أهل الأثرالأرشيف العلمي
مقالة

الترجيح بين أقوال المعدلين والجارحين في أبي حنيفة النعمان بن ثابت كتبه : عبد الله بن فهد الخليفي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :

فهذا بحث علمي في مسألة ( ما قيل في أبي حنيفة النعمان بن ثابت جرحاً وتعديلاً ) واعلم رحمك الله أن داعي هذا البحث عدة أمور

الأول : أن هذه المسألة حيرت الكثير من طلبة العلم إذ أنهم يرون الناس قد انقسموا في هذا الرجل ما بين مادح مطري ، وقادح مزري بأشد ألفاظ القدح فجاء هذا البحث ليكون محاولة جادة لحل الاشكال

الثاني : أن اعتراض المعاصرين على كلام السلف في هذه المسألة صار سمة بارزة في عمل كثير من المحققين فبعض المعلقين على السنة لعبد الله بن أحمد اعترض عليه في شأن أبي حنيفة ، وعدد من المعلقين على تأويل مختلف الحديث اعترض عليه في شأن أبي حنيفة وبعض المعلقين على عقيدة حرب الكرماني اعترض عليه في شأن أبي حنيفة وبعض المعلقين على السنة للالكائي اعترض عليه في شأن أبي حنيفة

فكان لا بد من بيان مأخذ هؤلاء الأئمة ومناقشة هذا المأخذ وبيان قوته من ضعفه ، فإن مما يوقع الحيرة في نفوس الكثير من طلبة العلم تغليط كل هؤلاء الأئمة وإظهارهم في صورة التعامل على إمام جليل من أعيان أئمة الإسلام

الثالث : هذه المسألة صارت أداة في يد عدد من الطاعنين في أئمة الإسلام فكتب حسن بن فرحان المالكي في كتابه ( قراءة في كتب العقائد ) طعناً في عبد الله بن أحمد لذكره مثالب أبي حنيفة فيكتاب السنة ، وكذلك كتب المعتزلي الأردني نايف محمود ذياب طعناً في أهل الحديث لهذا السبب ، وقبلهما كتب الهالك محمد الزاهد الكوثري طعناً في عدد من أعيان الأمة في كتابه ( تأنيب الخطيب ) بسبب هذه المسألة ، ولسان حال الكوثري أنه لا يمكن تعديل أبي حنيفة إلا بالطعن في المتكلمين فيه فركب هذا المركب الصعب ذباً عن إمام مذهبه ، وطعن عبد الفتاح أبو غدة في تعليقه على الانتقاء في ابن حبان ووصفه بالجنون لما ذكره في ترجمة أبي حنيفة ، وطعن بشار عواد معروف وشعيب الأرناؤوط في أهل الحديث ووصفوهم بالظلم عند تعليقهم على ترجمة إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة في تحرير تقريب التهذيب

واستغل هذه المسألة في الدعوة إلى مسلكه التمييعي حاتم العوني فدعا إلى هجر كلام السلف في الأشاعرة كما هجرنا كلام السلف في أبي حنيفة

وهذه الأمور كلها تدفعنا إلى النظر الجاد في المسألة لنعلم بما سنجيب هؤلاء

الرابع : أن هذه المسألة عند كثيرين صارت محل ولاء وبراء وتضليل وتبديع ، وعند وجود النزاع لا بد من بحث المسألة علمياً بشكل جاد ليحل النزاع علمياً

الخامس : يلاحظ في كثير من الأبحاث العصرية في هذه المسألة أنها مبنية على مقدمة نفسية عند الباحث وهي أن هذا الرجل إمام جليل متفق على إمامته ثم يتعامل مع الآثار الواردة في ثلبه بناء على هذه المقدمة ، فترى تكلفاً عجيباً في تضعيف الآثار الثابتة وتأويلها بتأويلات بعيدة فكان لا بد من علاج هذا الأمر ، وقد ترتب على التسامح في هذه المسألة المجاملة في أمر سنة النبي صلى الله عليه وسلم فضاق صدر كثيرين بتضعيف أبي حنيفة في الحديث وكما ردوا جرحه في غير الحديث ردوا جرحه في الحديث ، فترى المعلقين على المسند مع طول باعهم في باب علم الحديث إذا جاءوا على حديث في سنده أبو حنيفة وحماد بن أبي سليمان ، يضعفون الخبر بحماد ويتركون أبا حنيفة مع أن حماداً أوثق بكثير من أبي حنيفة

بل حتى المعلقان على زاد المعاد يحسنان حديث أبي حنيفة !

السادس : ترتب على التسامح في هذه المسألة قول كثيرين أن مرجئة الفقهاء من أهل السنة ، لئلا يلزم من تبديعهم تبديع إمامهم أبي حنيفة ، وكذلك ترتب عليه التسهيل في مسألة الخلاف بين أهل الحديث وأهل الرأي بل واعتبار المدرستين وجهان لعملة واحدة مع أن الناظر في الخلاف القديم بين الفريقين يرى تبايناً منهجياً وتضليلاً متبادلاً ، فكان لا بد من تحرير هذه المسائل فلا زال المرجئة موجودين ولا زال أهل الرأي موجودين

ولا شك أننا إذا حكمنا بخروج فئة معينة من السنة فإنه يترتب على ذلك الاجراءات المعروفة عن أئمة الإسلام في وقاية المجتمع من خطرهم

وقبل الدخول في البحث أود التنبيه على أنني لن آلو جهداً في استقصاء عامة ما قيل في الجرح والتعديل مع النظر في الأسانيد وتحليل المتون مستعيذاً بالله عز وجل من الهوى ومستعداً تمام الاستعداد للتراجع عن أي مقدمة أو نتيجة علمية اعتقدتها في يوم من الأيام ، وثبت لي بعد البحث الخطأ فيها

وقبل الشروع في أصل البحث لا بد من ذكر عدة مقدمات علميةلضبط المسألة علمياً

المقدمة العلمية الأولى : الجرح المفسر مقدم على التعديل المجمل

قال ( محمد عجاج الخطيب ) في كتابه [ أصول الحديث ص 280 ] وهو يعدد أقوال أهل العلم في حال تعارض الجرح والتعديل :" القول الأول : تقديم الجرح على التعديل ولو كان المعدلون أكثر لأن الجارح اطلع على ما لم يطلع عليه المعدل وهذا قول جمهور أهل العلم " ثم قال :" والقول الأول هو الذي ذهب إليه المحدثون المتقدمون والمتأخرون " [ وانظر مقدمة ابن الصلاح ص 249 ]

نقلت بنت الشاطيء هذا النص في [ تعليقها على مقدمة ابن الصلاح ص293 ] حيث قالت : قال القاضي عياض : " اختلف المحدثون والفقهاء والأصوليون في باب الخبر والشهادة إذا عدل معدلون رجلاً وجرحه آخرون فالجرح أولى وحكوا في ذلك إجماع العلماء والحجة في أن المجرح زاد ما لم يعلم المعدل وهو بين ولا خلاف في هذا إذا كان عدد المجرحين أكثر " قال الألباني في [ سلسلة الأحاديث الضعيفة تحت حديث رقم 14 ] : " قال الدارقطني : تفرد به الواقدي و هو ضعيف . و ذكر نحوه ابن الملقن في [ خلاصة البدر المنير ( ق 118 / 1 ) .] قلت : بل هو متروك فقد كذبه الإمام أحمد و النسائي و ابن المديني و غيرهم . و لا تغتر بتوثيق بعض المتعصبين له ممن قدم لبعض كتبه , و غيره من الحنفية , فإنه على خلاف القاعدة المعروفة عند المحدثين : الجرح المبين مقدمعلى التعديل و لذا حكم الكوثري بوضعه كما سيأتي تحت الحديث ( 25 ) " .أ هــ

المقدمة العلمية الثانية : يلزم من رد الجرح المفسر بدون بينة الطعن في الجارح ولا يلزم من رد التعديل المجمل الطعن في المعدل

الجرح المفسر يرد بإثبات تراجع المجروح أو عدم صحة القول عنه ، أو أن القول الذي قال فيه صواب

وأما رد جرح الجارح العارف بأسباب الجرح والتعديل بدون إثبات شيء من هذا فإن هذا يترتب عليه الطعن في هذا الإمام نفسه

قال الخطيب البغدادي في الكفاية (1/115) :" وَأَخْبَارُ الْمُعَدِّلِ عَنِ الْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ لَا يَنْفِي صِدْقَ قَوْلِ الْجَارِحِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ , فَوَجَبَ لِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْجَرْحُ أَوْلَى مِنَ التَّعْدِيلِ"

قال السخاوي في فتح المغيث "وغاية قول المعدل إنه لم يعلم فسقاً ولم يظنه فظن عدالته،إذ العلم بالعدم لا يتصور والجارح يقول: أنا علمت فسقه ،فلو حكمنا بعدم فسقه كان الجارح كاذباً،ولو حكمنا بفسقه كانا صادقين(أي المعدل والجارح)فيما أخبرا به" فالمسألة التي بين أيدينا خطيرة ، وليحذر المرء من أن يقول قولاً يترتب عليه تفسيق أئمة الإسلام وجعل قبول الجارح طعناً في المعدل عكس للقواعد العلمية وتلاعب بين

المقدمة العلمية الثالثة : إذا اختلف كلام العلماء لم يكن قول أحدهم حجة على الآخر إلا ببينة

قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى (20/215) :" وَإِذَا قِيلَ لِهَذَا الْمُسْتَهْدِي الْمُسْتَرْشِدِ : أَنْتَ أَعْلَمُ أَمْ الْإِمَامُ الْفُلَانِيُّ ؟ كَانَتْ هَذِهِ مُعَارَضَةً فَاسِدَةً ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ الْفُلَانِيَّ قَدْ خَالَفَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَنْ هُوَ نَظِيرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَلَسْت أَعْلَمُ مِنْ هَذَا وَلَا هَذَا وَلَكِنَّ نِسْبَةَ هَؤُلَاءِ إلَى الْأَئِمَّةِ كَنِسْبَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وأبي وَمُعَاذٍ وَنَحْوِهِمْ إلَى الْأَئِمَّةِ وَغَيْرِهِمْ فَكَمَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ أَكْفَاءٌ فِي مَوَارِدِ النِّزَاعِ ؛ وَإِذَا تَنَازَعُوا فِي شَيْءٍ رَدُّوا مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ يَكُونُ أَعْلَمَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ : فَكَذَلِكَ مَوَارِدُ النِّزَاعِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ تَرَكَ النَّاسُ قَوْلَ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ فِي مَسْأَلَةِ تَيَمُّمِ الْجُنُبِ وَأَخَذُوا بِقَوْلِ مَنْ هُوَ دُونَهُمَا كَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ لَمَّا احْتَجَّ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَتَرَكُوا قَوْلَ عُمَرَ فِي دِيَةِ الْأَصَابِعِ وَأَخَذُوا بِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ لِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ السُّنَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ " . وَقَدْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ يُنَاظِرُ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي الْمُتْعَةِ فَقَالَ لَهُ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنْ السَّمَاءِ أَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُولُونَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ؟ "

فإذا جاز أن يدرك المفضول الحق ولا يدركه الفاضل في مسألة بعينها فكيف بمسألة تتابع فيها السلف على قول معين ، فخالف جماعة ممن تأخر

وقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى (35/ 213) :" وَمَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ لَا يَسُوغُ فِيهَا الْإِنْكَارُ إلَّا بِبَيَانِ الْحُجَّةِ وَإِيضَاحِ الْمَحَجَّةِ : لَا الْإِنْكَارُ الْمُجَرَّدُ الْمُسْتَنِدُ إلَى

مَحْضِ التَّقْلِيدِ ؛ فَإِنَّ هَذَا فِعْلُ أَهْلِ الْجَهْلِ وَالْأَهْوَاءِ كَيْفَ وَالْقَوْلُ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَقَبْلَهُ قَوْلٌ ضَعِيفٌ جِدًّا مُخَالِفٌ لِمَا عُلِمَ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِمَا عُلِمَ مِنْ حَالِ أَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ"

فكذلك من يأتي بكلام بعض المعاصرين ويريد أن يجعله حجة قاطعة على من أخذ بكلام السلف هو فاعل لفعل أهل الجهل والأهواء ففي حال الخلاف لا يكون قول العالم على العالم حجة إلا ببينة

فكيف إذا كان العالم المرجح قوله هو أعلم وأجل وأقدم وأورع فمن في عصرنا يقارن بأحمد ابن حنبل أو سفيان الثوري أو الأوزاعي ؟

المقدمة العلمية الرابعة : الإجماعات لا تتعارض

قال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 169) :" أنه من الممتنع أن تتفق الأمة على استحسان فعل لو كان حسنا لفعله المتقدمون ، ولم يفعلوه ، فإن هذا من باب تناقض الإجماعات ، وهي لا تتناقض ، وإذا اختلف فيه المتأخرون فالفاصل بينهم : هو الكتاب والسنة ، وإجماع المتقدمين نصا واستنباطا" وعلى هذا إذا رأينا من ادعى الإجماع على جرح أبي حنيفة كما ادعاه ابن أبي داود وحرب الكرماني وابن عبد البر وابن الجوزي ( وسيأتي ذكر نصوصهم )

كان من الممتنع إذا صححنا هذا الإجماع أن ينعقد إجماع على خلاف هذا الإجماع وإجماع المتقدمين مقدم على إجماع المتأخرين ( الذي يكون متوهماً في العادة )

المقدمة العلمية الخامسة : الأقوال لا تموت بموت أصحابها

قال ابن عثيمين في شرحه على منظومة القواعد :" س: هذا يقول: فضيلة الشيخ، هل من الممكن أن يكون هناك إجماع في هذا الزمان؟ وكيف يكون ذلك؟ ج: الإجماع لا يكون في هذا الزمان إذا كان هناك خلاف سابق؛ لأنه لا إجماع مع خلاف سابق، فإذا اختلفت الأمة على قولين، ثم أجمع المتأخرون على أحد القولين، فإن ذلك لا يعد إجماعا؛ لأن الأقوال لا تموت بموت قائليها، وعلى هذا فلا يُتصور ورود هذا السؤال لعدم إمكانه.
نعم"

والقول بأن الإجماع انعقد بعد المائة الفلانية على تعديل شخص أو جرحه إنما يبنى على القول بإمكان انعقاد إجماع ملزم بعد خلاف قديم بغير نص واضح ، وهذا القول خالفه جمع من العلماء وهذا تقرير ابن عثيمين أمامك وكذلك خالفه شيخ الإسلام ابن تيمية

قال شيخ الإسلام في الفرقان بين الحق والباطل ص10 :" بِخِلَافِ مَا يُعْرَفُ مِنْ نِزَاعِ السَّلَفِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا يُرَدُّ بِالنَّصِّ وَإِذَا قِيلَ : قَدْ أَجْمَعَ التَّابِعُونَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ فَارْتَفَعَ النِّزَاعُ . فَمِثْلُ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ : " إحْدَاهُمَا " الْعِلْمُ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الْأُمَّةِ مَنْ يَقُولُ بِقَوْلِ الْآخَرِ وَهَذَا مُتَعَذِّرٌ . الثَّانِيَةُ " أَنَّ مِثْلَ هَذَا هَلْ يَرْفَعُ النِّزَاعَ مَشْهُورٌ فَنِزَاعُ السَّلَفِ يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِهِ إذَا كَانَ مَعَهُ حُجَّةٌ ؛ إذْ عَلَى خِلَافِهِ ، وَنِزَاعُ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا يُمْكِنُ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُ قَدْ تَقَدَّمَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا دَلَّتْ النُّصُوصُ عَلَى خِلَافِهِ وَمُخَالَفَةُ إجْمَاعِ السَّلَفِ خَطَأٌ قَطْعًا . وَ " أَيْضًا " فَلَمْ يَبْقَ مَسْأَلَةٌ فِي الدِّينِ إلَّا وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهَا السَّلَفُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ قَوْلٌ يُخَالِفُ ذَلِكَ الْقَوْلَ أَوْ يُوَافِقُهُ وَقَدْ بَسَطْنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ"

وكلام شيخ الإسلام واضح في أنه قد يقال بالقول المروي عن السلف وإن لم تعلم قائلاً به من الخلف لأن الخلف يتعذر جمع كلامهم أصلاً فدعوى إجماعهم بعيدة

وهذا واضح في منهج شيخ الإسلام العلمي فإنه قد ذهب إلى جواز التسري بالإماء المشركات مخالفاً بذلك للمذاهب الأربعة المشهورة ومتابعاً لطاوس التابعي

وقوله في الطلاق معروف

وعندنا من المعاصرين الألباني قال في الذهب المحلق قولاً ادعى أن سلفه فيه أبو هريرة _ والصواب أنه ليس سلفاً له _

وكذا قال في الاعتكاف بقول اشتهر هجره عن المسلمين منذ قرون ، وإنما قال به متابعة للمروي عن حذيفة ابن اليمان

ويا ليت شعري من يقول ( انعقد الإجماع بعد المائة السابعة ) هل وقف على كل المؤلفات بعد المائة السابعة ثم بعد وقوفه عليها قرأها حرفاً حرفاً فما وجد فيها من يوافق شيئاً من نصوص السلف في الرجل ؟

هذا متعذر جداً كما قال شيخ الإسلام

وعليه من قال بقول سفيان والأوزاعي وابن المبارك ومالك وأحمد وغيرهم في أبي حنيفة لا ينبغي إظهاره بصورة مخالف الإجماع ، لأن هناك قولاً قديماً

فكيف إذا كان هذا القول القديم قد ادعي عليه الإجماع !

فكيف إذا لم يكن هناك إجماع من المعاصرين أو المتأخرين فهذا مقبل الوادعي له كتاب مستقل في المسألة اسمه ( نشر الصحيفة )

فحتى لو رجح مرجح التعديل لم يجز له تضليل الجارح الذي اعتمد على اجتهاد سائغ من عالم معتبر فكيف بقرابة المائة عالم وإذا كانت صدورنا قد اتسعت لأهل الرأي مع كل مخالفاتهم للسنن وكل ما قال أئمة الإسلام فيهم واتسعت للمرجئة مع مخالفتهم للكتاب والسنة الإجماع فأدخلناهم في أهل السنة وجئنا إلى رجل من كبارهم فجعلناه إماماً في السنة أفلا تتسع صدرونا لمن جرح أبا حنيفة ولم يخالف كتاباً ولا سنة ولا إجماعاً بل وافق أئمة أعلاماً نحن نقر بأنهم أجل من ذلك الرجل الذي ينافح عنه بعضنا ، وإذا كان أئمة أهل السنة قد تكلموا في ذلك الرجل حمية على السنة ومن لم يوافقهم يعتذر لهم بذاك فلم ترتفع الحمية من الأرض فلا زال في المسلمين بقية ، وباب الاعتذار لأهل السنة لا زال مفتوحاً

المقدمة العلمية السادسة : أئمة الجرح والتعديل قولهم مقبول في الرواية والعقائد

من القواعد الخبيثة التي ظهرت في هذا العصر قول بعضهم أن قواعد الجرح والتعديل لا تطبق عند الكلام على عقائد الناس ، وأن أئمة الجرح والتعديل إنما يتكلمون في أمور الرواية لا شأن لهم في أمر العقيدة

وهذا باطل وفي مسألتنا المبحوثة هنا أستغرب من عدد الباحثين قبولهم كلام الأئمة في حديث أبي حنيفة تسليماً لنقدهم في هذا الباب وتركهم للكلام في عقيدته مع أن المتكلم في هذا وذاك واحد

فلم يقبل كلامه هذا ويترك في ذاك

وهذه المقدمات العلمية نبهت عليها لأن عامة من يبحث في هذه المسألة يتجاهلها بشكل غريب ، مع أنه ربما لو بحث مسألة أخرى لرأيته يقول بها

وقبل الشروع في البحث أود أن أذكر عدة كلمات أرجو أن تكون منك على ذكر طوال البحث

الكلمة الأولى : قال ابن عبد البر في الانتقاء (1/149) :" كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ اسْتَجَازُوا الطَّعْنَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ لِرَدِّهِ كَثِيرًا مِنْ أَخْبَارِ الآحَادِ الْعُدُولِ لأَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ إِلَى عَرْضِهَا عَلَى مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنَ الأَحَادِيثِ وَمَعَانِي الْقُرْآنِ فَمَا شَذَّ عَنْ ذَلِكَ رَدَّهُ وَسَمَّاهُ شَاذًّا وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ أَيْضًا يَقُولُ الطَّاعَاتُ مِنَ الصَّلاةِ وَغَيْرِهَا لَا تُسَمَّى إِيمَانًا وَكُلُّ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يُنْكِرُونَ قَوْلَهُ وَيُبَدِّعُونَهُ بِذَلِكَ "

فهذا نقل إجماع على التبديع بلفظ التبديع الصريح فهو يقول ( كل ) ويقول ( يبدعونه )

الكلمة الثانية : قال حرب الكرماني في عقيدته :" هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أوعاب قائلها فهو مبتدع خارج من الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم فكان من قولهم"

فهنا ينقل إجماع أهل العلم في عصره

ثم قال في عقيدته :" وأصحاب الرأي: وهم مبتدعة ضُّلّال أعداء السّنة والأثر يرون الدين رأيًا وقياسًا واستحسانًا، وهم يخالفون الآثار، ويبطلون الحديث، ويردون على الرسول، ويتخذون أبا حنيفة ومن قال بقوله إمامًا يدينون بدينهم، ويقولون بقولهم فأي ضلالة بأبين ممن قال بهذا أو كان على مثل هذا، يترك قول الرسول وأصحابه ويتبع رأي أبي حنيفة وأصحابه، فكفى بهذا غيًا وطغيانًا وردًا"

فهذا إجماع آخر

الكلمة الثالثة : قال ابن الجوزي في المنتظم (3/23) :" وبعد هذا فاتفق الكل على الطعن فيه _ يعني أبا حنيفة _ ، ثم انقسموا على ثلاثة أقسام: فقوم طعنوا فيه لما يرجع إلى العقائد و الكلام في الأصول.
وقوم طعنوا في روايته وقلة حفظه وضبطه.
وقوم طعنوا لقوله الرأي فيما يخالف الأحاديث الصحاح"

فهذا نقل إجماع على الطعن ينقله حافظ واسع الاطلاع جداً وهو ابن الجوزي

الكلمة الرابعة : قال ابن عدي في الكامل (8/241) :" سمعتُ ابْن أبي دَاوُد يَقُول الوقيعة فِي أبي حنيفة إجماع من العلماء لأَن إمام البصرة أيوب السختياني وقد تكلم فيه وإمام الكوفة الثَّوْريّ وقد تكلم فيه وإمام الحجاز مَالِك وقد تكلم فيه وإمام مصر اللَّيْث بْن سعد وقد تكلم فيه وإمام الشام الأَوْزاعِيّ وقد تكلم فيه وإمام خراسان عَبد اللَّه بْن المُبَارك وقد تكلم فيه فالوقيعة فيه إجماع من العلماء فِي جميع الأفاق أو كما قَالَ"

فهذا إجماع رابع

الكلمة الخامسة : قال المعلمي في التنكيل (1/391) :" وزعمه أن الحكاية موضوعة مجازفة منه وكلام أئمة السنة في ذلك العصر في قول أبي حنيفة متواتر حق التواتر"

فهذا رجل واسع الإطلاع يدعي تواتر ذم الأئمة لرأي أبي حنيفة

الكلمة السادسة : قال عبد الله بن أحمد في السنة 335 : حدثني أبو الفضل ، حدثني أسود بن سالم ، قال : إذا جاء الأثر ألقينا رأي أبي حنيفة وأصحابه في الحش .

ثم قال لي أسود : عليك بالأثر فالزمه أدركت أهل العلم يكرهون رأي أبي حنيفة ويعيبونه . أسود بن سالم أدرك سفيان بن عيينة وحماد بن زيد وغيرهم وكان معروفاً بالخير فهذا نقل اتفاق آخر نقلت هذه الكلمات ليذوب ما في قلوب الكثيرين ممن قد يطلعون على هذا البحث من الفكرة المسبقة تجاه آثار السلف في ذم هذا الرجل ، وليعلموا أن الطرف الآخر عنده أدلته وإجماعاته والآن لنعتبرها مسألة خلافية ونبحثها كما تبحث كل مسألة خلافية ولنبدأ أولاً بذكر أسباب جرح أبي حنيفة عند من جرحه ، ثم نتبع ذلك بأقوال المعدلين له ونناقش أقوال الفريقين ثم بعد ذلك نخلص إلى النتائج

أسباب جرح أبي حنيفة

السبب الأول : الحط على النبي صلى الله عليه وسلم

قال عبد الله بن أحمد في السنة 265 : حدثني إبراهيم ، ثنا أبو صالح محبوب بن موسى الفراء ، عن يوسف بن أسباط ، قال : قال أبو حنيفة : لو أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخذ بكثير من قولي .

