باب القول في التثنية والجمع
إن قال قائل: أخبرونا عن التثنية ما معناها؟ قلنا له: هو ضم اسم إلى اسم مثله في اللفظ.
فيُحضر ذلك بأن يقتصر على لفظ أحدهما، إذ كان لا فرق بينه وبين الآخر.
ويُؤتى بعلم التثنية آخراً، فيعلم بذلك أنهما قد اجتمعا وصارا بمنزلة شيء واحد، إلا أن الإخبار عنهما يقع على المعنى، وذلك قولك: رجل ورجل، ثم تقول: رجلان.
وغلام وغلام، ثم تقول: غلامان.
وزيد وزيد، ثم تقول: الزيدان.
فيكون ذلك أخصر من تكرير الاسم، ولذلك لم تجز تثنية اسمين مختلفي اللفظ، كقولنا، زيد، وبكر، وعمرو، ومحمد؛ وجعفر، وما أشبه ذلك.
فإن قال: أفكذلك تقولون في الجمع إنه ضم ثلاثة أشياء متفقة في اللفظ وإلحاق عَلَم الجمع بواحد منها اختصاراً، فيدل ذلك على الثلاثة، كما دل في التثنية على شيئين؟ قلنا: ليس كذلك، لأن الاثنين لا يختلف معنى التثنية فيهما، لأنه لا يكون اثنان أكثر من اثنين عدداً.
والجموع تختلف في الكمية والأعداد في قلتها وكثرتها، كما اختلف الآحاد في أشخاصها وأبنيتها.
فاختلف أبنية الجموع لاختلاف مقاديرها، وأنواعها، وأجناسها، وأنواعها، وقلّتها، وكثرتها، كما اختلف الآحاد في أبنيتها، وألفاظها، وأجناسها، وأنواعها، وخلقها.
وكما لم تتفق الآحاد كذلك لم تتفق الجموع.
فمن الجموع ما جاء على حد التثنية، وهو أن تضم أسماء
الجزء: 1 - الصفحة: 121
بعضها إلى بعض متفقة الألفاظ، فيزاد في آخر واحد منها علامة الجمع، فيعلم أن الجماعة داخلة معه، كقولنا: الزيدون، والعمرون، ودللنا بهذا اللفظ على الجمع بين أسماء، كل واحد منها على انفراد يقال (له) زيد وعمرو.
وإن قال: أفيكون ذلك محصوراً على الثلاثة، كما كان قولك: رجلان، وغلامان، والزيدان، والعمران، محصوراً على اثنين لا غير؟
قيل له: لا، لأن الجمع لما كان كما ذكرت لك مختلفاً في القلة والكثرة جعل هذا اللفظ لما بعد الاثنين، فاشترك فيه القليل والكثير، وربما اقتصر به على ما دون العشرة، وربما جاوز ذلك، وجُعل له لفظ آخر يختص بقليل الجمع، وذلك في المكسّر من الجموع، فجعلت له أمثلة مختصة بالقليل، وهي أربعة.
أفعُل، وأفعال، وأفعِلة، وفِعلة، فأفعُل قولك أكلُب وأفلُس.
وأفعال قولك أحمال وأعدال.
وأفعلِة كقولك أرغِفة، وأمثلة في جمع مثال، وهو الفراش وفعلة قولك صبية وفتية.
فهذه الأمثلة واقعة على أقل العدد، وهو ما دون العشرة، وربما وقعت لأكثر العدد، إلا أن هذا هو الأصل، وذلك يقع خروجاً عن القياس المطَّرد، كما أن بناء الكثير ربما شركه في القليل.
مشروخ في الأصول، وليس هذا موضعه فنستقصيه.
وكذلك ما جمع بالألف والتاء، نحو: الهندات، والطلحات، والجفنات.
المقصود به أن يكون لأقل العدد وربما وقع لأكثره فيكون ذلك جائزاً غير مردود.
قال حسان
الجزء: 1 - الصفحة: 122
(لنا الجفنات الغر ليمعن بالضحى ... وأسيافنا يَقْطُرن من نجدةٍ دما)
وأما قول من أخذ على حسان الجفنات، فقال: هو لأقل العدد، وكان قولك الجفان أبلغ في المدح لأنها لأكثر العدد.
وقلت الغر ولم تقل البيض، والغرّة اليسير من البياض، وقلت يلمعن ولم تقل تلمح.
