران بالاجتهاد، ومن منع له فقد خرط بكفه شوك القتاد، وذكر
كلاماًَ حسناً تركناه خشية الإطالة.
وقال حافظ الإسلام الحبر النبيل استاذ أئمة الجرح والتعديل شيخ المحدثين جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن الركن عبد الرحمن المزي الشافعي فيما نقله عنه الحافظ ابن ناصر الدين: "ما رأيت مثله يعني ابن تيمية ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحداً أعلم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلّم ولا أتبع لهما منه" انتهى.
وقال الشيخ شيخ الإسلام العيني الحنفي فيما كتبه قال: وما هم أي المنكرون على ابن تيمية رحمه الله تعالى الا صلقع بلقع سلقع، والمكفر منهم صلمعة بن قلمعة وهيان بن بيان، وهي بن بي وضل بن ضل وضلال بن التلال، ومن الشائع المستفيض أن الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين ابن تيمية من شم عرانين الأفاضل ومن حبهم براهين الأماثل قال: وهو الذاب عن الدين طعن الزنادقة والملحدين والناقد للمرويات عن النبي سيد المرسلين وللمأثورات عن الصحابة والتابعين فمن قال إنه كافر فهو كافر حقيق، ومن نسبه إلى الزندقة فهو زنديق، وكيف ذلك وقد صارت تصانيفه إلى الآفاق، وليس فيها شيء مما يدل على
الزيغ والشقاق إلى آخر ما قال رحمه الله تعالى.
وقال الشيخ محمد ابن الشيخ جمال الدين اليافعي الشافعي اليمني في رده على السبكي في أبيات له قال فيها: وما رددت عليه في الطلاق... حققت عقلاً ولا نقلاً ظفرت به بل فاسد القصد أعتى الذهن منك... هو عادة الله في قال لمذهبه نزلت حول حماه كي تنازله... فما علوت عليه بل علوت به وقد أجابك فيها خير أجوبة... كالسيف حالت منايا عند مضربه أخذت منه علوما فانتصرت به... على سواه وكانت من مهذبه وحزتها مجملات من مفصّله... ففصّل الآن ما أجملت تحظ به وهكذا كل من سارت ركائبه... يقفوا خطان فسائل من مجربه وإن يتمحت في رد فلست له... كفوا ولا أهل هذا العصر فانتبه كم بحر علم أتاه صار ساقية... وكم أزال صدى جهل بصيّبه وما نرى لكموا في الخلف فائدة... غير التنعم في النعماء من شبه أين الثريا مكانا في ترفعها... من الثرى قال هذا كل منتبه من ذا يقيس نقي الجلد من درن الـ... ـدنيا وأمراضها يوما بأجربه لو كان عندكموا إنصاف مكرمة... أو نقد معرفة أوذهن منتبه
لكنت تقفوا ورآه قفو مجتهد... علماً وديناً وأمراً تفلحنّ به لو وفق الله أهل الأرض قاطبة... إلى الصواب لساروا خلف مذهبه وما نسبتم إليه عند ذكركموا... ترك الزيارة أمرا لا يقول به فقد أجابكموا فيها بأجوبة... أزال فيها صدى الإشكال والشبه وقد تبين هذا في مناسكه... لكل ذي فطنة في القول والنبه رميتموه ببهتان يشان به... فالله ينصفه ممن رماه به وفي الجواب أمور من تدبرها... سقى الأنام بها من صفو مشربه ولم يكن مانعاً نفس الزيارة بل... شد الرحال إليها فوق مركبه مستمسكاً بصحيح القول متبعا... خير القرون الأولى جاءوا بمذهبه مع الأئمة أهل الحق كلهموا... قالوا كما قال قولاً غير مشتبه وقد علمت يقينا حين وأفقه... أهل العراق على فتياه فانتبه ومن أحسن ما قيل من المراثي فيه ما قاله عمر بن الوردي وهي: عثا في عرضه قوم سلاط... لهم من نصر جوهره النقاط تقي الدين أحمد خير حبر... خروف المعضلات به تخاط توفي وهو محبوس فريد... وليس له إلى الدنيا انبساط
ولو حضروه حين قضى لألفوا... ملائكة النعيم به أحاطوا قضى نحبا وليس له قرين... ولا لنظيره لفّ القماط فتى في علمه أضحى فريدا... وحلّ المشكلات به نياط وكان إلى التقى يدعو البرايا... وينهى فرقة فسقوا ولاطوا وكان الجن تفرق من سُطاه... بوعظ للقلوب هو النباط فيا لله ما قد ضمّ لحدٌ... ويا لله ما غطّى البلاط هموا حسدوه لمّا لم ينالوا... مناقبه فقد مكروا وشاطوا وكانوا عن طرائقه كُسالى... ولكن في أذاه لهم نشاط وحبس الدّر في الأصداف فخر... وعند الشيخ في السجن اغتباط بآل الهاشمي له اقتداء... فقد ذاقوا المنون ولم يواطوا بنوا تيمية كانوا فبانوا... نجوم العلم أدركها انهباط ولكن يا ندامة حابسيه... فشك الشرك كان به يُماط ويا فرح اليهود بما فعلتم... فإن الضد يعجبه الخباط ألم يك فيكموا رجل رشيد... يرى سجن الإمام فيستشاط أمام لا ولاية كان يرجو... ولا وقف عليه ولا رباط