وهذا إسناد قوي إلى يوسف بن أسباط وقد تابع عبد الله بن أحمد أحمد بن علي الأبار عند الخطيب في تاريخه ، وأسند الخطيب هذا الخبر عن يوسف من سند آخر

قال الخطيب في تاريخ بغداد (15/ 530) : أَخْبَرَنَا ابن رزق، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن جعفر بن سلم، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بن علي الأبار، قَالَ: حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعيد، قَالَ: حَدَّثَنَا محبوب بن موسى، قال: سمعت يوسف بن أسباط، يقول: قال أَبُو حنيفة: لو أدركني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأدركته لأخذ بكثير من قولي.
أخبرني علي بن أحمد الرزاز قال: أخبرنا علي بن محمد بن سعيد الموصلي، قال: حدثنا الحسن بن الوضاح المؤدب، قال: حدثنا المسيب بن واضح قال: حدثنا يوسف بن أسباط، قال: قال أبو حنيفة: لو أدركني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو أدركته لأخذ بكثير من قولي.

وللمدافعين عن أبي حنيفة في مقابل هذا الأثر مسلكان

المسلك الأول : مسلك التضعيف والطعن في يوسف بن أسباط

وهذا مسلك غير مقبول فإنه زاهد معروف وإنما يخطيء في المرفوع وأما خبر يرويه عن أبي حنيفة مباشرة فهذا يبعد فيه الخطأ ، وسبب دخول الوهم على يوسف بن أسباط أنه دفن كتبه وأما هذا الخبر فواضح أنه تلقاه سماعاً

المسلك الثاني : تأويل هذا الخبر بأن أبا حنيفة يعني أنه لو كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لكانت السنة تأتي بموافقة قوله لأن قوله هو القياس والسنة لا تخالف القياس

وهذا التأويل لا يخرج العبارة عن شناعتها فظاهرها باطل والألفاظ التي يظهر منها إيهام الباطل تنكر على قائلها كما أنكر النبي صلى الله عليه وسلم قول الصحابي ( ما شاء الله وشئت ) ثم إن العبارة حتى مع هذا التأويل لا زالت شنيعة إذ كيف يجزم بأن رأيه الذي لا يعرف فيه سنة هو قول النبي صلى الله عليه وسلم والسنة حتى عند أهل الرأي قد تأتي بخلاف القياس والقياس إنما هو ظن في أكثره ناشيء عن نظر الفقيه لعله ، وقد تكون هناك علة أخرى خفيت عليه شبه الحكم المقيس أقوى

وإيراد عبد الله بن أحمد وهو الإمام ابن الإمام لهذه العبارة في فصل عقده لثلب هذا الرجل ، يدل على أنه يستشنع العبارة

السبب الثاني من أسباب جرح أبي حنيفة : السخرية من السنة

قال عبد الله بن أحمد في السنة 315 : حدثنا محمد بن هارون ، نا أبو صالح ، قال : سمعت الفزاري ، يقول حدثت أبا حنيفة ، بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في رد السيف فقال هذا حديث خرافة .

وقال عبد الله بن أحمد في السنة 269 : حدثني إبراهيم ، ثنا أبو توبة ، عن أبي إسحاق الفزاري ، قال حدثت أبا حنيفة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث في رد السيف فقال : هذا حديث خرافة .

وهذا خبر ثابت

وقال ابن عبد البر في الانتقاء نقلاً عن الساجي ص151 :" وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو وَعِصْمَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالا نَا الْعَبَّاس بن عبد العظيم قَالَ نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ عَن بشر بن الْفضل قَالَ قُلْتُ لأَبِي حَنِيفَةَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ (البيعان بِالْخِيَارِ مالم يفترقا الا بيع الْخِيَار) قَالَ هَذَا رِجْزٌ فَقُلْتُ قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَخَ رَأْسَ جَارِيَةً بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَرَضَخَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَقَالَ هَذَا هَذَيَانٌ"

ورجاله ثقات إلا شيخي الساجي ما عرفتهما وللخبر سند آخر إلى العباس عند الخطيب فيه ابن عقدة وهو متهم بالكذب

وقد أورد ابن حبان أخباراً عديدة عن أبي حنيفة في هذا الباب في كتابه المجروحين عامتها نحتاج إلى النظر في أسانيدها والله يحب الإنصاف

وقال عبد الله بن أحمد في السنة 448 : حدثني أبو الحسن بن العطار محمد بن محمد سمعت أحمد يعني ابن شبويه ، قال : سمعت وكيعا ، يقول : قال أبو حنيفة لابن المبارك : ترفع يديك في كل تكبيرة كأنك تريد أن تطير ؟

فقال له ابن المبارك : إن كنت أنت تطير في الأولى فإني أطير فيما سواها . قال وكيع جاد ما حاجه ابن المبارك مرة أو مرتين .

وقال البيهقي في الكبرى 2371 : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنبأ الحسن بن حليم الصائغ بمرو ثنا أبو الموجه أخبرني أبو نصر محمد بن أبي الخطاب السلمي وكأن رجلا صالحا قال أخبرني علي بن يونس ثنا وكيع قال : صليت في مسجد الكوفة فإذا أبو حنيفة قائم يصلي وابن المبارك إلى جنبه يصلي فإذا عبد الله يرفع يديه كلما ركع وكلما رفع وأبو حنيفة لا يرفع فلما فرغوا من الصلاة قال أبو حنيفة لعبد الله يا أبا عبد الرحمن رأيتك تكثر رفع اليدين أردت أن تطير فقال له عبد الله يا أبا حنيفة قد رأيتك ترفع يديك حين افتتحت الصلاة فأردت أن تطير فسكت أبو حنيفة قال وكيع فما رأيت جوابا أحضر من جواب عبد الله لأبي حنيفة

وهذا من أبي حنيفة سخرية منه بالسنة

فإن قيل : قد لا يعلم أنها سنة

فيقال : فهلا سأل قبل أن يسخر وهو يرى إماماً معروفاً يفعل ذلك ، ثم لماذا بلغت السنة ابن المبارك ولم تبلغ أبا حنيفة وهما مجتمعان في مكان واحد وهذه السنة متواترة ولماذا لم يرجع أبا حنيفة بعد جواب ابن المبارك هذا ؟

وقال مقبل الوادعي في نشر الصحيفة :" 43 - (عبد الوارث بن سعيد التنوري)

  • قال عبد الله رحمه الله (ج1ص226): ثنا أبو الفضل ثنا مسلم بن إبراهيم نا عبد الوارث بن سعيد قال نا سعيد قال: جلست إلى أبي حنيفة بمكة فذكر شيئاً فقال له رجل: روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه كذا وكذا قال أبو حنيفة: ذاك قول الشيطان، وقال له آخر أليس يروى عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فقال: هذا سجع فغضبت وقلت: إن هذا مجلس لا أعود إليه فمضيت وتركته"

وقد جرحه بالسخرية من السنة أبو زرعة الرازي قال أبو زرعة الرازي كما في سؤالات البرذعي وهو يتحدث عن أبي حنيفة (2/ 719) :" ويقول : القرآن مخلوق ويرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستهزىء بالآثار ويدعو إلى البدع والضلالات ثم يعني بحديثه ما يفعل هذا إلا غبي جاهل أو نحو ما قال"

وهذا جرح لا يمكن دفعه في الحقيقة إلا بالمكابرة إذ لم يحك عنه رجوع عن ذلك

وقد كفره أبو زرعة بهذا فقال :" وذكر أحاديث قد أوهم فيها وأنكرها من رواياته ثم قال لي من قال القرآن مخلوق فهو كافر -فيعني بما اسند الكفار-"

ويعني بالكفار أبو حنيفة ورجل آخر معه وهذا تكفير من أبي زرعة لأبي حنيفة وكذا قول مالك ( ليس من أهل الدين) يفيد هذا المعنى

قال ابن عبد البر في الانتقاء ص150 :" وَذَكَرَ السَّاجِيُّ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ لَهُ فى بَاب أَبى حنيفَة أَنه استتيب فى خَلْقِ الْقُرْآنِ فَتَابَ وَالسَّاجِيُّ مِمَّنْ كَانَ يُنَافِسُ أَصْحَابَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ ابْنُ الْجَارُودِ فِي كِتَابه فى الضُّعَفَاءِ وَالْمَتْرُوكِينَ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ أَبُو حَنِيفَةَ جُلُّ حَدِيثِهِ وَهْمٌ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي إِسْلامِهِ فَهَذَا وَمِثْلُهُ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ أَحْسَنَ النَّظَرَ وَالتَّأَمُّلَ مَا فِيهِ"

ما قاله ابن الجارود صحيح سليم في الاختلاف في إسلامه ولم يصنع ابن عبد البر شيئاً سوى الدفع بالصدر على عادته في كتابه المذكور وأما الاستتابة من الكفر فحادثة متواترة تاريخياً ردها مجازفة باردة

السبب الثالث من أسباب جرح أبي حنيفة : رد سنة النبي صلى الله عليه وسلم

وكثير من الناس يقول في أبي حنيفة أنه لم تبلغه الأدلة لذا خالف السنة ، وهذا القول يحتاج إلى وقفة فإن سفيان الثوري قرين أبي حنيفة لم يسجل عليه تلك المخالفات للسنة وما من فقيه إلا وله مخالفات للسنة لأنها لم تبلغه فلماذا أولع الناس في أبي حنيفة لا بد من أمر زائد

قال ابن الجوزي في المنتظم (3/26) :" وقد كان بعض الناس يقيم عذره ويقول: ما بلغه الحديث، وذلك ليس بشيء لوجهين: أحدهما: أنه لا يجوز أن يفتي من يخفى عليه أكثر الأحاديث الصحيحة.
والثاني: أنه كان إذا أخبر بالأحاديث المخالفة لقوله لم يرجع عن قوله"

وكلام ابن الجوزي هذا قوي جداً خصوصاً أنه قد ثبت عنه السخرية من بعض الأخبار

وقد أثبت عليه رد السنة الإمام الأوزاعي وهو معاصر له

قال عبد الله بن أحمد في السنة 202 : حدثني محمد بن هارون أبو نشيط ، ثنا أبو صالح الفراء ، سمعت الفزاري يعني أبا إسحاق ، قال : قال لي الأوزاعي : إنا لننقم على أبي حنيفة أنه كان يجيء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيخالفه إلى غيره .

وقد أثبت عليه رد السنة بعد بلوغها إليه الإمام أحمد ابن حنبل

قال الخطيب في تاريخه (2/ 176) : أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ قَالَ قُرِئَ عَلَى إسحاق النعالي وأنا أسمع حدثكم عبد الله ابن إسحاق المدايني قال نا حنبل بْن إِسْحَاق قَالَ سَمِعْتُ عمي- يعني أحمد بن حنبل- يقول وكان يعقوب أبو يوسف متصفا في الحديث، فأما أبو حنيفة ومحمّد بن الحسن فكانا مخالفين للأثر، وهذان لهما رأى سوء.
يعني أبا حنيفة، ومحمد بن الحسن.

وقوله ( مخالفين للأثر ) يعني بعد بلوغه وإلا فأبو يوسف أيضاً كان يخالف الأثر إذا لم يبلغه بل وكل الفقهاء وقعوا في ذلك

وقال كما في مسائل ابن هانيء 1930: تركنا أصحاب الرأي ، وكان عندهم حديث كثير ، فلم نكتب عنهم ، لأنهم معاندون للحديث ، لا يفلح منهم أحد .

قال ابن عبد البر في الانتقاء (1/149) :" كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ اسْتَجَازُوا الطَّعْنَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ لِرَدِّهِ كَثِيرًا مِنْ أَخْبَارِ الآحَادِ الْعُدُولِ لأَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ إِلَى عَرْضِهَا عَلَى مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنَ الأَحَادِيثِ وَمَعَانِي الْقُرْآنِ فَمَا شَذَّ عَنْ ذَلِكَ رَدَّهُ وَسَمَّاهُ شَاذًّا وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ أَيْضًا يَقُولُ الطَّاعَاتُ مِنَ الصَّلاةِ وَغَيْرِهَا لَا تُسَمَّى إِيمَانًا وَكُلُّ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يُنْكِرُونَ قَوْلَهُ وَيُبَدِّعُونَهُ بِذَلِكَ "

فهؤلاء خمسة من الحفاظ وهم الأوزاعي وأحمد وابن الجوزي وابن عبد البر وأبو زرعة ( وتقدم ذكر نصه ) يثبتون على هذا الرجل رد السنة بعد بلوغها إليه ، وأبو زرعة الرازي كان من أهل الرأي في أول أمره ، ولو روى عن أبي حنيفة لروى بواسطتين فقط فإذا أثبت قولاً على أبي حنيفة فقوله معتمد

وكون أبي حنيفة كان له منهج خاص في قبول الأخبار فليس هذا عذراً له فإنه لم يكن من أهل الحديث حتى يكون له منهجه ، ولو اعتذرنا له بمنهجه الشاذ للزمنا الاعتذار للمعتزلة أيضاً في منهجهم الشاذ

والعجيب أنه حتى بعد رد أبي حنيفة للأحاديث واستهزائه بها جاء من يعتذر له بأنه كان صدوقاً والكذب انتشر في الكوفة لذا كان يرد الأحاديث

وهذا عذر أقبح من ذنب كما يقال فهذا معناه أنه تسلق سلم النقد وكذب الثقات وضعف الأحاديث الصحيحة ولم يكن أهلاً لذلك لذا كثر غلطه بل كان يخرص خرصاً

وهو نفسه كان ضعيفاً فكيف ينقد روايات غيره ، ولو لم يصح عندك الحديث فهذا لا يبيح لك السخرية منه لأنه قد يكون له طريق صحيح لم تقف عليه ، وقد ثبتت سخرية أبي حنيفة من أحاديث رد السيف فهل هذه لم يروها إلا الكذابون ؟

وهؤلاء فقهاء الكوفة كالحكم بن عتيبة وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وسفيان الثوري الذي كان معاصراً لأبي حنيفة لم يؤثر عن أحد منهم تكذيب الأحاديث الصحيحة والسخرية منها فلم أبو حنيفة وحده تفرد بهذا ؟

والكوفة كانت ملأى بالثقات الحفاظ كشعبة وسفيان ومنصور والأعمش والحكم بن عتيبة وغيرهم كثير

وكان حديث ابن مسعود وحذيفة وسلمان وعمار وسعد بن أبي وقاص كله عند أهل الكوفة

ولماذا ينكر وكيع على أبي حنيفة كثرة مخالفة الأحاديث الثابتة ووكيع كوفي ويعرف حال أهل الكوفة ؟

ومن يعرف مذهب أبي حنيفة وكثرة الاحتجاج بالواهيات فيه يعلم أن هذا العذر ليس قائماً البتة

وابن أبي شيبة في المصنف عقد باباً في الرد على أبي حنيفة ، وابن أبي شيبة كوفي وعامة السنن التي ذكرها مستدركاً على أبي حنيفة كوفية المخرج

ولو كانت هذه الأعذار مستقيمة لاعتذر بها السلف لأبي حنيفة فهم أعدل الناس وأعذرهم

وإذا كنا نعتذر لمن يستهزيء بالسنة ، فلا يعظمن أبا حنيفة إلى درجة أننا لا نقبل عذر من جرحه متابعاً لمن جرحه من العلماء

ولو جاءتني بعض فتاوى أهل العلم التي لا أقبلها وقلت فيها ( هذا رجز ) و ( هذا خرافة ) هل سأجد من يعتذر لي ؟

السبب الرابع من أسباب جرح أبي حنيفة : القول بخلق القرآن

وقد تقدم نص أبي رزعة في إثبات هذا القول على أبي حنيفة

قال عبد الله بن أحمد في السنة 215 : حدثني أبي ، ثنا شعيب بن حرب ، قال : سمعت سفيان الثوري ، يقول : ما أحب أن أوافقهم على الحق . قلت لأبي رحمه الله يعني أبا حنيفة ؟ قال : نعم ، رجل استتيب في الإسلام مرتين . يعني أبا حنيفة . قلت لأبي رحمه الله : كأن أبا حنيفة المستتيب ؟ قال : نعم . سمعت أبي رحمه الله ، يقول : أظن أنه استتيب في هذه الآية {سبحان ربك رب العزة عما يصفون } قال أبو حنيفة : هذا مخلوق ، فقالوا له : هذا كفر فاستتابوه

وهذا إسناد صحيح ، واستتابة أبي حنيفة من الكفر متواترة وقد تأول عمرو بن عبد المنعم هذه الاستتابة على استتابته من الإرجاء ، وهذا تأويل فاسد إذ أن الإرجاء ليس كفراً ، ولم يرد عن أحد من السلف أنه عرض شخصاً على السيف من أجل الإرجاء ، ولما هو بالذات من دون بقية المرجئة يستتاب ؟!

وقال عبد الله بن أحمد في السنة 218 : حدثني عبيد الله بن معاذ العنبري ، قال : سمعت أبي يقول : سمعت سفيان الثوري ، يقول : استتيب أبو حنيفة من الكفر مرتين .

وقال عبد الله بن أحمد في السنة 255 : حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي ، ثنا هيثم بن جميل ، قال : قلت لشريك بن عبد الله استتيب أبو حنيفة ؟ قال : علم ذلك العواتق في خدورهن .

وقال عبد الله بن أحمد في السنة 257 : حدثني هارون بن سفيان ، حدثني الوليد بن صالح ، قال : سمعت شريكا ، يقول : استتيب أبو حنيفة من كفره مرتين من كلام جهم ومن الإرجاء .

وهذه الرواية تبطل تأويل عمرو عبد المنعم سليم لذا أعلها بجهالة هارون بن سفيان والجواب : شيوخ عبد الله بن أحمد ثقات إذ أنه لم يكن يكتب إلا عمن أذن له فيه أبوه

قال ابن حجر في تعجيل المنفعة (1/15) : " كان عبدالله ابن أحمد لا يكتب إلا عن من أذن له أبوه في الكتابة عنه وكان لا يأذن له أن يكتب إلا عن أهل السنة حتى كان يمنعه ان يكتب عن من أجاب في المحنة "

وقال الخلال في السنة 810 : وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ هَارُونَ بْنَ سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: وَذَكَرَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: هَذِهِ أَحَادِيثُ الْمَوْتَى.

فعبد الله يروي عن أبيه بواسطته ولا يرضى عبد الله أن يجعل بينه وبين أبيه إلا الثقات

وقال عبد الله بن أحمد في السنة 284 : حدثني أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان ، حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا شريك ، وحسن بن صالح : أنهما شهدا أبا حنيفة وقد استتيب من الزندقة مرتين

وقال عبد الله بن أحمد في السنة 301 : حدثني أبي رحمه الله ، قال : سمعت ابن عيينة ، يقول : استتيب أبو حنيفة مرتين .

وقال عبد الله بن أحمد في السنة 319 : حدثنا موسى الأنصاري ، قال : سمعت أبا خالد الأحمر ، يقول : استتيب أبو حنيفة من الأمر العظيم مرتين . وهذه كلها أسانيد صحاح وقال عمرو بن عبد المنعم في ص18 في الدفاع عن أبي حنيفة :" وذكر الساجي : قال : حدثنا أبو حاتم الرازي : حدثنا عباس بن عبد العظيم عن محمد بن يونس : إِنَّمَا اسْتُتِيبَ أَبُو حَنِيفَةَ لأَنَّهُ قَالَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ وَاسْتَتَابَهُ عِيسَى بْنُ مُوسَى قلت : محمد بن يونس لم أجد من ترجمه "

أقول : عافاك الله من بلية العجلة ، محمد ابن يونس هو محمد بن حاتم بن يونس المصيصي منسوب إلى جده ثقة عابد وهو من شيوخ عباس بن عبد العظيم فالسند صحيح

ثم أورد ما روى أبو زرعة الدمشقي في تاريخه (1/65) :فأخبرني محمد بن الوليد قال: سمعت أبا مسهر يقول: قال سلمة بن عمرو القاضي على المنبر: لا رحم الله أبا حنيفة، فإنه أول من زعم أن القرآن مخلوق.

وأعقبه بالطعن في سلمة بن عمرو بالجهالة ! وأن التوثيق الوارد في حقه في تاريخ دمشق لا يعتمد

وهذا تناكد فالرجل يروي عنه أبو مسهر إمام أهل الشام وكان قاضياً والأصل فيمن يتولى مثل هذا المنصب العدالة في تلك الأزمان ، ولم يعقبوا على خبره بنقد

وقال الخطيب في تاريخه 36: أخبرنا العتيقي، أَخْبَرَنَا جعفر بن مُحَمَّد بن علي الطاهري، حدّثنا أبو القاسم البغوي ، حدّثنا زياد بن أيّوب، حَدَّثَنِي حسن بن أبي مالك- وكان من خيار عباد الله- قال: قلت لأبي يوسف الْقَاضِي: ما كان أَبُو حنيفة يقول في القرآن؟ قال: فقال: كان يقول القرآن مخلوق.
قال: قلت.
فأنت يا أبا يوسف؟ فقال لا.
قال أَبُو القاسم: فحدثت بهذا الحديث الْقَاضِي البرتي فقال لي: وأي حسن كان وأي حسن كان؟! يعني الحسن بن أبي مالك.
قال أَبُو القاسم: فقلت للبرتي هذا قول أبي حنيفة؟ قال: نعم المشئوم.
قال: جعل يقول أحدث بخلقي.

وطعن عمرو بن عبد المنعم بهذا الخبر بحسن بن أبي مالك

وفاته أمران

الأول : أن حسن بن أبي مالك وصف في السند بأنه من خيار عباد الله ، ومثل هذا يقبل في خبر مقطوع

الثاني : أن البغوي نقل عن البرتي وهو فقيه حنفي تصديقه للخبر في مذهب أبي حنيفة

وإذا كان أبو يوسف والبرتي يثبتان عليه القول بخلق القرآن فهذا يعارض نفي الطحاوي في عقيدته وقولهما مقدم وقد اعتمد عمرو بن عبد المنعم ما أخرج الخطيب في تاريخه (13/274) : 32- وَقَالَ النخعي: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر المروذي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْد اللَّه أَحْمَد بْن حنبل يَقُولُ: لم يصح عندنا أَنَّ أَبَا حنيفة كَانَ يَقُولُ القُرْآن مخلوق.

النخعي هو علي بن محمد النخعي حنفي من أهل الرأي وثقه الخطيب وانفرد بعدة أخبار في مناقب أبي حنيفة لا يرويها إلا هو ، ومنها هذا الخبر إذ لا يوجد في شيء من الكتب هذه الرواية عن أحمد إلا من طريق هذا الرجل فهذا محل ريبة

وإذا خالفت روايته رواية عبد الله ابن الإمام أحمد رجحت رواية عبد الله

قال عبد الله بن أحمد في السنة 215 : حدثني أبي ، ثنا شعيب بن حرب ، قال : سمعت سفيان الثوري ، يقول : ما أحب أن أوافقهم على الحق . قلت لأبي رحمه الله يعني أبا حنيفة ؟ قال : نعم ، رجل استتيب في الإسلام مرتين يعني أبا حنيفة ، قلت لأبي رحمه الله : كأن أبا حنيفة المستتيب ؟ قال : نعم سمعت أبي رحمه الله ، يقول : أظن أنه استتيب في هذه الآية ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون ) قال أبو حنيفة : هذا مخلوق ، فقالوا له : هذا كفر فاستتابوه

وقد قال عمرو ( هذا الحكم ظني فلا يعتمد ) والإمام أحمد إنما شك في الآية ولم يشك في أصل القصة وظن إمام حافظ كالإمام أحمد يساوي يقين غيره ، وقد تقدم معنا ما تواتر من أن الرجل استتيب من الكفر مرتين

ثم إن عجبي لا يكاد ينتهي ممن يحتج بهذا الخبر في تاريخ بغداد ( يعني قول أحمد ) ويترك ما في تاريخ بغداد من قول أحمد

قال الخطيب في تاريخه 94: أَخْبَرَنَا البرقاني، حدثني محمّد بن العبّاس أبو عمرو الخزّاز ، حَدَّثَنَا أَبُو الفضل جعفر بن مُحَمَّد الصندلي- وأثنى عليه أبو عمرو جدّا- حَدَّثَنِي المروذي أَبُو بكر أَحْمَد بن الحجاج سألت أبا عبد الله- وهو أَحْمَد بن حنبل- عن أبي حنيفة وعمرو بن عبيد.
فقال: أبو حنيفة أشد على المسلمين من عمرو بن عبيد، لأن له أصحابا.
وهذا إسناد صحيح

فبما إنه قد ثبت عنه القول بخلق القرآن ، فهل ثبت عنه الرجوع قد أورد الخطيب عدة أخبار عنه في رد القول بخلق القرآن

قال الخطيب في تاريخه (15/ 516) : فأَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن أَحْمَد بن رزق، قَالَ: حَدَّثَنَا عَليّ بن أَحْمَد بن مُحَمَّد القَزْوِينِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد الله مُحَمَّد بن شَيْبَان الرَّازِيّ العَطَّار بالري، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَد بن الحَسَن النرمقي، قَالَ: سَمِعْتُ الحكم بن بشير، يَقُولُ: سَمِعْتُ سُفْيَان بن سَعِيد الثوري، والنعمان بن ثابت، يقولان: القُرْآن كلام الله غير مخلوق.
النرمقي والرازي ما وجدت لهما ترجمة

وقال الخطيب في تاريخه حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو جَعْفَر السمناني، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَسَن بن أَبِي عَبْد الله السمناني، قَالَ: حَدَّثَنَا الحُسَيْن بن رحمة الويمي، قَالَ: حَدَّثَنَا شجاع الثلجي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سماعة، عن أَبِي يُوسُف، قَالَ: ناظرت أَبَا حنيفة ستة أشهر، حَتَّى قَالَ: من قَالَ: القُرْآن مخلوق فَهُوَ كافر.
السمناني الثاني وابن رحمة ما وجدت لهما ترجمة

قال الخطيب في تاريخه أَخْبَرَنَا الخلال، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحريري، أَنَّ النخعي، حدثهم قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بن الصلت، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْر بن الوليد، عن أَبِي يُوسُف، عن أَبِي حنيفة، قَالَ: من قَالَ: القُرْآن مخلوق فَهُوَ مبتدع، فلا يقولن أحد بقوله، ولا يصلين أحد خلفه.
أحمد بن الصلت يضع الأخبار في مناقب أبي حنيفة

قال الخطيب :" ويحكى أَيْضًا عَنْ بشر بْن الحارث، ويحيى بْن معين، وعلي ابن المديني، أخبارا جمعها بعد أن صنعها فِي مناقب أَبِي حنيفة" وقال البيهقي في الأسماء والصفات 538 : وقرأت في كتاب أبي عبد الله محمد بن محمد بن يوسف بن إبراهيم الدقاق بروايته عن القاسم بن أبي صالح الهمذاني ، عن محمد بن أيوب الرازي ، قال : سمعت محمد بن سابق ، يقول : سألت أبا يوسف ، فقلت : أكان أبو حنيفة يقول القرآن مخلوق ؟ ، قال : معاذ الله ، ولا أنا أقوله ، فقلت : أكان يرى رأي جهم ؟ فقال : معاذ الله ولا أنا أقوله رواته ثقات

وقال أيضاً 539 : وأنبأني أبو عبد الله الحافظ ، إجازة ، أنا أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي ، ثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي ، قال : سمعت أبي يقول : سمعت أبا يوسف القاضي ، يقول : كلمت أبا حنيفة رحمه الله تعالى سنة جرداء في أن القرآن مخلوق أم لا ؟ فاتفق رأيه ورأيي على أن من قال : القرآن مخلوق ، فهو كافر قال أبو عبد الله رواة هذا كلهم ثقات

فإن صح هذا فقد رجع عن القول بخلق القرآن ولكن لا بد هنا من ثلاثة وقفات

الأولى : أن الرجل قد أظهر التوبة من التجهم ثم عاد لذا كانت استتابته مرتين

الثانية : أن أبا يوسف قد ناظره سنة كاملة ليقنعه بفساد هذا القول وهذا يدل على عدم تحقيق في هذا الباب

الثالثة : قد صح عن أبي زرعة أنه قال في أبي حنيفة ( جهمي )

وصح ذلك عن ابن معين أيضاً

قال الخطيب في تاريخه (15/ 573) : أَخْبَرَنَا العتيقي، قَالَ: حَدَّثَنَا تمام بن مُحَمَّد بن عَبْد الله الرَّازِيّ بدمشق، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الميمون عَبْد الرَّحْمَن بن عَبْد الله البَجَلِيّ، قَالَ: سَمِعْتُ نصر بن مُحَمَّد البَغْدَادِيّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بن معين، يَقُولُ: كَانَ مُحَمَّد بن الحَسَن كذابا وَكَانَ جهميا، وَكَانَ أَبُو حنيفة جهميا ولم يكن كذابا.

