هل يشمل لفظ المشركين أهل الكتاب
السؤال
تعلمون أن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ... ﴾ [التوبة: 28]، وتعلمون أن القرآن فرَّق بين المشركين وأهل الكتاب: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: 82]، وتعلمون أن سيدنا عمر بن عبد العزيز أمر بإلحاق أهل الكتاب بالمشركين في عدم دخول المسجد الحرام، وأن عطاء رضي الله عنه جعل المسجد يشمل الكل، وعلى هذا درج المسلمون إلى الآن، فما هو سند سيدنا عمر، وما هو النهج الديني في ذلك؟
وأما الجواب على المسألة الثانية
: فهو أن ما ذكرتم من أنَّ القرآن (العظيم) 1 فَرَّقَ بين المشركين وبين أهل الكتاب، واستشهدتم لذلك بآية المائدة: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ... ﴾ الآية [المائدة، الآية (82)]، فهو كما ذكرتم؛ لأن العطف يقتضي بظاهره الفرق بين23456
الجزء: 1 - الصفحة: 6
المعطوف والمعطوف عليه، وقد تكرر في القرآن عطف بعضهم على بعض، كالآية التي تفضلتم بذكرها، وكقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ ... ﴾ الآية [البينة، الآية 7]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ... ﴾ الآية [البينة، الآية (6)]، وقوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ... ﴾ الآية [البقرة، الآية (105)]، وقوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ
مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ... ﴾ الآية [آل عمران، الآية (186)]، إلى غير ذلك من الآيات.
وظاهر العطف يقتضي المغايرة بين المتعاطفين؛ لأن عطف الشيء على نفسه يحتاج إلى دليل خاص يجب الرجوع إليه مع بيان المسوغ لذلك كما هو معلوم في محله، وما تفضلتم بذكره من أن عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- (أنه) (1) أمر بإلحاق أهل الكتاب بالمشركين في عدم دخول المسجد الحرام 8، فمستنده المسوغ له أن الله -جل وعلا- صَرَّحَ في سورة التوبة أن أهل الكتاب من يهود ونصارى من جملة المشركين، (وإذ) 9 جاء التصريح في القرآن العظيم بأنهم من المشركين، فدخولهم في عموم (آية) 10: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ... ﴾ الآية [التوبة، الآية (28)]، لا إشكال فيه، وآية التوبة التي بَيَّنَ الله فيها أنهم من جملة المشركين، هي قوله (جل وعلا) 11: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا
الجزء: 1 - الصفحة: 7
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة، الآية (30، 31)]، فتأمل قوله في اليهود والنصارى: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يظهر لك صدق اسم الشرك عليهم، فيتضح إدخالهم في عموم: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾.
ووجه الفرق بينهم بعطف بعضهم على بعض، هو أنهم جميعًا مشركون، والمغايرة التي سَوَّغَتْ عطف بعض المشركين على بعض، هي اختلافهم في نوع الشرك، فشرك المشركين غير أهل الكتاب كان شركًا في العبادة؛ لأنهم يعبدون الأوثان، وأهل الكتاب لا يعبدون الأوثان، فلا
يشركون هذا النوع من الشرك، ولكنهم يشركون شرك (ربوبيةٍ) (1)، كما أشار له تعالى بقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ... ﴾ الآية [التوبة، الآية (31)]، ومن اتخذ أربابًا مِن دون الله فهو مشرك به في ربوبيته، وادعاء أن عزيرًا ابنُ الله، والمسيحَ ابنُ الله مِنَ الشرك في الربوبية، ولما كان الشرك في الربوبية يستلزم الشرك في العبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة، الآية (31)] (2)، وما ذكرتم من أن عطاء -رحمه الله- جعل المسجد يشمل الحل (3)، وأن المسلمين درجوا على ذلك إلى الآن (4)، فهي
المصدر: /book/fatawa-shanqiti
Footnotes
-
ساقطة من (أ).
↩ -
في (أ): (جماعة).
↩ -
في (أ): (لدى)، والصواب الأصل، المراقي مع النثر (ص 567). ↩
-
البيت عبارة عن تعريف الاستقراء غير التام، وهو أن يكون ثبوت الحكم في الكليات بواسطة إثباته بالتتبع في بعض الجزئيات الخالية عن صورة النزاع، ولكن يشترط فيه أن يكون ثبوت الحكم للبعض يفيد ظن عموم الحكم، ولو كان البعض المستقرأ أقل على التحقيق، ومثاله: ما ذكره الشافعي وغيره من أن سن الحيض تسع سنين، وأن أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر ونحو ذلك فقد صرح علماء الشافعية بأن مستند الشافعي في جميع ذلك هو الاستقراء، ومعلوم أن الشافعي لم يستقرئ من حال نساء العالم إلا النزر القليل بالنسبة لما لم يستقرئ، وقوله: يسمى لحوق الفرد: يعني أن الاستقراء الناقص (غير التام) يسميه الفقهاء إلحاق الفرد بالأغلب.
انظر: نثر الورود للشيخ رحمه الله (ص 567). ↩ -
ما بين المعقوفين، من قوله -رحمه الله-: "وادعاء بعض متأخريهم ... "، إلى قوله: " ... كما ترى" = ساقط من (أ).
↩ -
مراجع هذه المسألة البحر المحيط للزركشي (1/ 88 - 90)، إحكام الفصول في أحكام الأصول (1/ 171) الحدود في الأصول (ص 101) كلاهما للباجي، التحبير شرح التحرير في أصول الفقه للمرداوي (1/ 262)، شرح مختصر الروضة للطوفي (2/ 159)، العدة في أصول الفقه لأبي يعلى (1/ 89 - 90)، التمهيد لأبي الخطاب (1/ 48)، شرح الكوكب المنير (ص 24 - 26)، ذم الهوى (ص 5)، الأذكياء (ص 10، 11) كلاهما لابن الجوزي، أدب الدنيا والدين للماوردي (ص 6)، تهذيب الأسماء واللغات للنووي (3/ 34)، الأشباه والنظائر لابن السبكي (2/ 18)، شرح اللمع للشيرازي (1/ 151)، المسودة لآل تيمية (2/ 977)، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (9/ 303)، التبيان في أقسام القرآن لابن القيم (ص 404 - 405)، عمدة القاري للعيني (3/ 270)، أضواء البيان (5/ 715)، العذب النمير (1/ 147 - 148)، المعجم الفلسفي (2/ 84 - 88)، العقل مجالاته وآثاره في ضوء الإسلام (ص 37)، عقلك مم يتركب وكيف يعمل لـ مصطفى هيكل (ص 12)، قصة الفلسفة لـ ويل ديورانت (ص 773). ↩
-
هكذا بالأصل، وساقطة من (أ)، والأَوْلَى حذفها.
↩ -
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (6/ 512 - 513)، والبيهقي في سننه (10380)، وابن جرير في التفسير (11/ 398)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (8/ 308) لأبي الشيخ، وفيه: كتب عمر بن عبد العزيز أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين، وأتبع نهيه قول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ... ﴾ الآية [التوبة: 28]، وراجع: حلية الأولياء (5/ 325، 326)، المصنف (2/ 527)، (10/ 23). ↩
-
في (أ): (وإذا).
↩ -
في (أ): (قوله تعالى).
↩ -
في (أ): (تعالى).
↩