أهل الأثرالأرشيف العلمي

وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق؛ بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر أينما كان.

وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه، مهيمن عليهم، مطلع إليهم، إلى غير ذلك من معاني الربوبية.

وكل هذا الكلام الذي ذكره الله - من أنه فوق العرش وأنه معنا ـ: حق على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة.


ودخل في ذلك: الإيمان بأنه قريب من خلقه، كما قال تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته».

وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته، لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته؛ فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو علي في دنوه، قريب في علوه.


ومن الإيمان به وبكتبه: الإيمان بأن القرآن كلام الله، منزل، غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود، وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو كلام الله حقيقة، لا كلام غيره.

ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله، أو عبارة عنه؛ بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف، لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله حقيقة؛ فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا، لا إلى من قاله مبلغا مؤديا.


وقد دخل أيضا فيما ذكرناه - من الإيمان به وبكتبه ورسله ـ: الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة عيانا بأبصارهم؛ كما يرون الشمس صحوا ليس دونها سحاب، وكما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته.

يرونه سبحانه وهم في عرصات القيامة، ثم يرونه بعد دخول الجنة، كما يشاء الله سبحانه وتعالى.


ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما يكون بعد الموت؛ فيؤمنون بفتنة القبر، وبعذاب القبر ونعيمه.

فأما الفتنة: فإن الناس يفتنون في قبورهم، فيقال للرجل: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟

فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت؛ فيقول المؤمن: الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد نبيي.

وأما المرتاب: فيقول: آه آه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق.

ثم بعد هذه الفتنة: إما نعيم وإما عذاب إلى يوم القيامة الكبرى، فتعاد الأرواح إلى الأجساد.

وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأجمع عليها المسلمون؛ فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلا، وتدنو منهم الشمس، ويلجمهم العرق.

وتنصب الموازين؛ فتوزن فيها أعمال العباد، ﴿فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون﴾.

وتنشر الدواوين - وهي صحائف الأعمال ـ؛ فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره، كما قال تعالى: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا﴾.

ويحاسب الله الخلق، ويخلو بعبده المؤمن؛ فيقرره بذنوبه، كما وصف ذلك في الكتاب والسنة.

وأما الكفار: فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنهم لا حسنات لهم، ولكن تعدد أعمالهم وتحصى، فيوقفون عليها، ويقررون بها، ويجزون بها.

وفي عرصة القيامة: الحوض المورود لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، طوله شهر، وعرضه شهر، آنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا.

والصراط منصوب على متن جهنم، وهو الجسر الذي بين الجنة والنار، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوا، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم من يخطف فيلقى

في جهنم، فإن الجسر عليه كلاليب، تخطف الناس بأعمالهم، فمن مر على الصراط؛ دخل الجنة.

فإذا عبروا عليه: وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا: أذن لهم في دخول الجنة.

وأول من يستفتح باب الجنة: محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وأول من يدخل الجنة من الأمم: أمته صلى الله عليه وآله وسلم.

وله صلى الله عليه وآله وسلم في القيامة ثلاث شفاعات:

أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم بعد أن يتراجع الأنبياء - آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ابن مريم - الشفاعة حتى تنتهي إليه.

وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة.

وهاتان الشفاعتان خاصتان له.

وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار - وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم - يشفع فيمن استحق النار ألا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها.

ويخرج الله من النار أقواما بغير شفاعة؛ بل بفضله ورحمته، ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فينشئ الله لها أقواما، فيدخلهم الجنة.

وأصناف ما تتضمنه الدار الآخرة - من الحساب، والثواب والعقاب، والجنة والنار - وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المنزلة من السماء، والأثارة من العلم المأثورة عن الأنبياء؛ وفي العلم الموروث عن محمد صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك ما يشفي ويكفي، فمن ابتغاه وجده.


وتؤمن الفرقة الناجية - أهل السنة والجماعة ـ: بالقدر خيره وشره.

والإيمان بالقدر: على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين.

فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا وأبدا، وعلم جميع أحوالهم - من الطاعات والمعاصي، والأرزاق والآجال ـ.

ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق.

فأول ما خلق الله القلم قال له: اكتب،

قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.

فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام، وطويت الصحف، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير﴾، وقال: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير﴾.

وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه، يكون في مواضع - جملة وتفصيلا ـ:

فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء.

وإذا خلق جسد الجنين - قبل نفخ الروح فيه ـ: بعث إليه ملكا؛ فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد.
ونحو ذلك.

فهذا القدر قد كان ينكره غلاة القدرية قديما، ومنكروه اليوم قليل.

وأما الدرجة الثانية: فهي مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وهو: الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات ولا في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه سبحانه وتعالى على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات.

فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه، لا خالق غيره، ولا رب سواه.

ومع ذلك: فقد أمر العباد بطاعته، وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته.

وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات.

ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد.

والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم - والعبد: هو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم ـ.

وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم، كما

قال: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾.

وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية، الذين سماهم السلف مجوس هذه الأمة، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات، حتى يسلبوا العبد قدرته واختياره، ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه؛ حكمها ومصالحها.