وهذا إسناد صحيح نصر اسمه ( مضر ) تصحف كما نبه عليه المعلمي ، فقد يكون ثبت عند هؤلاء الأئمة أمر لم نطلع عليه وأنا متوقف في هذه المسألة

وأبو زرعة وابن معين لهما خصوصية في حال أبي حنيفة فابن معين كان تلميذاً لمحمد بن الحسن الشيباني وقرأ عليه كتاب الجامع وأدرك عدداً ممن أدرك أبا حنيفة ، بل ادعى جماعة أنه كان على مذهبه في الفقه وأما أبو زرعة فكان هو نفسه من أهل الرأي - ثم رجع إلى مذهب أهل الحديث - وغايته أن يروي عن أبي حنيفة بواسطتين - وشيوخه كلهم ثقات - فإذا أثبت هو وابن معين على أبي حنيفة شيئاً كان دفعه شاقاً على الدافع

وعادة الباحثين في هذا الباب أنهم يقولون ( المثبت مقدم على النافي ) ، فيقدم قول ابن معين وأبي زرعة على قول أحمد ( إن صح ) لأن أحمد ناف وهما مثبتان ، ولكن هذه القاعدة من القواعد التي غيبت أيضاً في بحث أبي حنيفة ، بل غاية أمر أحمد إذا قال ( لم يصح ) أنه يضعف راوي تلك الحكاية أو يجهله فإذا عدله أبو زرعة وابن معين ارتقا إلى الحجية

السبب الخامس من أسباب جرح أبي حنيفة : قوله بالإرجاء الغالي

قال يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (1/ 369) : حدثنا أبو بكر الحميدي ثنا حمزة بن الحارث مولى عمر بن الخطاب عن أبيه قال: سمعت رجلاً يسأل أبا حنيفة في المسجد الحرام عن رجل قال أشهد أن الكعبة حق ولكن لا أدري هي هذه أم لا، فقال: مؤمن حقاً.
وسأله عن رجل قال أشهد أن محمداً بن عبد الله نبي ولكن لا أدري هو الذي قبره بالمدينة أم لا.
قال: مؤمن حقاً - قال أبو بكر الحميدي: ومن قال هذا فقد كفر - . قال أبو بكر: وكان سفيان يحدث عن حمزة بن الحارث حدثنا مؤمل ابن إسماعيل عن الثوري بمثل معنى حديث حمزة.
وهذا ثابت عنه قال عبد الله بن أحمد في السنة 316 : حدثني محمد بن هارون ، نا أبو صالح ، قال : سمعت الفزاري وحدثني إبراهيم بن سعيد ، نا أبو توبة ، عن أبي إسحاق الفزاري ، قال : كان أبو حنيفة يقول إيمان إبليس وإيمان أبي بكر الصديق رضي الله عنه واحد ، قال أبو بكر : يا رب ، وقال إبليس : يا رب . وهذا إسناد صحيح وهذا إرجاء جهم

وقد روى الشيباني عن أبي حنيفة أنه كان يكره أن يقال ( إيماني كإيمان جبريل ) يعني من باب التواضع والشيباني متهم بالكذب ولا ندري أي قولي أبي حنيفة المتأخر إن صح هذا

السبب السادس من أسباب جرح أبي حنيفة : قوله بإرجاء الفقهاء

وهذا أمر ثابت عنه متواتر لا داعي لإثباته عنه

غير أنه قد ذهب بعض أهل العلم في عصرنا إلى أن مرجئة الفقهاء من أهل السنة ، وخالفهم غيرهم من أهل العلم ، وصار بعض من يرى أن مرجئة الفقهاء من أهل السنة ينكر على من ذهب إلى أنهم من أهل البدع

فبدا لي أن أطنب في هذه المسألة

وقبل البدء لا بد من بيان أمرين مهمين

الأول : هو أن مرجئة الفقهاء أقدم فرق المرجئة ظهوراً إذ أنها ظهرت قبل ظهور الجهم بن صفوان الذي أحدث قول الجهمية في الإرجاء

قال عبد الله بن أحمد في السنة 594 : حدثني أبي ، نا هاشم بن القاسم ، عن محمد يعني ابن طلحة ، عن سلمة بن كهيل ، قال : وصف ذر الإرجاء وهو أول من تكلم فيه ، ثم قال : إني أخاف أن يتخذ هذا دينا ، فلما أتته الكتب من الآفاق قال فسمعته يقول بعد : وهل أمر غير هذا ؟

وذر بن عبد الله هذا كوفي ، وهو أعلى طبقةً من الجهم فإنه من كبار أتباع التابعين ، وكان عنده من العلم ما حمل بعض الفقهاء كحماد بن سليمان وغيره على اتباعه ، بخلاف الجهم بن صفوان فإن الناس كانوا نافرين عنه لقبح مقالاته وقلة علمه

وأما مرجئة الكرامية ومرجئة الأشاعرة فما ظهرت إلا بعد ذلك بزمن ، وإن كان قول الأشعرية في الإيمان مقارباً لقول الجهم بل هو قول جهم على التحقيق

الأمر الثاني : أن قول الجهمية في الإيمان كفري عندنا وعند مرجئة الفقهاء

قال ابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (2/ 324) :" قد جامعتنا في هذا المرجئة كلها على أن الإقرار باللسان من الإيمان إلا فرقة من الجهمية كفرت عندنا ، وعند المرجئة بزعمهم أن الإيمان هو المعرفة فقط بعد شهادة الله على قلوب من سماهم كافرين بأنهم عارفون فضادوا خبر الله ، وسموا الجاحد بلسانه العارف بقلبه مؤمنا ، وأقرت المرجئة إلا هذه الفرقة أن الإقرار من الإيمان وليس هو منه عمل القلب"

وبناءً على الحقيقتين السابقتين فإن المرجئة إذا أطلقوا إنما يراد بهم مرجئة الفقهاء ، لأنهم أقدم في الظهور ، ولأن أهل العلم اعتادوا على تمييز الجهمية بلقب ( الجهمية ) ، لأن ضلالهم أوسع من الضلال في مسائل الإيمان ، ثم إن ضلالهم في مسائل الإيمان له خصوصية يرفضها حتى مرجئة الفقهاء

ومما يدل على أن السلف إذا أطلقوا ( المرجئة ) أرادوا بذلك مرجئة الفقهاء

ما روى الخلال في السنة 976: أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَصْرَمَ , أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنِ الْمُرْجِئَةِ , مَنْ هُمْ ؟ قَالَ : الَّذِينَ يَقُولُونَ : الإِيمَانُ قَوْلٌ.

أقول : ومرجئة الجهمية لا يدخلون ( القول ) في مسمى الإيمان ، فهم ليسوا مقصودين بهذا ، بل ما أراد إلا مرجئة الفقهاء فإن مرجئة الكرامية لم يدركوا أحمد

والآن مع الآثار السلفية في شأن المرجئة

1- قال ابن سعد في الطبقات 9192: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، قَالَ : ذُكِرَ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الْمُرْجِئَةُ فَقَالَ : وَاللَّهِ إِنَّهُمْ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.

أقول : وهذا إسنادٌ صحيح ، وإبراهيم النخعي أعلى طبقةً من ذر الهمداني الذي أحدث الإرجاء ولم يدرك بدعة الجهمية لذا لا يحفظ له كلامٌ فيها ، بل يريد هنا إرجاء الفقهاء الذي وقع فيه فيما بعد تلميذه حماد بن أبي سليمان ، ويبعد أن يطلق النخعي كلمةً شديدة كهذه في قومٍ يراهم من أهل السنة 2- قال ابن سعد في الطبقات 9188: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحِلٌّ قَالَ : قَالَ لَنَا إِبْرَاهِيمُ : لاَ تُجَالِسُوهُمْ يَعْنِي الْمُرْجِئَةَ.

أقول : والأمر بهجرانهم على مقالتهم يدل على أنهم عنده من أهل البدع 3- قال عبد الله بن أحمد في السنة 541 : حدثني أبي ، نا إسماعيل ، عن أيوب ، قال : قال سعيد بن جبير غير سائله ولا ذاكرا ذاك له : لا تجالس طلقا يعني أنه كان يرى رأي المرجئة .

وسعيد بن جبير من شيوخ ذر الذين نسب إلى إحداث الإرجاء

قال الخلال في السنة وهو يحكي كتاب الإيمان للإمام أحمد 1354 : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ لِذَرٍّ: مَا هَذَا الرَّأْيُ قَدْ أَحْدَثْتَ بَعْدِي؟ وَالزُّبَيْرُ بْنُ السَّيْقَلِ يُغْنِيكُمْ بِالْقُرْآنِ؟

4- قال عبد الله بن أحمد في السنة 624 : حدثني أبي ، نا عبد الله بن نمير ، عن جعفر الأحمر ، قال : قال منصور بن المعتمر - في شيء : لا أقول كما قالت المرجئة الضالة المبتدعة .

وهذا تصريح بتبديعهم

5- قال اللالكائي في السنة أخبرنا محمد بن المظفر المقرئ ، قال : حدثنا الحسين بن محمد بن حبش المقرئ ، قال : حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم ، قال : سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين ، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار ، وما يعتقدان من ذلك ، فقالا فذكرا اعتقاداً ومما جاء فيه :" فمن قال : إنه مؤمن حقا فهو مبتدع ، ومن قال : هو مؤمن عند الله فهو من الكاذبين ، ومن قال : هو مؤمن بالله حقا فهو مصيب . والمرجئة والمبتدعة ضلال"

أقول : وهذه مقالة جميع المرجئة

6- قال عبد الله بن أحمد في السنة 534 : حدثني أبي ، نا حجاج ، سمعت شريكا : وذكر المرجئة ، فقال هم أخبث قوم وحسبك بالرافضة خبثا ولكن المرجئة يكذبون على الله تعالى

وكان شريك شديداً على المرجئة ، حتى أنه لم يقبل شهادة أبي يوسف

قال الخلال في السنة 1024: وَأَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ , قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ , قَالَ : شَهِدَ أَبُو يُوسُفَ عِنْدَ شَرِيكٍ بِشَهَادَةٍ , فَقَالَ لَهُ : قُمْ , وَأَبَى أَنْ يُجِيزَ شَهَادَتَهُ , فَقِيلَ لَهُ : تُرَدُّ شَهَادَتُهُ , فَقَالَ : أُجِيزُ شَهَادَةَ رَجُلٍ يَقُولُ : الصَّلاَةُ لَيْسَتْ مِنَ الإِيمَانِ ؟.

7- قال الخلال في السنة 974: أَخْبَرَنِي حَرْبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ , قَالَ : سَمِعْتُ إِسْحَاقَ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ , قَالَ : الرَّجُلُ يَقُولُ : أَنَا مُؤْمِنٌ حَقًّا ؟ قَالَ : هُوَ كَافِرٌ حَقًّا.
975: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ , قَالَ : حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ , قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ , يَقُولُ : لاَ يُعْجِبُنَا أَنْ نَقُولَ : مُؤْمِنٌ حَقًّا , وَلاَ نُكَفِّرُ مَنْ قَالَهُ.

أقول : قول إسحاق بالتكفير لا أعلم أحداً تابعه عليه ، والمقالة ذكرها مقالة جميع فرق المرجئة

وقد عقد الخلال فصلاً في مناكحة المرجئة واللالكائي فصلاً في هجرانهم وأوردا ما جاء عن السلف في ذم مرجئة الفقهاء ، مما يدل على أنهم من أهل البدع عندهم فإذا قلنا أنهم يهجرون وقولهم بدعة لم يكن لقولنا أنهم ( من أهل السنة ) بعد ذلك معنى

وقال ابن بطة في الإبانة الكبرى (3/97) :" والمرجئة تزعم أن الصلاة والزكاة ليستا من الإيمان ، فقد أكذبهم الله عز وجل ، وأبان خلافهم . واعلموا رحمكم الله أن الله عز جل لم يثن على المؤمنين ، ولم يصف ما أعد لهم من النعيم المقيم ، والنجاة من العذاب الأليم ، ولم يخبرهم برضاه عنهم إلا بالعمل الصالح ، والسعي الرابح ، وقرن القول بالعمل ، والنية بالإخلاص ، حتى صار اسم الإيمان مشتملا على المعاني الثلاثة لا ينفصل بعضها من بعض ، ولا ينفع بعضها دون بعض ، حتى صار الإيمان قولا باللسان ، وعملا بالجوارح ، ومعرفة بالقلب خلافا لقول المرجئة الضالة"

فنعتهم بالضلال

8- قال الخلال في السنة 1146: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ , وَسُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ , وَأَحْمَدُ بْنُ أَصْرَمَ الْمُزَنِيُّ , وَهَذَا لَفْظُ سُلَيْمَانَ , قَالَ : قُلْتُ لأَحْمَدَ : يُصَلَّى خَلْفَ الْمُرْجِئِ ؟ قَالَ : إِذَا كَانَ دَاعِيَةً فَلاَ يُصَلَّى خَلْفَهُ.

1147: وَأَخْبَرَنِي حَرْبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ , قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ , يَقُولُ : لاَ يُصَلَّى خَلْفَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ إِذَا كَانَ دَاعِيَةً.

أقول : وأحمد هنا لا يعني إذا مرجئة الفقهاء ، فإن الجهمية عنده كفار لا تختلف عنه الرواية في ترك الصلاة خلفهم متى قدر المرء على ذلك سواءً كانوا دعاةً أو غير دعاة

قال العقيلي في الضعفاء (4/444) : حدثنا عبد الله بن أحمد قال سألت أبي عن أسد بن عمرو وأبي يوسف فقال أصحاب أبي حنيفة لا ينبغي أن يروى عنهم "

أقول : أبو يوسف صدوق في نفسه ، فالترك له إنما كان لأمرٍ زائدٍ على الضعف ، وهو البدعة وعدم الاحتياج لحديثه

فإن قيل : لعله أخذ عليهم الرأي

قلت : هذا أبلغ في تقرير الحجة لأن الإرجاء أشد من القول بالرأي

9- قال الخلال في السنة 981: وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ , أَنَّ أَبَا الْحَارِثِ حَدَّثَهُمْ , قَالَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : كَانَ شَبَابَةُ يَدْعُو إِلَى الإِرْجَاءِ , وَكَتَبْنَا عَنْهُ قَبْلَ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ , كَانَ يَقُولُ : الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ , فَإِذَا قَالَ : فَقَدْ عَمِلَ بِلِسَانِهِ , قَوْلٌ رَدِيءٌ.
982: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الأَثْرَمُ , قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , وَقِيلَ لَهُ : شَبَابَةُ , أَيُّ شَيْءٍ تَقُولُ فِيهِ ؟ فَقَالَ : شَبَابَةُ كَانَ يَدْعُو إِلَى الإِرْجَاءِ , قَالَ : وَقَدْ حُكِيَ عَنْ شَبَابَةَ قَوْلٌ أَخْبَثُ مِنْ هَذِهِ الأَقَاوِيلِ , مَا سَمِعْتُ أَحَدًا عَنْ مِثْلِهِ , قَالَ : قَالَ شَبَابَةُ : إِذَا قَالَ فَقَدْ عَمِلَ , قَالَ : الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ كَمَا يَقُولُونَ : فَإِذَا قَالَ فَقَدْ عَمِلَ بِجَارِحَتِهِ أَيْ بِلِسَانِهِ . فَقَدْ عَمِلَ بِلِسَانِهِ حِينَ تَكَلَّمَ , ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : هَذَا قَوْلٌ خَبِيثٌ , مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَقُولُ بِهِ , وَلاَ بَلَغَنِي.
أقول : وقول شبابة هذا قريبٌ من قول مرجئة الفقهاء مع حيلة ، والإمام أحمد ترك الكتابة عنه وسرد نصوص السلف في هذا الباب يطول ، والمراد هنا الإشارة المفهمة وحتى من جهة النظر يلزم تبديعهم ، فأهل السنة يبدعون من يفضل علياً على الشيخين ويبدعون من ينكر خلافة علي أو عثمان ، والأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه ودخول العمل في مسمى الإيمان أكثر وأظهر من الأدلة على فضل الشيخين على علي ، وعلى ثبوت خلافة علي

وجاء في ذيل طبقات الحنابلة (1/53) :" ووجدتُ في كتب الإمام عمِّي بخطَه: قال القاسم بن محمد أبو الحارث: حدثنا يعقوب بن إسحاق البغدادي، سمعتُ هارون الحمال يقول: سمعت أحمد بن حنبل، وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد اللّه: إن ههنا رجل يُفضِّلُ عمر بن عبد العزيز على معاوية بن أبي سفيان، فقال أحمد: لا تجالسه، ولا تؤاكله ولا تشاربه، وإذا مرض فلا تعُده"

وقال الخلال في السنة 658: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ , قَالَ : سَمِعْتُ هَارُونَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ , يَقُولُ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : جَاءَنِي كِتَابٌ مِنَ الرَّقَّةِ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا : لاَ نَقُولُ : مُعَاوِيَةُ خَالُ الْمُؤْمِنِينَ , فَغَضِبَ وَقَالَ : مَا اعْتِرَاضُهُمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ , يُجْفَوْنَ حَتَّى يَتُوبُوا.

659: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي هَارُونَ , وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ , أَنَّ أَبَا الْحَارِثِ حَدَّثَهُمْ قَالَ : وَجَّهْنَا رُقْعَةً إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ : مَا تَقُولُ رَحِمَكَ اللَّهُ فِيمَنْ قَالَ : لاَ أَقُولُ إِنَّ مُعَاوِيَةَ كَاتَبُ الْوَحْيِ , وَلاَ أَقُولُ إِنَّهُ خَالُ الْمُؤْمِنِينَ , فَإِنَّهُ أَخَذَهَا بِالسَّيْفِ غَصْبًا ؟ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : هَذَا قَوْلُ سَوْءٍ رَدِيءٌ , يُجَانَبُونَ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ , وَلاَ يُجَالَسُونَ , وَنُبَيِّنُ أَمْرَهُمْ لِلنَّاسِ.

فإذا كان من ينكر أن معاوية خال المؤمنين يبدع فكيف بمن يقول أن الصلاة والزكاة ليستا من الإيمان وينكر زيادة الإيمان ونقصانه

وهنا لا بد من تنبيهين :

الأول : قول شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى (7/ 394) :" وهذه الشبهة التي أوقعتهم مع علم كثير منهم وعبادته وحسن إسلامه وإيمانه ولهذا دخل في إرجاء الفقهاء جماعة هم عند الأمة اهل علم ودين ولهذا لم يكفر أحد من السلف أحدا من مرجئة الفقهاء بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال لا من بدع العقائد فإن كثيرا من النزاع فيها لفظي"

ليس فيه نفي تبديعهم ، وإنما نفى تكفيرهم ونفي الأعلى إثباتٌ ضمني للأدنى هذا أولاً

ثانياً : قول الشيخ (فإن كثيرا من النزاع فيها لفظي ) نص في أن ليس كل النزاع معهم لفظي ، بل قال ( كثيراً ) ، ولم يقل ( كل النزاع )

وقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ( 10/ 748) :" بِخِلَافِ الْمُرْجِئَةِ مِنْ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: هُوَ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَإِنَّمَا بَدَّعُوهُمْ"

فصرح بتبديع السلف لهم

وقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى (12/ 486) :" واما المرجئة فلا تختلف نصوصه انه لا يكفرهم فإن بدعتهم من جنس اختلاف الفقهاء في الفروع وكثير من كلامهم يعود النزاع فيه إلى نزاع في الألفاظ والأسماء ولهذا يسمى الكلام في مسائلهم باب الأسماء وهذا من نزاع الفقهاء لكن يتعلق بأصل الدين فكان المنازع فيه مبتدعا"

قال ابن عبد البر في الانتقاء (1/149) :" كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ اسْتَجَازُوا الطَّعْنَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ لِرَدِّهِ كَثِيرًا مِنْ أَخْبَارِ الآحَادِ الْعُدُولِ لأَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ إِلَى عَرْضِهَا عَلَى مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنَ الأَحَادِيثِ وَمَعَانِي الْقُرْآنِ فَمَا شَذَّ عَنْ ذَلِكَ رَدَّهُ وَسَمَّاهُ شَاذًّا وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ أَيْضًا يَقُولُ الطَّاعَاتُ مِنَ الصَّلاةِ وَغَيْرِهَا لَا تُسَمَّى إِيمَانًا وَكُلُّ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يُنْكِرُونَ قَوْلَهُ وَيُبَدِّعُونَهُ بِذَلِكَ " فصرح بتبديع أبي حنيفة خصوصاً بهذه المسألة إجماعاً وقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى (7/556) :" وَ " السَّلَفُ " اشْتَدَّ نَكِيرُهُمْ عَلَى الْمُرْجِئَةِ لَمَّا أَخْرَجُوا الْعَمَلَ مِنْ الْإِيمَانِ وَقَالُوا إنَّ الْإِيمَانَ يَتَمَاثَلُ النَّاسُ فِيهِ وَلَا رَيْبَ أَنَّ قَوْلَهُمْ بِتَسَاوِي إيمَانِ النَّاسِ مِنْ أَفْحَشِ الْخَطَأِ بَلْ لَا يَتَسَاوَى النَّاسُ فِي التَّصْدِيقِ وَلَا فِي الْحُبِّ وَلَا فِي الْخَشْيَةِ وَلَا فِي الْعِلْمِ؛ بَلْ يَتَفَاضَلُونَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ"

وهذا قول مرجئة الفقهاء وهو الذي صرح به الطحاوي في عقيدته

وقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى (35/ 414) :" و " الْبِدْعَةُ " الَّتِي يُعَدُّ بِهَا الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مَا اشْتَهَرَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ مُخَالَفَتُهَا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ كَبِدْعَةِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ" فعد بدعتهم من البدع التي يعتبر فيها الرجل من أهل الأهواء

التنبيه الثاني : قد ورد عن بعض مرجئة الفقهاء أنهم يرون السيف ، بل نسب ذلك بعض الناس للفرقة كلها ، وعلى هذا لا يجوز أن يقال فيمن يرى السيف أنه سني إذا صح عنه ذلك إذ أن القول بالسيف فيصلٌ بين أهل السنة والبدعة

وقال الآجري في الشريعة 1986 : وحدثنا الفريابي قال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال : حدثنا سعيد بن عامر قال : حدثنا سلام بن أبي مطيع قال : كان أيوب يسمي أصحاب البدع خوارج ، ويقول : إن الخوارج اختلفوا في الاسم واجتمعوا على السيف

السبب السابع من أسباب جرح أبي حنيفة : دعوته إلى الإرجاء

ليعلم أن داعية البدعة أمره أشد من الواقع فيها بدون دعوة

قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (7/ 386) :" وَهَذَا مَذْهَبُ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ: أَنَّ مَنْ كَانَ دَاعِيَةً إلَى بِدْعَةٍ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ لِدَفْعِ ضَرَرِهِ عَنْ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ فِي الْبَاطِنِ مُجْتَهِدًا وَأَقَلُّ عُقُوبَتِهِ أَنْ يُهْجَرَ فَلَا يَكُونُ لَهُ مَرْتَبَةٌ فِي الدِّينِ لَا يُؤْخَذُ عَنْهُ الْعِلْمُ وَلَا يُسْتَقْضَى وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ"

قال عبد الله بن أحمد في السنة 352 : حدثني سويد بن سعيد ، نا عبد الله بن يزيد ، قال : دعاني أبو حنيفة إلى الإرجاء .

وأثبت عليه الدعوة إلى الإرجاء ابن حبان في المجروحين

قال ابن حبان في المجروحين :" لم يكن الحَدِيث صناعته حدث بِمِائَة وَثَلَاثِينَ حَدِيثا مسانيد مَا لَهُ حَدِيث فِي الدُّنْيَا غَيره أَخطَأ مِنْهَا فِي مائَة وَعشْرين حَدِيثا إِمَّا أَن يكون أقلب إِسْنَاده أَو غير مَتنه من حَيْثُ لَا يعلم فَلَمَّا غلب خَطؤُهُ على صَوَابه اسْتحق ترك الِاحْتِجَاج بِهِ فِي الْأَخْبَار وَمن جِهَة أُخْرَى لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ دَاعيا إِلَى الإرجاء والداعية إِلَى الْبدع لَا يجوز أَن يحْتَج بِهِ عِنْد أَئِمَّتنَا قاطبة لَا أعلم بَينهم فِيهِ خلافًا على أَن أَئِمَّة الْمُسلمين وَأهل الْوَرع فِي الدَّين فِي جَمِيع الْأَمْصَار وَسَائِر الأقطار جرحوه وأطلقوا عَلَيْهِ الْقدح إِلَّا الْوَاحِد بعد الْوَاحِد" وأثبته أيضاً أبو زرعة وقد تقدم نقل نصه

السبب الثامن من أسباب جرح أبي حنيفة : قوله بالسيف

قال عبد الله بن أحمد في السنة 185 : حدثني أبو الفضل الخراساني ، حدثني إبراهيم بن شماس السمرقندي ، قال قال رجل لابن المبارك ونحن عنده

إن أبا حنيفة كان مرجئا يرى السيف . فلم ينكر عليه ذلك ابن المبارك

وقال عبد الله في السنة 186 : حدثني أبو الفضل الخراساني ، ثنا الحسن بن موسى الأشيب ، قال : سمعت أبا يوسف ، يقول : كان أبو حنيفة يرى السيف قلت : فأنت ؟ قال : معاذ الله . وهذا النص بعد وفاة أبي حنيفة وأبو يوسف نصه مقدم على كلام الطحاوي الذي لم يدرك أبا حنيفة

وقال عبد الله في السنة 314 : حدثني محمد بن هارون أبو نشيط ، حدثني أبو صالح يعني الفراء قال : سمعت أبا إسحاق الفزاري ، يقول : كان أبو حنيفة مرجئا يرى السيف .

وقال عبد الله في السنة 327 : حدثني أبو الفضل الخراساني ، نا أحمد بن الحجاج ، نا سفيان بن عبد الملك ، حدثني ابن المبارك ، قال : ذكرت أبا حنيفة عند الأوزاعي وذكرت علمه وفقهه فكره ذلك الأوزاعي وظهر لي منه الغضب وقال : تدري ما تكلمت به تطري رجلا يرى السيف على أهل الإسلام ، فقلت : إني لست على رأيه ولا مذهبه ، فقال : قد نصحتك فلا تكره فقلت قد قبلت .

وقال ابن أبي حاتم تقدمة الجرح والتعديل ص269 نا محمد بن احمد بن ابي عون النسائي نا احمد بن حكيم أبو عبد الرحمن هذا الباب بتمامه من م فقط وكأنه المروزي نا احمد بن سليمان نا الاصمعي عبد الملك بن قريب قال : كنت عند هارون امير المؤمنين وأبو يوسف بجنبه إذ دخل عليه أبو اسحاق الفزاري فأقيم من بعيد قال فنظر إليه هارون فقال انا لله وانا إليه راجعون وقع الشيخ موقع سوء ، قال وإذا الرجل عزيم صريم.
قال فقال له هارون : انت الذي تحرم لبس السواد ؟ قال فقال معاذ الله يا امير المؤمنين انا من اهل بيت سنة وجماعة ولقد خرجت مرة في بعض هذه الثغور وخرج اخي مع ابراهيم إلى البصرة فقال لي استاذ هذا [ يعني أبا حنيفة أستاذ أبي يوسف ] : لمخرج اخيك مع ابراهيم احب الي من مخرجك . وهو يرى السيف فيكم ، فلعل هذا الجالس بجنبك اخبرك بهذا ، على هذا وعلى استاذه لعنة الله وغضبه . قال فما زال هارون يقول له : ادن - حتى اقعده فوق ابي يوسف ، وابو يوسف منكس رأسه ، قال فقال له يا ابا اسحاق قد امرنا لك بثلاثة آلاف دينار وبغل وفرس

فيا ليت شعري البرتي ينكر عليه القول بخلق القرآن وأبو يوسف ينكر عليه القول بالسيف وسيأتي قول الشيباني فيه ( جاهل بالكتاب جاهل بالسنة ) فهذا قول أصحابه فيه فهل نحن أعظم توقيراً له من أصحابه ؟!

السبب التاسع من أسباب جرح أبي حنيفة : قوله بالحيل

قال الخطيب في تاريخه (15/ 556) : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عبيد الله الحنائي، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عبد الله الشافعي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل السلمي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو توبة الربيع بن نافع، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله ابن المبارك، قال: من نظر في كتاب الحيل لأبي حنيفة أحل ما حرم الله، وحرم ما أحل الله وهذا إسناد صحيح

وقال الخطيب أيضاً أَخْبَرَنَا إبراهيم بن عُمَر البرمكي، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن خلف الدقاق، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَر بن مُحَمَّد الجوهري، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر الأثرم، قال: حَدَّثَنِي زكريا بن سهل المروزي، قال: سمعت الطالقاني أبا إسحاق، يقول: سمعت ابن المبارك، يقول: من كان كتاب الحيل في بيته يفتي به أو يعمل بما فيه فهو كافر، بانت امرأته، وبطل حجه.
قال: فقيل له: إن في هذا الكتاب إذا أرادت المرأة أن تختلع من زوجها ارتدت عن الإسلام حتى تبين، ثم تراجع الإسلام، فقال عبد الله: من وضع هذا فهو كافر، بانت منه امرأته، وبطل حجه، فقال له خاقان المؤذن: ما وضعه إلا إبليس، قال: الذي وضعه عندي أبلس من إبليس.
وقال زكريا: أَخْبَرَنَا الحسين بن عبد الله النيسابوري، قال: أشهد على عبد الله، يعني: ابن المبارك شهادة يسألني الله عنها، أنه قال لي: يا حسين، قد تركت كل شيء رويته عن أبي حنيفة، فأستغفر الله وأتوب إليه.

وقال أبو داود في مسائله عن أحمد 1784 : سَمِعْتُ أَحْمَدَ، " ذَكَرَ الْحِيَلَ مِنْ أَمْرِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، فَقَالَ: يَحْتَالُونَ لِنَقْضِ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وقد أثبت على أبي حنيفة القول بالحيل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال شيخ الإسلام في القواعد النورانية ص89 :" ومن أصولها أن أبا حنيفة أوسع في إيجابها من غيره فإنه يوجب في الخيل السائمة المشتملة على الآثار ويوجبها في كل خارج من الأرض ويوجبها في جميع أنواع الذهب والفضة من الحلى المباح وغيره ويجعل الركاز المعدن وغيره فيوجب فيه الخمس لكنه لا يوجب ما سوى صدقة الفطر والعشر إلا على مكلف ويجوز الاحتيال لإسقاطها" وذكر ابن القيم في بدائع الفوائد أن من أصول أبي حنيفة القول بالحيل

والحيل لا زالت موجودة ويعمل فيها في مذهبهم

وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان ص338 :" ومن مكايده التى كاد بها الإسلام وأهله: الحيل والمكر والخداع الذى يتضمن تحليل ما حرم الله، وإسقاط ما فرضه، ومضادته فى أمره ونهيه، وهى من الرأى الباطل الذى اتفق السلف على ذمه فإن الرأي رأيان: رأى يوافق النصوص وتشهد له بالصحة والاعتبار، وهو الذى اعتبره السلف، وعملوا به.
ورأى يخالف النصوص وتشهد له بالإبطال والإهدار، فهو الذى ذموه وأنكروه.
وكذلك الحيل نوعان: نوع يتوصل به إلى فعل ما أمر الله تعالى به، وترك ما نهى عنه والتخلص من الحرام، وتخليص الحق من الظالم المانع له، وتخليص المظلوم من يد الظالم الباغى، فهذا النوع محمود يثاب فاعله ومعلمه.
ونوع يتضمن إسقاط الواجبات، وتحليل المحرمات، وقلب المظلوم ظالماً، والظالم مظلوماً، والحق باطلاً والباطل حقاً، فهذا النوع الذى اتفق السلف على ذمه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض"

فهنا ابن القيم يصرح بأن السلف اتفقوا على ذم الحيل والرأي المحدث والصيح بأهله في أقطار البلدان

فمن هؤلاء إن لم يكونوا أبا حنيفة وأصحابه ؟

وقد تكلم شيخ الإسلام في بيان الدليل على إبطال على موضوع الحيل وتوسع في نقضه وبيان ضلالة أهله وهو في هذا الكتاب إنما يناقش مذهباً لأبي حنيفة

قال ابن حبان في المجروحين (3/71) : وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْفَقِيه قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بن حَكِيم الشَّيْبَانِيّ يَقُول سمت أَبَا إِسْحَاق الطَّالقَانِي يَقُول سَمِعت بن الْمُبَارَكِ يَقُولُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ كِتَابُ الْحِيَلِ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا فِيهِ فَهُوَ كَافِرٌ وَبَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ وَبَطَلَ حَجُّهُ ثُمَّ قَالَ قَالَ فُلانٌ لَوْ أَنَّ رَجُلا ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ فَارْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ سَقَطَ عَنْهُ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلا ابْتُلِيَ بِهَذَا وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ افْعَلْ هَذَا لِكَيْ تَسْقُطْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ فَهُوَ كَافِرٌ وَبَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ وَبَطَلَ حَجُّهُ.انتهى وهذه الكلمة أوردها ابن حبان في ترجمة أبي حنيفة فتأمل والحيل في حقيقتها تحليل لما حرم الله عز وجل ، ومن نظر في حيل القوم في باب الفروج اقشعر جلده ، وهي سير على طريق اليهود الذين اعتدوا في السبت واعجب ممن يحارب القوانين الوضعية ويحارب فقه التيسير وأهله ثم يسكت عن أهل الحيل وهم أخطر وقولهم أشنع وبعض الرافضة اليوم يفتي بالحيل فأخذ ذلك عليهم بعض المتخصصين في الرد على الرافضة ، ولاقت نفرة عظيمة من العامة فكيف لو علموا أن هذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه ؟

وقد ذم السلف من يتتبع الرخص والقول بالحيل اختراع للرخص وليس فقط تتبعاً لها

ولهذا كان ابن الهمام الحنفي يفتي بجواز تتبع الرخص كما في فتح القدير طرداً لأصوله

السبب العاشر من أسباب جرح أبي حنيفة : قوله بالرأي

قال الشوكاني في نيل الأوطار (3/355) :" وَهَذَا تَعْوِيلٌ عَلَى رَأْيٍفَاسِدٍ حَاصِلُهُ رَدُّ كَثِيرٍ مِنْ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ بِلَا بُرْهَانٍ وَلَا حُجَّةٍ نَيِّرَةٍ فَكَمْ مَوْطِنٍ مِنْ الْمَوَاطِنِ يَقُولُ فِيهِ الشَّارِعُ لَا يُجْزِئُ كَذَا لَا يُقْبَلُ كَذَا لَا يَصِحُّ كَذَا ، وَيَقُولُ الْمُتَمَسِّكُونَ بِهَذَا الرَّأْيِ يُجْزِئُ وَيُقْبَلُ وَيَصِحُّ وَلِمِثْلِ هَذَا حَذَّرَ السَّلَفُ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ " أقول : هنا الشوكاني ينقل تحذير السلف من أهل الرأي ، مقراً له بل ويذكر وجهه ، ويرمي أهل الرأي برد كثيرٍ من السنة نقلت هذا الكلام رداً على من زعم أن ذم أهل الرأي قد هجره أهل العلم والسؤال هنا : من هم أهل الرأي ؟ فالجواب : لا ينطبق مسمى أهل الرأي على أحد من المذاهب الفقهية المتبوعة إلا الحنفية ، لو نظرت في الجواهر المضية في طبقات الحنفية لوجدت عبد القادر القرشي كثيراً ما يصف أصحابه ب(إمام أهل الرأي )

وقد صرح الشوكاني بأن الحنفية هم أهل الرأي في السيل الجرار حيث قال :" "فهذه الأحاديث متعاضدة على تقديم الكفارة على الحنث قال ابن المنذر رأى ربيعة والأوزاعي ومالك والليث وسائر فقهاء الأمصار غير أهل الرأي يعني الحنفية أن الكفارة تجزىء"

والشوكاني نفسه وقع في أمور من أقبحها قوله بالوقف في القرآن ووقيعته في معاوية والمغيرة بن شعبة وتفضيله علي على بقية الصحابة

وهو هنا إنما ينقل كلام السلف ، وكل من نظر في كلامهم بعين الإنصاف خرج بالنتيجة نفسها التي خرج بها الشوكاني

وهنا سؤال : هل أهل الرأي من أهل الحديث أم هم قسيم أهل الحديث أي أن الناس قسمان أهل رأي وأهل الحديث ؟

من المعلوم أن عدداً من أهل العلم فسروا أحاديث الطائفة المنصورة والفرقة الناجية بأنهم أهل الحديث حتى قال قائلهم ( إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم ) ، فإذا كان أهل الرأي من أهل الحديث فهم داخلون في هذه الفضيلة ، وإن لم يكونوا كذلك فليس لهم من مسمى الطائفة المنصورة والفرقة الناجية نصيب

والحق أنهم قسيم أهل الحديث ، وقسيم الشيء لا يكون قسماً منه ، بل لا زالت النفرة عظيمة بينهم والناس يقولون ( هذا من أهل الرأي ) ويقولون ( هذا من أهل الحديث ) بل يقولون ( فلان ترك مذهب أهل الرأي وصار من أهل الحديث )

وقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى (30/404) : "وَأَمَّا إسْمَاعِيلُ فَإِنَّهُ كَانَ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الرَّأْيِ ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ"

فهذا نص على أن مذهب أهل الرأي غير مذهب أهل الحديث

وقال الخطيب في الفقيه والمتفقه مبيناً سبب عداوة أهل الرأي لأهل الحديث (2/365) :" أما طعن المتخصصين من أهل الرأي والمتكلمين ، فأنا أبين السبب فيه ليعرفه من لم يكن يدريه أما أهل الرأي فجل ما يحتجون به من الأخبار واهية الأصل ، ضعيفة عند العلماء بالنقل ، فإذا سئلوا عنها بينوا حالها ، وأظهروا فسادها ، فشق عليهم إنكارهم إياهم ، وما قالوه في معناها ، وهم قد جعلوها عمدتهم ، واتخذوها عدتهم ، وكان فيها أكثر النصرة لمذاهبهم ، وأعظم العون على مقاصدهم ومآربهم ، فغير مستنكر طعنهم عليهم ، وإضافتهم أسباب النقص إليهم ، وترك قبول نصيحتهم في تعليلهم ، ورفض ما بينوه من جرحهم ، وتعديلهم ، لأنهم قد هدموا ما شيدوه وأبطلوا ما أموه منه وقصدوه ، وعللوا ما ظنوا صحته واعتقدوه"

قال شيخ الإسلام كما في الفتاوى الكبرى (5/139) : فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَدُلَّ النَّاسَ قَطُّ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي ذَكَرُوهَا، وَلَا يُوجَدُ فِي كَلَامِهِ شُرُوطُ الْبَيْعِ، أَوْ النِّكَاحِ، كَذَا، وَكَذَا، وَلَا هَذِهِ الْعِبَادَةُ، أَوْ الْعَقْدُ صَحِيحٌ؛ أَوْ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا جَعَلُوهُ دَلِيلًا عَلَى الصِّحَّةِوَالْفَسَادِ، بَلْ هَذِهِ كُلُّهَا عِبَارَاتٌ أَحْدَثَهَا مَنْ أَحْدَثَهَا مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْكَلَامِ"

فقرنهم بأهل الكلام

فإذا علمت هذا فمسمى الطائفة المنصورة والفرقة الناجية لا يدخل فيه أهل الكلام وأهل الرأي وأهل التصوف ، وإن كان في أفرادهم من هو فاضل معذور ، ولكن الكلام هنا على الحكم العام

قال عبد الحليم ابن تيمية والد شيخ الإسلام في المسودة (1/256) :" [والد شيخنا] فصل: فى قول أحمد: "لا يروى عن أهل الرأى" تكلم عليه ابن عقيل بكلام كثير قال في رواية عبد الله أصحاب الرأى لا يروى عنهم الحديث قال القاضي وهذا محمول على أهل الرأى من المتكلمين كالقدرية ونحوهم.

قلت : ليس كذلك بل نصوصه في ذلك كثيرة وهو ما ذكرته في المبتدع ، أنه نوع من الهجرة فانه قد صرح بتوثيق بعض من ترك الرواية عنه كأبي يوسف ونحوه ولذلك لم يرو لهم في الامهات كالصحيحين"

أقول : هذا نص مهم يبين فيه والد شيخ الإسلام أن الإمام أحمد كان يدعو إلى ترك الرواية عن أهل الرأي وإن كانوا ثقات ، وأن هذا من باب هجران المبتدع ، ويمثل بأبي يوسف القاضي ، وشيخ الإسلام هنا يقر والده ولا يعلق على كلامه بشيء

ونص أحمد المشار إليه هو ما روى العقيلي في الضعفاء (1/59) حدثنا آدم بن موسى قال : سمعت محمد بن إسماعيل البخاري قال : أسد بن عمرو أبو المنذر البجلي كوفي صاحب رأي ليس بذاك عندهم .

حدثنا عبد الله بن أحمد قال : سألت أبي عن أسد بن عمرو صدوق ؟ قال : أصحاب أبي حنيفة ليس ينبغي أن يروى عنهم شيء

فهذا نص أحمد وهذا شرح أصحابه ( من المتأخرين ) لكلامه رحمه الله تعالى

وليعلم أن أبا يوسف القاضي من أفضل أهل الرأي- على بلايا عظيمة وقع فيها - ، فقد خالف إمامه في مسائل كثيرة كان الحق فيها معه ، ولم يصح عنه قول الجهمية بل صح عنه أنه ذم الجهمية والمقاتلية كما في تاريخ بغداد ، وكان ينكر القول بالسيف ، وكان صدوقاً في الحديث لم يكن ضعيفاً ، ومع ذلك امتثل أصحاب الصحيحين وصية الإمام أحمد بترك الرواية عن أهل الرأي كما ذكر والد شيخ الإسلام بل وامتثلها أصحاب الكتب الستة إذ لم يخرجوا لكبار أصحاب الرأي شيئاً بل عامة أصحاب أصحاب السنن والمسانيد

فإن قال قائل : أليس قد خرجوا لبعض أهل البدع ممن هم ليسوا في العلم والفضل كأهل الرأي ؟

فالجواب : بلى ، وذلك له تخريجان

الأول : أن يقال أنهم خرجوا لمن لا يرونه داعيةً ، وقد رأوا هؤلاء دعاةً إما إلى الإرجاء أو إلى الرأي المذموم

الثاني : أن يكون أهل الرأي لقلة عنايتهم بالآثار لا يحتاج إليهم ، مع ما هم عليه من الحال غير المرضية عند السلف لهذا هجروا روايتهم

وليعلم أن أهل الرأي يعظمون أبا يوسف جداً ويعدونه الإمام الثاني في مذهبهم ، ومن أخذ بقوله وخالف قول الإمام لم يكن عندهم خارجاً من المذهب ، فإذا كان الأمر كذلك فلا شك أن يكرهون ذلك الكلام الذي قاله والد شيخ الإسلام

وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (4/207) :" ولا خلاف عنه -يعني أحمد - في أنه لا يستفتي أهل الرأي المخالفون لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبالله التوفيق ولا سيما كثير من المنتسبين إلى الفتوى في هذا الزمان وغيره وقد رأى رجل ربيعة بن أبي عبد الرحمن يبكي فقال ما يبكيك فقال استفتي من لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم قال ولبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السراق"

أقول : هنا ابن القيم ينقل عن الإمام أحمد كراهيته لاستفتاء أهل الرأي ويقره فليس كلام أحمد مهجوراً كما يزعم بعضهم ، وإذا كان أحمد لا يرى الرواية عنهم فكيف يرى أخذ كلامهم في الفتيا

قال عبد الله بن أحمد في مسائله عن أبيه 1585 : سَأَلت ابي عَن الرجل يُرِيد ان يسْأَل عَن الشَّيْء من امْر دينه مِمَّا يبتلى بِهِ من الايمان فِي الطَّلَاق وَغَيره وَفِي مصر من اصحاب الرَّأْي وَمن اصحاب الحَدِيث لَا يحفظون وَلَا يعْرفُونَ الحَدِيث الضَّعِيف وَلَا الاسناد الْقوي فَلِمَنْ يسْأَل لاصحاب الرَّأْي اَوْ لهَؤُلَاء اعني اصحاب الحَدِيث على مَا قد كَانَ من قلَّة معرفتهم قَالَ يسْأَل اصحاب الحَدِيث لَا يسْأَل اصحاب الرَّأْي ضَعِيف الحَدِيث خير من رَأْي ابي حنيفَة.
وقال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة في ترجمة الحافظ أحمد بن الفرات الرازي (1/54) :" ونقل عَنْ إمامنا أشياء منها قَالَ: قَالَ أَحْمَد من دل عَلَى صاحب رأي ليفتيه فقد أعان عَلَى هدم الإسلام" وقد ورد نحو هذا عن الإمام الشافعي

قال أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام 351 : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُمُحَمَّدِ بْنِ السَّيْرَجَانِيِّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ السُّلَيْمَانِيُّ الْحَافِظُ بِبِيِّكَنْدَ حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْقَرَّابِيُّ هَرَوِيُّ بِبَلْخٍ سَمِعْتُهُ يَقُولُ سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ سَعِيدٍ سَمِعْتُ الْبُوَيْطِيَّ سَمِعْتُالشَّافِعِيَّ يَقُولُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ أَنْ يُفْتِيَ فَإِنْ حَلَّ فَلِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .

وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية على أنهم من أقل الناس نفعاً في باب الإفتاء ، مع كثرة عددهم وقوة سلطانهم

قال شيخ الإسلام في الاستقامة ص12:" الوجه الثالث أن النصوص دالة على عامة الفروع الواقعة كما يعرفه من يتحرى ذلك ويقصد الإفتاء بموجب الكتاب والسنة ودلالتها وهذا يعرفه من يتأمل كمن يفتى في اليوم بمائة فتيا أو مائتين أو ثلاثمائة وأكثر أو أقل وأنا قد جربت ذلك ومن تدبر ذلك رأى أهل النصوص دائماأقدر على الإفتاء وأنفع للمسلمين في ذلك من أهل الرأى المحدث فإن الذى رأيناه دائما أن أهل رأى الكوفة من أقل الناس علما بالفتيا وأقلهم منفعة للمسلمين مع كثرة عددهم وما لهم من سلطان وكثرة بما يتناولونه من الأموال الوقفية والسلطانية وغير ذلك ثم إنهم في الفتوى من أقل الناس منفعة قل أن يجيبوا فيها وإن أجابوا فقل أن يجيبوا بجواب شاف وأما كونهم يجيبون بحجةفهم من أبعد الناس عن ذلك"

قال شيخ الإسلام كما في [ جامع المسائل المجموعة الثامنة ص74 – ط دار عالم الفوائد ت / محمد عزيز شمس ] : الهجرة المشروعة كقوله تعالى : { والرجز فاهجر } وقوله : { وإذا رأيت الذين يخوضون } وقوله : { وتولى عنهم } وقوله : { واهجرهم هجراً جميلاً } , وهجرة الصحابة إلى الحبشة ثم إلى المدينة , وهجرة المسلم من دار الكفر إلى دار الإسلام , وهجرة الناس من دار الفجور والبدعة إلى دار البر والسنة , وهجرة المعلنين بالمعاصي والمظهرين للبدع , كما أمر النبي – صلى الله عليه وسلم– بهجرة الثلاثة الذين خلفوا , وأمر عمر بهجر صبيغ بن عسل , وأمر الأئمة بهجران الدعاة إلى البدع بحيث لا يتخذون حكاماً ولا شهوداً ولا أئمةً ولا مفتين ولا محدثين , ولا يجالسون ولا يخاطبون , ونحو ذلك , كل هذا له مقصودان :

أحدهما : اشتمال ذلك على أداء الواجبات وترك المحرمات , فإن هجران الذنوب تركها , قال النبي صلى الله عليه وسلم : المهاجر من هجر ما نهى الله عنه , والهجرة من دار الحرب ليتمكن المسلم من إقامة دينه ولوائه الجهاد , ولئلا يقع فيما هم فيه , وكذلك هجران قرناء السوء , لئلا يرى القبيح ويسمعه فيكون شريكاً لهم كما قال تعالى : { إنكم إذن مثلهم } ولئلا يوقعوه في بعض ذنوبهم فإن المرء على دين خليله , فلينظر أحدكم من يخالل , فالأول يكون بترك مخالطتهم وقت الذنوب , وإن خولطوا في غيرها للضرورة ,

والثاني يكون بترك عشرتهم مطلقاً , فإن المعاشرة قد تجر إلى القبيح , فمن كان مضطراً إلى معاشرتهم أو كان هو الحاكم عليهم ديناً ودنيا فهذا لا ينهى عن المعاشرة , بخلاف .......... [ قال المحقق : كلمة غير واضحة ] الذين قد يفسدون عقله أو دينه أو نحو ذلك .

المقصود الثاني : تضمنها نهي المهجور وتعزيره وعقوبته فيكون جزاءً له ... [ قال المحقق : كلمة مطموسة ] ولغيره من ضربائه , كسائر أنواع التعزير والعقوبات المشروعة , فهذه الهجرة من جنس العقوبات والتعزيرات لتنكيل المهجور وغيره على ذلك الذنب , وتلك الهجرة من جنس التقوى والاحتراز عن مواقعة المحظورات البدعية والفجورية , فالأولى تحقيق التقوى , والثانية تحقيق الجهاد , فالأولى من فعل الذين هاجروا , والثانية من فعل الذين جاهدوا { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله , والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض } ولهذا لا يصلح .... [ قال المحقق : كلمة مبتورة ] إلا مع المكنة والقدرة , كما لا تصلح المعاقبة إلا للقادر المتمكن بخلاف الأولى , ولهذا كانت الأولى مشروعة بمكة , والثانية إنما شرعت بالمدينة بعد تبوك لما كان الإسلام في غاية القوة , فإن الثانية تتضمن ترك السلام عليه وترك عيادته وتقديمه في شيء من المراتب الدينية , كالإمامة والحكم والشهادة والحديث والفتوى . وهذا إذا كان ممن يؤثر في المهجور حصول المنفعة , وربما كان فيه منفعة ومضرة فيراعى ما غلب منهما , وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال والأوقات , وتختلف فيه الاجتهادات , وقد يستغنى عن الهجرة بالتأليف , فالغرض النهي عن المنكر بأقرب الطرق وتحصيل المعروف على أكمل الوجه , والله أعلم . وأهل السنة والحديث يهجرون الداعية إلى البدع من الكلام أوالرأي أو العبادة , ولهذا كان أهل السنة قد تجنبوا فيها الرواية عن الدعاة إلى البدع عندهم من أهل الكلام كعمر بن عبيد وغيره , ومن أهل الرأي كأهل الرأي من أهل الكوفة , وهو فعل أحمد ابن حنبل معهم , وهذا تفصيله مذكور في غير هذا الموضع . اهـكلامه

وما ذكره شيخ الإسلام من أن أحمد كان يهجر أهل الرأي ثابت عنه بل كان ينهى عن الرواية عنهم

قال العقيلي في الضعفاء (1/59) : حدثنا عبد الله بن أحمد قال : سألت أبي عن أسد بن عمرو صدوق ؟ قال : أصحاب أبي حنيفة ليس ينبغي أن يروى عنهم شيء

أقول : فإذا كان هذا مذهب أحمد في كتابة الحديث عنهم فما عساه أن يقول في التمذهب بمذهبهم وكتابة رأيهم ، الذي يجوزه بعض من يدعو إلى اتباع الأئمة ولو صدق باتباعهم لعلم أن الرواية لا تختلف عن أئمة الحديث في ترك الإفتاء بقول أهل الرأي ، فضلاً عن التسوية بينهم وبين أهل الحديث بقولك ( المذاهب الفقهية المعتبرة ) فتبدأ بأهل الرأي وتختم بأهل الحديث

وقد نص الشيخ هنا على تبديع أهل الرأي وهذه نقلها حرب مسألة إجماع

قال الزيلعي في نصب الراية (2/271) :" وَالْبُخَارِيُّ كَثِيرُ التَّتَبُّعِ لِمَا يَرُدُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ السُّنَّةِ ، فَيَذْكُرُ الْحَدِيثَ ، ثُمَّ يُعَرِّضُ بِذِكْرِهِ ، فَيَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَذَا وَكَذَا ، وَقَالَبَعْضُ النَّاسِ : كَذَا وَكَذَا ، يُشِيرُ بِبَعْضِ النَّاسِ إلَيْهِ ، وَيُشَنِّعُ لِمُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ ، وَكَيْفَ يُخْلِي كِتَابَهُ مِنْ أَحَادِيثِ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ ، وَهُوَ يَقُولُ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ : " بَابُ الصَّلَاةِ مِنْ الْإِيمَانِ " ، ثُمَّ يَسُوقُ أَحَادِيثَ الْبَابِ ، وَيَقْصِدُ الرَّدَّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ؟ قَوْلَهُ : إنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِنْ الْإِيمَانِ"

وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (14/ 38) :" وفِي (الطَّبَقَاتِ) لأَبِي إِسْحَاقَ: وُلِدَ مُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ بِبَغْدَادَ، وَنَشَأَ بِنَيْسَابُوْرَ، وَاسْتوطَنَ سَمَرْقَنْدَ.
رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ، قَالَ: لَمْ يَكُنْ لِي حُسْنُ رَأْيٍ فِي الشَّافِعِيِّ، فَبَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَغْفَيْتُ، فرَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي المَنَامِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! أَكْتُبُ رَأْيَ الشَّافِعِيِّ؟ فَطَأَطَأَ رَأَسَهُ شِبْهَ الغَضْبَانِ وَقَالَ: (تَقُوْلُ رَأْي؟ لَيْسَ هُوَ بِالرَّأْي، هُوَ ردٌّ عَلَى مَنْ خَالَفَ سُنَّتِي) . فَخَرَجْتُ فِي أَثَرِ هَذِهِ الرُّؤيَا إِلَى مِصْرَ، فَكَتَبْتُ كُتُبَ الشَّافِعِيِّ"

وإنما اشتهر الشافعي بالرد على أهل الرأي

وقال العقيلي في الضعفاء (3/221) : وحدثنا عبد الرحمن بن محمد بن سلمة الرازي قال : حدثنا عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني رستة قال : سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول : حدثني معاذ بن معاذ قال : كنت عند سوار بن عبد الله ، فجاءالغلام فقال : زفر بالباب ، فقال : زفر الرأي لا تأذن له فإنه مبتدع ، فقال له بعض جلسائه : ابن عمك قدم من سفر لم تأته ومشى إليك ، لو أذنت له ؟ فأذن له ، فدخل فسلم ، فما رأيته رد عليه ، وأراه مد يده إليه فلم يناوله يده ، وما رأيته نظر إليه حتى قام وخرج

أقول : فبدعه بالرأي كما قال شيخ الإسلام

وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (14/ 396) :" وَقَدْ كَانَ السَّرَّاجُ ذَا ثَروَةٍ وَتِجَارَةٍ، وَبِرٍّ وَمَعْرُوْفٍ، وَلَهُ تَعَبُّدٌ وَتَهَجُّدٌ، إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ مُنَافِراً لِلْفُقَهَاءِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ - وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ –"

قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في رسالته التي طبعت مؤخراً بعنوان ( فضائل الأئمة الأربعة )! ص11:" وأما أهل الرأي : فهم وإن كان لهم جمل من الكلام في ذلك ، فليس لهم قواعد محررة لا في أصول الدين ولا في أصول فقه ، ولهذا كان المتبعون لهم فيهم من جميع أهل الأهواء "

هذا النص النفيس ليس في مجموع الفتاوى

وقال في هذه الرسالة عن أبي حنيفة في ص14 :" لأن أصوله لا تنفي البدع وإن لم يثبتها "

فمن كانت أصوله لا تنفي البدع لا شك أنها ليست أصول أهل السنة

وقال الطوفي في شرح مختصر الروضة :" وَاعْلَمْ أَنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ بِحَسَبِ الْإِضَافَةِ هُمْ كُلُّ مَنْ تَصَرَّفَ فِي الْأَحْكَامِ بِالرَّأْيِ ، فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ لَا يَسْتَغْنِي فِي اجْتِهَادِهِ عَنْ نَظَرٍ وَرَأْيٍ ، وَلَوْ بِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ وَتَنْقِيحِهِالَّذِي لَا نِزَاعَ فِي صِحَّتِهِ .

وَأَمَّا بِحَسَبِ الْعَلَمِيَّةِ ، فَهُوَ فِي عُرْفِ السَّلَفِ عَلَمٌ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَهُمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ ، أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْهُمْ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَؤُلَاءِ أَهْلَ الرَّأْيِ ، لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا كَثِيرًا مِنَ الْأَحَادِيثِ إِلَى الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ ; إِمَّا لِعَدَمِ بُلُوغِهِمْ إِيَّاهُ ، أَوْ لِكَوْنِهِ عَلَى خِلَافِ الْكِتَابِ ، أَوْ لِكَوْنِهِ رِوَايَةَ غَيْرِ فَقِيهٍ ، أَوْ قَدْ أَنْكَرَهُ رَاوِي الْأَصْلِ ، أَوْ لِكَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى ، أَوْ لِكَوْنِهِ وَارِدًا فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ عَلَى أَصْلِهِمْ فِي ذَلِكَ ، وَبِمُقْتَضَى هَذِهِ الْقَوَاعِدِ لَزِمَهُمْ تَرْكُ الْعَمَلِ بِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍحَتَّى خَرَّجَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ فِي «جَامِعِهِ» نَحْوَ مِائَةٍ أَوْ خَمْسِمِائَةِ حَدِيثٍ صِحَاحٍ خَالَفَهَا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فِي التَّشْنِيعِ عَلَيْهِ حَتَّى صَنَّفَ كِتَابًا فِي الْخِلَافِ بَيْنَالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَكَثُرَ عَلَيْهِ الطَّعْنُ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ حَتَّى بَلَغُوا فِيهِ مَبْلَغًا وَلَا تَطِيبُ النَّفْسُ بِذِكْرِهِ ، وَأَبَى اللَّهُ إِلَّا عِصْمَتَهُ مِمَّا قَالُوهُ ، وَتَنْزِيهَهُ عَمَّا إِلَيْهِ نَسَبُوهُ "

أقول : كلام الطوفي في تلخيص أسباب تركهم للعمل في الأحاديث الصحيحة ، حسن جداً ، ولا شك أن هذه قواعد محدثة تشبه قواعد المتكلمين في رد الأحاديث ، ونقله عن الإمام أحمد أنهم خالفوا مائة أو خمسمائة حديثاً ثابتاً أيضاً نفيس ، وقوله أن أئمة السلف كثر طعنهم عليه هو الواقع الذي لا ينكره إلا مكابر

غير أن رده لكلام بما يوهم أنهم افتروا عليه بقوله (وَتَنْزِيهَهُ عَمَّا إِلَيْهِ نَسَبُوهُ ) فهذا مرفوض من الطوفي ، والطوفي هذا متهم بالرفض على حنبليته وهو من تلاميذ شيخ الإسلام ولكنه على غير عقيدته وله في شرح مختصر الروضة كلام نجس في المغيرة بن شعبة فليته صان عرض الصحابي كما صان عرض إمام أهل الرأي ، وقد كتب بعض أهل عصرنا كتاباً يبرئه فيه من تهمة الرفض التي أثبتها عليه ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة ، وكلامه في المغيرة يوحي أنه مائل إلى هذا المذهب الخبيث

وبعد هذا كله نعرف سبب تبديع الأئمة لأهل الرأي كما نقل حرب الكرماني وتقدم نصه

وقد ذكر ابن الجوزي الأخبار التي خالف فيها أهل الرأي أحاديث الصحيحين في ترجمة أبي حنيفة

قال ابن الجوزي في المنتظم (3/23) :" فأما المسائل التي خالف فيها الحديث فكثيرة، إلا أن من مشهورها الذي خالف فيه الصحاح: مسألة بول الغلام الذي لم يأكل الطعام يرش وقال أبو حنيفة: يغسل وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بصبي لم يأكل الطعام فبال، فدعا بماء فرشه عليه.

مسألة لا يجوز تخليل الخمر، وإذا خللت لم تطهر وقال أبو حنيفة: يجوز وتطهر.
وفي صحيح مسلم: من حديث أنس: أن أبا طلحة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمراً فقال:أهرقها.
قال: أفلا أجعلها خلاً؟ قال: لا.

مسألة يجوز الآذان للفجر قبل طلوعه وقال أبو حنيفة: لا يجوز.
وفي الصحيحين: عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: " إن بلال يؤذن بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم " .

مسألة إذا لم تقدر على الركوع والسجود لم يسقط عنه القيام وقال أبو حنيفة: يسقط وفي صحيح البخاري: عن عمران، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب " .

مسألة يسن رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه وقال أبو حنيفة: لا يسن.
وفي الصحيحين: من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى تحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد رفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين.
وفي الصحيحين: من حديث مالك بن الحويرث مثله.
وقد رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو عشرين صحابي.

مسألة إذا طلعت الشمس وهو في صلاة الصبح أتم وقال أبو حنيفة تبطل صلاته.
وفي الصحيحين: من حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها، ومن أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصلاة " .

مسألة يجوز الوتر بركعة وقال أبو حنيفة: بثلاث.
وفي الصحيحين: من حديث ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر بركعة.

مسألة تسن الصلاة للاستسقاء وقال أبو حنيفة: لا تسن.
وفي الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الاستسقاء.
مسألة ويجوز تحويل الرداء في صلاة الاستسقاء وقلبه وقال أبو حنيفة: لا يسن.
وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك.

مسألة يستحب في غسل الميت شيء من كافور في الغسلة الأخيرة وقال أبو حنيفة: لا يستحب وفي الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للواتي غسلن ابنته: " اجعلن في الغسلة الأخيرة كافوراً " .

مسألة يسن استلام الركن اليماني في الطواف وقال أبو حنيفة لا يسن.
وفي صحيح مسلم: من حديث ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يستلم إلا الحجر الأسود والركن اليماني.

مسألة إشعار البدن، وتقليدها سنة و قال أبو حنيفة: يكره الإشعار؛ فإنه مثلة.
وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشعر بدنته وقلدها.

مسألة يجوز بيع العرايا وقال أبو حنيفة: لا يجوز.
وفي الصحيحين: من حديث زيد بن ثابت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا.

مسألة إذا اشترى مصراة ثبتت له خيار الفسخ وقال أبو حنيفة: لا يثبت.
وفي الصحيحين: من حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تصروا الغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمرٍ " .

مسألة لا يجوز بيع الكلب وإن كان معلماً وقال أبو حنيفة: يجوز.
وفي الصحيحين: من حديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب.

مسألة إذا أراق على ذمي خمراً أو قتل له خنزيراً لم يضمن وقال أبو حنيفة: يضمن.
وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله حرم الخمر وثمنها.

مسألة لا يقتل المسلم بالكافر وقال أبو حنيفة: يقتل بالذمي.
وفي صحيح البخاري من حديث علي رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يقتل مسلم بكافر " .

مسألة يجب القصاص في القتل بالمثل وقال أبو حنيفة: لا يجب إلا فيما له حدٌ.
وفي الصحيحين: من حديث أنس: أن يهودياً رضخ رأس امرأة بين حجرين فقتلها، فرضخ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه بين حجرين.

مسألة إذا ضربت حامل فماتت ثم انفصل عنها جنين ميت وجبت فيه الغرة وقال أبو حنيفة لا شيء في الجنين، وفي الصحيحين: عن المغيرة أنه قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغرة عبداً أو أمة.

مسألة الإسلام ليس بشرطٍ في الإحصان وقال أبو حنيفة: هو شرط.
وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم يهودياً ويهودية.

مسألة النصاب في السرقة ربع دينار أو ثلاثة دراهم وقال أبو حنيفة: دينار أو عشرة دراهم.
وفي الصحيحين: من حديث عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقطع في ربع دينار فصاعداً.

مسألة إذا اطلع في بيت إنسان على أهله فله أن يرمي عينه، فإن فقأها فلا ضمان عليه وقال أبو حنيفة: لزمه الضمان.
وفي الصحيحين: من حديث سهل بن سعد قال: اطلع رجل في حجرة من حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه مدرى يحك به رأسه، فقال: " لو أعلمك تنظر لطعنت به في عينيك " . وفي الصحيحين: من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من اطلع على قوم في بيتهم بغير إذنهم فقد حل له أن يفقأوا عينه " .

مسألة الإمام مخير في الأسرى بين القتل والاسترقاق والمن الفداء قال أبو حنيفة لا يجوز المن والفداء.
وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من على ثمامة بن أثال، وفدى الأسرى يوم بدر.

مسألة هدايا الأمراء كبقية أموال الفيء لا يختصون بها وقال أبو حنيفة: يختصون بها.
وفي الصحيحين: من حديث أبي حميد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدي إلي.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما بال العامل نبعثه فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا، والذي نفسي بيده لا يأتي أحدٌ منكم بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته " .

مسألة لا يجوز الذكاة بالسن والظفر وقال أبو حنيفة: بها إذا كانا منفصلين.
وفي الصحيحين : منحديث رافع بن خديج قال: قلت: يا رسول الله، إن ملاقو العدو غداً وليست معنا مدي.
فقال: " ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر " .

مسألة يحل أكل الضب وقال أبو حنيفة: لا تحل.
وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يحرم الضب، وإنما قذره، فإن خالد بن الوليد قال له وقد قدم إليه: أحرام هو؟ قال: " لا، ولكنه لا يكون بأرض قومي فأجدني أعافه " فأكل خالد ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر.

مسألة يحل أكل لحوم الخيل وقال أبو حنيفة: لا تحل.
وفي الصحيحين: من حديث جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر، وأن في لحوم الخيل.

مسألة النبيذ حرام وقال أبو حنيفة: إنما يحرم المسكر منه.
وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كل مسكر حرام " . وفي حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام " .

مسألة حكم الحاكم لا يحيل الشيء عن صفته وقال أبو حنيفة: يحيله في العقود والفسوخ.

وفي الصحيحين: من حديث أم سلمة: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: " إنما أنا بشر مثلكم، وإنه يأتيني الحكم فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه قد صدق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو فليتركها " .

مسألة يجوز الحكم بشاهد ويمين في المال وما يقصد به المال وقال أبو حنيفة: لا يجوز.
وقد روى جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد.
ورواه عمر، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وزيد بن ثابت، وأبو حزم، وأنس، وبلال بن الحارث، والمغيرة بن شعبة، وسلمة بن قيس في آخرين.
فهذا من مشهور المسائل والمتروك أضعافه، ولكونه خالف مثل هذه الأحاديث الصحاح سعوا بالألسن في حقه، فلم يبق معتبر من الأئمة إلا تكلم فيه، ولا يؤثر أن يذكر ما قالواوالعجب منه إذا رأى حديثاً لا أصل له هجر القياس ومال إليه؛ كحديث: نقض الوضوء بالضحك.
فإنه شيء لا يثبت، وقد تركالقياس لأجله"

فهنا ابن الجوزي عليهم تناقضاً صارخاً ففي الوقت الذين يردون به بعض أحاديث الصحيحين بحجة مخالفتها للقياس كحديث المصراة ، يقولون بأخبار واهية مع مخالفتها للقياس كخبر القهقهة من الوضوء وخبر الوضوء من النبيذ وهذه التناقضات أمارة هوى

وليعلم أن مشكلة أبي حنيفة ليست التوسع في القياس فقط ، بل مشكلته التوسع في الاستحسان أيضاً والتوسع في الحيل وغيرها من الأمور

فلعل هذه الأسباب العشرة هي التي أدت إلى إعلاظ بعض الأئمة القول فيه قال عبد الله بن أحمد في السنة 203 : حدثني محمد بن هارون ، ثنا أبو صالح ، قال : سمعت الفزاري ، يقول : كان الأوزاعي وسفيان يقولان ما ولد في الإسلام على هذه الأمة أشأم من أبي حنيفة .

وقال المروذي في أخبار الشيوخ وأخلاقهم 276 سَمِعْتُ بُنْدَارًا يَقُولُ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ يَقُولُ : مَا هَبَطَتْ فِتْنَةٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ أَضَرُّ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ

وقال أبو نعيم في الحلية (6/ 325) : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، - وَذُكِرَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ: كَادَ الدِّينَ وَمَنْ كَادَ الدِّينَ فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ

وقال ابن أبي حاتم في آداب الشافعي ومناقبه ص154 : ثنا أَبِي، ثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ، يَقُولُ: " قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ يَوْمًا، وَذَكَرَ مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ، فَقَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لِصَاحِبِنَا أَنْ يَسْكُتَ يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ، وَلا لِصَاحِبِكُمْ أَنْ يُفْتِيَ يُرِيدُ مَالِكًا، قُلْتُ: نَشَدْتُكَ اللَّهَ، أَتَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَنَا يَعْنِي مَالِكًا كَانَ عَالِمًا بِكِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ ". قُلْتُ: فَنَشَدْتُكَ اللَّهَ، أَتَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَنَا كَانَ عَالِمًا بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قُلْتُ: وَكَانَ عَالِمًا بِاخْتِلافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَكَانَ عَاقِلا؟ قَالَ: لا.
قُلْتُ: فَنَشَدْتُكَ اللَّهَ، أَتَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَكَ يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ، كَانَ جَاهِلا بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَكَانَ جَاهِلا بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَاهِلا بِاخْتِلافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ ، قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَكَانَ عَاقِلا؟ ، قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَتَجْتَمِعُ فِي صَاحِبِنَا ثَلاثٌ لا تَصْلُحُ الْفُتْيَا إِلا بِهَا، وَيُخِلُّ وَاحِدَةً، وَيُخْطِئُ صَاحِبُكَ ثَلاثًا، وَيَكُونُ فِيهِ وَاحِدَةٌ، فَتَقُولَ: لا يَنْبَغِي لِصَاحِبِكُمْ أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَلا لِصَاحِبِنَا أَنْ يَسْكُتَ؟ !

وقال الكوسج في مسائله عن أحمد [3441-] قلت: يؤجر الرجل على بغض أصحاب أبي حنيفة؟ قال: إي والله.

وقال عبد الله بن أحمد في السنة 291 : حدثني محمد بن أبي عتاب الأعين ، ثنا منصور بن سلمة الخزاعي ، قال : سمعت حماد بن سلمة ، يلعن أبا حنيفة . قال أبو سلمة : وكان شعبة يلعن أبا حنيفة

وهذه كلها صحاح عن قائليها ومثلها قول حماد بن سلمة والحميدي ( أبو جيفة )

وفي الحقيقة لم أجد أحداً في كتب المجروحين اجتمع فيه من أسباب الجرح ما اجتمع في هذا الرجل ، بل لم أجد من تكلم فيههذا العدد الهائل من الأئمة الذين أوصلهم الشيخ الوادعي إلى قرابة المائة إلا هذا الرجل

بل لم أرَ أحداً اجتمع عليه مالك والسفيانان والحمادان والأوزاعي وابن المبارك وأحمد والشافعي والبخاري إلا هذا الرجل

بل حتى أصحابه فالشيباني ينعته ب( الجاهل ) وأبو يوسف ينكر عليه القول بالسيف ، والبرتي ينكر عليه القول بخلق القرآن

فلا أدري بعد هذا كله كيف يجعل هذا الرجل بعد هذا كله محنة يجرح المتكلم فيه ؟!

السبب الحادي عشر من أسباب جرح أبي حنيفة : ضعفه في الحديث

قال الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (1/665) :"وتوضيحا لذلك أقول : ذكرت هناك أن الإمام رحمه الله قد ضعفه من جهة حفظه : البخاري ، ومسلم ، والنسائي ، وابن عدي وغيرهم من أئمة الحديث ، فأذكر هنا نصوص الأئمة المشار إليهم وغيرهم ممن صح ذلك عنهم ، ليكون القاريء على بينة من الأمر ، ولا يظن أحد منهم أن فيما ذكرنا هناك ما يمكن أن يدعي مدع أنه اجتهاد منا ، وإنما هو الاتباع لأهل العلم والمعرفة والاختصاص ، والله عز وجل يقول : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } ، ويقول : { فاسأل به خبيرا } .

1 - قال الإمام البخاري في " التاريخ الكبير " ( 4 / 2 / 81 ) : سكتوا عنه .

2 - وقال الإمام مسلم في " الكنى والأسماء " ( ق 31 / 1 ) : مضطرب الحديث ليس له كبير حديث صحيح .

3 - وقال النسائي في آخر " كتاب الضعفاء والمتروكين " ( ص 57 ) : ليس بالقوي في الحديث ، وهو كثير الغلط على قلة روايته .

4 - وقال ابن عدي في " الكامل " ( 403 / 2 ) : له أحاديث صالحة ، وعامة ما يرويه غلط وتصاحيف وزيادات في أسانيدها ومتونها ، وتصاحيف في الرجال ، وعامة ما يرويه كذلك ، ولم يصح له في جميع ما يرويه ، إلا بضعة عشر حديثا ، وقد روى من الحديث لعله أرجح من ثلاثمائة حديث ، من مشاهير وغرائب ، وكله على هذه الصورة ، لأنه ليس هو من أهل الحديث ، ولا يحمل عمن يكون هذه صورته في الحديث .

5 - قال ابن سعد في " الطبقات " ( 6 / 256 ) : كان ضعيفا في الحديث .

6 - وقال العقيلي في " الضعفاء " ( ص 432 ) : حدثنا عبد الله بن أحمد قال : سمعت أبي يقول : حديث أبي حنيفة ضعيف .

7 - وقال ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ( 4 / 1 / 450 ) : حدثنا حجاج ابن حمزة قال : أنبأنا عبدان بن عثمان قال : سمعت ابن المبارك يقول : كان أبو حنيفة مسكينا في الحديث .

8 - وقال أبو حفص بن شاهين : وأبو حنيفة ، فقد كان في الفقه ما لا يدفع من علمه فيه ، ولم يكن في الحديث بالمرضي ، لأنه للأسانيد نقادا ، فإذا لم يعرف الإسناد ما يكتب وما كذب نسب إلى الضعف . كذا في فوائد ثبتت في آخر نسخة " تاريخ جرجان " ( ص 510 - 511 ) .

9 - قال ابن حبان : وكان رجلا جدلا ظاهر الورع لم الحديث صناعته حدث بمئة وثلاثين حديثا مسانيد ما له حديث في الدنيا غيرها أخطأ منها في مئة وعشرين حديثا إما أن يكون أقلب إسناده أو غير متنه من حيث لا يعلم فلما غلب خطؤه على صوابه استحق ترك الاحتجاج به في الأخبار .

10 - وقال الدارقطني في " سننه " وقد ساق عن أبي حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر مرفوعا : " من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة " ، فقال الدارقطني عقبه ( ص 123 ) : لم يسنده عن موسى بن أبي عائشة غير أبي حنيفة ، والحسن بن عمارة ، وهما ضعيفان .

11 - وأورده الحاكم في " معرفة علوم الحديث " في جماعة من الرواة من أتباع التابعين فمن بعدهم ، لم يحتج بحديثهم في الصحيح ، وختم ذلك بقوله ( ص 256 ) : فجميع من ذكرناهم ، قوم قد اشتهروا بالرواية ، ولم يعدوا في طبقة الأثبات المتقنين الحفاظ .

12 - وذكر الحافظ عبد الحق الأشبيلي في " الأحكام " ( ق 17 / 2 ) حديث خالد بن علقمة عن عبد خير عن على في وضوئه صلى الله عليه وسلم : فمسح برأسه مرة ، وقال عقبه : كذا رواه الحفاظ الثقات عن خالد ، ورواه أبو حنيفة عن خالد فقال : ومسح رأسه ثلاثا . ولا يحتج بأبي حنيفة لضعفه في الحديث .

13 - وأورده ابن الجوزي في كتابه " الضعفاء والمتروكين " ( 3 / 163 ) ونقل تضعيف النسائي وغيره ممن تقدم ذكره وعن الثوري أنه قال : ليس بثقة وعن النضر ابن شميل : متروك الحديث .

14 - قال الذهبي في " ديوان الضعفاء " ( ق 215 / 1 - 2 ) : النعمان الإمام رحمه الله ، قال ابن عدي : عامة ما يرويه غلط وتصحيف وزيادات ، وله أحاديث صالحة ، وقال النسائي : ليس بالقوي في الحديث كثير الغلط والخطأ على قلة روايته ، وقال ابن معين : لا يكتب حديثه . وهذا النقل عن ابن معين معناه عنده أن أبا حنيفة من جملة الضعفاء ، وهو يبين لنا أن توثيق ابن معين للإمام أبي حنيفة الذي ذكره الحافظ في " التهذيب " ليس قولا واحدا له فيه ، والحقيقة أن رأى ابن معين كان مضطربا في الإمام ، فهو تارة يوثقه ، وتارة يضعفه كما في هذا النقل ، وتارة يقول فيما يرويه ابن محرز عنه في " معرفة الرجال " ( 1 / 6 / 1 ) : كان أبو حنيفة لا بأس به ، وكان لا يكذب ، وقال مرة أخرى : أبو حنيفة عندنا من أهل الصدق ، ولم يتهم بالكذب "

أقول : فمثله متروك

وقال الترمذي في العلل الكبير (1/ 388): سَمِعْتُ مَحْمُودَ بْنَ غَيْلَانَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُقْرِيَّ , يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ , يَقُولُ: عَامَّةُ مَا أُحَدِّثُكُمْ خَطَأٌ.

والاعتراف سيد الأدلة كما يقال والرجل متروك كما قال النضر بن شميل وينظر ( نشر الصحيفة ) للوادعي

بل الصواب في أبي حنيفة أنه متهم بالكذاب اتهمه بذلك الإمام أحمد أبو زرعة ومسلم

أما الإمام أحمد فقال العقيلي في الضعفاء 6135- حَدثنا سُليمان بن داوُد القزاز، قال: سمعتُ أَحمد بن الحَسن التِّرمِذي، قال: سمعتُ أَحمد بن حَنبَل، يقول: أَبو حَنيفَة يَكذِبُ.

وهذا إسناد صحيح إلى الإمام أحمد وقد صححه بديع الدين السندي في كتابه نقض قواعد التهانوي

وأما أبو زرعة الرازي فقال البرذعي في سؤالاته عن أبي زرعة :" وجعل يحرد على إبراهيم ويذكر أحاديث من رواية ابي حنيفة لا أصل لها فذكر من ذلك حديث علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه الدال على الخير كفاعله وأنكر عليه حديثا آخر يرويه عن سنان الإيمان شرائع الإيمان وذكر أحاديث قد أوهم فيها وأنكرها من رواياته ثم قال لي من قال القرآن مخلوق فهو كافر -فيعني بما اسند الكفار- أي قوم هؤلاء"

وهذا الحديث اتهم مسلم أبا حنيفة بأنه زاد فيه زيادة لتقوية مذهبه في الإرجاء

قال الإمام مسلم في التمييز ص35 :" فأما رواية أبي سنان، عن علقمة، في متن هذا الحديث إذ قال فيه: إن جبريل عليه السلام حيث قال: جئت أسألك عن شرائع الإسلام.
فهذه زيادة مختلقة، ليست من الحروف بسبيل.
وإنما أدخل هذا الحرف - في رواية هذا الحديث- شرذمة زيادة في الحرف مثل ضرب النعمان بن ثابت وسعيد بن سنان ومن نحا في الإرجاء نحوهما.
وإنما أرادوا بذلك تصويباً في قوله في الإيمان.
وتعقيد الإرجاء , ذلك ما لم يزد قولهم إلا وهنا، وعن الحق إلا بعدا، إذ زادوا في رواية الأخبار ما كفى بأهل العلم"

فهنا مسلم ينسبه إلى أقبح الكذب وهو الكذب في نصرة البدعة

وقد اتهم عدد من الأئمة أبا حنيفة بسرقة الحديث وهو ضرب من ضروب الكذب قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (8/ 450) : حَدثنا عَبد الرَّحمن، أَخبَرنا إِبراهيم بن يعقوب الجُوزْجَاني، فيما كَتَبَ إِلَيَّ، قَال: حدثني إِسحاق بن راهويه، قال: سَمِعتُ جريرا يقول: قال محمد بن جابر اليَمامي: سرق أَبو حنيفة كتب حماد مني.
حَدثنا أَحمد بن منصور المَرْوَزي، قال: سَمِعتُ سلمة بن سليمان قال: قال عَبد الله، يَعني ابن المبارك: إِنَّ أَصحابي ليلومونني في الرواية عَن أَبي حنيفة، وذاك أَنه أخذ كتاب محمد بن جابر، عن حماد بن أَبي سليمان، فروى عن حماد، ولم يسمعه منه.

وليس هذا من التدليس بل الظاهر أنه كان يصرح بالسماع لهذا وصفوه بالسرقة ، والسرقة من الكذب

وكذا اتهمه وكيع بالكذب قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (8/499) : حَدثنا أَبي، حَدثنا الحميدي، حَدثنا وكيع، حَدثنا أَبو حنيفة أَنه سمع عطاء , إِن كان سمعه.
وهذه كلها أسانيد صحاح إلى قائليها

فهؤلاء ستة من الأئمة يتهمونه بالكذب وهذا قد يستغربه القاريء فإن هذا مما كتم في حملة تعديل أبي حنيفة ! ، وكتمان الحق فأدى ذلك إلى المجاملة في السنة فمن الناس من يقوي بأبي حنيفة في الشواهد ، ومن الناس من يقيم حديثه بذاته !

وإنا لله وإنا إليه راجعون فبأي وجه سيقابل الكاتمون النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ، بل ماذا سيقولون لله عز وجل ؟

ولا شك أن لهم نصيباً من قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ)

هذا في الكاتم فكيف المتكلم بالباطل ؟ ، وقد طبع الآثار لأبي يوسف والآثار لمحمد بن الحسن وفي مقدمة كل منهما الرد على أهل الحديث ، ودعوى استقامة حديث أبي حنيفة وأن الذين عدلوه أكثر من الذين جرحوه والله المستعان ، بل في مقدمة الآثار لأبي يوسف دعوى أن أبا حنيفة محسود !

وليعلم أنه لم يخرج له أي حديث في كتب الإسلام المشهورة كالصحاح والسنن والمسانيد بخلاف الذين تكلموا فيه كسفيان الثوري والأوزاعي والذين تعج الكتب برواياتهم وهنا تنبيه مهم وهو أن قول الألباني :" وإنما هو الاتباع لأهل العلم والمعرفة والاختصاص ، والله عز وجل يقول : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } ، ويقول : { فاسأل به خبيرا } " ينطبق على من أخذ بكلام الأئمة في عقيدة الرجل وفقهه

والآن مع كلام المعدلين لأبي حنيفة النقطة الأولى : إنكار استتابته من الكفر

الرواية الأولى : قال ابن عبد البر في الانتقاء ص149 حَدَّثَنَا حَكَمُ بْنُ مُنْذِرٍ قَالَ نَا أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ نَا أَبُو مُحَمَّدٍ عبد الرحمن بْنُ أَسَدٍ الْفَقِيهُ قَالَ نَا هِلالُ بْنُ الْعَلاءِ الرَّقِّيُّ قَالَ نَا أَبِي قَالَ نَا عبيد الله بن عَمْرو الرَّقِّيُّ قَالَ نَا أَبِي قَالَ نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ قَالَ ضُرِبَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى الْقَضَاءِ فَلَمْ يَفْعَلْ فَفَرِحَ بِذَلِكَ أَعْدَاؤُهُ وَقَالُوا اسْتَتَابَهُ

عبد الرحمن بن أسد لم أجد له ترجمة واستتابة أبي حنيفة ثابتة كما تقدم بل متواترة

الرواية الثانية : قال ابن عبد البر في الانتقاء ص149 قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ ونا أَبُو قُتَيْبَة سلم ابْن الْفَضْلِ قَالَ نَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكُدَيْمِيُّ قَالَ سَمِعت عبد الله بْنَ دَاوُدَ الْخُرَيْبِيَّ يَوْمًا وَقِيلَ لَهُ يَا أَبَا عبد الرحمن إِنَّ مُعَاذًا يَرْوِي عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ اسْتُتِيبَ أَبُو حَنِيفَةَ مَرَّتَيْنِ فَقَالَ عَبْدُ الله بن دَاوُد هَذِه وَاللَّهِ كَذِبٌ قَدْ كَانَ بِالْكُوفَةِ عَلِيٌّ وَالْحَسَنُ ابْنَا صَالِحِ بْنِ حَيٍّ وَهُمَا مِنَ الْوَرَعِ بِالْمَكَانِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُفْتى بحضرتهما وَلَو كَانَ من هَذَا شئ مَا رَضِيا بِهِ وَقَدْ كُنْتُ بِالْكُوفَةِ دَهْرًا فَمَا

محمد بن يونس الكديمي كذاب ، وهذه الرواية إن صحت فهي سوأة في حق عبد الله بن داود فمثل سفيان لا يكذب ، والحسن بن صالح كان يرى السيف وسفيان يجرحه فكيف يعتد به ؟!

وقد صح عن الحسن بن صالح الكلام في أبي حنيفة

قال عبد الله بن أحمد في السنة 320 : حدثني عبد الرحمن بن صالح ، نا يحيى بن آدم ، قال : ذكر أبا حنيفة الحسن بن صالح فقال : وددت أنه وفق فأخبرت شريكا ، فقال : لم قال وددت أنه وفق لا يتعلم مما يحسنون شيئا .

النقطة الثانية : رواية ابن المبارك عنه

ويذكرون عن ابن المبارك أبياتاً في الثناء عليه ، وقد أنكروا على ابن المبارك روايته عنه

قال المروذي في أخبار الشيوخ 275 فَقَدِمَ عَلَيْنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْهَا فَقَالَ : سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ يَقُولُ : كُنْتُ صَاحِبَ رَأْيٍ، فَلَمَّا أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى الْحَجِّ عَمِدْتُ إِلَى كُتُبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا مَا يُوَافِقُ رَأْيَ أَبِي حَنِيفَةَ مِنَ الأَحَادِيثِ، فَبَلَغْتُ نَحْوَ ثَلاثِ مِائَةِ حَدِيثٍ، فَقُلْتُ : أَسْأَلُ عَنْهَا مَشَايِخَ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِينَ هُمْ بِالْحِجَازِوَالْعِرَاقِ، وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّهُ لَيْسَ يَجْتَرِئُ أَحَدٌ أَنْ يُخَالِفَ أَبَا حَنِيفَةَ.
فَلَمَّا قَدِمْتُ الْبَصْرَةَ، جَلَسْتُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، فَقَالَ لِي : مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ : مِنْ أَهْلِ مَرْوَ، فَتَرَحَّمَ عَلَى ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَكَانَ شَدِيدَ الْحُبِّ لَهُ، فَقَالَ : هَلْ مَعَكَ مَرْثِيَةٌ رُثِيَ بِهَا عَبْدُ اللَّهِ؟ قُلْتُ : نَعَمْ، فَأَنْشَدْتُهُ قَوْلَ أَبِي تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنِ وَاضِحٍ الأَنْصَارِيِّ : طَرَّقَ النَّاعِيَانِ إِذْ نَبَّهَانِي بِقَطِيعٍ مِنْ فَاجِعِ الْحَدْثَانِ قُلْتُ لِلنَّاعِيَانِ مَنْ تَنْعِيَا؟ قَالا أَبَا عَبْدِ رَبِّنَا الرَّحْمَانِ فَأَثَارَ الَّذِي أَتَانِي حُزْنِي وَفُؤَادُ الْمُصَابِ ذُو أَحْزَانِ ثُمَّ فَاضَتْ عَيْنَايَ وَجْدًا وَشَجْوًا بِدُمُوعٍ يُحَادِرُ الْهَطْلانِ وَذَكَرَ الْقَصِيدَةَ إِلَى آخِرِهَا، قَالَ : فَمَا زَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ يَبْكِي، وَأَنَا أُنْشِدُهُ، حَتَّى إِذَا مَا قُلْتُ : وَبِرَأْيِ النُّعْمَانِ كُنْتَ بَصِيرًا .... قَالَ لِي : اسْكُتْ، فَقَدْ أَفْسَدْتَ الْقَصِيدَةَ، فَقُلْتُ : إِنَّ بَعْدَ هَذَا أَبْيَاتًا حِسَانًا، فَقَالَ : دَعْهَا، أَتَذْكُرُ رِوَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَنَاقِبِهِ؟ ! مَا نَعْرِفُ لَهُ زَلَّةً بِأَرْضِ الْعِرَاقِ إِلا رِوَايَتَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَوَدِدْتُ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ، وَأَنِّي كُنْتُ أَفْتَدِي ذَلِكَ بِمُعْظَمِ مَالِي.

فَقُلْتُ : يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَا تَحْمِلُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ كُلَّ هَذَا، أَلَمَّا أَنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِالرَّأْيِ، فَقَدْ كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَسُفْيَانُ، وَالأَوْزَاعِيُّ يَتَكَلَّمُونَ بِالرَّأْيِ؟ ! فَقَالَ : أَتَقْرِنُ أَبَا حَنِيفَةَ إِلَى هَؤُلاءِ ! مَا أَشْبَهَ أَبَا حَنِيفَةَ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ إِلا بِنَاقَةٍ شَارِدَةٍ فَارِدَةٍ تَرْعَى فِي وَادٍ جَدْبٍ، وَالإِبِلُ كُلُّهَا تَرْعَى فِي وَادٍ آخَرَ.

قَالَ إِسْحَاقُ : ثُمَّ نَظَرْتُ بَعْدُ فَإِذَا النَّاسُ فِي أَمْرِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى خِلافٍ مَا كُنَّا عَلَيْهِ بِخُرَاسَانَ.
أقول : هذه قصة صحيحة

ولما كان ابن المبارك إماماً زاهداً ورعاً رجاعاً إلى الحق رجع عن الرواية عن أبي حنيفة

قال عبد الله بن أحمد في السنة 294 : حدثني أبو الفضل الخراساني ، ثنا إبراهيم بن شماس السمرقندي ، ثنا عبد الله بن المبارك ، بالثغر عن أبي حنيفة ، قال : فقام إليه رجل يكنى أبا خداش ، فقال : يا أبا عبد الرحمن لا ترو لنا عن أبي حنيفة ، فإنه كان مرجئا فلم ينكر ذلك عليه ابن المبارك ، وكان بعد إذا جاء الحديث عن أبي حنيفة ورأيه ضرب عليه ابن المبارك من كتبه وترك الرواية عنه ، وذلك آخر ما قرأ على الناس بالثغر ، ثم انصرف ومات ، قال : وكنت في السفينة معه لما انصرف من الثغر ، وكان يحدثنا فمر على شيء من حديث أبي حنيفة ، فقال لنا : اضربوا على حديث أبي حنيفة فإني قد خرجت على حديثه ورأيه ، قال : ومات ابن المبارك في منصرفه من ذلك الثغر ، قال : وقال رجل لابن المبارك ونحن عنده : إن أبا حنيفة كان مرجئا يرى السيف فلم ينكر ذلك عليه ابن المبارك

وهذا إسناد صحيح ويدل على عدم رجوع أبي حنيفة عن هذه المقالة إلى موته

وقال عبد الله في السنة 327 : حدثني أبو الفضل الخراساني ، نا أحمد بن الحجاج ، نا سفيان بن عبد الملك ، حدثني ابن المبارك ، قال : ذكرت أبا حنيفة عند الأوزاعي وذكرت علمه وفقهه فكره ذلك الأوزاعي وظهر لي منه الغضب وقال : تدري ما تكلمت به تطري رجلا يرى السيف على أهل الإسلام ، فقلت : إني لست على رأيه ولا مذهبه ، فقال : قد نصحتك فلا تكره فقلت قد قبلت

النقطة الثالثة : ثناء يحيى القطان عليه

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (7/ 597) :" وَكَانَ فِي الفُرُوْعِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيْفَةَ -فِيْمَا بَلَغَنَا- إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّصَّ"

الرواية التي اعتمدها الذهبي قد وقع في متنها تصرف

قال الدوري في تاريخه عن ابن معين 2530 : سَمِعت يحيى يَقُول قَالَ يحيى بن سعيد الْقطَّان لَا نكذب الله رُبمَا رَأينَا الشَّيْء من رأى أبي حنيفَة فاستحسناه فَقُلْنَا بِهِ

فقوله ( ربما ) يدل على قلة ذلك الأمر وهذا لا يدل على تمذهب بل يدل على عكسه

ويحيى بن معين صح عنه تجهيم أبي حنيفة

قال العقيلي في الضعفاء (8/491) : حدثناه محمد بن عيسى قال : حدثنا صالح قال : حدثنا علي بن المديني قال : سمعت يحيى بن سعيد يقول : مر بي أبو حنيفة وأنا في سوق الكوفة ، فقال لي : تيس القياس هذا أبو حنيفة ، فلم أسأله عن شيء ، قال يحيى : وكان جاري بالكوفة فما قربته ولا سألته عن شيء . قيل ليحيى : كيف كان حديثه ؟ قال : لم يكن بصاحب الحديث.

وهذا إسناد صحيح كله أئمة فكيف يصح بعد هذا الشتم والسب لأبي حنيفة أن يقال أنه حنفي !

إن هذا إلا قلة تحقيق

النقطة الرابعة : قول الشافعي ( الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة )

وهذه العبارة تنسب للشافعي وما رأيتها مسندة عنه وإنما تعزى لكتاب المناقب لابن أبي حاتم وليس هذا لفظها فيه

قال ابن أبي حاتم في المناقب ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ، يَقُولُ: «مَا أَحَدٌ فِي الرَّأْيِ، إِلا وَهُوَ عِيَالٌ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ مَرَّةً أُخْرَى: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: " النَّاسُ عِيَالٌ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ، فِي الْفِقْهِ

فلم يذكر أبا حنيفة غير أن شيخ الإسلام تأول هذا النص أنه في تفريع المسائل لا معرفة الدلائل يعني أنهم أول من رتب الفقه الترتيب المعروف الآن

وفي هذا الكتاب عن الشافعي نصوص عديدة في ذم أبي حنيفة لا أدري لماذا تجتنب

قال ابن أبي حاتم في المناقب ص129 : ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: أَبُو حَنِيفَةَ يَضَعُ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ خَطَأً، ثُمَّ يَقِيسُ الْكِتَابَ كُلَّهُ عَلَيْهَا.

وقال ابن أبي حاتم في المناقب ص130 : قَالَ أَبِي: ثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: ما أَعْلَمُ أَحَدًا وَضَعَ الْكُتُبَ أَدَلَّ عَلَى عَوَارِ قَوْلِهِ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
ثنا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيَّ، يَقُولُ: مَا أُشَبِّهُ رَأْيَ أَبِي حَنِيفَةَ إِلا بِخَيْطِ سَحَّارَةٍ، تَمُدُّهُ هَكَذَا فَيَجِيءُ أَصْفَرَ، وَتَمُدُّهُ هَكَذَا فَيَجِيءُ أَخْضَرَ.
ثنا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ مَرَّةً أُخْرَى، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: مَا أُشَبِّهُ أَصْحَابَ الرَّأْيِ إِلا بِخَيْطِ سَحَّارَةٍ، تَمُدُّهُ هَكَذَا فَيَجِيءُ أَصْفَرَ، وَتَمُدُّهُ هَكَذَا فَيَجِيءُ أَخْضَرَ.

وقال ابن أبي حاتم في المناقب ص132 : أَخْبَرَنَا أَبِي، ثنا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: " رَأَيْتُ أَبَا حَنِيفَةَ فِي النَّوْمِ، عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَسِخَةٌ رَثَّةٌ، فَقَالَ: مَا لِيَ وَلَكَ؟ "

النقطة الخامسة : قولهم كان وكيع بن الجراح على مذهبه

نسب عمرو بن عبد المنعم لوكيع أنه كان على مذهب أبي حنيفة اعتماداً على رواية منكرة في الانتقاء لابن عبد البر في ص 14

وترك عمداً ما صح عن وكيع في مباينته لمذهب أهل الرأي

قال الترمذي في جامعه 906 : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ الأَعْرَجِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلَّدَ نَعْلَيْنِ، وَأَشْعَرَ الهَدْيَ فِي الشِّقِّ الأَيْمَنِ بِذِي الحُلَيْفَةِ، وَأَمَاطَ عَنْهُ الدَّمَ» وَفِي البَابِ عَنْ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ.: «حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ» وَأَبُو حَسَّانَ الأَعْرَجُ: اسْمُهُ مُسْلِمٌ «وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ» ، «يَرَوْنَ الإِشْعَارَ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ» سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ عِيسَى يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ حِينَ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ، فَقَالَ: «لَا تَنْظُرُوا إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الرَّأْيِ فِي هَذَا، فَإِنَّ الإِشْعَارَ سُنَّةٌ، وَقَوْلُهُمْ بِدْعَةٌ» . وَسَمِعْتُ أَبَا السَّائِبِ يَقُولُ: " كُنَّا عِنْدَ وَكِيعٍ، فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ مِمَّنْ يَنْظُرُ فِي الرَّأْيِ: أَشْعَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ مُثْلَةٌ؟ قَالَ الرَّجُلُ: فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الإِشْعَارُ مُثْلَةٌ، قَالَ: فَرَأَيْتُ وَكِيعًا غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: أَقُولُ لَكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُولُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ، مَا أَحَقَّكَ بِأَنْ تُحْبَسَ، ثُمَّ لَا تَخْرُجَ حَتَّى تَنْزِعَ عَنْ قَوْلِكَ هَذَا "

فيسميهم أهل الرأي ويحض على ترك النظر في أقوالهم فكيف يكون منهم

قال عبد الله بن أحمد في السنة 348 : حدثت عن يزيد بن عبد ربه ، قال : سمعت وكيع بن الجراح ، حين قدم علينا حمص سنة ثلاث وتسعين يقول : إياكم ورأي أبي حنيفة فإني سمعته يقول : قبل أن نأخذ في القياس ، البول في المسجد أحسن من بعض القياس .

