البراهين الإسلامية في رد الشبهة الفارسيةصفحات 103-121
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الحياة يستمد به بعد الوفاة، فالجواب: أن هذا من جنس ما قبله نقل غير صحيح عن قائل غير معصوم لا يحتج به بإجماع المسلمين، وقول الناقل قال حجة الإسلام مجرد تمويه وتخييل، وحجة حجة الإسلام في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وما عدا ذلك فيؤخذ منه ويترك كما قال مالك وبقوله يقول علماء الإسلام: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو حامد قد دخل في الفلسفة واعتنى بكتب الفلاسفة ودخل عليه من الشر بسبب ذلك مالا يحصيه إلا الله ومن تأمل كتبه وكلامه في الإحياء وفي غيره عرف ذلك إن كان ممن له ممارسة في العلوم الشرعية قال الفقيه ابن العربي المالكي: دخل شيخنا أبو حامد في جوف الفلسفة ثم أراد أن يخرج فلم يحسن الخروج، هذا كلام تلميذه1وهو من أعرف الناس به، هذا إن صح النقل وما أظن هذا ثبت عنه.
وأما قوله: قال بعض من المشايخ العظام: رأيت أربعة أشخاص من الأولياء يتصرفون في قبورهم كما تصرفوا في حياتهم أو أزيد الشيخ عبد القادر وعن اثنين آخرين إلى آخره... فالجواب أن مشايخ الضلال وجهلة الصوفية الذين لا دراية لهم بدين الله وشرعه قد يصدر منهم هذا ونحوه بل قد حكي عن بعضهم القول باتحاد

الخالق والمخلوق والقول بحلول الخالق في خلقه والقول بتعطيل الصفات الثبوتية وكل هذه الأقوال حكيت واشتهرت وخلدت في الدفاتر عن أشياخ يعتقد كثير من الناس أنهم أهل معرفة وتحقيق وأنهم من المشايخ العظام. ومن بنى دينه على هذا رجع إلى ما عليه النصارى من تقديم أقوال أحبارهم ورهبانهم على ما بأيديهم من كتب الله وعندهم من هذا النوع شيء كثير وحكايات معروفة، وقد عاب الله ذلك عليهم وفرهم به، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.1
وقد فسر صلى الله عليه وسلم هذه العبادة بطاعتهم في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله كما في حديث عدي بن حاتم وهو حديث صحيح مشهور اعتمده المفسرون وأهل الحديث، وقد رأينا بمصر من يقول: بأن البدوي وزينب والدسوقي يتصرفون وبعضهم يزيد إلى سبعة وبعضهم إلى سبعين، وكل هذه من أقوال عباد القبور، وقد أبطلها القرآن وسائر الكتب السماوية وما جاءت به النبوات بل بطلانه معلوم بالضرورة من دين الإسلام.
وأما قول ابن زروق: إن إمداد الميت أقوى من إمداد الحي لأنه في بساط أقرب الحق وحضوره، فهذا القول كما سبق قول عمن لا يرتضي ولا يؤخذ بقوله ولا يهتدي ونحن لا نمنع أن أقوال الضالين في هذا المعنى كثيرة2ولكن ليست بشيء، ومعنا أصل عظيم لا يضل من اتبعه ولا يشقى وهو كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وقرب العبد من الحق وحضوره لا يفيد هذا فإن جميع الخلق قريب بالنسبة إلى علم الحق وخواصه لهم قرب خاص

