البيان المبدي لشناعة القول المجديصفحات 2-41
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الحمد لله الذي يقذف بالحقّ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، وأوضح الحق وأعلاه فأضاء نوره ما بين المغارب والمشارق، وأدحض الباطل وأهله من كل معاند للحق ومشاقق، أحمده سبحانه وأشكره على قمع كل منافق ومارق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في إلهيته وربوبيته لجميع الخلائق، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام المتقين وقائد الغر المحجلين ذو المناقب والسوابق صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما انغدق الودق وأومضت البوارق، وسلم تسليما كثيراً.
أما بعد، فقد رأيت كلاماً لمحمد سعيد بن محمد بابصيل الشافعي المكي ردّاً على ما كتبه العالم الفاضل الألمعي والنبيل الجليل اللوذعي المسمّى بعبد الله

ابن عبد الرحمن بن عبد الرحيم السنديّ، وما كتبه عبد الكريم فخر الدين على رسالة أحمد زيني دحلان التي سمّاها: الدّرر السّنية في الرد على الوهابية، وقد ضمنها دحلان من الأكاذيب والترهات ما يستحي العاقل من حكايتها مع ما اشتملت عليه من إباحة الشرك والالتجاء إلى الصالحين ودعائهم والاستغاثة بهم إلى غير ذلك مما تمجه الأسماع ويتفر عنه الطباع وكذلك ما قرره من الزيارة البدعية الشركية واستدل على ذلك بأحاديث مكذوبة موضوعة يعرفها كل من له إلمام بمعرفة الحديث ورجاله فردا عليه فأجادا وأفادا وانتصرا لله ورسوله وأئمة المسلمين، فجزاهما الله عن الإسلام وأهله أفضل الجزاء.
ثم إنّ هذا المكيّ المسمّى بابصيل اعترض عليهما فيما كتباه بما نقله عن ابن حجر الهيثمي في مسبة شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه باعتراضات بعضها حق وهو قائلها ومعه الكتاب والسنة وأقوال الأئمة من الصحابة والتابعين ولم يخرج رحمه الله في قول قاله عن قول أحد من السّلف منفرداً به بل قد قاله غيره من الأئمة و

باعتراضات أخرى يعرف كل منصف أنها دعاوى باطلة وأكاذيب محضة وبما نقله أيضاً عن علوي بن أحمد بن حسن بن عبد الله الحداد، وجعل ما اعترض به ما على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ردّاً واعتراضاً على الشيخ محمد بن عبد الوهاب تأصيلا منه أنه إنما درج على منواله، واحتذل حذوه في مقاله، وبمناقضات زعم أنه أخذها عليهما وأنه باعتراضه قد وجد الضالة المنشودة، وسقط على الدرة المفقودة وهي على غير ما توهمه، وعنه التحقق على خلاف ما زعمه فردّ عليهما لاعتماده واعتقاده أنهما من الوهابية، وأنهما من اتباع شيخ الإسلام ابن تيمية فاستعنت الله تعالى على رد أباطيل هذا المعترض الأفاك الذي نصب نفسه للانتصار لأهل الباطل والإشراك، وذلك بعد ما أكثر عليّ بعض الإخوان، وإن كنت لست من أهل هذا الشأن ولا ممن يجري الجواد في مثل هذا الميدان.
ولكن البلاد إذا اقشعرت... وصوح بنتها رعى الهيثم وقد تأملت ما كتبه هذا المفتري فإذا هو لم يأت إلا بتمويهات وترهات وخزعبلات وخرافات، لا تروج على ذوي العقول السليمة، وليست بحمد الله بصائبة ولا مستقيمة بل عواقبها ذميمة، ومراتعها

وخيمة، والله المسؤول المرجو الإجابة، أن يوفقنا الطريق السداد والإصابة وأن يجزل لنا بمنه وكرمه الإثابة، وهذا جهد المقل، وأسأل الله أن يحسن لنا النية والعمل وسميت هذا: "الرّد بالبيان المبدي لشناعة القول المجدي".
قال المعترض بعد أن ذكر أنه وقف على رسالتين أحدهما مؤلفها عبد الكريم بن فخر الدين، والأخرى مؤلفها عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم السنديّ، قال: ولم ألتفت لمعارضة كل واحد منهما في رد مقالته ببرهان عقلي أو شرعي إلى آخره.
فالجواب ومن الله استمد الصواب أن هذا المعترض الجاهل قد خصم نفسه باعترافه أنه لم يعترض عليهما في الرد ببرهان عقلي أو شرعي ولو ظفر ببرهان عقلي أو شرعي يرد به ما زعم أنه الباطل لما أهمله في هذا المقام، ولصال بخيله ورجله لينال من خصمه المرام، وما يحسن بمن عنده علم وفضل كلام عند مقاومة الخصوم وإرخاء أعنة الأقلام أن يرتدي برداء العيّ والإحجام، ولكنه ولله الحمد والمنة مزجي البضاعة من العلوم النبوية والآثار السلفية وليس له ملكة ولا روية ولا معرفة بمدارك الأحكام ولادرية، وأنى لهذا المعترض يد بمقاومة جند الله ورسوله،

المعتصمين بكتاب الله والسالكين على سنة رسوله وسبيله، ولكن بهذا الهذيان البارد، والأكاذيب المظلمة المسالك والموارد التي لا يعجز عنها أحد ممن تجاوز الحد وأفرط والحد، هيهات هيهات ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ ﴿القمر:45ـ46]. لعمرك ما يدري الغبي بأنه... أتى موئداً من مورد الشرك مظلماً وردّ على من شاد سنة أحمد... باوضاعه اللاتي بها قد تكلما وأعلى من الكفر الصريح معالما... أشاد لها دحلان من كان أظلما وأرسى لها في قلب كل معطل... جهول وأفاك رسوما وسلما لترسورير في كل من رام فرية... بأسبابها طوداً من الكفر قدطما ويسعى بان يدعى حسين وخالد... وزيد ومعروف ومن كان أعظما ويدعى الرفاعي بل على وحمزة... ويدعى لعمري العيدروس بكلما به يقصد الرحمن جل جلاله... فبعداً لأرباب الضلالة والعما وقد قام هذا الوغد منتصرا له... بلا حجة أدلى بها إذ تكلما ولكن ببهتان وسبة مفترٍ... على علماء الدين ظلما ومأثما وأرخى عنان الجهل والظلم خاليا... من العقل والبرهان والشرع مانما