وهذا إسناد صحيح فشيوخ عبد الله كلهم ثقات

بل قال ابن عبد البر نفسه في كتاب الانتقاء ص151 :" وَذَكَرَ السَّاجِيُّ قَالَ نَا أَبُو السَّائِبِ قَالَ سَمِعْتُ وَكِيعَ بْنَ الْجَرَّاحِ يَقُولُ وَجَدْتُ أَبَا حَنِيفَةَ خَالَفَ مِائَتَيْ حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم"

ولو صح عن أحد من المحدثين أنه كان على مذهب أهل الرأي فإن هذه تعد زلة لا تصحح ما هم عليه من الخطل

النقطة السادسة : الاحتجاج بالفقه الأكبر والفقه الأبسط

يحتج كثيرون على تبرئة أبي حنيفة من بعض ما نسب بكتابي الفقه الأكبر والفقه الأبسط وكلاهما لا يثبت ولو ثبتا لكانا دليل إدانة !

وإليك بيان ذلك

جاء في كتاب الفقه الأكبر المنسوب لأبي حنيفة ص301 :" وصفاته الذاتية والفعلية، أما الذاتية فالحياة والقدرة والعلم والكلام والسمع والبصر والإرادة، وأما الفعلية فالتخليق والترزيق والإنشاء والإبداع والصنع وغير ذلك من صفات الفعل لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته"

القول بأن صفة الكلام ذاتية مشكل بل باطل لأن صفة الكلام ذاتية فعلية ، فالله يتكلم بما شاء متى شاء والقول بأنها ذاتية إنما يجري على أصول الكلابية

قال الله تعالى : ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)

والقول بأن صفة الكلام ذاتية إنما يجري على أصول الكلابية القائلين بالكلام النفسي فالكلام عندهم لا يتعلق بالمشيئة

وحتى السمع والبصر هي قديمة النوع حادثة الآحاد

قال صالح آل الشيخ في شرح العقيدة الواسطية :" الأشاعرة والماتريدية وجماعات يقولون سمعه قديم . يثبتون السع ولكن السمع عندهم ليس بحادث ، السمع قديم . فسمع الكلام في القدم لعلمه به هكذا يزعمون .

وهذا الكلام فيه التكذيب للقرآن ولولا التأويل لكانوا كفارا بذلك ، لأن الله جل وعلا يقول {وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا}وقال {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ} وإذا كان السماع في الماضي قبل مجيءالكلام وقبل حصوله وقبل حصول المجادلة بين المرأة وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يصح أن يقال {قَدْ سَمِعَ}بصيغة الماضي ؟ وإنما يقال {قَدْ سَمِعَ} إذا كان الأمر قد وقع وانتهى ولهذا قال نجد في النصوص لفظ الماضي ولفظ المضارع فقد يكون في إثبات السمع القديم البصر القديم دون البصر الحادث والسمع الحادث والكلام الحادث فيه نفي لدلالات النصوص وفيه تكذيب لها لأن الله جل وعلا يقول {قَدْ سَمِعَ} وهؤلاء يقولون سمعه قديم . كيف ؟ سمع في القدم قبل حدوث الكلام ؟

هذا لا يصح أن يقال {قَدْ سَمِعَ}.
قال جل وعلا {وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا}هذا فعل مضارع دلالته على الحال يعني يسمع تحاوركما الآن . قد قالت عائشة (سبحان من وسع سمعه الأصوات أتت المجادلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تجادله في زوجها وليس بيني وبينها إلا جدار لم أسمعها) الله يسمع ، حين الكلام سمع ذلك جل وعلا .

وهذا ما يثبته أهل السنة والجماعة ، هذا ولا شك يعظم الصفة في نفس المؤمن لأنه يعلم أن الله جل وعلا يسمع سره ونجواه ?أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ? يسمع جل وعلا السر والنجوى فلا يخفى عليه شيء ، سمعه وسع الأصوات ، ما من شيء يُسْمَع إلا والله جل وعلا يسمعه ، يسمع صوت دبيب النمل فوق الصفا ، وهذه الصفة يجب الإيمان بها كما ذكرت بدلالاتها"

أقول : وهذا الكلام الذي ذكره في صفة السمع والبصر يقال أيضاً في صفة الإرادة إذ أن لها آحاداً حادثة

قال الله تعالى : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية كلاماً لابن رشد الفيلسوف ينقض فيه مذهب المتكلمين القائل بأن الله عز وجل أراد بإرادة قديمة جميع المحدثات

وقال صالح الفوزان في التعليقات المختصرة على العقيدة الطحاوية :" وأما أفعاله سبحانه، فهي قديمة النوع حادثة الآحاد"

وعلى قول الشيخ هذا يصح إطلاق ( قديمة النوع حادثة الآحاد ) في جميع الصفات الفعلية من هذا تعلم خطأ الدكتور محمد الخميس حين أورد هذا النص في كتابه اعتقاد الأئمة الأربعة على أنه اعتقاد سلفي وكذلك أحمد النجار في كتاب له في القواعد في الأسماء والصفات

وهناك نصوص أخرى مشكلة أو باطلة في كتاب الفقه الأكبر المنسوب لأبي حنيفة

فمن ذلك قوله :" ولفظنا بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق وكتابتنا لَهُ مخلوقة وقراءتنا لَهُ مخلوقة وَالْقُرْآن غير مَخْلُوق"

وهذا قول اللفظية الذين بدعهم السلف ، وهذا من براهين بطلان نسبة هذه الرسالة لأبي حنيفة فإنه لم يدرك مبحث اللفظ هذا ومن ذلك قوله في الفقه الأكبر :" وَيَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ وهم فِي الْجنَّة بأعين رؤوسهم بِلَا تَشْبِيه وَلَا كَيْفيَّة وَلَا يكون بَينه وَبَين خلقه مَسَافَة"

فنفي وجود المسافة إنما يجري على أصول القائلين بأنه يرى إلى غير جهة وهو قول الأشعرية الجهمية ومذهب السلف أن الإثبات والنفي بحسب الوارد بالنصوص ، وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم رؤية الله عز وجل برؤية القمر ، والقمر يرى بالبصر وهو فوقنا

ومن ذلك قوله :" والأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام كلهم منزهون عَن الصَّغَائِر والكبائر وَالْكفْر والقبائح وَقد كَانَت مِنْهُم زلات وخطايا"

القول بتنزيه الأنبياء عن الصغائر هو قول الأشاعرة ، وقد بينت بطلانه في الرد على الداني آل زهوي

وقوله :" وَمُحَمّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام حَبِيبه وَعَبده وَرَسُوله وَنبيه وَصفيه ونقيه وَلم يعبد الصَّنَم وَلم يُشْرك بِاللَّه تَعَالَى طرفَة عين قطّ وَلم يرتكب صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة قطّ"

هذا يخالف القرآن في قوله تعالى : ( لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا)

وقوله تعالى ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ)

ويخالف الأحاديث الكثيرة ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( فِي سُجُودِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ ، وَجِلَّهُ ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلاَنِيَتَهُ وَسِرَّهُ) رواه مسلم

وكذلك قوله في الفقه الأكبر :" وَالْقُرْآن منزل على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ فِي الْمَصَاحِف مَكْتُوب وآيات الْقُرْآن فِي معنىالْكَلَام كلهَا مستوية فِي الْفَضِيلَة وَالْعَظَمَة الا ان لبعضها فَضِيلَة الذّكر وفضيلة الْمَذْكُور مثل آيَة الْكُرْسِيّ لِأَن الْمَذْكُور فِيهَا جلال الله تَعَالَى وعظمته وَصِفَاته فاجتمعت فِيهَا فضيلتان فَضِيلَة الذّكر وفضيلة الْمَذْكُور ولبعضها فَضِيلَة الذّكر فَحسب مثل قصَّة الْكفَّار وَلَيْسَ للمذكور فِيهَا فضل وهم الْكفَّار وَكَذَلِكَ الْأَسْمَاء وَالصِّفَات كلهَا مستوية فِي العظمة وَالْفضل لَا تفَاوت بَينهَا" القول بأن آيات القرآن مستوية في الفضيلة هو قول الأشاعرة ويدفع ذلك حديث أبي في فضل آية الكرسي ، والأحاديث في فضل سورة الإخلاص وما ذكره في الفضل تأويل لحقيقة الفضيلة

وكذلك القول بأن أسماء الله مستوية في الفضل هو قول الأشعري ويدفعه الأخبار الواردة في اسم الله الأعظم

وقوله ( وَالْإِيمَان هُوَ الْإِقْرَار والتصديق) وهذا تعريف مرجئة الجهمية والمعروف أن أبا حنيفة كان من مرجئة الفقهاء

وقوله : ( وَلَيْسَ قرب الله تَعَالَى وَلَا بعده من طَرِيق طول الْمسَافَةوقصرها وَلَكِن على معنى الْكَرَامَة والهوان والمطيع قريب مِنْهُ بِلَاكَيفَ والعاصي بعيد مِنْهُ بِلَا كَيفَ والقرب والبعد والإقبال يَقع علىالمناجي وَكَذَلِكَ جواره فِي الْجنَّة وَالْوُقُوف يين يَدَيْهِ بِلَا كَيْفيَّة) وهذا تأويل للقرب والبعد بل هو قرب وبعد حقيقي

قال البخاري في صحيحه 2441 : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيِّ قَالَ بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا آخِذٌ بِيَدِهِ إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ فَقَالَ كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي النَّجْوَى فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَاأَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَفَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ {هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}

وقال الخلال في السنة 320: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلاَّدٍ الْبَاهِلِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ : {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى} قَالَ : ذَكَرَ الدُّنُوَّ حَتَّى يَمَسَّ بَعْضَهُ.

321: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَرِيكٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ , قَالَ : سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ , وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ : { وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى } قَالَ : ذَكَرَ الدُّنُوَّ مِنْهُ.

والخلاصة أن الملحوظات على هذا الكتاب ليست محصورةً في باب الإيمان والواقع أنه يبعد جداً صحة نسبة هذا الكتاب لرجل عاش في ذاك الزمان.

وقد أحسن الدكتور الخميس حيث لم يورد عامة هذه العبارات في كتابه ( اعتقاد الأئمة الأربعة ) وأخطأ في إيراده العبارة المتعلقة بكون صفة الكلام والسمع والبصر صفات ذاتية علماً أنه أخطأ في إهماله لمسألة النبوات في الجمع وقد صنف الكتاب ليثبت أن اعتقاد الأئمة الأربعة واحد إلا في مسائل الإيمان غير أن كتاب الفقه الأكبر الذي اعتمده ينغص على ذلك كثيراً

بل وحتى كتاب الفقه الأبسط ففيه في الفقه الأبسط :" يَد الله فَوق أَيْديهم لَيست كأيدي خلقه وَلَيْسَت جارحة"

وهذه عقيدة الكلابية في صفة اليد يثبتون لله يدا واحدة ولا يقولون بالتثنية ، وينفون الجارحة وعقيدة أهل السنة أنهم لا ينفون ولا يثبتون ما لم يرد به النص ، وليس في الفقه الأبسط إثبات شيءمن الصفات الفعلية كالمجيء والنزول وغيرها ، وكتاب الفقه الأبسط أيضاً لا يثبت

النقطة الأخيرة : الاعتماد على العقيدة الطحاوية

وهذه يعتمدون عليها لتبرئته من القول بالسيف والتجهم

وهذا مسلك ضعيف في الذب عنه إذ أن الطحاوي لم يدرك أبا حنيفة ، والقول بالسيف أثبته عليه أبو يوسف وابن المبارك بل كان يذكر أمامهما بهذا بعد وفاته فلا يدافعان عنه بشيء ولو وقع التراجع لاشتهر

وهذا الجصاص الحنفي في كتابه أحكام القرآن يثبت على أبي حنيفة القول بالسيف ومن أهل الحديث عبد الله بن الإمام أحمد والعقيلي وهما معاصران للطحاوي أثبتا هذا وأسنداه

والذي تقتضيه القواعد العلمية أنه لا يجزم برجوع أبي حنيفة إلا بأمرين

الأول : صحة الرواية عنه بعدم القول بالسيف ، وهذا متعذر مع إعضال رواية الطحاوي

الثاني : معرفة تاريخ هذا القول وأنه متأخر عن القول بالسيف وهذا متعذر بل لا وجود له وكذلك أمر التجهم فإن أبا زرعة أثبته على أبي حنيفة وهو معاصر للطحاوي ، وكذلك أثبته ابن معين وهو أكبر من الطحاوي وأقرب طبقة لأبي حنيفة فلا بد من إثبات الأمرين السابقين في هذه أيضاً

وقد تقدم قول أبي يوسف في رجوع أبي حنيفة عن القول بخلق القرآن

والله أعلم فقد روي عنه أن أبا حنيفة موت على القول بخلق القرآن .

وقفة مع ابن عبد البر

كثيراً ما يعتمد المدافعون عن أبي حنيفة على بعض ما قال ابن عبد البر في كتابه الانتقاء والذي احتفى به عبد الفتاح أبو غدة ، ويهملون ما ذكره من الاتفاق على تبديعه

ومناقشة ابن عبد البر فيما أورد يطول ، وقد تقدم الكلام على نقاط مفصلية في البحث ، ولكن لا بد من الإشارة إلى بعض المواطن

الأول : أن ابن عبد البر شيعي وقد ظهر هذا المسلك في كتبه حتى إنه جازف وادعى أن خبر ابن عمر في المفاضلة بين الصحابة خلاف الإجماع !

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (7/373) : " وَهُوَ يَرْوِي فِي الْأَرْبَعِينَ أَحَادِيثَ ضَعِيفَةً، بَلْ مَوْضُوعَةً عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، كَقَوْلِهِ بِقِتَالِ النَّاكِثِينَ، وَالْقَاسِطِينَ، وَالْمَارِقِينَ لَكِنَّ تَشَيُّعَهُ، وَتَشَيُّعَ أَمْثَالِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ كَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَأَمْثَالِهِمَا لَا يَبْلُغُ إِلَى تَفْضِيلِهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَلَا يُعْرَفُ فِي عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ مَنْ يُفَضِّلُهُ عَلَيْهِمَا"

وقد انتقد ابن الصلاح ابن عبد البر على توسعه في ذكر مثالب الصحابة في كتابه الاستيعاب

قال ابن الصلاح في مقدمته ص64 :" هذا علم كبير قد ألف الناس فيه كتبا كثيرة، ومن أجلها وأكثرها فوائد " كتاب الاستيعاب " لأبن عبد البر، لولا ما شانه به من أيراد كثيرأ ممل شجر بين الصحابة، وحكاياته عن الإخباريين لا المحدثين.
وغالب على الإخباريين والإكثار والتخليط فيما يروونه"

فليته صان لسانه عن الصحابة أو اعتذر لهم كما اعتذر لأبي حنيفة

قال الأخ حمود الكثيري في بحثه في الدفاع عن الوليد بن عقبة بن أبي معيط : " ولا يفوتني أن أعلق على بعض ما ورد في كلام بعض أهل السير في شأن الوليد رضي الله عنه:

قال ابن عبد البر في ترجمة الوليد بن أبي عقبة في استيعابه:

وله أخبار فيها نكارة وشناعة تقطع على سوء حاله وقبح أفعاله، غفر الله لنا وله، فلقد كان من رجال قريش ظرفا وحلما وشجاعة وأدبا، وكان من الشعراء المطبوعين، وكان الأصمعي وأبو عبيدة وابن الكلبي وغيرهم يقولون: كان الوليد بن عقبة فاسقا شريب خمر، وكان شاعرا كريما تجاوز الله عنا وعنه

ثم قال: أخباره في شرب الخمر ومنادمته أبا زبيد الطائي مشهورة كثيرة، يسمج بنا ذكرها هنا

أقول: لو أن ابن عبد البر دقق في هذه الأخبار ومحصها وتفحصها لم يستسهل أن ينطق في حق صحابي من أصحاب رسول الله بمثل هذا الكلام السيء أعلى أخبار الأصمعي وأبي عبيدة والكلبي نعتمد في الكلام في عدالة رجل مسلم لم يدركوه فكيف إن كان هذا المسلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟!

وإن تعجب فاعجب من ابن عبد البر حيث اعتمد على أخبار واهيات في ترجمة الوليد رضي الله عنه وقال كلاماً يضيق الصدر منه ولم يسع حتى في الكشف عن أسانيد هذه الأخبار وليته لم يثقل كتابه بها فهي وإن ثبتت لا حاجة لنا بها، وفي الوقت نفسه يدفع في صدر ما ورد في حق أبي حنيفة كما في "الانتقاء" ويلمح إلى أنه محسود ويذكر ما ثبت عن السلف في الطعن فيه بصيغة التمريض !فتأمل

وقد أحسن الحافظ ابن حجر حين قال في ترجمة الوليد في تهذيبه: "وقد طول الشيخ (أي ابن الجوزي) ترجمته ولا طائل فيها من كتاب ابن عبد البر ، وفيها خطأ وشناعة، والرجل فقد ثبتت صحبته، وله ذنوب أمرها إلى الله تعالى، والصواب السكوت، والله تعالى أعلم"

وقد انتقد ابن الصلاح كتاب ابن عبد البر "الاستيعاب" بسبب مثل هذه الأمور فقال كما في مقدمته(1/395): معرفة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين: هذا علم كبير قد ألف الناس فيه كتبا كثيرة ، ومن أجلها وأكثرها فوائد كتاب " الاستيعاب " لابن عبد البر لولا ما شانه به من إيراده كثيرا مما شجر بين الصحابة وحكاياته عن الأخباريين لا المحدثين.
وغالب على الأخباريين الإكثار والتخليط فيما يروونه."اهـ كلامه "

الثاني : أن ابن عبد البر له دفاعات غريبة عن بعض المجروحين

كذكره في جامع بيان العلم وفضله في فصل تحاسد العلماء كلام مالك في ابن سمعان مع أن ابن سمعان متروك اتفاقاً

وقوله في جامع بيان العلم وفضله (3/ 412) :" وأظن الشعبي عوقب لقوله في الحارث الهمداني ، حدثني الحارث وكان أحد الكذابين ولم يبن من الحارث" والحارث هو الأعور الرافضي الكذاب يدافع عنه ابن عبد البر ويزعم أن الشعبي ظلمه

وقوله في عبد الله بن محمد بن عقيل :" هو أوثق من كل من تكلم فيه انتهى " وعلق ابن حجر على كلمته هذه بقوله ( هذا إفراط )

وممن تكلم في ابن عقيل مالك وسفيان بن عيينة وعدد كبير من الأئمة ، فكيف يكون أوثق من كل من تكلم فيه هذه مجازفة

ومثلها قوله أن ابا حنيفة محسود ، ويا ليت شعري حسدوه على ماذا وماذا وجدوا عنده مما فقدوا حتى يحسدونه ، وأغلظ كلمات قيلت في أبي حنيفة هي التي قالها سفيان ومالك والأوزاعي وحماد بن سلمة وشعبة ومن يتهم هؤلاء بالحسد أحمق يؤذي نفسه بحماقته ، وإذا كان حسدهم يحملهم على كلمات مثل ( كاد الدين كاد الدين ) ( ما ولد في الإسلام أشأم منه ) و ( لعن الله أبا حنيفة ) فهؤلاء عدالتهم ساقطة! وبلغوا في الفجور مبلغاً عتياً !

ونزه الله أئمة الإسلام عن مثل هذا الاتهام الخطير ومثله قوله في أبي جعفر الرازي :" عندهم ثقة عالم بتفسير القرآن"

والرازي ضعفه كثيرون

وابن عبد البر نفسه أثبت على أبي حنيفة رد الأخبار برأيه

قال ابن عبد البر في الاستذكار (8/19) :" رد أبو حنيفة هذه الآثار برأيه وقال لا بأس بشرب الخليطين من الأشربة البسر والتمر والزبيب والتمر وكل ما لو طبخ على الانفراد حل كذلك إذا طبخ مع غيره وهو قول أبي يوسف الآخر"

شبهة وجوابها

ولسائل أن يسأل لماذا غاب هذا الكلام عن أبي حنيفة لفترة من الزمن

فالجواب : القول بجرحه حتى لو رجحنا خلافه فهو قول قوي والمقالات القوية تبقى في الأمة ، بل بقي في الأمة الكثير من المقالات الضعيفة لمجرد أنه قال بها إمام متبوع ولم نذهب بعيداً . أبو حنيفة الذي نتحدث عنه له الكثير من المقالات الضعيفة التي خالف فيها الأحاديث الصحيحة ومع ذلك نجدها منتشرة بين ملايين المسلمين الذين يتمذهبون بمذهبه فما السر في اختفاء أو انحسار الكلام فيه فترة من الزمن ؟

السر هو سطوة أهل الرأي وتقلد كثير منهم لمنصب القضاء فصاروا يؤذون كل من يذكر شيئاً من مثالبه وقد سجل التاريخ عدة حوادث في هذا

قال ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة (1/189) :" قال الضياء: وسمعت الحافظ يقول: كنا بالموصل نسمع الجرح والتعديل للعُقيلي، فأخذني أهل الموصل، وحبسوني، وأرادوا قتلي من أجل ذكر أبي حنيفة فيه.
فجاءني رجل طويل ومعه سيف، فقلت: لعل هذا يقتلني وأستريح.
قال: فلم يصنع شيئاً، ثم إنهم أطلقوني.
قال: وكان يسمع هو والإِمام ابن البرني الواعظ، فأخذ ابن البرني الكراس التي فيها ذكر أبي حنيفة فاشتالها، فأرسلوا وفتشوا الكتاب فلم يجدوا شيئاً.
فهذا سبب خلاصه.
والله أعلم"

وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (18/ 268) :" وَقَالَ يَحْيَى بنُ مَندَة: قَدِمَ عَلَيْنَا فِي سَنَةِ (433) ، ضرَبه القَاضِي الخُطَبِيّ بِسَبَب الإِمَام أَبِي حَنِيْفَةَ، رَأَيْتُ بعينِي علاَمَة الضَّرب عَلَى ظَهْرِهِ" يريد الحافظ عبد العزيز النخشبي

وقال الوادعي في نشر الصحيفة ص3 :" وبما أن الحنفية لهم سلطة القضاء في كثير من الأزمنة تجد كثيراً من أهل العلم لا يستطيعون أن يصرّحوا بالطعن في أبي حنيفة، فذلكم البيهقي في «مناقب الشافعي» ينقل عن ابن أبي حاتم الطعن في أبي حنيفة، فابن أبي حاتم يصرح بأبي حنيفة والبيهقي ينقل عنه ويقول: قال أبو فلان، ولا يصرح بأبي حنيفة.
وذلكم الحافظ ابن حجر يقول في «التقريب» في ترجمة أبي حنيفة: فقيه مشهور، فهذه حيدة من الحافظ، فهو لم ينبّه على هذا الاصطلاح في المقدمة.
وهذا الحكم الذي حكم على أبي حنيفة لا يفيد جرحاً ولا تعديلاً"

وتدعيماً لما ذكره الوادعي أقول : من المعلوم أن أبا حنيفة يقول بالحيل وقد جعل البخاري رحمه الله كتاباً في صحيحه لنقض الحيل رداً على أبي حنيفة

قال ابن حجر في شرح البخاري (19/ 417) :" وَقَدْ اِشْتَهَرَ الْقَوْل بِالْحِيَلِ عَنْ الْحَنَفِيَّة لِكَوْنِ أَبِي يُوسُف صَنَّفَ فِيهَا كِتَابًا ، لَكِنَّ الْمَعْرُوف عَنْهُ وَعَنْ كَثِير مِنْ أَئِمَّتهمْ تَقْيِيد أَعْمَالهَا بِقَصْدِ الْحَقّ"

والواقع أن سبب اشتهار ذاك عن الحنفية أن أبا حنيفة صنف فيها ولكن ابن حجر لم يذكره لما عرف من طبيعة ذاك الزمان

على أن الكلام لم يغب في الحقيقة فإن جرح أبي حنيفة موجود في العشرات من الكتب منها تاريخ البخاري الكبير والجرح والتعديل لابن أبي حاتم والمعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان وحلية الأولياء وتاريخ بغداد والعلل للمروذي والعلل لعبد الله بن أحمد وأحوال الرجال للجوزجاني والسنة لعبد الله بن أحمد والسنة للالكائي وغيرها من الكتب

وهذه الكتب وصلتنا في أيامنا هذه بما فيها من الثلب فهذا يعني أنها لا زالت تقرأ وتروى ويمتنع ألا يقول بما فيها أحد

والأقوال التي تنقرض إنما تنقرض لضعف مآخذها ولكونها حظيت بمناقشة علمية قوية ، وهذا غير متوفر هنا

وكثير من أهل العلم اكتفى من جرح أبي حنيفة بقوله ( مرجيء ) وهذا من أبلغ الطعن لو تأملت فالإرجاء بدعة ونسبته إلى الإرجاء تبديع