بالنسبة إلى الحفظ والإعانة والنصرة والتأييد والتسديد، والملائكة لهم قرب أخص والأرواح الطيبة كذلك، ومع هذا فقد قيل لأفضلهم وسيدهم (ليس لك من الأمر شيء) (إن عليك إلا البلاغ) وتقدم ما فيه كفاية لأهل الحق.
وأما علم الأرواح بالزائرين وأحوالهم فلا دليل فيه لأن كونه يعلم الزائر ويرد عليه سلامه لا يدل على أنه يعلم حاله مطلقا ويتصرف ويدبر الأمر هذا لا مناسبة بينه وبين ما قبله بوجه من الوجوه وأي تلازم بينهما؟ وقد يعرف الكافر من يزوره وهو فيما هو فيه من العذاب.
وأما قوله: هكذا في شرح المشكاة فقد تقدم أن الحجة ليست في قول مثل هذا.
وأما قوله: وليت شعري ما أراد المنكرون للاستمداد إن أرادوا أن الأولياء لا تصرف لهم أصلا (لا) في الحياة ولا في الممات فهو بعينه مذهب أهل الاعتزال، والجواب أن يقال: قد تقدم أن الرجل لا يعرف معنى الاعتزال، ويسمي المؤمنين الذين يعتزلون الشرك وأهله ويجتنبون الأقوال المكفرة الشركية معتزلة لجهله بالاعتزال.
والقول بأن الأولياء لا تصرف لهم أصلا لا في الحياة ولا في الممات بغير الأسباب العادية الحسية هو مذهب أهل الإسلام قاطبة الذين اعتزلوا الشرك وأهله.
وقوله: وإن أرادوا أن لا تصرف لهم حقيقة في الحالتين بل المتصرف والمؤثر حقيقة هو الله تعالى، وينسب إليهم مجازا فهو بعينه اعتقادنا، والجواب أن يقال: لا تصرف لأحد من الخلق بدون الأسباب العادية لا حقيقة ولا مجازا، وهذا هو الذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما تقدم من الآيات والأحاديث.
وأما الأسباب العادية الحسية فهي تضاف إلى العبد حقيقة بمعنى أنها صدرت منه وقامت به وحصلت بمشيئته وكسبه ولا يمنع من إطلاق هذه الأفعال حقيقة عليه وإن كان الله هو الخالق له ولعمله كما قال تعالى: ﴿وَاللَّه ُ

خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾.1
ومن قال: لا تضاف إليه هذه الأفعال إلا مجازا فهو من جنس قول المجبرة2ومذهب سلف الأمة وأئمتها أن كسب العبد وأفعاله الحسية تضاف إليه حقيقة، وأما أفعال الله التي ليست من جنس أسباب العباد ولا في قدرتهم فهذه لا تضاف إلى العبد أصلا لا حقيقة ولا مجازا.
ولكن المعترض خلط هنا ولم يميز وقوله: إن أرادوا أنه لا تصرف ولا كرامة لهم بعد الوفاة أصلا بناء على أنه لا حياة لهم فهذا مع ما فيه من إنكار عذاب القبر باطل لما ذكرناه من السماع والعلم لهم ولا شك أنهما يتفرعان على الحياة، فالجواب: يعلم مما تقدم وهذا كله حشو وتكرير ليس تجديا للدليل هو مجرد تكرير الدعوى ولا يخفى أن الملحدين وعباد القبور القائلين بالتصرف يموهون على الناس بأن تصرف الأولياء كرامة وأن من نفاه فقد نفى الكرامة، وهذا المعترض زاد في التمويه بقوله: بناء على أنه لا حياة لهم وأن هذا يلزم منه إنكار عذاب القبر، وكل هذا تشبيه وترويج للباطل وتمويه على الجهال.
وأهل الحق لا ينكرون الكرامة التي جاء بها القرآن الكريم كما في قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾3وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾4وقوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾5وفي الحديث القدسي قال الله تعالى: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"6

وكذلك يثبتون خرق العادة للأولياء في بعض الأحيان كما في قصة آصف صاحب سليمان عليه السلام وكما في قصة أصحاب الكهف وكما تقدم في قصة عمر رضي الله عنه، ولكن ليس في هذا دليل على أنهم يتصرفون ولا تلازم بين التصرف والكرامة لأن الكرامة خرق الله العادة لوليه من غير فعل من ذاك الولي.1
وقول هذا الجاهل: إن ذلك بناء على أنه لا حياة لهم فهذا جهل عظيم وخلط ذميم، فالمسلمون متفقون على إثبات عذاب القبر ونعيمه وإن أريد بالحياة تنعم الأرواح والأجساد وعذابها وإحساسها ونحو ذلك كما ورد فهذا ثابت لا شك فيه لكنه لا يسمى حياة2وإنما يطلق اسم الحياة على غير