ولو ظفر المخذول بالعلم والهدى... لا بد لهما فورا وما كان أحجما ولكنه والحمد لله وحده... من العلم بالبرهان قد كان معدما فحادوا بدى نزهات وضيعة... وأقوال أعداء بها الإفك قد طما وقد قام كالحرباء يرنو بطرفه... إلى الشمس عدوانا وبغيا ومأثما وما ضرّ إلا نفسه باعتراضه... ونصرته من كان أعمى وأبكما وأنّى لهذا الوغد علم بمابه... يدان ويرجى فاطر الأرض والسما ولو كان يدرى ماهدى بضلالة... وسطر في أوراقه الجهل والعما ولكن أهل الزيغ في غمراتهم... فليس لهم عن مهيع الكفر مرتما خفافيش اعشاها من الحق شمسه... وأعمها إشراقه إذ تبسّما فلما دجى ليل الضلالة أقبلت... وجالت وصالت حين جنوأظلما أيحسب هذا الفدم والوغد اننا... غفلنا وما كنا غفاة ونوما سنضرب من هاماتهم كل قمحد... ونبكم صنديدا تحدى وغمغما وتشدخ بالبرهان يافوخ إفكه... فيصبح مثلوغا وقد كان مبهما وما كان أهلا أن يجاب لجهله... وهُجنة ما أبداه لما تكلما ولكن ليدرى أن في الربع والحمى... رماثا اعدّوا للمعادين اسهُما

ويعلم أنا لا نزال ولم نزل... على ثغرة المرمى قعودا وجثما وفي زعم هذا الأحمق الوغد انه... وأصحابه أهل الهدى حين قسما وإن ذوي الإسلام أهل ضلالة... وأهل ابتداع بئسما قال إذ رمى ذوي الدين بالغي الذي هو أهله... وكان بما أبدى أحق والوما أيوصف بالإسلام من كان مشركاً... ويوصف بالاشراك من كان مسلما لعمري لقد جئتم من القول منكرا... وزورا وبهتانا وأمرا محرّماً فيا ويحه أن لم يتب من ضلاله... لسوف يرى جهراً ويصلي جهنما فصل: قال المعترض بعد أن أصّل أصلين ينبني بزعمه بطلان الأصل الأدنى بالكلام على الأصل إلا بعد قال: فأقول الأصل الأدنى ظهور محمد بن عبد الوهاب، وقد بلغ بدعوته الضالة ما بلغ وملأت البلاد والأقطار وكلامه ودعوته مؤسسة على دعوى من قبله فمن قلد من قبله وهو الأصل الأصيل لهذا الفساد الذي عم العباد والبلاد وهو الشيخ ابن تيمية إلى آخر ما قال.
والجواب: أن يقال: سبحان من طبع على قلوب أعدائه فاصمهم وأعمى أبصارهم فإن هذا الجاهل الذي أعمى الله بصيرة قلبه لما لم يكن لديه

معرفة بأصل هذا الدين الذي بعث الله به رسوله محمداً صلى الله عليه وسلّم ومنّ الله بإظهاره بعد أن كان ذلك مهجوراً بين الناس.
لا يعرفه منهم إلا النزاع من الأكياس على يدي شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب من إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله رب العالمين، وإنكار ما كان الكثير عليه من شرك المشركين، بالإلتجاء إلى الصالحين وطلب ما كان لله عنده ضرائح الأموات من المعبودات، وإنزال الحاجات بهم في الملمات لتفريج الشدائد والكربات، ونهيه عن عبادة الأشجار والأحجار والقبور والطواغيت والأوثان، وعن الإيمان بالسحرة والمنجّمين والكهّان، صار لديه هو أصل الضلال والفساد، الذي ملأ الأقطار وانتشر في البلاد، فلمّا لم يكن لديه معرفة بهذا الدين دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب من إخلاص العبادة لله والشرك الذي نهى عنه وجد أهل نجد عليه من صرف جميع العبادات لغير أمته، تعين أن نذكر هذا الأصل الذي جعله هذا المعترض أصل الضلال والفساد وهو ظهور هذه الدعوة النجدية،

والطريقة المحمدية؛ ليتبين لك فساد تأصيل هذا المكي وليعرف المسلم قدر نعمة الله التي أنعم بها على المسلمين بدعوة هذا الشيخ وأنهم قبله في ضلالة ظلما، وجهالة جهلاً، وفلوات غيّ مفاوزها يهما، ونذكر قبل ذلك ما كان عليه أهل نجد وأهل الأقطار حال تبين الشيخ رحمه الله.
قال الشيخ أبو بكر حسين بن غنام رحمه الله تعالى: الفصل الأول في بيان ما جرى في تلك الأزمان من الشرك والضلال والطغيان في نجد والحسا وغيرهما مما يليهما من البلدان، فنقول: كان غالب الناس في زمانه متضمخين بالأرجاس متلطخين بوظر الأنجاس، وإطفاء نور الهدى بالانطماس بذهاب ذوي البصائر والبصيرة، والألباب المضيئة المنيرة، وغلبة الجهل والجهال، واستعلاء ذوي الأهواء والضلال حتى نهجوا في تلك الطريق منهجاً وعرا، ونبذوا كتاب الله تعالى وراءهم ظهراً، وأتوا زوراً وبهتاناً وهجراً، وزين لهم الشيطان الهم ينالون بذلك أجراً، ويجوزون به عزا وفخراً، فاركبهم مراكب

الأسلاف قسراً وامتطى كواهلهم في ذلك السنن قهراً، وحسّن لهم أن الأباء بحقيقة الحق أدرى، وأنهم بنهج منهج الشريعة أحرى فعدلوا إلى عبادة الأولياء والصالحين وخلعوا ربقة التوحيد والدين، فجدّوا في الاستغاثة بهم في النوازل والحوادث ةالخطوب العظلة الكوارث، وأقبلوا عليهم في طلب الحاجات وتفريج الشدائد والكربات من الإحياء منهم والأموات وكثير يعتقد النفع والأضرار في الجمادات كالأحجار والأشجار، وينتابون ذلك في أغلب الأزمان والأوقات ولم يكن لهم إلى غيرها إقبال ولا التفات فهم على تلك الأوثان عاكفون ولها في كثير الأحايين ملازمون ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: من الآية19]، لعب بعقولهم الشيطان، وأخذ بهم منهج الخسران حتى ألقاهم في قعر الهوان، فلجوا في طغيانهم يعمهون، تسنموا من الأهوى اسمى فنن، وأتوا من الضلال إنما فتن، ورفضوا والله أسنى سنن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:1]، أحدثوا من الكفر والفجور،

