من الله عز وجل فيقول: لا أدري، وهكذا يجب على كل من سئل عن شيء لم يتقدم فيه العلم أن يقول: الله أعلم به، ولا علم لي به، ولا يتكلف ما لا يعلمه، فهو أعذر له عند الله، وعند ذوي الألباب
أخبرنا أبو بكر أخبرنا أبو بكر الفريابي، أخبرنا عثمان بن أبي شيبة، أخبرنا جرير بن عبد الحميد، عن عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، أي البقاع خير؟ قال: «لا أدري»، أو سكت، قال: فأي البقاع شر؟ قال: «لا أدري»، أو سكت، فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فقال: «لا أدري» فقال: سل ربك قال: ما أسأله عن شيء، وانتفض انتفاضة كاد يصعق منها محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: فلما صعد جبريل عليه السلام قال الله تعالى: " سألك محمد عن أي البقاع خير؟ قلت: لا أدري، وسألك عن أي البقاع شر؟ قلت: لا أدري قال: فخبره أن «خير ⦗١١٣⦘ البقاع المساجد، وشر البقاع الأسواق»
أخبرنا أبو بكر أخبرنا أحمد بن هارون بن يوسف التاجر، أخبرنا ابن أبي عمر، أخبرنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن زادان أبي ميسرة قال: خرج علينا علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوما وهو يمسح بطنه وهو يقول: " يا بردها على الكبد، سئلت عما لا أعلم فقلت: لا أعلم، والله أعلم "
أخبرنا أبو بكر أخبرنا أحمد، أيضا، أخبرنا ابن أبي عمر، أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق قال: قال عبد الله: أيها الناس، " من علم منكم علما فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: لا أعلم، والله أعلم، فإن من علم المرء أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، وقد قال الله تعالى ⦗١١٤⦘: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾ [ص: ٨٦] "
أخبرنا أبو بكر أخبرنا أبو محمد يحيى بن صاعد، أخبرنا الحسين بن الحسن المروزي، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، أنه " سئل عن أمر، لا يعلمه، فقال: لا أعلمه "
أخبرنا أبو بكر أخبرنا جعفر الصندلي، أخبرنا أحمد بن عطية قال: جاء رجل إلى ابن عمر يسأله عن فريضة، هينة من الصلب، فقال: لا أدري، فقام الرجل، فقال له ⦗١١٥⦘ بعض من عنده: " ألا أخبرت الرجل؟ فقال: لا، والله ما أدري "
أخبرنا أبو بكر أخبرنا هارون بن يوسف، أخبرنا ابن أبي عمر، أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد قال: سئل ابن لعبد الله بن عبد الله بن عمر عن شيء،، فلم يكن عنده جواب، فقلت: إني لأعظم أن يكون مثلك ابن إمام هدى يسأل عن شيء لا يكون عندك منه علم؟ فقال: «أعظم والله من ذلك عند الله، وعند من عقل عن الله عز وجل، أن أقول بغير علم، أو أحدث عن غير ثقة»
أخبرنا أبو بكر أخبرنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، أخبرنا عبد الرزاق قال: كان مالك يذكر قال: كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: " إذا أخطأ العالم أن يقول: لا أدري، فقد أصيبت مقاتله "
أخبرنا أبو بكر أخبرنا جعفر الصندلي، أخبرنا يعقوب بن بختان قال: سمعت أحمد بن حنبل أبا عبد الله، رحمه الله قال: سمعت الشافعي قال: سمعت مالكا قال: سمعت ابن عجلان قال: " إذا أغفل العالم: لا أدري، أصيبت مقاتله "
أخبرنا أبو بكر أخبرنا جعفر، أخبرنا صالح بن أحمد، عن أبيه قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: " جاء رجل إلى مالك بن أنس يسأله عن شيء، فقال له مالك: لا أدري قال الرجل: فأذكر عنك أنك لا تدري؟ ⦗١١٧⦘ قال: «نعم، احك عني أني لا أدري» قال محمد بن الحسين: من تخلق بهذه الأخلاق كانت أوصافه تلك الأوصاف التي تقدم ذكرنا لها
وصف من لم ينفعهم الله بالعلم
وأما من كانت أوصافه وأخلاقه الأخلاق المذمومة التي ذكرناها، لم يلتفت إلى هذا، واتبع هواه، وتعاظم في نفسه، وتجبر، ولم يؤثر العلم في قلبه أثرا يعود عليه نفعه، وكانت أخلاقه في كثير من أموره أخلاق أهل الجفاء والغفلة، وسأذكر من أخلاقه الجافية، ما إذا تصفح نفسه من خرج عن الأخلاق الشريفة، ورضي لنفسه بالأخلاق الدنيئة، التي لا تحسن بالعلماء، علم أنها فيه، وشهد على نفسه بذلك، لا يمكنه دفع ذلك، والله العظيم مطلع على سره.
فمن صفته: أن يكون أكثر همه معاشه، من حيث نهي عنه، مخافة الفقر أن ينزل به، لا يقنع بما أعطي، مستبطئا لما لم يجر به المقدور أن يكون، شغل الدنيا دائم في قلبه، وذكر الآخرة خطرات، يطلب الدنيا بالتعب، والحرص، والنصب، ويطلب الآخرة بالتسويف، والمنى.