وقلت يقطرن، ولم تقل تسيل والسيلان أكثر من القطر، فهو كما قال، إلا أنه غير مدفوع أن تكون الجفنات تقع للكثير؛ وإن كان موضوع بابها القليل، لاشتراك الجموع ودخول بعضها على بعض، ألا ترى أن فعولا من أبنية أكثر العدد، وقد تقع للقليل كما قال عز وجل "ثلاثة قُرُوء".
سؤال في التثنية: إن قال قائل: لم جُعل رفع الاثنين بالألف ومن المتفق عليه أن الألف منها تولد الفتحة التي هي علامة النصب؟ لأن أكثر العلماء على أن هذه الحركات الثلاث مأخوذة من الواو والياء والألف.
فالفتحة من الألف والضمة من الواو، والكسرة من الياء.
وقد قال بعضهم: الألف من الفتحة، والياء من الكسرة، والواو من الضمة.
وعلى المذهبين جميعاً فالألف بالنصب أشكل
الجزء: 1 - الصفحة: 123
فكيف فضلتها لرفع الاثنين، ولا مجانسة بين الضمة والألف، وعدل بها عن النصب الذي هي به أشكل.
الجواب: إنما جعلت الألف في رفع الاثنين، لأن الرفع أول الإعراب، لأنه سِمة الفاعل والمبتدأ وما ضارعهما، والتثنية أول الجموع لأن معناها ضم شيء إلى شيء كما ذكرناه، والحروف المتولّدة عنها الحركات هي هذه التي ذكرت الواو والألف والياء، فلو جُعل رفع الاثنين بالواو كان يلزم أن يجعل رفع الجمع أيضاً بالواو، لأن الباب واحد وما وجب للتثنية وجب للجمع.
فلو فعل ذلك لم يكن بين التثنية والجمع فرق.
فلما بطل أن يجعل رفع الاثنين بالواو، وترك الجمع على حاله بالواو لأنه لم يعرض ما ينقله عنه، إذ الفرق بين الجمع والتثنية قد وقع بالألف، ولم تجعل تثنية المرفوع بالياء لأن الياء للخفض، والخفض في الأسماء ثابت غير منتقل عنها، والرفع والنصب قد تشترك فيهما الأسماء والأفعال، فكان الجر أغلب على الياء من الأسماء فبقي على بابه.
فلم يبق للتثنية المرفوع غير الألف فجعلت فيه.
سؤال على هذا الجواب.
يقال للمجيب بهذا الجواب: فهلا جعل رفع الاثنين بالواو، ورفع الجميع أيضاً بالواو، وكان كسر نون الاثنين وانفتاح ما قبل الواو في قولك: جائي الزيدون والعمرون، يفرق بين التثنية والجمع في قولك: جائي الزيدون
الجزء: 1 - الصفحة: 124
والعمرون، لانضمام ما قلب الواو في الجمع وانفتاح نونه؟
الجواب أن يقال: لو كان ما ذكرت من الفرق ثابتاً، لكان لعمري لازماً والاقتصار عليه واجباً، ولكنه فرق غير لازم لسقوطه في بعض الأحوال أما النون فتسقط في الإضافة في قولك: جاءني أخواك، وأخو زيد، وبنوك، وقاضو عبد الله، فتسقط دلالتها بسقوطها، وكانت تختلط التثنية والجمع فلا يفرق بينهما وكيل دليلٍ أو فارقٍ بين مسألتين كان غير لازم فالاعتماد عليه غير جائز ولا مستقيم.
وأما انضمام ما قبل الواو في الجمع فغير لازم أيضاً؛ لأن من الأسماء ما يلزم فتح ما قبل الواو في جمعها.
وتلك الأسماء المقصورة كلها إذا جُمعت جمع السلامة وجب فتح ما قبل الواو فيها نحو قولك: موسى وعيسى ومُثنى ومُعلى ومفترى ومصطفى وما أشبه ذلك.
ألا ترى أنك تقول: عيسون ومثنَّون ومعلَّون ومصطّفَون.
لأنك تأتب بواو الجمع وهي ساكنة، وقبلها ألف ساكنة، فتحذف الألف لالتقاء الساكنين، فيبقى ما قبلها مفتوحاً على حاله.
وكذلك في الخفض والنصب ينفتح ما قبل الياء، كقولك: رأيت الموسين والعيسين والمصطفين، ومررت بالعيسين والموسين والمصطفين.
قال الله عز وجل ﴿وإنهم عندنا لَمِن المصطفين الأخيار﴾ وهذه الأسماء كثيرة جداً.
وهذا حكمها في انفتاح ما قبل الواو والياء في الجميع.
فلما لم يكن هذا فرقاً ثابتاً في كل حال لم يجز الاقتصار عليه.
سؤال آخر.
فإن قال: فهلا جعلوا الواو للرفع، وجعلوا الياء للجر، لأنها على بابها، وأسقطوا الألف؟
الجواب أن يقال: ذلك غير جائز لعلتين.
إحداهما: أنّا لو جعلنا الواو للرفع
الجزء: 1 - الصفحة: 125
لاختلطت التثنية والجمع كما ذكرنا.
والأخرى أنا لو فعلنا ذلك كنا قد أسقطنا الألف من دلالات الإعراب، وهي إحدى الدعائم الثلاث التي هي أصل تولد الحركات، وذلك غير جائز.
سؤال آخر.
يقال لمن اعتقد هذا المذهب وقام بنصرته.
فهلا خصت الألف في رفع الجميع، والواو في تثنية المرفوع.
فكان يكون في ذلك فرق بينهما لأنك إذا اعتمدت في تصيير الألف في تثنية المرفوع، والواو في جمعه على كراهية التباس التثنية بالجمع لو قرنت بينهما الواو.
وأنت لو جعلت الألف في الجمع والواو في التثنية، كان بينهما من الفرق مثل ما هو الآن من جعلك الألف للتثنية والواو للجمع؟
الجواب أن يقال.
إنه قد وجب فتح ما قبل حرف التثنية في الجر والنصب في قولك: رأيت الزيدين ومررت بالزيدين، فلما كان ذلك كذلك وجب أن تجعل الألف في التثنية والواو للجمع؟
الجواب أن يقال: إنه قد وجب فتح ما قبل حرف التثنية في الجر والنصب في قولك: رأيت الزيدين ومررت بالزيدين، فلما كان ذلك كذلك وجب أن جعل الألف في التثنية لانفتاح ما قبلها، ولأنه لا يوصل إلى تغيير حركة ما قبل الألف، كما يمكن تغيير حركة ما قبل الواو والياء.
سؤال آخر.
فإن قال: فأنت قد زعمت أن المرفوع أول الكلام، وتثنيته أول التثنية، فكيف حملت الألف على فتح ما قبل الياء في الخفض والنصب وهما بعده؟
الجواب، إنا نقول: إن المرفوع قبل المنصوب والمخفوض استحقاقاً، وعلى
الجزء: 1 - الصفحة: 126
ما يوجبه القياس في الترتيب، ويجوز تسويفه في ترتيب هذه الأشياء، وتقديم بعضها على بعض في المرتبة والاستحقاق، لا أن العرب كانت تنطق زماناً بأشياء مرفوعة، ثم نطقت بعد ذلك بأشياء منصوبة، ثم نطقت بالمخفوضات.
بل تنطق بالكلام كله مختلطاً بعضه ببعض.
ثم رتب العلماء استحقاق بعضه التقديم في المرتبة على بعض، على ما مضى من شرح ذلك.
ألا ترى أنا نقول إن الأسماء قبل الأفعال، وليس كذلك مجراها في النطق، بل ترى الأفعال والحروف في كثير من الكلام تتقدم على الأسماء في النطق، وحتى أن كثيراً من الأسماء لا يجوز تقديمها على بعض الحروف، وقد ذكرنا في مثل هذا فيما مضى من الكتاب ما فيه كفاية.
وكذلك القول في تثنية المرفوع واستحقاقها في الترتيب التقدم.
والكلام كله مختلط بعضه ببعض، وتابع بعضه بعضاً.
فنقول: إن الألف جعلت لتثنية المرفوع في التقدير قبل تثنية المنصوب والمخفوض، وقبل تصيير الواو للجمع.
وكان مع ذلك أن تكون الألف في الموضع الذي ينفتح فيه ما قبل أواخر أمثالها أولاً، إذ كان لا سبيل إلى تغيير حركة ما قبلها.
سؤال آخر.
فإن قال: فلم ضُم النصب إلى الخفض دون أن يُضم إلى الرفع أو دون أن تجعل له سمة ينفرد بها؟
الجواب، وهو جواب الجماعة، قالوا: لم يمكن إفراد المنصوب في التثنية، لأن الحركات ثلاث؛ الفتحة والكسرة والضمة، وليس في التثنية والجمع سمة لحركة تسدل على رفع ولا نصب ولا خفض.
فكما، لم يكن للمرفوع في التثنية والجمع حركة تدل على الرفع، ولا للمخفوض، لم يكن ذلك في المنصوب أيضاً.