والإشراك بعبادة أهل القبور وصرف الدعاء لهم والنذور، ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:117] شرعوا لهم شياطينهم من الدين ما لم يأذن به الله، وجعلوا لغيره ما لا يجوز صرفه إلى سواه، وزادوا على أهل الجاهلية فكانوا لا يدعون إذا مسّهم الضرّ إلا إياه، ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:65]، ملؤوا قلوبهم له بالوجد والمحبة، وبذلوا أعمارهم وألسنتهم في دفع من أبدى لهم مسبة، ولم يشتغلوا بالله وكفى به لعبده رغبة، وليتهم سووا بينهم في المحبة والطلبة، ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء:97ـ99]، وكانت هذه المحبة في سويداء القلب سارية وعلى صفحة الوجه واللسان بادية، وأفعال الشرك في غالب الأقطار جارية، ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:106]، وقد حدث الغيّ والإضلال والإسراف، ووقع التغير في الدين والاختلاف من زمان قديم من غير خلاف، وجاء بعدهم

من اعتقد أن الدين هو ذلك الضلال والإسراف؛ لأنهم وجدوا عليه الأباء والأسلاف ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:23]، وقد نص عليه كثير من العلماء الأعلام في كتبهم المصنفة فيما حدث من البدع من الأنام وماغيروا من منار الدين والإسلام، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: من الآية112]، وكان أكثر الناس على دعوة الأنبياء والصالحين الأحياء منهم والميتين، مجدين مجتهدين، وبالاعتقاد المحض فيهم مفتونين ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل:51]، أيدعى من لا يملك لنفسه نفعاً، ولا يصرف عنها من السوء دفعا، ويترك مدبّر الخلائق إعطاء ومنعاً، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل:53]، فغدوا عليهم في قضاء الحاجات وراحوا، وابتهلوا لديهم في ذلك وباحوا، وأحلوا ما حرم الله واستباحوا، ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [لأعراف:33]، وكان

في بلدان نجد من ذلك أمر عظيم والكل على تلك الأحوال مقيم، وفي ذلك الوادي مسيم ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: من الآية48]، وقد مضوا قبل بدو نور الصواب يأتون من الشرك بالعجاب وينسلون إليه من كل باب ويكثر منهم ذلك عند قبر زيد بن الخطاب ويدعونه لتفريج الكرب بفصيح الخطاب ويسألونه كشف النوب من غير ارتياب ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: من الآية18]، وكان ذلك في الجبيلة مشهوراً وبقضاء الحوائج مذكوراً، وكذلك قربوه في الدرعية يزعمون أن فيها قبوراً، أصبح فيها بعض الصحابة مقبوراً، فصار حظهم في عبادتها موفورا، فهم في سائر الأحوال عليها يعكفون، ﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات:86]، وكان أهل تلك التربة أعظم في صدورهم من الله خوفاً ورهبة، وأفخم عندهم رجاء ورغبة، فلذلك كانوا في طلب الحاجات بهم يبتدون، ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:22] وفي شعب غبيرا يفعل من الهجر والمنكر ما يعهد مثله ولا يتصور، ويزعمون أن فيه قبر ضرار بن

الأزور، وذلك كذب محض وبهتان مزور مثّله لهم إبليس وصوّر، ولم يكونوا به يشعرون، وفي بليدة الفدا ذكر النخل المعروف بالفحال يأتونه النساء والرجال ويفيدون عليه بالبكر والأصال، ويفعلون عنده أقبح الفعال، ويتبرّكون به ويعتقدون، وتأتيه المرأة إذا تأخرت عن الزواج، ولم تأتها لنكاحها الأزواج، فتضمه بيديها بحضور ورجاء الانفراج، وتقول: يا فحل الفحول أريد زوجاً قبل أن يحول الحول، هكذا صحّ عنهم القول، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: من الآية43].
وشجرة الطرفية تشبث بها الشيطان واعتلق، فكان ينتابها للتبرك طوائف وفرق، ويعقلون فيها إذا ولدت المرأة ذكرن الخرق، لعلهم عن الموت يسلمون، وفي أسفل الدرعية غار كبير يزعمون أن الله تعالى فلقه في الجبل لأمرأة تسمى بنت الأمير أراد بعض الفسقة أن يظلمها فصاحت ودعت الله فانفلق لها الغار بإذن العلي الكبير، وكان تعالى لها من ذلك السوء وجير، فكانوا يرسلون إلى ذلك الغار اللحم والخبز ويهدون، ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:95ـ96] قال: وكذلك

ما يفعل الآن في الحرم المكي الشريف زاده الله تعالى رفعة وتشريفاً فهو يزيد على غيره وينيف، فيفعل في تلك البقاع المطهرة المكرمة، والمواضع المعظمة المحترمة، من الأمور المحظورة المحرمة ما يحق أن تسفح عند رؤيته العيون والأجفان، وتزال لأجله الدموع وللاتصان، وتلتهب في القلب لوعج الأحزان إذا أبصر الموحد ما يصدر من أولئك العربان من الفسوق والضلال والعصيان، وما عرى فيه الدين من الهوان، فلقد انتهكت فيه المحرمات والحدود، وكان لأهل الباطل فيه قيام وقعود كما هو الآن مشاهد موجود، أين قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:26]، ويشهد بذلك من رآه ممن كان له قلب سليم، ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: من الآية25]، ولقد تظاهر بذلك فيهم جمّ غفير، وتجاهر به بين أظهرهم جمع كثير، ولم يكن لأهل العلم إزالة ولا تغيير، بل تألبوا على مصادمة الحق الشهير، وراموا إطفاء مصباحه المنير، وإخماد ضيائه المستنير، وجادلوا