الأموات، والحياة البرزخية الثابتة للشهداء ونحوهم مقيدة لا مطلقة.
وعلى كل فهذا الفارسي لم يفرق بين الحياة وبين الإحساس بالألم والعذاب ولذلك استشكل وأثبت حياة البرزخ للكفار والفساق كما ثبت للشهداء وأمثالهم وزعم أن نفي التصرف في والتدبير عن الميت نفي للحياة يلزم منه نفي الإحساس.
وإن أريد أن لهم حياة مساوية للحياة الدنيوية الحسية، وإن حال البرزخ كحال الدنيا، فهذا كذب بحت ومكابرة للعقل والحس بل ولكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾1وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾2وقال جلت قدرته: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾3وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾4والآيات في هذا كثيرة.
وفي الحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" وقد تقدم الحديث.5 فأي فائدة لخلط هذا المعترض وتشبيهه مع وجود هذه النصوص؟ وما أظن أنه فعل هذا إلا لقصد الخديعة والتمويه على الجهال أو هو من أصحاب الجهل المركب الذين وصف الله أعمالهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾6

وما نقله عن القاضي في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ يؤيد ما قلناه ويرد على من قال: إن الروح عرض يفنى بفناء البدن.
وأما قوله: وإن أرادوا وقالوا بكرامتهم تصرفاتهم في النشأة الأولى وأما بعد مفارقة الأرواح لا تصرف لهم ولا كرامة وعليهم البيان، فنقول: قد تقدم البيان، والفرق بين التصرف المثبت وهو ما جرت به العادة من أعمال العباد وكسبهم1وتقدم الكلام على الكرامة وأنها ليست كما يظنه الجاهلون أنهم ينفعون ويضرون ويتصرفون وتقدم من الأدلة ما فيه الكفاية لمن أراد الله هدايته، ومن يضلل الله فلا هادي له.
ومن عجائب جهله أنه يقول: ليس لهم دليل على هذا لا في الكتاب ولا في السنة وأقوال السلف انتهى.
والجاهل يخفى عليه الحق ولو كان واضحا في نفسه.
ثم قال المعترض: من الشبهات التي تدور على ألسنة المنكرين أن العبد لابد له أن لا يستعين بغيره تعالى ففي الفاتحة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأن معناها نخصك بالعبادة والاستعانة فكما يجب على العباد تخصيصه تعالى بالعبادة كذلك يجب عليهم تخصيصه بالاستعانة فلا يعبدوا إلا إياه ولا يستعينوا إلا به2تعالى، هكذا زعم هذا المعترض أن هذه شبهة وكذب في ذلك فإن هذا هو الحق الذي نطق به القرآن في مواضع وجاءت به السنة وعلم وجوبه بالضرورة من دين الإسلام وبالفطر المستقيمة، لكن هؤلاء اجتاحتهم

الشياطين وصرفتهم عن أصل الفطرة فصاروا في شك وريب نسأل الله الثبات على دينه. قال المعترض: ويجاب عن هذه الشبهة بوجوه ذكر منها أن الفاتحة مقروءة على ألسنة العباد تعلما للسلوك والوصول أي ينبغي أن يحمدوا الله ويذكروه بالصفات الجليلة مع الحضور والإخلاص ونفي الخواطر والوساوس مجتهدين في دفعها حتى تندفع بالكلية ولا يبقى في ملاحظتهم إلا الله فحينئذ يستحقون أن يخاطبوا الله ويقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.1
وقصد هذا أن تخصيصه بالاستعانة في حال السلوك والخطاب وعدم وجود السوي وارتفاع الوسائط، ومراده أن في غير تلك الأحوال تباح الاستعانة بغير الله وتجوز فنعوذ بالله من الجهل المعمي.
ويقال لهذا: إن الله تعالى ذم المشركين وكفرهم مع إخلاص الدعاء والاستعانة به في حال ارتقاع الوسائط والسوي لإشراكهم في حال وجود ذلك كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً﴾2وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾3، ويقال هذه الآية دلت على أصلين عظيمين ألا يعبد إلا الله ولا يستعان إلا به، كما قال تعالى عن شعيب: ﴿ِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾4وقال: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾5، ونحو هذه الآيات التي فيها