يذكر الرجاء
عند الذنوب، فيطلب نفسه بالمقام عليها، ويذكر العجز عند الطاعة حين هم بها، فينزجر عنها، ويظن أنه محسن بالله الظن، وأنه واثق به في العفو، ولم يضمن له، ولا يحسن الظن بالله، ويثق به في الرزق الذي ضمن له، يضطرب قلبه، ويشغل بطلب رزقه، وقد أمر بالطمأنينة فيه إلى ربه، ويطمئن ويسكن عند ذكر الموت، وقد ندب إلى أن يخافه، ولا يسكن عند الحذر والخوف من أجل رزقه، وقد ضمن له، وأمنه الله من أن يفوته ما قدر له، فما أمنه الله منه يخافه، وما خوفه الله منه أمنه يفرح بما آتاه الله من الدنيا، حتى ينسى بفرحه شكر ربه، ويغتم بالمصائب حتى تشغله عن الرضى عن ربه، إن نابته نائبة سبق إلى قلبه الفزع إلى العباد، والاستعانة بهم، يطلب من ربه الفرج إذا يئس من الفرج من قبل الخلق، فإن طمع في دنو إلى مخلوق نسي مولاه.
من اصطنع إليه معروفا غلب على قلبه حب المصطنع إليه، وشغل قلبه بذكره، وألزم قلبه حبه وشكره، ناس في جميع ذلك ربه.
يثقل
عليه بذل القليل من ماله لمن لا يكافئ عليه إلا ربه، ويخف عليه بذل الكثير لمن يكافئه، أو يؤمل منه منفعته في دنياه، يأثم فيمن أحب فيمدحه بالباطل، ويعصي الله فيمن يبغضه فيذمه بالباطل، يقطع بالظنون، ويحقق بالتهم.
يكره ظلم من ينتصر لنفسه، أو ينصره من العباد غيره، ويخف عليه ظلم من لا ناصر له سوى ربه.
يثقل عليه الذكر، ويخف عليه فضول القول.
إن كان في رخاء فرح، ولهى، وأسى، وطغى، وبغى، وإن زال عنه الرخاء، شل قلبه عن الواجبات، وظن أنه لا يفرح، ولا يمرح أبدا.
إن مرض سوف التوبة، وأظهر الندامة، وعاهد أن لا يعود، وإن وجد الراحة نقض العهد، ورجع من قريب.
وإن خاف الخلق، ورجا دنياهم، أرضاهم بما يكره مولاه، وإن خاف الله كما يزعم، لم يرضه بما يكره الخلق.
يستعيذ بالله من شر من هو فوقه من العباد ولا يعيذ من هو دونه من الخلق من شر نفسه، شفاؤه في إمضاء غيظه، وإن كان مما يسخط ربه.
ينظر إلى من فضل عليه في الرزق، فيستقل
نعم ربه، فلا يشكره، ولا ينظر إلى من هو دونه في العيش فيشكر النعمة.
يتشاغل بالفضول عن الصلوات إلى آخر أوقاتها، فإن صلى صلى لاهيا عن صلاته، غير معظم لمولاه إذا قام بين يديه، إذا أطال إمامه الصلاة ملها وذمه، وإن خففها اغتنم خفته وحمده.
قليل الدعاء ما لم تنزل به الشدائد والعلل، فإن دعا فبقلب مشغول بالدنيا قال محمد بن الحسين: هذه الأخلاق، وما يشبهها، تغلب على قلب من لم ينتفع بالعلم، فبينا هو مقارن لهذه الأخلاق، إذ رغبت نفسه في حب الشرف والمنزلة، وأحب مجالسة الملوك، وأبناء الدنيا، فأحب أن يشاركهم فيما هم فيه من راخي عيشهم، من منزل بهي، ومركب هني، وخادم سري، ولباس لين، وفراش ناعم، وطعام شهي، وأحب أن يغشى بابه، ويسمع قوله، ويطاع أمره، فلم يقدر عليه إلا من جهة القضاء فطلبه، ولم يمكنه إلا ببذل دينه فتذلل للملوك ولأتباعهم، وخدمهم بنفسه،
وأكرمهم بماله، وسكت عن قبيح ما يظهر من مناكيرهم على أبوابهم، وفي منازلهم، وقولهم وفعلهم ثم زين لهم كثيرا من قبيح فعالهم بتأويله الخطأ، ليحسن موقعه عندهم، فلما فعل هذا مدة طويلة، واستحكم فيه الفساد، ولوه القضاء، فذبحوه بغير سكين، فصارت لهم عليه منة عظيمة، ووجب عليه شكرهم، فألزم نفسه ذلك، لئلا يغضبهم عليه، فيعزلوه عن القضاء، ولم يلتفت إلى غضب مولاه الكريم، فاقتطع أموال اليتامى، والأرامل، والفقراء، والمساكين، وأموال الوقوف على المجاهدين، وأهل الشرف، وبالحرمين، وأموالا يعود نفعها على جميع المسلمين، فأرضى بها الكاتب، والحاجب، والخادم، فأكل الحرام، وأطعم الحرام، وكثر الداعي عليه، فالويل لمن أورثه علمه هذه الأخلاق هذا العالم الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأمر أن يستعاذ منه، هذا العالم الذي قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه»
أخبرنا أبو بكر أخبرنا الفريابي، أخبرنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أخيه، عباد بن أبي سعيد، سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الأربع، من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع»
أخبرنا أبو بكر أخبرنا أبو بكر بن أبي داود، أخبرنا أحمد بن صالح المصري، أخبرنا عبد الله بن وهب، أخبرني أسامة بن زيد، أن محمد بن المنكدر، حدثه، أنه سمع جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه يقول: سمعت رسول ⦗١٢٤⦘ الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «اللهم إني أسألك علما نافعا، وأعوذ بك من علم لا ينفع» قال جابر رضي الله عنه: فأسرعت إلى أهلي، فقلت لهم: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو بهؤلاء الكلمات، فادعوا بهن