تغيير محيّ الصواب، ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: من الآية5]، ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: من الآية37].
فمن ذلك ما يفعل عند قبر المحجوب، وقبة أبي طالب، وهم يعلمون أنه شريف حاكم متعد غالب، كان يخرج إلى بلدان نجد ويضع عليهم من المال خراج ومطالب، فإن أعطى ما أراد انصرف وإلاّ أصبح لهم معادياً ومحارب، وكذلك عند قبر المحجوب، يطلبونه الشفاعة لغفران الذنوب؛ لأنه عندهم المقرب المحبوب، فلهذا كانوا من شره يحذرون، وإن دخل متعد أو سارق أو غاصب مال قبر أحدهما لم يتعرض له أحد من الرجال، ولا يخشى معاقبة ولا نكال ولا يتوصل إليه بما يكره ولا ينال، وإن تعلق جان ولو أقل جناية بالكعبة سحب منها بالأذيال، فهم في تعظيمها مفرطون، ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ، لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يّس:74ـ75]، ومن ذلك ما يفعل عند قبر ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها بسرف، وعند قبر خديجة رضي الله عنها في المعلى، مما لا يسوغ

المسلم أن يطلق عليه إباحة وحلا، فضلا عن كونه يراه قربة يدرك بها أجرا وفضلا من اختلاط النساء بالرجال وفعل الفواحش والمنكرات، وارتفاع الأصوات عندهم بالدعوات وحصول الندب وشدة الاستغاثات، وعند قبر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في الطائف من الأمور التي تشمئز منها نفس الجاهل فكيف بالعارف فيقف عند قبره متضرعاً مستغيثاً كل مكروب وخائف، وينادي أكثر الباعة في الأسواق من غير نكير ولا زاجر على الإطلاق، ويقول بلهجة قلب واحتراق، كثير من أهل الشرك والإبلاس، وذوي الفقر والإفلاس، اليوم على الله وعليك يا ابن عباس، ويسألونه الحاجات ويسترزقون ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾ [يّس:23].
وأما يفعل عند قبره عليه الصلاة والسلام من الأمور المحرمة العظام من تعفير الخدور، والإنحناء بالخضوع والسجود واتخاذ ذلك القبر عيداً، وقد لعن عليه الصلاة والسلام فاعله وكفى بذلك زجراً ووعيداً ونهى عن ما يفعل عنده الآن غالب العلماء نهياً شديداً، وغلظوا في ذلك تغليظاً أكيداً، فهو مما لا يخفى ولا ينكر، وأعظم

من أن يذكر، فهو في الشهرة والانتشار، كالشمس في رابعة النهار، ويكل اللسان عما يفعل عند قبر حمزة والبقيع وقباء من ذلك القبيل، ويعجز القلم عن بيانه على التفصيل، ولو لم يذكر منه إلا القليل.
شعر: وليس يصح في الأذهان شيء... إذا احتاج النهار إلى دليل وأما ما يفعل في جدة فما عمت به البلوى فقد بلغ من الضلال والفحش الغاية القصوى، وعندهم قبر طوله ستون ذراعاً عليه قبة يزعمون أنه قبر حوّى، وضعه بعض الشياطين من قديم وهيئه وسوّى، يجبون عند السدنة من الأموال كل سنة ما لا يكاد يخطر على بالبال، ولا يدخل يسلم على أمه كل إنسان إلا مسلماً دراهم عاجلاً من غير توان، أيبخل أحد من اللئام، فضلا عن الكرامة ببذل الحطام، ويدع الدخول على أمّه والسّلام، وعندهم معبد يسمى العلوي بالغ في تعظيمه جميع الخلائق، وأربوا في الغلو على تلك الطرائق، فلو دخل قبره قاتل نفس أو غاصب أو سارق لم يتعرض بمكروه من مؤمن ولا فاسق، ولم يجسر أحد أن يكون مخرجاً له سائق، أو إلى المساعدة إليه مسارع مسابق، فمن استجار بتربته

أجير، ولم يعرج عليه حاكم ولا وزير.
وأما ما في بلدان مصر وصعيدها، من الأمور التي ينزه اللسان عن ذكرها وتعديدها خصوصاً عند قبور الصلحاء والعباد من ساداتها وعبيدها كما ذكرها الثقات في نقل الأخبار وتوكيدها، فيأتون قبر أحمد البدوي، وكذا قبور غيره من العباد، وسائر ترب المشهورين بالخير والزهاد، فيستغيثون ويندبون ويعجلونهم بالإمداد، ويستحثونهم على زوال المصيبة عنهم والأنكاد، ويتداولون بينهم حكايات وينسبون عنهم قضيات، ويحكون في محافلهم ما جريات من أفحش المنكر والضلالات فيقولون فلان استغاث بفلان فأغيث فورا في ذلك الأوان، وفلان شكى لصاحب القبر حاله وأمره فأغاثه وكشف عنه ضره، وفلان شكى إليه حاجته فأزال عنه فقره، وأمثال هذا الهذيان الذي هو زور وبهتان، ويصدر هذا الكلام في تلك البلدان وهي مملوءة بالعلماء من أهل الزمان وذوي التحقيق والعرفان، ولا يزال ذلك المحظور، ولا يغار من صدور تلك الأمور، بل ربما تنشرح منهم له الصدور.
وأما ما يفعل في بلدان اليمن

من الشرك والفتن قبل هذا الوقت وفي هذا الزمن فأكثر من أن يحسب أو يحصى، أو يعد ويستسقى، أو يدرك له أقصى، فمن ذلك ما يفعله أهل شرقي صنعاء بقبر عندهم يسمى الهادي والكل على دعوته والاستغاثة به رائح غادي، فتأتيه المرأة إذا تعسر عليها الحمل أو كانت عقيمة، فتقول عنده كلمة قبيحة عظيمة، فسبحان من لا يعاجل بالمعاقبة على الجريمة.
وأما أهل بلد برع فعندهم رجل يرحل إلى دعوته، كل ناء عن محله وبلدته، ويؤتي إليه من غير إشكال من مسيرة أيام وليال لطلب الإغاثة وشكاية الحال ويقيمون عند قبره للزيارة ويتقربون بالذبائح عنده كما حقق أخباره من شاهد حضرته واحتضاره.
وأما أهل الهجرية ومن حذا حذوهم فعندهم قبر يسمى ابن علوان، وقد أقبل عليه العامة في نوائب الزمان، واستغاث به منهم كل لهفان، فهم يلجؤون به في كل وقت وأوان ويسميه غوغاء هم منجي الغارقين كما حكاه بعض السامعين، وأغلب أهل البر منهم والبحر يطربون عند سماع ذكره، ويستغيثون به