الجمع بين التوكل والاعتماد والعبادة والإنابة.
وإذا كان التوكل والاعتماد في العبادات وغيرها شرطا1في حصول الإيمان كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾.2
فالاستعانة به في نيل المطلوب ودفع المرهوب أصل وشرط في حصول الإيمان المطلق لما بينها وبين التوكل من التلازم فتسلم أن الفاتحة فيها التعليم للسلوك والوصول وهذا هو دين الإسلام ومعرفة سلوك الصراط والوصول إلى الله هو أصل الدين الذي يجب التزامه، ومتى جاز للعبد أن يخرج عن هذا السلوك وطلب هذا الوصول في حال من الأحوال؟ حتى يقال: إن هذا مخصوص فإن العبد كلف بطريق السلوك وطلب الوصول إلى الممات كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾3ومتى بقي في قلب العبد ملاحظة واستعانة بالوسائط فهو على درجتين إما أن يلاحظ ما جرت به الأسباب العادية مما هو في طاقة الخلق وقدرتهم فالاعتماد على هذا والتعلق به ينقص الإيمان الكامل وتنحط به درجة العبد لكن لا يخرج به عن الإسلام إذا كان أصل اعتماده وتوكله على الله لا على غيره.
وأما ملاحظة السوي والوسائط في غير الأسباب العادية كالذين يلاحظون أرواح الأنبياء والأولياء ويرجونهم ويستمدون منهم هذا هو الشرك الأكبر الذي لا يجامع أصل الإيمان ولا يطابق قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ والبراءة من هذا ونفيه هو الصراط المستقيم الموصل إلى الله وإلى جنته ومرضاته.
وعبارة البيضاوي التي نقل هذا عنه تدل على هذا وتقرره لأنه ذكر أن الله تعالى خوطب بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بعد ذكر الحقيق بالحمد ووصفه بما تقدم من الصفات التي اختص بها، فلهذا خوطب بذلك أيا من

هذا شأنه نخصك بالعبادة والاستعانة ليكون أدل على الاختصاص والترجي من البرهان إلى العيان والانتقال من الغيبة إلى الشهود وكان المعلوم صار عيانا والمعقول مشاهدا والغائب حاضرا إلى آخر عبارته.
وأراد بهذا توجيه الالتفات إلى الخطاب من الغيبة وهو صريح في أن العبد يطلب منه هذا ويجب عليه لأن تخلف المدلول إخلال بهذا الواجب ونقض لهذا العهد.
وقول الجاهل: إن هذا تعليم بطريق السلوك والسلوك مبدأ ومنتهى ففي المبدأ ذكر الله عبادته وطاعته وفي الانتهاء فناء عما سواه وعن فنائه فلم يبقى إلا الله وجميع الأشياء الكونية يردها العارف الواصل إن أراد بهذا الكلام ونحوه.
إن هذا خاص بأناس أهل السلوك وأرباب الطرائق، وإن غيرهم من الخلق وسائر المسلمين لا يجب عليهم تخصيصه بالعبادة والاستعانة فهذا جهل يضحك منه العقلاء ولم يقل هذا أحد ممن يعرف ما يخرج من بين شفتيه إلا أن يكون مكذبا متلاعبا.
وكلام المفسرين وأهل العلم يرد ما قال هذا المعترض، ويدل على ما قاله المسلمون من وجوب عبادته تعالى وحده ووجوب الاستعانة به وحده في هذه الآية وعلى زعم هذا يقال في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾1، إن العبادة تخصه تعالى في حال دون حال لأن هذا مقام تعليم لطريق السلوك وفيه فناء عن السوي، وهذا انسلاخ من الدين وتكذيب لنص الكتاب المبين.
وأما قوله: فلأن حق العابد أن لا يلاحظ وقت العبادة غير معبوده فالاستعانة لغيره تعالى فيها ممنوعة ولكن لا تدل على أن

الاستعانة ممنوعة مطلقا كيف والمؤمنون يتعاونون بعضهم بعضا قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾1فيقال: هذا كلام قريب مما قبله إلا أنه خص الاستعانة به تعالى في حال العبادة وعلى كلامه أن في غير العبادة يجوز أن يستعين بغيره ويستمد منه سواه تعالى.
وهذا القول فيه حل لربقة العبودية وخروج عن الأحكام الشرعية ومنع لكتاب الله أن يعمل به إلا في حال دون حال وما رأيت من عباد القبور من بلغ جهله إلى هذه الغاية وتصرف في كلام الله بمقتضى رأيه ومذهبه، وأين هذا عن معنى الحصر والاختصاص المستفاد من تقديم المعمول على العامل وأين هو عن العموم اللفظي الذي اعتبر أهل العلم والتأويل بل تعرفه العامة من المسلمين وتقر به.
وأما قوله:- كيف والمؤمنون يتعاونون بعضهم بعضا- فهذا من غباوته فإن التعاون بين المؤمنين لا يدل على أنهم يتعاونون فيما هو من خصائص الربوبية بالقدرة والتأثيرات الباطنية وإنما ذلك خاص بالأسباب العادية والفعال المشاهدة الحسية ومن لم يفرق بين هذا وما قبله فهو ممن طبع الله على قلبه.
وما ذكره من الحصن الحصين من طلب الإعانة إذا انفلتت الدابة ليس هو من جنس الاستعانة الشركية فيما لا يقدر عليه إلا الله بل هو من جنس الأسباب العادية لأنهم حاضروه فخاطبهم من جنس خطاب الحي الحاضر وأين هذا؟ من الاستعانة من أصحاب القبور من الأولياء والمشايخ.
وقال المعترض: وقد يجاب عن هذه الشبهة بأن الاستعانة طلب المعونة وهي بالأسباب التي يسهل بها الفعل وتقرب الفاعل وبالأسباب التي

يتوقف عليها الفعل المسمى بالاستطاعة، فمرجع الاستعانة هنا طلب التوفيق والهداية ولا شك أنهما فعلان لله مختصان به انتهى كلامه.
والجواب: أن هذا الرجل لا يدري ما يقول، فإن عبارته متناقضة، فأولها فيه جعل الاستعانة بالأسباب التي يتوقف عليها الفعل والأسباب التي يسهل الفعل وهذا عام، وفي آخرها قال: ومرجع الاستعانة هنا إلى طلب التوفيق والهداية وهي أخص من الأسباب التي يتوقف عليها الفعل والتي تسهله فقد يوجد السبب ولا يوجد المسبب وليس بين السبب والمسبب تلازم أصلا ومراده بهذا الكلام المختلف أن: التوفيق والهداية مختصان بالله وما عداهما فمستعان به غيره ويستمد ممن سواه تعالى الله عن هذا القول وأي دليل؟ دل على أن المقصود بالآية نوع من الاستعانة خاص دون سائر الأنواع ثم من جهله ساق بعد هذا الكلام عبارة البيضاوي فيها تقسيم المعونة إلى ضرورية وغير ضرورية وهي حجة عليه فإن البيضاوي أدخل جميع الأقسام في الآية وبين أن هداية الصراط المستقيم هي الإعانة المطلوبة وهذا عام في كل ما يستعان به تعالى عليه من أمر الدنيا والآخرة فإن الصراط المستقيم لا يخرج عنه إلا أفعال المغضوب عليهم والضالين فهو لفظ عام يدخل تحته من المقصود والإرادات والأعمال الباطنة والظاهرة والغايات والوسائل كل1ما أريد به وجهه تعالى وكان صوابا على المنهاج المحمدي وعبارة البيضاوي ترد قول هذا المعترض وتشهد لما قلناه ولكنه نظر إلى ما فيه من التقسيم فظن أن ذلك حجة له وهو عليه.
وأما قوله: فأن قيل ما معنى الاستمداد والاستعانة من الأنبياء والأولياء قلنا معناه الذي نريد به التوسل بهم إلى الله في المهمات فقط بأن يقول المتوسل: اللهم إني أسألك حاجتي هذه وأتوسل بهذا العبد المقرب المكرم عندك أن تعطيني كذا وكذا بلطفك وكرمك.

