فائدة نفيسة : كل الصفات الثابتة سمعية عقلية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :
فقد جرت عادة الكثيرين من المتكلمين في باب الصفات أنهم يقسمون الصفات إلى ( سمعية ) وتارة يقولون ( خبرية ) وصفات ( عقلية )
وهنا فائدة جليلة لابن القيم ينص فيها على جميع الصفات الثابتة في القرآن سمعية عقلية
قال ابن القيم في الصواعق المرسلة (3/909) :" إنه ليس في القرآن صفة إلا وقد دل العقل الصريح على إثباتها لله عز وجل ، فقد تواطأ عليها دليل العقل ودليل السمع ، فلا يمكن أن يعارض بثبوتها دليل صحيح البتة لا عقلي ولا سمعي ، بل إن كان المعارض سمعياً كان كذباً مفترى أو مما أخطأ المعارض في فهمه ، وإن كان عقلياً فهي شبه وهمية خيالية لا دليل عقلي برهاني ، وأعلم أن هذه دعوى عظيمة ينكرها كل جهمي وناف وفيلسوف وقرمطي وباطني ، ويعرفها من نور الله قلبه بنور الإيمان "
وقد بين رحمه الله بيان وجه دلالة العقل على بعض الصفات التي يعتبرها البعض خبرية فقط
حيث قال في (3/ 916) :" وقد وصف نفسه سبحانه بضد صفة أربابهم وبضد ما وصفه به المعطلة الجهمية ، فوصف نفسه بالسمع والبصر والفعل باليدين والمجيء والإتيان ، وذلك ضد صفات الأصنام التي جعل امتناع هذه الصفات عليها منافياً لألهيتها فتأمل آيات التوحيد والصفات في القرآن على كثرتها وتفننها واتساعها وتنوعها كيف تجدها كلها قد أثبتت الكمال للموصوف بها "
وقد شرحت هذا الأمر بطريقة أيسر في قناتي على التليجرام
خلاصة تحصينية في الفهم السلفي لموضوع الصفات
الأشياء القائمة بنفسها إما لها وجود خارجي عيني أو معدومة والمعدومات على نوعين منها القابل للوجود ولكنه معدوم مثل فيل يطير بأجنحة مثلاً ومنها مستحيل الوجود مثل فيل هو أسد من كل الوجوه فهذا ممتنع لذاته لأن فيه جمعاً بين النقيضين
الأشياء التي لها وجود عيني في الخارج أو كما نقول وجود حقيقي أكمل من المعدومات ولا شك وهي من جهة اتصافها بصفات الكمال على أحوال
الحال الأول : غير القابل لبعض هذه الصفات ولكونه غير قابل فلا يوصف بها سلباً وإيجاباً مثل الجدار مع السمع والبصر فلا يقال جدار سميع بصير ولا يقال جدار أعمى أصم
الحال الثاني : القابل ولكنه غير متصف مثاله إنسان أعمى هو قابل لأن يكون بصيراً ولكنه فقد بصره أو لم يبصر قط وهذا أكمل من النوع السابق لقابليته وكل الناس يرون الكائن الحي أكمل من الجمادات
الحال الثالث : القابل المتصف على نقص في الاتصاف وهذا حال الكائنات الحية كلها مع صفات الكمال فإنك تجد فيها علماً وسمعاً وبصراً وقدرة ولكن كل ذلك يتفاوت ويلحقه النقص .