وإن لم يصلوا إلى قبره، وينذر له في البحر والبر، وعند أهل بلده من تعظيمه ما يزيد على الحصر، ويفعلون عند قبره السماعات والموالد ويجتمع عنده أنواع المعاصي والمفاسد، فليس في أقطار اليمن في هذا الزمن من يساويه في الاشتهار، بل ولا في سائر الأقطار ولهم في حضرته أمور يفعلونها دينا، ويتوخونها حينا فحينا يطعنون أنفسهم بالسكاكين والد بابيس، وقد جعلها لهم عبادة إبليس ويقولون وهم يرقصون، وبما يغنيه طبون قد ملأ الوجد منهم البابا وذهنا، يا سادتي قلبي بكم معنّا وأمّا أهل حضر موت والشحر ويافع وعدن، فقد ثوى فيهم الغي وقطن، وعندهم العيدروس يفعل عند قبره من السفه والضلال الوبيل ما يغني مجمله عن التفصيل، ويقول قائلهم شيء لله يا عيدروس شيء لله محي النفوس، ثم ذكر ما في بلدان الساحل وما يفعل أهل المخا عند قبر على بن عمر الشاذلي، وأهل الحديد عند قبر الشيخ صديق، وأهل اللحية عند قبر الزيلعي، وعند قبر رابعة، وما يفعل أهل نجران عند سيدهم، قال: وأمّا

ما في حلب ودمشق وأقصى الشام وأدناه، فهو مما لم يوقف له على حد ولم يكن ضبط أقصاه ولا يعرف قدره ومنتهاه، ولو استفرغ الإنسان في ذلك قصاراه بحسب ما يحكيه من يشاهد ذلك ويراه من العكوف على عبادة القبور، وصرف القربان إليها والنذور والمجاهرة بالفسوق والفجور، وأخذ الأمكاس والدستور، ووضع الخراج على البغايا من تلك المهور.
وفي الموصل وبلدان الأكراد، وما يليها من سائر البلاد، وكذا في العراق خصوصاً المشهد وبغداد مما لا يحتاج إلى حصر وتعداد، فيفعل عند قبر الإمام أبي حنيفة ومعروف الكرخي والشيخ عبد القادر رضي الله تعالى عنهم من الدعاء والاستغاثة بهم ومنهم في سائر الأوقات والأزمان ما لا يعرف له صفة ولا شأن، وتسفح عندهم والخضوع، أعظم مما يصدر بين يدي الله في الصلاة في الحضور والخشوع، بل كثير ممن فعل ذلك مراراً وجرب هم لقضاء الحوائج ترياق مجرب، قال: وأما مشهد علي بن

أبي طالب رضي الله عنه فقد صيرته الرافضة وثنا يعبد ويدعى بخالص الدعاء دون من ذرأ الخلق وأوجد، ويصلي له في قبته ويركع ويسجد، وليس في صدور أولئك الضّلال وغيرهم من الجهّال، وذوي الفسق والضلال من التعظيم والهيبة والإجلال لذي الفضل والنوازل معشار ما فيها لعلي رضي الله عنه من غير إشكال والإسراف في المقال فتراهم يحلفون الأيمان الكاذبة بالله، ولا يخاف أحدهم مولاه، ولا يراقبه سرّاً ولا جهراً، ولا يخشاه، ولا يحلف بعلي كاذباً أبداً يعظم بذلك حماه فلا ينتهك ذلك ولا يتعداه، ويجزمون أن عنده مفاتح الغيب من غير شك قبحهم الله ولا ريب ولهذا يقولون إن زيارته أفضل من سبعين حجة وكفى بما ذكرناه في خروجهم عن الإسلام حجة، وإخراجهم عن واضح السنن والمحجة، ولقد غلوا فيه وأتوا من الشرك القبيح، أعظم مما يفعل النصارى في المسيح سوى دعوى الولدية فلم تصدر من هذه البرية، وساووهم وزادوا عليهم في غيرها من الخصال الرديّة، وزخرفوا على قبره الذي يدعونه قبة مذهبة

وخالفوا هديه رضي الله عنه ومذهبه، ولقد كان في حياته حرق ممن غلا فيه أناس، فما أغناهم عن انتهاج منهج الضلال فيه والإبلاس، ومثل ذلك ما يفعل من الشرك والمكر والشين، عند مشهد الكاظم ومشهد الحسين، قال: وأما جميع قرى الشط والمجرة، فقد لبسوا ثياب الشرك والمضرة، بل كانوا أهله وأصله ومقره، وكذلك ما حول البصرة وما توسط فيها من تلك القبب والمشاهد التي أصبح كل إليها مقبلاً وقاصد لا سيما قبر الحسن البصري والزبير رضي الله عنهما، فقد طلبوا الفرج منهما، وصرفوا لهما من العبادة والاستغاثة عند الشدائد، وطلبوا منهما جميع الفوائد، وليس لها منكر ولا جاحد، سوى ما يصدر وما يشاهد في تلك البلدان من المنكرات والفواحش والمفاسد، ولا يجحد ذلك إلاّ مباهت معاند، وأما ما في القطيف والبحرين من البدع الرفضيّة، والأمور القبيحة الشركية، والمشاهد المعظمة الوثنية، وما يفعله أولئك الضلال والأنجاس من الضلال والغي والإبلاس وما يأتونه من الشرك والأرجاس فلا يكاد

يخفى على أحد من الناس، ويقف دون ساحل إحصائه الإدراك ويقصر عن مقتضاه ونظمه في هذه الأسلاك، وما يجحد ذلك الأكل معتد أفاك، وهذا آخر ما أردنا من إيراد ما ذكره الشيخ أبو بكر حسين بن غنام رحمه الله قبل ظهور هذه الدعوة الإسلامية والطريقة المحمّدية التي سماها هذا الضال أصل الفساد الذي ملأ الأقطار وانتشر في البلاد والعباد، وذلك لجهله بدين الإسلام الذي بعث الله به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلّم ولألفه بما كان عليه أهل الشرك والضلال من عبادة غير الله تعالى بالالتجاء إلى الصّالحين ودعائهم والاستغاثة بهم فهو لا يعرف إلا ما نشأ عليه الآباء والجدود الراتعين في رياض المحرمات والحدود والأكثر منهم يتدين بالبدع والأهوى ويرفض ما درج عليه السلف الصالح من الدين القديم الأقوى، فلما تفاقم هذا الخطب وعظم وتلاطم موج الكفر والشرك في هذه الأمة وجسم وظهر الضلال والبدع، وأكثر أهل الأرض إلاّ من شاء الله