فيقال لهذا: هذا الكلام ينافي ما قبله وما بعده لأنك صرحت أولا بأنه يستمد منهم ويستعان بهم ويقصدون في الحوائج ويعلمون الغيب ويتصرفون ويدبرون، ولا يصلح تفسير هذا بأن المراد أن يقول المتوسل: اللهم إني أسألك حاجتي هذه بهذا العبد ونحو هذا الكلام، فإن الأول صريح في سؤال العباد وليس فيه تعرض لسؤال الله بهم والقولان متنافيان.
فإما أن يكون الرجل مصابا في عقله أو قصد التمويه والمغالطة والشقشقة ترويجا على العوام وهي مما يزري عند ذوي الأفهام، ويقال أيضا: قولك بعد هذه العبارة: أو يقول: يا عبد الله يا ولي الله اشفع لي صريح في منافاة هذا ويطابق الأول من بعض الوجوه ولكنه يخالفه من حيث أنك هنا ذكرت الشفاعة وفي الأول جزمت بالتصريف والتدبير، والشافع لا يكون متصرفا مدبرا وإنما ينال بجاهه عند المتصرف المدبر إذا تبين هذا- وأن الرجل مخلط- فاعلم أن مسألة الله بجاه الخلق نوع ومسألة الخلق مالا يقدر عليه إلا الله نوع آخر.
فمسألة الله بجاه عباده منعها أهل العلم ولم يجزها أحد ممن يعتمد به ويقتدى به كالأئمة الأربعة وأمثالهم من أهل العلم والحديث إلا أن ابن عبد السلام1أجاز ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة وقيده بثبوت

صحة الحديث الذي جاء في ذلك وهو حديث الأعمى الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ادع الله يا محمد أن يرد علي بصري فأمره أن يتوضأ ويصلي ويدعو الله وفي دعائه أسألك بنبيك محمد، قال ابن عبد السلام: إن صح الحديث فيجوز بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة والحديث في سنده من لا يحتج به عند أهل العلم كما لا يخفى على أهل الصناعة.
وجمهور الناس من أهل العلم يقولون: معنى الحديث إن صح: التوسل بدعائه صلى الله عليه وسلم في حياته كما كان الصحابة يتوسلون بدعائه في الاستسقاء وفي غيره، وأما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فليس من هديهم وطريقتهم أن يسألوا الله به، بل لما قحطوا زمن عمر استسقى وتوسل بدعاء العباس كما تقدم، وبالجملة فهذه المسألة نوع ولا يخرج الإنسان عن مسألة الله وإنما الكلام في سؤال العباد وقصدهم من دون الله.
كما هو صريح كلام هذا المعترض.
وسؤال العباد والاستعانة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك جلي.
ولو قال: يا ولي الله اشفع لي فإن نفس السؤال محرم.
وطلب الشفاعة منهم يشبه قول النصارى: يا والدة الله اشفعي لنا إلى الابن والإله.
وقد أجمع المسلمون على أن هذا شرك.
وإذا سألهم معتقدا تأثيرهم من دون الله فهو أكبر وأطم وهو صريح كلام هذا المعترض فيما تقدم لكنه مخاتل موسوس.
وقوله: وأما ما يريد به العوام فمع اعتقاد التأثير ممنوع بل شرك وكذلك السؤال من الأنبياء والأولياء أمورا مختصة بالله تعالى، وبعض أفعالهم عند زيارة القبور فهو حرام قطعيا.
وأما التوسل بالوجه الذي بينً فهو جائز بالأخبار والآثار فيقال: أي فرق بين ما ذكرته من أن أرواح الأولياء تتصرف وتدبر وتعلم الغيب ويستعان بها وبين ما ذكرته عن العوام؟ بأن قلت: إن العوام يعتقدون أنها تفعل وتؤثر بغير إذن الله وأنها مستقلة بالربوبية فهذا لا يقوله أحد ممن يعترف بأن الله رب كل شيء.
وإن قصدت أنه يقولون إنها مفوضة وتأثر وتتصرف وتعلم فهذا عين قولك سواء بسواء ولا فرق بينك وبينهم.

وإنما ذكرك اعتقاد العوام هنا مجرد تلبيس، وكل من نظر في كلامك عرف أنه هو الذي نسبته إلى اعتقاد العوام وقوله: وكذلك السؤال عن الأنبياء والأولياء أمورا مختصة بالله تعالى إن أراد به غير الأسباب العادية فهذا هو الذي فيه النزاع وهو عين كلامه أن أرواح الأولياء تتصرف ويطلب منها قضاء الحاجات ودفع المهمات وهذا مختص بالله وقد زعمه لغيره، وإن أراد به الأسباب العادية تطلب من غيره تعالى كسؤال المخلوق ما يقدر عليه من دفع العدو أو تعليم ما يعلمه من العلم وما في وسعه من الإطعام والصدقة والدعاء ونحو ذلك فهذا لا يمنع منه، والكلام إنما هو في النوع الأول الذي وقع النزاع فيه.
وأما حديث عثمان بن حنيف وحديث ابن الجوزي وحديث أنس فهذه الأحاديث حجة عليه لا له لأنه ليس فيها استمداد من المخلوق والاستغاثة به بل فيها الاستمداد من ولي المدد ومالكه سبحانه.
واستسقاء عمر ومعاوية بالعباس ويزيد حجة لأهل الحق القائلين أنه لا يستسقى بالأموات ولا يستعان بهم لأن بالمدينة وغيرها من الأنبياء والشهداء والسابقين الأولين من هو أفضل من العباس ومن يزيد بن الأسود ولا استسقى بهم أحد زمن الصحابة ولا في القرون المفضلة فدل على أن ذلك ليس من دين أهل الإسلام وأنه من أبطل الباطلين والسنة أولى بالاتباع وأحق، ثم إن هذا المعترض أتى في آخر كلامه بشبهة سامجة تخالف ما تقدم فقال: إذا تقرر أن أعمالنا تعرض عليهم بواسطة الملائكة أو بواسطتهم فيجوز أن يكون نداؤنا لهم والتوسل بهم يعرض عليهم فيدعوا لنا بالخير ويشفعوا فيشفعوا، والجواب أن يقال: أين الداعي والشافع؟ من المدبر المتصرف؟ وقد تقدم لك وتكرر أنك تقول: بأنهم يدبرون ويتصرفون ويمدون فما بالك رجعت القهقرة وجعلتهم داعين شافعين، والشفيع إنما يشفع بجاهه وكرامته عند من يفعل ولا فعل له هو بنفسه فلا أدري أي المذهبين تختار؟ وأي الطريقتين أرجح عندك؟.

أما الطريقة الأولى فطريقة من أشرك في الربوبية وزعم أن ثم مدبرين وفاعلين ومتصرفين.
والطريقة الثانية فطريقة مشركي العرب ومن ضاهاهم وشابههم من عباد القبور الذين يعتقدون أنهم إذا سألوهم وتعلقوا بهم1نالوا بجاههم وشفاعتهم، وقد حكى الله عنهم ذلك في قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾2وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾3وبعض الجهال يظن أنه إذا قال: أنا أريد شفاعتهم وجاههم وأعتقد أن الله هو المؤثر أن ينجوا بهذا من الشرك ويكون مسلما وقد عرفت مما تقدم أن هذا هو الذي كانت عليه العرب في زمانه صلى الله عليه وسلم وأنهم لم يعتقدوا التدبير والتأثير لغر الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾4والآيات في هذا كثيرة فيها أنهم يعترفون لله بالتدبير والتصريف ولكنهم قصدوا من آلهتهم مجرد الجاه والشفاعة وقول هذا قد علم مما ذكرنا أن قول القائل: يا شيخ عبد القادر شيئا لله استمداد منه جائر.
فيقال له: تقدم لك أنك تقول: إن الذي نريد التوسل بهم إلى الله بأن يقول المتوسل: اللهم إني أسألك بعبدك وتقدم قولك: بأنهم يدعون لنا ويشفعون.
وهذه العبارة الأخيرة صريحة في طلب عبد القادر بنفسه وهذا هو الذي تريدون وهو الذي انطوت عليه

الضمائر ولكنكم تارة تصرحون وتارة تكتمون وتظهرون عيره وعلى كل فأنتم في قول مختلف يؤفك عنه من أفك كما نعت الله بذلك إخوانكم الأولين.
وأما حكاية اليافعي في تكملة روض الرياحين1أن رجلا استغاث بعبد القادر فأغيث ورأى عند ذلك رجلا عليه ثياب شديدة البياض ونحو هذا الكلام فهذا ليس من أدلة أهل الإسلام ولا يثبت به بإجماعهم حكم من الأحكام ويحتمل أن هذا المستغيث رأى خيالا أو جانا فتوهمه عبد القادر وليس كذلك إلا هذا2إن صح النقل ولا يمكن تصحيح مثل هذه الحكايات، ولو لم يكن من الموانع إلا جهالة الراوي لدين الإسلام وعدم معرفته بصحيح الأحكام، والحكاية عن الشيخ عبد القادر أنه يقول: من استغاث بي في كربة ومن ناداني باسمي في شدة فرجت عنه ومن توسل بي إلى الله في حاجة قضية له ومن صلى ركعتين ثم يخطوا إلى جهة العراق إحدى عشر خطوة ويذكر اسمي ويذكر حاجته فإنها تقضى.3
وهذا الكلام البشع الخبيث نسبه إلى هذا الشيخ الموحد خطأ عظيم وزلل وخيم وقد ابتلي رحمه الله تعالى بمن يعتقد فيه نوعا من الإلهية ويجعله ندا لرب العالمين كما ابتلي بهذا علي بن أبي طالب وابنه الحسين وغيرهم من سادات المؤمنين، وكل من عرف عبد القادر ووقف على كلامه الذي نقله الثقات عنه يجزم ببراءته من هذا وسلامته من هذه الشركيات والخرافات التي ينزه عنها العاقل فضلا عن العالم الفاضل.
وعند النصارى وأشباههم من هذه الحكايات ما يملأ الدفاتر وكانت العرب في الجاهلية تعج على عبادة اللات والعزى ومناة ونحو ذلك بمثل هذه الحكايات الضالة والأقاويل الباطلة بل ربما سمع بعضهم الخطاب من نفس

معبوده: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾1وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾2وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾3وقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾.4
وقد خرج الطبراني بسنده أنه كان بالمدينة منافق يؤذي المسلمين فقالوا قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق فقال لهم صلى الله عليه وسلم: "لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله عز وجل"، فمنع من إطلاق هذا اللفظ حتى في الأسباب العادية سدا للذريعة الشركية وهو سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم ويروى عن أبي عبد الله القرشي أحد مشايخ الطريقة أنه قال: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وعن ذي النون استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون، ولعبد القادر في كتابه (فتوح الغيب) ما هو قريب من هذا الكلام وهذه هي حال أولياء الله وعباده الصالحين يأمرون الخلق بما يوجب صرف قلوبهم ووجوههم إلى الله وحده لا شريك له والإنابة إليه والاعتماد عليه، كما قال عن إمامهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قال لقومه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾5وقال تعالى لنبيه: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾6فكيف يقول غير الرسول صلى الله عليه وسلم استغيثوا بي ومن استغاث

بي فرجت عنه سبحان الله ما أجهل أعداء الله وقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾1، وتقديم الجار والمجرور يفيد الاختصاص وأن العباد لا يرغبون إلا إليه وفي الحديث: "من لم يسأل الله يغضب عليه"2وفيه من حديث ابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله"3، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾.4
فلأي شيء يستغاث بغيره؟ ألكون غيره أعلم وأرحم وأحكم ولماذا؟ تعالى الله عن قول الظالمين علوا كبيرا والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق وصلى الله على أشرف المرسلين وإمام المتقين نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا غفر الله لكاتبها ولمؤلفها ولوالديهما والمسلمين آمين.
الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات الطيبات وتزداد بشكره العطايا والبركات وتنال الرغبات والخيرات وتدفع بالالتجاء إليه البليات والمضرات لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه ولا حول ولا قوة إلا به لا إله إلا هو رب الأرض والسموات وما بينهما ورب البريات.

فصول الكتاب · 10 فصل · 129 صفحة
جارٍ التحميل