الجزء: 1 - الصفحة: 127
والحروف التي تولدت منها هذه الحركات ثلاثة: الألف وقد انفرد بها تثنية المرفوع.
والواو وقد خلصت في جمع المرفوع على قياسها.
والياء قد حصلت للمخفوض على القياس.
لأن الكسرة من الياء.
فالمخفوض في التثنية والجمع على بابه، وقد ذكرنا العلة في وجوب ذلك، فلم يبق للمنصوب إلا ضمة إلى أحدهما، وكان سمة إلى المخفوض أولى لأنهما جميعاً في طريق المفعول به.
ألا ترى أن قولك ضربت زيداً، ومررت بزيد، سواء في المعنى في أنهما مفعول بهما - إلا أن أحدهما أوصلك الفعل إليه بغير حرف خفض، والآخر وصل إليه بحرف خفض - فلما استويا في المعنى استويا في التثنية، فضم المنصوب في التثنية إلى الخفض لذلك.
ألا ترى أنهما استويا في الكناية أيضاً في قولك: رأيته، ومررت به، ورأيتك ومررت بك.
وما أشبه ذلك.
ومع ذلك إن المفتوح إلى المخفوض أقرب منه إلى المرفوع، لأن الضمة أثقل الحركات، والفتحة أخفها فهي إلى الكسرة أقرب.
سؤال آخر، إن قال قائل: فهلا جعل رفع الاثنين بالواو، ورفع الجميع بالواو، وخفض الاثنين بالياء، وخفض الجميع بالياء، ونصب الاثنين بالألف.
ونصب الجميع بالألف.
وكان قد جاء كل شيء من هذا على بابه وقياسه؟
الجواب أن يقال: لو جعل كذلك لالتبس الاثنان المرفوعان بالجمع المرفوع.
وقد ذكرنا أن دلالة نون الاثنين والجمع تسقط لسقوطها في حال الإضافة، وأن الاستدلال بانفتاح ما قبل حرف التثنية وانضمام ما قبل حرف الجمع، يسقط في جمع المقصورة.
وشرحنا ذلك شرحاً وافياً.
ومع ذلك فإنه كان يلتبس تثنية المنصوب أيضاً بجمعه في قولك: رأيت الزيدان في التثنية.
ورأيت الزيدان في الجمع.
لأنه لا سبيل إلى ما قبل الألف.
ونون الاثنين والجميع غير ثابتة
الجزء: 1 - الصفحة: 128
كما ذكرت لك.
فكان يقع في ذلك الفساد والالتباس من جهتين، فتجنبوه لذلك.
سؤال آخر.
فإن قال: فهلا جعلوا رفع الاثنين بالألف، ورفع الجميع بالواو ونصب الاثنين بالألف، ونصب الجميع بالياء.
وجعلوا الخفض مضموماً إلى أحدهما، فكان يكون في ذلك فرق بين هذه الأشياء واستعمال للأجناس الثلاثة من غير لبس ولا خلل؟
الجواب أن يقال: إنهم لو فعلوا ذلك لكانوا قد جعلوا الخفض منقولاً عن بابه، وعلمَه موسوماً به غيره، لغير علة لزمته تخرجه عن بابه.
والشيء إنما تخرجه عن بابه وتُلزمه سمة غيره في بعض الأحوال علةٌ تلزمه، وخوف لبس بين مشتبهين والخفض على بابه لم يعرض في تثنيته ولا جمعه ما يلبسه بغيره، لأن الكسرة من الياء، فخفض الاثنين بالياء على بابه، وخفض الجميع بالياء على بابه.
وليس هاهنا مانع منه، ولا سؤال أيضاً فيما جاء على بابه وقياسه لم جاء كذلك؟ وإنما السؤال فيما خرج عن بابه وقياسه، لم صار كذلك؟ ومع ذلك فإن الخفض لازم طريقة واحدة، ووجهاً واحداً لا يزول عنه.
وهو خاص للأسماء لازم لها دون غيرها.
والرفع والنصب قد ينتقلان إلى الأفعال ايضاً.
والذي هو ألزم لا يكون تابعاً.
ومع ذلك فإن طريق الخفض كما ذكرنا ضيقة جداً، لأنه لا يكون إلا من وجه واحد.
والرفع والنصب قد يكونان من وجوه، فلم يقع الاتساع في الخفض كما وقع في الرفع والنصب.
الجزء: 1 - الصفحة: 129