إلى منهاجها نزع، واندرست الرسالة المحمدية وانمحت منها المعالم وطمست الآثار السلفية ولم يبق منها سوى الإطلال والمراسم، وأقيمت البدع الرفضية، والأمور الشركية، وأعتقد أكثر البرية، إنها محبوبة لله مرضية، وأمور حسنة دهنية، فأقاموا لها أعياداً ومواسم وعكفوا عليها والأغلب لها شائم، ولتشديدها والذب عنها دائم، ولتشديد معالمها بالجد والاجتهاد قائم، انتدب هذا الإمام الذي أضحى بهديه الدين مشرفاً باسم، والباطل يحججه مظلماً سادم منادياً على رؤس العوالم بإخلاص العبادة لله وتنكير الإشراك والمظالم وإبطال دعوة غيره من نبي وولي وظالم وحاكم فلم يخف في الله لومة لائم حتى نال من مولاه المنح العظائم والعطايا الكرام الجسائم، وحاز منه أسنى الصلاة والغنائم واختار الله وما عنده، وبذل في طاعة الله جهده وطاقته وجده، حتى أنجز الله تعالى له وعده، وأكثر بعد ذلك محبه وجنده وصار له بتلك الدعوة والقيام، توكل على ربه واعتصام، فلم يبال بجميع الأنام، وما رموه من الفوادح

العظام، وما فوقوا له من تلك السهام فلم يكن لهم إليه وصول، وصار كل منهم عنه مغلول، وحد لسانه مفلول حتى بدا له في أفق تلك البلد طالع القبول ولمع فيه بارق سيف الحق المسلوك وانحط ذُرى الضلال وانقطع حبله الموصول وعصفت عليه عواصف الدبور بعد الشمال والشمول وصار لنجمه كسوف وأفول ولعوده المورق باللهو والمزامير والطبول، بعد غصنته ونضارته يبس وذيول ولجسمه الممتلى بالفواحش نحول.
وتجرد للدعوة إلى الله وردّ هذا الناس إلى ما كان عليه سلفهم الصالح في باب العلم والإيمان، وباب العمل الصالح والإحسان وترك التعلق على غير الله من الأنبياء والصالحين وعبادتهم والاعتقاد في الأحجار والأشجار والعيون والمغار، وتجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلّم في الأقوال والأفعال وهجر ما أحدثه الخلوف والأغيار فجادل في الله وقرر حججه وبنيانه وبذل نفسه لله وأنكر على أصناف بني آدم الخارجين عما جاءت به الرسل المعرضين عنه التاركين له وصنف في الرد على من عائد وجادل وما جل حتى ظهر

الإسلام في الأرض وانتشر في البلاد والعباد وعلت كلمة الله وظهر دينه وانقمع أهل الشرك والفساد، واستبان لذوي الألباب والعلوم من دين الإسلام ما هو مقرر معلوم.
واستجاب لهذه الدعوة من أهل الإسلام عصابة حصل بهم من العز والمنعة ما هو عنوان التوفيق والإصابة فكانوا لطريقته المثلى متبعين وبأقواله وبأفعاله مقتدين لا يزالون معه في إخلاص الدعوة مشمرين، وفي إدحاض الباطل وأهله مجتهدين، وبإيضاح مناهج الشرك معلنين، وفيما يرضى الله مشرعين، ولأهل الدين والحق مكرمين ولأهل الضلال موهنين، وللضلال والفساق مهينين، ولقبح عقائهم لهم مبينين قائمين في ذلك لرب العالمين، ولوجهه الكريم محتسبين وللنجاة مرتجين ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:69]، فلما أظهر الله هذا الدين شرق به أناس من أهل الشرك والارتياب، وأنكرته قلوب الذين حقت عليهم كلمة العذاب، وقالوا مثل ما قال الأولون ذوو الكفر والإعجاب ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [صّ:5]، فأخذوا في ردّه

والإنكار عليه وأتوا بأعظم الأسباب وزجوا الخلق في لجة الضلالة والارتياب وضجوا على دعوة الحق بالتكذيب والأكذاب، وعجوا مطبقين على الشيخ بأنه ساحر أو مفتر أو كذاب وحكموا بكفره واستحلال دمه وماله وجميع من له من الأصحاب ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: من الآية5]، وصنفوا في ردّ هذا الدين مصنفات ولفقوا من الأكاذيب على الشيخ وأكثروا من النزهات ولم يكن لهم قصد ولا مرام إلا تنفير الخواص والعوام فتلقى هذا المكي ما في كتبهم من المخرقة، وصريح الإفك والزندقة ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: من الآية112]، فموه بها على الجهال والطغام وصادف قلوباً قد ملئت بالشرك وعداوة أهل الإسلام فكانوا لما يبديه من الأوضاع يصدقون، ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام:113]، وقد تلقى هذه الأوضاع والأكاذيب من نمط هذا المعترض من له في عداوة هذا الدين أوفر حظ ونصيب، فأقام الله في نحره من انتصر لله ولرسوله ولأئمة المسلمين فأباد باطله وأدحض

حجته، وأبان الحق وأوضح محجته، وهو الإمام الفاضل الشيخ مُلا عمران فقال رحمه الله تعالى في ردّ أباطيل هذا الملحد المفترى.
شعر: جاءت قصيدتهم تروح وتغتدي... في سبّ دين الهاشميّ محمّد إلى أن قال: الشيخ شاهد بعض أهل جهالة... يدعون أصحاب القبور الهمّد تاجاً وشمسان ومن ضاهاهما... من قبة أو تربة أو مشهد يرجون منهم قربة وشفاعة... ويؤملون كذاك أخذا باليد ورأى العبّاد القبور تقرّباً... بالنذر والذبح الشنيع المفسد ما أنكر القرّاء والأشياخ ما... شهد وأمن الأمر الذي لم يحمد بل جوّزوه وشاركوا في أكله... من كان يذبح للقبور ويفتد فأتاهم الشيخ المشار إليه بالنـ... ـصح المبين وبالكلام الجيّد يدعوهمو الله أن لا يعبدوا... إلاّ المهيمن ذا الجلال السرمد فتنافروا عنه وقالوا ليس ذا... إلا عجيب عندنا لم يعهد ما قاله أباؤنا أيضاً ولا... أجدادنا أهل الحجى والسّودد إنا وجدنا جملة الأبا على... هذا فنحن بما وجدنا نقتدي

فالشيخ لما أن رأى ذا الشأن من... أهل الزمان اشتد غير مقلد ناداهموا يا قوم كيف جعلتموا... لله أندادا بغير تعددّ قالوا له بل إن قلبك مظلم... لم تعتقد في صالح متعبد إلى أن قال: لو انصفوا لرأوا له فضلا على... إظهار ما قد ضيعوه من اليد ودعوا له بالخير بعد مماته... ليكافئوه على وفاق المرشد لكنهم قد عاندوا وتكبروا... ومشوا على منهاج قوم حسّد ورموه بالبهتان والإفك الذي... هم يعملون به ومنهم يبتدي كمقالهم هو للمتابع قاطع... بدخول جنات وحور خرّد حاشى وكلاّ ليس هذا شأنه... بل إنه يرجو بها الموحد قالوا له أشقى الورى مع كونه... ينهى عن الأنداد للمتفرد وهموا يرون الشمس ظاهرة لهم... لكن أعمى القلب ليس بمهتد قالوا له يا كافر يا فاجراً... ما ضره قول العداة الحسد قالت قريش قبلهم للمصطفى... ذا ساحر ذا كاهن ذا معتد قالوا يعم المسلمين جميعهم... بالكفر قلنا ليس ذا بمؤكد

بل كل من جعل العديل لربه... ونهى فصد فذاك كالمتهود قالوا له غشاش أمة أحمد... وهو النصيح بكل وجه يبتدي هل قال إلاّ وحّدوا ربّ السّما... وذروا عبادة ما سوى المتفرد وتمسكوا بالسنة البيضاء ولا... تتنطعوا بزيادة وتردّد هذا الذي جعلوه غشا وهو قد... بعثت به الرسل الكرام لمن هدي من عهد آدم ثم نوح هكذا... تترى إلى عهد النبي محمد وكذلك الخلفاء بعد نبيّهم... والتابعون وكل حبر مهتد منهاجهم هذا عليه تمسكوا... من كان مستنا بهم فليقتد عجبا لمن يتلو الكتاب ويدعى... علم الحديث مسلسلا في المسند ويقول للتوحيد غشاً أن ذا... خطر على من قال فليتشهد ويجدد الإسلام والإيمان معـ... ـتر فابان الشيخ خير مجدّد ما ذنبه في الناس إلا أنه... هدم القباب وتلك سيرة أحمد ما صح عهد ثقيف لما عاهدوا... إلا بهدم اللات لو لم يعبد ما اللات إلا كان عبداً صالحاً... لتّ السويق لطائف متعبد لما توفي عظموا لضريحه... كصنيع عباد القبور النكد

إذ كان حيا قادراً قاموا يا طـ... ـعام له وبكسوة وتفقد وإذا توارى عنهموا في قبره... وحديث أبي الهيّاج فيه كفاية جعلوه نداً للاله السيّد... لذوي البصائر والعقول النقد في طمس تمثال وقبر مشرف... جاء الحديث به الصحيح لمسند لما نفى الإطراء عنهم والغلو... قالوا أتيت بذا الجفاء المبعد لو كان حبك للنبي محققا... لفعلت فعلتنا لعلك تهتد أما الدلائل فهو لم ينكرها... صلوات أزكى العالمين إلا مجد إلا التظاهر بالغلو وجعلها... درسا يكرر في كتاب مفرد فترى لهم حرصاً على تجويدها... حظّا وتذويقاً وحسن مجلّد لا يعتنون بمصحف لهمواكما... هم يعتنون براتب وبمولد فلو اعتنى ربّ الدلائل بالذي... يأتي عقيب تشهد المتشهد لكفاه كل مؤنة وتكلف... ومشى على النهج القويم الأرشد سأل النبي من الصحابة سائل... كيف الصلوات عليك كالمسترشد فأجاب يرشده إلى ما جاء في... قول المصلي دبر كل تشهد لوّحت فيه ولم أصرح حيث لم... يدخل على وزن القريض المنشد

هذا الكلام على الدلائل ليس ما... قد قاله من شذّ عن ذا المقصد وكذاك في روض الرياحين التي... فيها الغلو بصالح مُتعبّد والله قد ذمّ الغلو فقال يا... أهل الكتاب بغلظة وتهدد إذ قال لا تغلوا بنهي لازم... في دينكم في الحكم لم يتردّد وكذا الرسول نهى وأخبر أنه... فيه الهلاك لراهب متعبّد عجباً لهم لو كان فيهم منصف... لرأى المحبّ محمداً لمحمد من حيث إن الاتباع موافق... للحب في نص الكتاب الأمجد قالوا صبأتم نحوه قلنا لهم... الحق شمس للبصير المهتد ما بيننا نسب نميل به ولا... حسب يقربنا له بتؤدد أيضاً ولا هو جارنا الأدنى الدني... نمتار نعمته ولم نسترفد لكنها شمس الظهيرة قد بدت... لذي والبصائر فاهتدى من يهتدي فإن اعتراكم في الذي قد قاله... شك وريب واختلاف يبتدي فزنوا بميزان الشريعة قوله... تجدوه حقاً ظاهراً للمقتد ولئن وجدتم جاء فيها أو فاسقاً... أو جاهلا في العلم كالمتردد قد زل يوماً أو هفا لا تنسبوا... هفواته لجناب ذاك المرشد

فالآل والأصحاب ماذا ضرهم... من بعدهم تكدير صاف المورد من بعد ذاك الاجتماع على الهدى... ظهروا ذووا فرق وأهل تبدد ماذا يضر السحب نبح الكلب أم... ماذا يضر الصّحب سب الملحد ثم الصلاة على النبي محمد... أزكى الورى أصلاً وأطيب محتد والآل والأصحاب جمعا كلما... قد ذبّ عن ذا الدين كل موحد وقد اعترض هذا الملحدُ على الشيخ محمّد بن عبد الوهاب رحمه الله بنحو ممّا اعترض به هذا المكي وشنّع وعاوى، وحشر علماء السوء نادى، وقد أرهف هو وأخدانه أسنة المقال، والكل خاض في الإفك ونال، فأبوا بالخسران والإذلال، ولقد عرفوا أن الذي جاء به الحقّ ولكنهم لذلك كانوا يكتمون ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:32]، وكذلك قد عارضه من الغلاظ المارقين، ومن الدعاة إلى عبادة الأولياء والصالحين أناس من أهل وقته فباءوا بغضب الله ومقته، وأظهره الله عليهم بعد الامتحان، ,حقت كلمة ربك على أهل الكفر والطغيان، وهذه سنة الله التي قد خلت من قبل وحكمته إليّ يظهر بها ميزان الفضل والعدل فتتبع هذا المكي هذه الضلالات التي هي اللائقة بتلك