وبقي القسم الأخير وكان حقه أن يجعل الأول ولكن جعلنا هكذا للترتيب وهو المتصف بصفات الكمال وهو رب العالمين تقدس اسمه فهو منزه عن مشابهة المعدومات المعدومات الممكنة والممتنعة ومنزه عن مشابهة الجمادات ومنزه عن مشابهة القابلات الفاقدة ومنزه عن مشابهة القابلات الناقصة تعالى اسمه
ولهذا قوله تعالى : ( ليس كمثله شيء ) لا يعضد قول المعطلة فهم يجعلون النفي هو فيشبهونه بالمعدومات الممتنعات كقولهم ( لا داخل العالم ولا خارجه ) أو يشبهونه بالجمادات في مثل قولهم ( منزه عن الأعضاء ) ويريدون بالأعضاء ما ورد في النصوص من الوجه واليد فالتشبيه لاحق بهم على كل حال فإن قالوا نثبت هذه المعاني على وجه لا يشبه فيه غيره قلنا فكذلك أثبتوا ظواهر النصوص على وجه لا تشبيه فيه وينتهي الأمر بدلاً من هذا التشويش العظيم على ظواهر الوحي
وبقي تنبيه على أن هناك صفات هي كمال في المخلوق لنقصه ونقص في الخالق لكماله مثل التزاوج والتكاثر فالإنسان لأنه يلحقه الموت كان من كماله أن يكون له نسل والله عز وجل غني عن ذلك تقدس اسمه والمعطلة يخلطون بين هذا الباب وما يقوله النصارى من نسبة رب العالمين للصاحبة والولد فانتهوا إلى أن ظواهر النصوص قررت نحواً من كفر النصارى وقال بذلك طوائف من أعيان الأمة ولا حول ولا قوة إلا بالله !
ولو أورد عليهم ملحد أو قرمطي أن إثبات السمع أو البصر تشبيه لما وجدوا أحسن من الكلام الموجود أعلاه للرد على القرمطة ، وبعضهم مسكين يستدل بما لم يستدل كبار المعطلة قديماً فيقول هل الله يحتاج إلى أن تكون له من الصفات كذا وكذا وهذا يشبه كلام الملاحدة وتشويشهم فصفات الله عز وجل من الله من كماله لا يقال أنه يحتاج لها لأنها منه سبحانه كما لا يقال يحتاج إلى نفسه ! تعالى الله عما يقولون ثم إن رب العالمين خلق ملائكة أظهر بهم كماله وهم من كماله فأظهر كماله بكماله وما فهم أحد أنه مفتقر إليهم تقدس اسمه بل هم المفتقرون إليه وكما قلنا أظهر كماله بكماله فما بالك بصفته القائمة بذاته سبحانه وتعالى وهنا نقرب لهم أشد التقريب والله يعفو عنا على هذا التنزل مع هؤلاء السوفطائيين
سليم الفطرة إذا سمع ( يحبهم ويحبونه ) و ( الراحمون يرحمهم الرحمن ) يفهم بكل يسر أن اتصاف الأول الذي لا بداية له بهذه الأوصاف من محبة ورحمة على ما يليق به وأنه وهب أكمل مخلوقاته هذه الصفات على ما يليق بهم وهكذا يخرج المرء من التعطيل والتشبيه ويقف مع ظواهر النصوص وسلف الأمة بعيداً عن تشويش المعطلة وتشبيههم لرب العالمين بالمعدومات الممتنعات وعامة من يقول بالتعطيل اليوم لا يفهم حقيقة الشبهات التي أدت بأسلافه إلى هذا القول وإنما تجد شبهته متوسطة في الخلط بين الأقسام السابقة فيظن أنه ليس ثمة إلا القسم الثالث فقط ويعتبر إثبات الصفة تشبيهاً به من هذا الجانب وينسى الأقسام الأخرى وينسى أنه يثبت لله صفات كمال يقع اسمها على المخلوقات على ما يليق بهم ، ومما يدلك على عدم وعيهم بالأمر أَن بعضهم لما أورد عليه أن قولهم لا داخل العالم ولا خارجه رفع للنقيضين صار يورد أمثلة على رفع النقيضين في غير القابلات كقولك الجدار لا يبصر ولا يعمى فهربوا من تشبيه متوهم إلى تشبيه محقق بل القول بأنه لا داخل العالم ولا خارجه تشبيه بالممتنعات عند التأمل لأنه فرع عن عدم إثبات وجود حقيقي خارجي لله ولهذا اعتبر السلف قولهم هذا أعظم الكفر
هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم