أهل الأثرالأرشيف العلمي
مقالة

« نقد لقصاص الديمقراطية » قراءات مشبوهة في التاريخ الإسلامي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :

فخلال قراءاتي فيما كتب في السيرة النبوية ، وسيرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعلى رأسهم خلفائه الراشدين من قبل المعاصرين ، رأيت العجب العجاب من الاجتزاء ، والاقتصار على ما يؤيد مذهب الكاتب ، وإن كان ضعيفاً أو واهياً ، والبعد عما يخالف ذلك ، وإن كان صحيحاً ثابتاً .

فمما اشتهر عند المعاصرين ، وذكر في الكثير من الكتب الدراسية ، قصة إعتاق النبي صلى الله عليه وسلم لأسارى بدر مقابل تعليمهم لصبيان المسلمين الكتابة .

قال ابن سعد في الطبقات[ 1594] : أَخْبَرَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ ، أَخْبَرَنَا مُجَالِدٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : كَانَ فِدَاءُ أُسَارَى بَدْرٍ أَرْبَعَةَ آلاَفٍ إِلَى مَا دُونَ ذَلِكَ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ أُمِرَ أَنْ يُعَلِّمَ غِلْمَانَ الأَنْصَارِ الْكِتَابَةَ .

وقال [1595] : أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، قَالَ : أَسَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ أَسِيرًا ، وَكَانَ يُفَادِي بِهِمْ عَلَى قَدْرِ أَمْوَالِهِمْ ، وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَكْتُبُونَ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ لاَ يَكْتُبُونَ ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِدَاءٌ دُفَعَ إِلَيْهِ عَشَرَةُ غِلْمَانٍ مِنْ غِلْمَانِ الْمَدِينَةِ فَعَلَّمَهُمْ ، فَإِذَا حَذَقُوا فَهُوَ فِدَاؤُهُ.

وقال [1596] : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ قُرَيْشٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، قَالَ : كَانَ فِدَاءُ أَهْلِ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً ، أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عَلَّمَ عَشْرَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْكِتَابَةَ ، فَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِمَّنْ عُلِّمَ.

أقول : والأسانيد للشعبي لا تصفو ففي السند الأول مجالد وهو ضعيف ، والثاني فيه الجعفي متروك ، والثالث فيه قريش وهو مجهول ، والخبر مرسل ، وسياقته تختلف عن السياقة المشهورة في الكتب الدراسية ، فإن الخبر صريحٌ في أن من لم يكن له فداء فهذا فداؤه .

واعتضد هذا المرسل بما روى الحاكم [ 2678 ]: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتَّابٍ الْعَبْدِيُّ ، ثنا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزِّبْرِقَانِ ، ثنا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ ، ثنا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ ، وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ شَاهِينَ ، ثنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِنَ الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ لَيْسَ لَهُمْ فِدَاءٌ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِدَاءَهُمْ : أَنْ يُعَلِّمُوا أَوْلَادَ الْأَنْصَارِ الْكِتَابَةَ . قَالَ : فَجَاءَ غُلَامٌ مِنْ أَوْلَادِ الْأَنْصَارِ إِلَى أَبِيهِ فَقَالَ : مَا شَأْنُكَ ؟ قَالَ : ضَرَبَنِي مُعَلِّمِي . قَالَ : الْخَبِيثُ يَطْلُبُ بِدَخْلِ بدْرٍ وَاللَّهِ لَا تَأْتِيهِ أَبَدًا .

أقول : وتجتنب القراءات الانتقائية ما ثبت في صحيح مسلم في شأن أسارى بدر

قال مسلم [ 4610] : قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ : فَحَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ : أَقْدِمْ حَيْزُومُ ، فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ ، وَشُقَّ وَجْهُهُ ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ ، فَجَاءَ الأَنْصَارِيُّ ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : صَدَقْتَ ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ ، فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ . قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَلَمَّا أَسَرُوا الأُسَارَى ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ : مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلاَءِ الأُسَارَى ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا نَبِيَّ اللهِ ، هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلإِسْلاَمِ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟

۞
جارٍ التحميل