الفهوم والقلوب المقفلات ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: من الآية8]، والمؤمن إذا وقف على مالفقه هؤلاء من النزهات عرف قدر ما هو فيه من نعمة الإسلام وما اختص به من حلل الإيمان والكرامات، وازداد تعظيماً لربه وتمجيداً، وإخلاصاً في معاملته وتوحيداً لو شاء ربك كنت أيضاً مثلهم، فالقلب بين أصابع الرحمن، فلله الحمد والمنة حيث منّ علينا باجتناب طرائق هؤلاء الضّلال الحبارى، السّالكين مناهج الغيّ جهالة واغتراراً، ونسأله أن يثبتنا على دينه القويم، ويهدينا سلوك صراطه المستقيم.
فصل: ويزيد هذا المقام إيضاحاً ليزداد به الموحد سروراً وانشرحاً بذكر شيء من سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ونذكر طرفاً من أخباره وأحواله ليعلم الناظر فيه حقيقة أمره فلا يروج عليه تشنيع من استحوذ عليه الشيطان وأغراه وبالغ في كفره واستهواه، فنقول: قد عرف واشتهر واستفاض من أمره ودعوته وما عليه الفضلاء النبلاء من أصحابه وتلامذته أنه على ما كان عليه السّلف الصالح وأئمة الفقه و

الفتوى في باب معرفة الله وإثبات صفات كماله ونعوت جلاله التي نطق بها الكتاب العزيز وصحّت بها الأخبار النبوية وتلقتها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالقبول والتسليم يثبتونها ويؤمنون بها ويمرونها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل وقد درج على هذا من بعدهم من التابعين وتابعيهم من أهل العلم والإيمان ويلف الأمة وأئمتها.
وأمّا توحيد العبادة والإلهية فلا خلاف بين أهل الإسلام فيما قاله الشيخ وثبت عنه من المعتقد الذي دعا إليه يوضح ذلك أن أصل الإسلام وقاعدته شهادة أن لا إله إلا الله وهي أصل الإيمان بالله وحده وهي أفضل شعب الإيمان وهذا الأصل لا بد فيه من العلم والعمل والإقرار بإجماع المسلمين ومدلوله وجوب عبادة الله وحده لا شريك له والبراءة من عبادة ما سواه كائناً من كان وهذا هو الحكمة التي خلقت لها الإنس والجن وأرسلت لها الرّسل وأنزلت بها الكتب وهي تتضمن كمال الذّل والحبّ وتتضمن كمال الطاعة والتعظيم وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله

دينا غيره لا من الأولين ولا من الآخرين فإنّ جميع الأنبياء على دين الإسلام وهو يتضمّن الاستسلام لله وحده فمن استسلم له ولغيره كان مشركاً ومن لم يستسلم له كان مستكبراً عن عبادته فالعبادة بجميع أنواعها لله تعالى لا شريك له فمن صرف منها شيئاً لغيره فقد أشرك مع الله غيره في عبادته، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: من الآية48]، وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: من الآية72]، والشرك المراد بهذه الآيات ونحوها يدخل فيه شرك عبّاد القبور وعبّاد الأنبياء والملائكة والصالحين فإن هذا هو شرك جاهليّة العرب الذين بعث فيهم عبد الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلّم فإنهم كانوا يدعونها ويلتجئون إليها ويسئلونها على وجه التوسل بجاهها وشفاعتها لتقربهم إلى الله زلفى كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع من كتابه كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [يونس: من الآية18]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: من الآية3]، وقال: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً

آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الاحقاف:28]، ومعلوم أن المشركين لم يزعموا أن الأنبياء والأولياء والصّالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السموات والأرض أو استقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد ولو في ذرة من الذرات وقد بيّن القرآن في غير موضع أن من المشركين من أشرك بالملائكة ومنهم من أشرك بالأنبياء والصالحين ومنهم من أشرك بالكواكب ومنهم من أشرك بالأصنام وقد ردّ عليهم جميعهم وكفّر كل أصنافهم كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:80]، وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ الآية [التوبة:31]، وقال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: من الآية172]، ونحو ذلك في القرآن كثير وهذه العبادات التي صرفها المشركون لألهتهم هي أفعال العبد الصادرة منه كالحب والخضوع والإنابة والتوكل، والاستغاثة والاستعانة والدعاء والخوف والرجاء والنسك والتقوى والطواف ببيته رغبة ورجاء وتعلق القلوب والآمال

بفيضه ومده وإحسانه وكرمه فهذه الأنواع أشرف أنواع العبادة وأجلها بل هي لب سائر الأعمال الإسلامية وخلاصتها وكل عمل يخلو منها فهو خداج مردود على صاحبه فمن صرف من هذه الأنواع شيئاً لغير الله من هؤلاء المشركين ممن يعبد الأوثان والصالحين، يحكم الشيخ وكل بأنهم مشركون ويرى كفرهم إذا قامت عليهم الحجة الرسالية وما عدا هذا من الذنوب التي دونه في الرتبة والمفسدة لا يكفر بها، ولا يحكم على أحد من أهل القبلة الذين باينوا لعبّاد الأوثان والأصنام والقبور بمجرد ذنب ارتكبوه وعظيم جرم اجترموه، وغلاة الجهمية والقدرية والرافضة ونحوهم ممن كفّرهم السلف لا يخرج فيهم عن أقوال أئمة الهدى والفتوى من سلف هذه الأمة، ويبرأ إلى الله مما أتت الخوارج وقالته في أهل الذنوب من المسلمين وأما مسائل القدر والجبر والإرجاء والإمامة والتشيع ونحو ذلك من المقالات والنحل فهو أيضاً فيها على ماكان عليه السلف الصالح وأئمة الهدى والدين يبرأ مما قالته القدرية النفاة والقدرية المجبرة وما قالته المرجئة والرافضة وما عليه

فصول الكتاب · 3 فصل · 160 صفحة
جارٍ التحميل