ومن أصول الفرقة الناجية: أن الدين والإيمان قول وعمل - قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح ـ.

وأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.

وهم مع ذلك: لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر - كما يفعله الخوارج ـ؛ بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه في آية القصاص: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف﴾، وقال: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين * إنما المؤمنون إخوة﴾.

ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية ويخلدونه في النار - كما تقوله المعتزلة ـ.

بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان، في مثل قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾، وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق، كما في قوله: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن».

ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم.


ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما وصفهم الله به في قوله: ﴿والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾.

وطاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه».

ويقبلون ما جاء به الكتاب أو السنة أو الإجماع من فضائلهم ومراتبهم.

فيفضلون من أنفق من قبل الفتح - وهو

صلح الحديبية - وقاتل، على من أنفق من بعده وقاتل.

ويقدمون المهاجرين على الأنصار.

ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر - وكانوا ثلاث مئة وبضعة عشر ـ: «اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم».

وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، كما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ بل قد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربع مئة.

ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - كالعشرة، وكثابت بن قيس بن شماس، وغيرهم من الصحابة ـ.

ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره: من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ويثلثون بعثمان، ويربعون بعلي رضي الله عنهم، كما دلت عليه الآثار، وكما أجمعت الصحابة على تقديم عثمان في البيعة.

مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي - بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر - أيهما أفضل؟ فقدم قوم عثمان وسكتوا أو ربعوا بعلي، وقدم قوم عليا، وقوم توقفوا.

لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي.

وإن كانت هذه المسألة - مسألة عثمان وعلي ـ: ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة.

لكن المسألة التي يضلل المخالف فيها: مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي.

ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء؛ فهو أضل من حمار أهله.

ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال يوم غدير خم: «أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي».

وقال أيضا للعباس عمه - وقد شكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم فقال ـ: «والذي نفسي بيده! لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي».

وقال: «إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم».

ويتولون أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - أمهات المؤمنين ـ، ويقرون بأنهن أزواجه في الآخرة.

خصوصا خديجة أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية.

والصديقة بنت الصديق التي قال فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام».

ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل.

ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، وعامة الصحيح منه: هم فيه معذورون؛ إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون.

وهم مع ذلك: لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره؛ بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة.

ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم.

وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به، كان أفضل من جبل أحد ذهبا ممن بعدهم.

ثم إذا كان قد صدر عن أحدهم ذنب؛ فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه.

فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين؛ إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور لهم؟!

ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر، مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم - من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح ـ.

ومن نظر في سيرة القوم بعلم وعدل، وما من الله به عليهم من الفضائل؛ علم يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم هم الصفوة من قرون

هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله.


ومن أصول أهل السنة والجماعة: التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات، في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات - كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة ـ.

وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة.


ثم من طريقة أهل السنة والجماعة: اتباع آثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باطنا وظاهرا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».

ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ فيؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على هدي كل أحد؛ ولهذا سموا: أهل الكتاب والسنة.

وسموا أهل الجماعة: لأن الجماعة هي الاجتماع، وضدها الفرقة، وإن كان لفظ «الجماعة» قد صار اسما لنفس القوم المجتمعين.

والإجماع: هو الأصل الثالث الذي يعتمد في العلم والدين.

فهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس - من أقوال وأعمال، باطنة وظاهرة - مما له تعلق بالدين.

والإجماع الذي ينضبط: هو ما كان عليه السلف الصالح؛ إذ بعدهم كثر الاختلاف، وانتشرت الأمة.


ثم هم مع هذه الأصول: يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر؛ على ما توجبه الشريعة.

ويرون إقامة الحج والجهاد، والجمع والأعياد، مع الأمراء - أبرارا كانوا أو فجارا ـ، ويحافظون على الجماعات.

ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا - وشبك بين أصابعه ـ»، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

ويأمرون بالصبر على البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمر القضاء.

ويدعون إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانا: أحسنهم خلقا».

ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك.

ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك.

وينهون عن الفخر، والخيلاء، والبغي، والاستطالة على الخلق؛ بحق أو بغير حق.

ويأمرون بمعالي الأخلاق، وينهون عن سفسافها.

وكل ما يقولونه أو يفعلونه من هذا أو غيره؛ فإنما هم فيه متبعون الكتاب والسنة.


وطريقهم: هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وآله وسلم.

لكن لما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة - وهي الجماعة ـ، وفي حديث عنه أنه قال: «هم من كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي»؛ صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب، هم «أهل السنة والجماعة».

وفيهم: الصديقون، والشهداء، والصالحون.

وفيهم: أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، أولو المناقب المأثورة، والفضائل المذكورة.

وفيهم: الأبدال.

وفيهم: أئمة الدين، الذين أجمع المسلمون على هدايتهم، ودرايتهم ـ.

وهم الطائفة المنصورة، التي قال فيهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم، حتى تقوم الساعة».

فنسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ويهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب.

والحمد لله وحده، وصلاته على خير خلقه محمد، وآله وصحبه، وسلامه.

      • … .... .... .....

تم بحمد الله

فصول الكتاب · 26 فصل · 179 صفحة
جارٍ التحميل