على أن كثيراً من أهل العلم خصوصاً المعاصرين منهم ، ظنوا عدم صحة الكثير من المروي في ثلبه أو أنه رجع وظن بعضهم انعقاد الإجماع على تعديله ، وزامن هذا المجهود الكبير الذي بذل في طمس ما روي في ثلبه فأحدث ذلك شبهة كبيرة عند عدد من أهل العلم وقالوا بتعديله وهم معذورون في ذلك إن شاء الله تعالى ، غير أن الاعتذار للعالم لا يمنع من مخالفته بالحق ، ومن أراد أن يلزمنا بالطعن في معدل أبي حنيفة ألزمناه بالطعن في جارح أبي حنيفة وهم أكبر وأجل والطعن فيه ألزم فإن المعدل إنما قال ما قال بتأويل ولكن بعض الجرح لا سبيل إلى رده إلا بتكذيب الجارح

مقارنة يسيرة

الحسن بن صالح بن حي مبتدع كان يرى السيف ، ولا أحد ينازع في ضلاله أو جرحه

ولكنه كان زاهداً ورعاً يقارن بسفيان في التقوى والورع وكان ثقة في الحديث ولم يقل بالحيل أو الرأي ولم يصح عنه أنه رد حديثاً أو استهزأ بسنة ولم يكن مرجئاً

وهذه كلها معكوسة في أبي حنيفة فلماذا لا يكون الحسن بن صالح هو الآخر إماماً ؟

ولماذا يقبل الجرح فيه ولا يقبل في أبي حنيفة وكلاهما طبقة واحدة ، ولماذا نذكر سابقة أبي حنيفة ولا نذكر سابقة الحسن بن صالح ؟

أما من سيأخذ بكلام السلف في جرح أبي حنيفة فلا يرد عليه شيء من هذه الإشكالات

ليس كلام أقران

جاء في أشرطة فتاوى جدة للألباني الشريط (الشريط رقم 20 الوجه الأول ) :" [أحد الحاضرين] ما هو الضابط في طعن الرواة بعضهم في بعض؟ [الشيخ] في أيش؟ [أحد الحاضرين] طعن الأقران بعضهم في بعض.
[الشيخ] أيه هذا كثر السؤال عنه.
الضابط أن ينظر هل هذا الطاعن يحتمل أن يكون طعنه في معاصره بوازع عداوة شخصية أم لا فإذا كان الاحتمال الأول لم يُقْبَل وإذا كان الاحتمال الآخر قُبِل وكلٌ من الاحتمالين ينبغي أن يدرس دراسة خاصة أي لا بد من ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر بوجود دليل مرجح.
مثلاً: عالمين متعاصرين بلديين احتمال أن يكون بينهما شيء من التنافس أكثر مما لو كان المتعاصرين في بلدين بعيدين نأى أحدهما عن الآخر هذا مما يلفت النظر أن المسألة تحتاج إلى اجتهاد كذلك إذا جاء إمام بعد ذلك التعاصر و أيضاً طعن فيمن طعن فيه قرينه ومعاصره فذلك مما يرجح أن الطعن ليس بسببالمعاصرة بل بسبب أن المطعون فيه يستحق الطعن ثم يتأكد الأمر فيما إذا تتابع علماء الحديث على تأييد ذلك الطعن على مر العصور فهناك نتأكد أن رد هذه المطاعن المتوجهة للشخص الواحد إنما سببه المعاصرة لأن هذه المعاصرة لم تتحقق للذين جاءوا من بعد المتعاصرين.
وهذا مثاله واضح جداً في اتفاق جماهير علماء الحديث على تضعيف الإمام أبي حنيفة رحمه الله سواء من كان منهم معاصراً له أو كان ممن جاء بعده فاتفاقهم على تضعيف أبي حنيفة يبعد إعلال الطعن فيه بالمعاصرة لأنه لم يستقل بالطعن فيه بالتضعيف المعاصر له كسفيان الثوري وغيره"

أقول : وكذلك الكلام في عقيدته وفقهه يصعب أن يكون كلام أقران لعدم انفراد سفيان به

هل كان أبو حنيفة محنة في زمن السلف ؟

السلف كانت لهم أصول واضحة في مسألة الامتحان فلا يمكن إلا بالسني المعروف

فهل يجري على أصولهم الامتحان برجل قال بخلق القرآن ثم اختلفوا هل رجع أم لم يرجع والقائلون برجوعه يقرون أن إقناعه بذلك استلزم عاماً من المناظرة ؟

وهل يجري على أصولهم الامتحان برجل يرى السيف غاية حجة من يبرئه الاعتماد على متأخري الحنفية وترك ما رواه المحدثون بأسانيد صحاح عنه بأنه يقول بهذا القول بل وترك شهادة صاحبه أبي يوسف الذي كان يعير في مجلس الرشيد بأن شيخه يقول بالسيف فيسكت ولا ينافح ولو علم عنه رجوعاً لذكره ؟

وهل يجري على أصول السلف في الامتحان الامتحان برجل ثبت عنه الإرجاء والدعوة إليه ؟

وهل يجري على أصولهم في الامتحان الامتحان برجل له أصحاب تابعوه على ما قال به من الضلالات ونشروها في الأمة ؟

بل على العكس تماماً ظاهر نصوصهم جعله محنة في الجرح والإنكار على من يعدله

قال اللالكائي في السنة 282 : أخبرنا محمد بن رزق الله ، قال : أخبرنا أبو محمد جعفر بن محمد بن نصير قال : حدثنا أبو محمد عبد الله بن غنام بن حفص بن غياث النخعي ، قال : حدثنا أبو سعيد يحيى بن أحمد قال : سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله بن بسطام يقول : سمعت سهل بن محمد قرأها على علي بن عبد الله بن جعفر المديني ، فقال له : قلت أعزك الله : السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها أو يؤمن بها لم يكن من أهلها

ثم ذكر اعتقاداً قال في آخره :" وإذا رأيت الرجل يحب أبا حنيفة ورأيه والنظر فيه فلا تطمئن إليه وإلى من يذهب مذهبه ممن يغلو في أمره ويتخذه إماما "

فجعل تعديله سبباً في الجرح

وقال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (1/247) :" عَمْرو بْن معمر أَبُو عُثْمَان روى عَنْ إمامنا أشياء: منها ما ذكره أبو بَكْرٍ الخلال فِي كتاب العلم أَخْبَرَنِي سعيد بْن مُسْلِمٍ الطوسي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الهيثم قَالَ: سمعت أبا عُثْمَان عَمْرو بْن معمر قَالَ: قَالَ أَحْمَد بن حنبل وعلي بْن عَبْدِ اللَّهِ إذا رأيت الرجل يجتنب أبا حنيفة ورأيه والنظر فيه ولا يطمئن إليه ولا إلى من يذهب مذهبه ممن يغلو ولا يتخذه إماما فأرجو خيره"

قال حرب الكرماني في عقيدته :" هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أوعاب قائلها فهو مبتدع خارج من الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم فكان من قولهم"

فهنا ينقل إجماع أهل العلم في عصره

ثم قال في عقيدته :" وأصحاب الرأي: وهم مبتدعة ضُّلّال أعداء السّنة والأثر يرون الدين رأيًا وقياسًا واستحسانًا، وهم يخالفون الآثار، ويبطلون الحديث، ويردون على الرسول، ويتخذون أبا حنيفة ومن قال بقوله إمامًا يدينون بدينهم، ويقولون بقولهم فأي ضلالة بأبين ممن قال بهذا أو كان على مثل هذا، يترك قول الرسول وأصحابه ويتبع رأي أبي حنيفة وأصحابه، فكفى بهذا غيًا وطغيانًا وردًا" فجعله إماماً في ضلالة أهل الرأي

وقال الخطيب في تاريخ بغداد (15/ 558) : أَخْبَرَنَا الْبَرْقَانِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن العباس أَبُو عمر الخزاز، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الفضل جعفر بن مُحَمَّد الصندلي، وأثنى عليه أَبُو عمر جدا، قَالَ: حَدَّثَنِي المروذي أَبُو بكر أَحْمَد بن الحجاج، قَالَ: سألت أبا عبد الله، وهو أَحْمَد بن حنبل، عن أبي حنيفة وعمرو بن عبيد، فقال: أبو حنيفة أشد على المسلمين من عمرو بن عبيد، لأن له أصحابا.

فقرنه بعمرو بن عبيد وعمرو رأس في الضلالة

وأنكر الأوزاعي على ابن المبارك ثناءه على أبي حنيفة

قال عبد الله بن أحمد في السنة 327 : حدثني أبو الفضل الخراساني ، نا أحمد بن الحجاج ، نا سفيان بن عبد الملك ، حدثني ابن المبارك ، قال : ذكرت أبا حنيفة عند الأوزاعي وذكرت علمه وفقهه فكره ذلك الأوزاعي وظهر لي منه الغضب وقال : تدري ما تكلمت به تطري رجلا يرى السيف على أهل الإسلام ، فقلت : إني لست على رأيه ولا مذهبه ، فقال : قد نصحتك فلا تكره فقلت قد قبلت .

وأنكر ابن مهدي على ابن المبارك مجرد روايته عن أبي حنيفة

وأمر الإنكار على من يروي عنه كان منتشراً

قال عبد الله بن أحمد في السنة 294 : حدثني أبو الفضل الخراساني ، ثنا إبراهيم بن شماس السمرقندي ، ثنا عبد الله بن المبارك ، بالثغر عن أبي حنيفة ، قال : فقام إليه رجل يكنى أبا خداش ، فقال : يا أبا عبد الرحمن لا ترو لنا عن أبي حنيفة ، فإنه كان مرجئا فلم ينكر ذلك عليه ابن المبارك ، وكان بعد إذا جاء الحديث عن أبي حنيفة ورأيه ضرب عليه ابن المبارك من كتبه وترك الرواية عنه ، وذلك آخر ما قرأ على الناس بالثغر ، ثم انصرف ومات ، قال : وكنت في السفينة معه لما انصرف من الثغر ، وكان يحدثنا فمر على شيء من حديث أبي حنيفة ، فقال لنا : اضربوا على حديث أبي حنيفة فإني قد خرجت على حديثه ورأيه ، قال : ومات ابن المبارك في منصرفه من ذلك الثغر ، قال : وقال رجل لابن المبارك ونحن عنده : إن أبا حنيفة كان مرجئا يرى السيف فلم ينكر ذلك عليه ابن المبارك

فهذا حاله عند السلف بعد موته فهذه الكلمات عامتها إنما قيل بعد وفاته

فما الذي تغير ؟

على أنني لا أنكر على من يروي عنه ولا يثني عليه متأولاً ومتابعاً لجماعة من العلماء وإنما أنكر على من ينكر على من يقول بكلام السلف فيه فهذا ضرب من الغلو في التعديل لا يقبله منصف

بل كان جماعة من أهل الحديث لا يحدثون من كان على رأيه

قال الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 757 : أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي عَلِيِّ بْنِ الصَّوَّافِ وَأَنَا أَسْمَعُ، حَدَّثَكُمْ جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ، نا رِيَاحُ بْنُ الْفَرَجِ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُسْهِرٍ، يَقُولُ: قَدِمَ عَلَيْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ قَالَ: فَاجْتَمَعَ النَّاسُ يَسْتَمِعُونَ مِنْهُ قَالَ: فَقَالَ لِي: " اخْرُجْ إِلَى النَّاسِ فَقُلْ لَهُمْ: مَنْ كَانَ يَرَى رَأْيَ الْقَدَرِ فَلَا يَحْضُرْ مَجْلِسَنَا، وَمَنْ كَانَ يَرَى رَأْيَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يَحْضُرْ مَجْلِسَنَا، وَمَنْ كَانَ يَأْتِي السُّلْطَانَ فَلَا يَحْضُرْ مَجْلِسَنَا "، قَالَ: «فَخَرَجْتُ فَأَخْبَرْتُ النَّاسَ»

قال الهروي في ذم الكلام 1289 : سمعت محمد بن عثمان النجيمي يقول: ((كان الحسين بن الشماخ الحافظ لا يدع أحداً من أهل الرأي يكتب عنه؛ فنشده رجل من أهل المغرب بالله وذكر له طول الرحلة؛ فروى له شيئاً من مساوئ أبي حنيفة، ولم يحدثه بحديث)).

ماذا لو رجع ؟

وحتى لو صح رجوع أبي حنيفة عن القول بخلق القرآن والقول بالإرجاء والقول بالسيف والاستهزاء بالسنة ورد السنة فهل يصيره هذا إماماً ؟ والوقوع في كل هذه البدع الخطيرة أمارة قلة تحقيق وقلة العلم لا اتساع في العلم فرجل يقع في الكفر فيستتاب فيتوب ثم يرجع فيستتاب أخرى ، ولكي يتم إقناعه بأن القول بخلق القرآن كفر يأخذ ذلك منه عاماً كاملاً ويشتهر كثرة غلطه في الفقه حتى يقول البتي : ( ويحه ما يخطيء مرة فيصيب )

وهو متروك في الحديث ، فمن أين له أن يستحق الإمامة في السنة وهو وصف ثبوتي ليس سلبياً فقط يقال ( ليس مرجئاً وليس جهمياً وليس كذا وكذا فهو إمام )

بين أبي يوسف وأبي حنيفة

أبو يوسف صاحب أبي حنيفة خيرٌ منه فقد وصفه أحمد بأنه ( كان منصفاً في الحديث ) وفضله على الشيباني وأبي حنيفة في باب قبول الحديث

ثم إنه صدوق في الحديث وأبو حنيفة متروك وقد اتهم كما تقدم

ولما قال أبو زرعة في أبي حنيفة ( كان جهمياً ) قال في أبي يوسف ( ما أبعده عن التجهم )

ولم يكن يرى السيف وما كان عنده إلا الإرجاء والرأي فما كان موقف السلف منه ؟

أحمد كان ينهى عن الرواية عنه ولم يخرج أي حديث ومع أنه كان صدوقاً لم يخرج أصحاب الكتب الستة والمسانيد المشهورة أي حديث من طريقه

وشريك كان لا يقبل شهادته ويقول ( لا أقبل شهادة من يقول الصلاة ليست من الإيمان )

وابن المبارك كان كلما ذكره مزقه

فهذا موقفهم منه مع براءته من أشنع أقوال أبي حنيفة فكيف برجل هو أستاذ أبي يوسف فيما انتقد عليه ويزيد على أبي يوسف مقالات أخرى مستشنعة

ولماذا لم ينعقد الإجماع على إمامته وعدم جواز ذكر ما قيل فيه هو الآخر أم أن أبا حنيفة خصه الله عز وجل من دون كل المجروحين بأنه هو الذي انعقد الإجماع على تعديله بعدما ؟ أترك الجواب لأهل الإنصاف وهذا زفر بن الهذيل وحاله قريب من حال أبي يوسف قال العقيلي في الضعفاء (3/221) : حدثنا محمد بن إسماعيل قال : حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال : حدثنا بشر بن السري قال : ترحمت يوما على زفر وأنا مع سفيان الثوري ، فأعرض بوجهه عني وهذا إسناد قوي

قبل أن ......... تذكر !

أقول لمن يرد الجرح المذكور في أبي حنيفة قبل أن تردد قاعدة ( الجرح المفسر مقدم على التعديل المجمل ) في أي مناسبة تعرض

تذكر أنك ترد الجرح في المفسر في رجل اجتمع فيه من أسباب الجرح ما لم يجتمع في غيره

وتذكر أنك ترد جرحاً اجتمع عليه سفيان وابن المبارك والأوزاعي ومالك وأحمد والشافعي ولم يجتمعوا هذا الاجتماع على رجل غيره

قال الخطيب في تاريخه (15/ 516) : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن علي بن مخلد الوراق لفظا، قال: في كتابي عن أبي بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن صالح الأبهري الفقيه المالكي، قال: سمعت أبا بكر بن أبي داود السجستاني، يوما وهو يقول لأصحابه: ما تقولون في مسألة اتفق عليها مالك وأصحابه، والشافعي وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه، والحسن بن صالح وأصحابه، وسفيان الثوري وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه؟ فقالوا له: يا أبا بكر، لا تكون مسألة أصح من هذه، فقال: هؤلاء كلهم اتفقوا على تضليل أبي حنيفة.

إسنادها صحيح شيخ الخطيب محمد بن علي بن محمد بن مخلد منسوب إلى جده والأبهري حافظ معروف

قال ابن رجب في شرح علل الحديث :" وقال إسحاق بن إبراهيم : (( إذا اجتمع سفيان الثوري ومالك ابن أنس والأوزاعي على أمر فهو سنة ، وإن لم يكن في كتاب ناطق ، فإنهم أئمة )) "

وقد اجتمعوا على جرح أبي حنيفة فقال سفيان والأوزاعي :" ما ولد في الإسلام أشأم منه " وأما مالك فقال :" كاد الدين كاد الدين كاد الدين ومن كاد الدين فليس من أهل العلم "

تكلموا في قوله لا فيه !

بعض إخواننا - غفر الله له - جاء بغريبة من الغرائب وهي دعواه أن السلف تكلموا في قول أبي حنيفة ولم يريدوا شخصه

وهذه الفلسفة لا مكان لها في الشرع فالقائل يتحمل مسؤولية القول فكلمة تهوي بصاحبها في النار سبعين خريفاً ، وكلمة يترتب عليها حد ثمانين جلدة في ظهر الرجل ، وكلمة قد يخرج المرء من الإسلام

نعم قد يقول المرء الكلمة مكرهاً أو خطأ أو متأولاً فينصب الذم على كلامه ، وهو يعتذر له ولكن من قال بعدة ضلالات ثم دعا إليها فليس هذا بابه

ثم إن نصوص السلف تكذب هذا الزعم فلعنه والدعاء عليه ودعوى أنه ما ولد في الإسلام شر منه كل ذلك يتعلق بشخصه

ويا ليت شعري هل يوجد غير أبي حنيفة يدعى فيه هذه الدعوى ؟

وهل الأقوال كيان منفصل عن القائلين لا يتحملون تبعاتها ؟

وإذا سمعت من يتكلم ببعض كلام السلف في أبي حنيفة فاعتذر له كما اعتذرت للسلف فقل ( يتكلم في قوله لا فيه ) ووسع باب الاعتذار لكي يشمل إخوانك بارك الله فيك

الرحم الذي نشأ فيه التجهم

ليعلم أن قواعد أهل الرأي المحدثة هي التي فتحت الباب لأهل التجهم

فمثلاً قاعدتهم بأن خبر الواحد لا يقبل فيما تعم به البلوى هي التي فتحت الباب لرد أخبار الآحاد في العقيدة

وردهم لرواية الصحابي غير الفقيه فتحت باب الطعن في مرويات الصحابة في باب الصفات

قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في رسالته التي طبعت مؤخراً بعنوان ( فضائل الأئمة الأربعة )! ص11:" وأما أهل الرأي : فهم وإن كان لهم جمل من الكلام في ذلك ، فليس لهم قواعد محررة لا في أصول الدين ولا في أصول فقه ، ولهذا كان المتبعون لهم فيهم من جميع أهل الأهواء "

وهذا واضح فإن بشراً المريسي كان حنفياً وكذا ابن أبي دؤاد وابن كرام وأبو علي الجبائي والزمخشري وحتى ابن سينا كان يظهر التحنف

ومن المعاصرين محمد عبده المصري

وقال الإمام أحمد في الرد على الجهمية والزنادقة ص97 وهو يتكلم عن الجهم :" وتأوَّل القرآن على غير تأويله، وكذب بأحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله كان كافرًا، وكان من المشبهة، فأضل بكلامه بشرًا كثيرًا، وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة"

فتأمل من اتبعه !

لم يتبعه أصحاب مالك أو أصحاب الشافعي أو أصحاب سفيان أو أصحاب الأوزاعي إنما اتبعه أصحاب أبي حنيفة وعمرو بن عبيد لأنهم كانوا بيئة قابلة لمثل هذه المذاهب وأصولهم لا تنفي البدع كما قال شيخ الإسلام

وقد ذكر المعلمي وهو يبرر كلام سفيان والأوزاعي الشديد في أبي حنيفة أنهم استظهروا الآثار السلبية لأصول أبي حنيفة وكان مصداق ما ذهبوا إليه مآل حال الحنفية بعد أبي حنيفة

قال المعلمي في التنكيل (1/259) :" كان الثوري والأوزاعي كجمهور الأئمة قبلهما وفي عصرهما يريان الارجاء ورد السنة بالرأي والقول ببعض مقالات الجهمية كل ذلك ضلالة من شأنها أن يشتد ضررها على الأمة في دينها ودنياها ورأيا صاحبكم واتباعه مخطئين أو مصيبين جادين في نشر ذلك ولاتزال مقالاتهم تنتشروتجر إلى ما هو شر منها حتى جرت قوما إلى القول بأن أخبار الآحاد مردودة مطلقا وآخرين إلى رد الأخبار مطلقا كما ذكره الشافعي ثم جرت إلى القول بأن النصوص الشرعية لا يحتج بها في العقائد ! ثم إلى نسبه الكذب إلى أنبياء الله عز وجل وإليه سبحانه كما شرحته في قسم الاعتقاديات . شاهد الثوري والأوزاعي طرفا من ذلك ودلتهما الحال على ما سيصير إليه الأمر فكان كما ظنا وهل كانت المحنة في زمن المأمون والمعتصم والواثق إلا على يدي أصحابكم ينسبون أقوالهم إلى صاحبكم ؟ وفي كتاب ( قضاة مصر ) طرف من وصف ذلك . وهل جر إلى استفحال تلك المقالات إلا تلك المحنة ؟ وأي ضر نزل بالأمة أشد من هذه المقالات ؟ فأما سقوط مذهبيهما ، فخيرة اختارها الله تبارك وتعالى لهما ، فإن المجتهد قد يخطئ خطأ لا يخلو عن تقصير ، وقد يقصر في زجر أتباعه عن تقليده هذا التقليد الذي نرى عليه كثيراً من الناس منذ زمان طويل ، الذي يتعسر أو يتعذر الفرق بينه وبين اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله ، فقد يلحق المجتهد كفل من تلك التبعات ، فسلم الله تعالى الثوري والأوازعي من ذلك ، فأما ما يرجى من الأجر على الأتباع في الحق فلهما من ذلك النصيبالأوفر بما نشراه من السنة علماً وعملاً ، وهذه الأمهات الست المتداولة بين الناس حافلة بالأحاديث المروية من طريقهما وليس فيها لصاحبكم ومشاهير أصحابه حديث واحد ! وقد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في ( تاريخه الكبير ) فيترجمة الثوري (( قال لنا عبدان عن ابن المبارك : كنت إذا شئت رأيت سفيان مصلياً ، وإذا شئت رأيته محدثاً ، وإذا شئت رأيته في غامض الفقه . ومجلس شهد ( في التاريخ الصغير ص 187 : شهدته ) ما صلي فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم - . - يعني مجلس النعمان )) ولهذه الحكاية طرف في ( تاريخ بغداد ) و ( تقدمة الجرح والتعديل ) لابن أبي حاتم وغيرهما . وقد علمنا كيف انتشر مذهبكم ،

أولاً أولع الناس به لما فيه من تقريب الحصول على الرئاسة بدون تعب في طلب الأحاديث مسماعهما وحفظهما والبحث عن رواتها وعللها وغير ذلك ، إذ رأوا أنه يكفي الرجل يحصل له طرف يسير من ذلك من ثم يتصرف برأيه ، فإذا به قد صار رئيساً !

ثانياً: ولي أصحابكم قضاء القضاة فكانوا يحرصون على أن لا يولوا قاضياً في بلد من بلدان الإسلام إلا على رأيهم ، فرغب الناس فيه ليتولوا القضاة ، ثم كان القضاة يسعون في نشر المذهب في جميع البلدان .

ثالثاً : كانت المحنة على يدي أصحابكم واستمرت خلافة المأمون وخلافة المعتصم وخلافة الواثق ، وكانت قوى الدولة كلها تحت إشارتهم فسعوا في نشر مذهبهم في الاعتقاد وفي الفقه في جميع القطار ، وعمدوا إلى من يخالفهم في الفقه فقصدوه بأنواع الأذى الذي ولذلك تعمدوا أبا مسهر عبد الأعلى بن مسهر عالم الشام وارث فقه الأوزاعي وافمام أحمد ابن حنبل حامل راية فقه الحديث وأبا يعقوب البويطي خليفة الشافعي وابن عبد الحكيم وغيره من المالكية بمصر ، وفي كتاب ( قضاة مصر ) طرف مما صنعوه بمصر وفي ذلك يقول الشاعر يمدح قاضيكم بمصر : ولقد بجست العلم في طلابه ... وفجرت منه منابعاً لم تفجر فحميت قول أبي حنيفة بالهدى ... ومحمد واليوسفي الأذكر وفتى أبي ليلى وقول قريعهم ... زفر القياس أخي الحجاج الأنظر وحطمت قول الشافعي وصحبه ... ومقالة ابن علية لم تصحر ألزقت قولهم الحصير فلم يجز ... عرض الحصير فإن بد لك فاشبر والمالكية بعد ذكر شائع ... أخملتها فكانها لم تذكر ثم ذكر إكراه علماء مصر على القول بخلق القرآن وغير ذلك . راجع كتاب ( قضاة مصر ) ص 452 .

رابعاً غلبت الأعاجم على الدولة فتعصبوا لمذهبكم لعلة الجنسية في سبيلها وما فيه من التوسع في الرخص والحيل !

خامساً : تتابعت دول من ألعاجم كانوا على هذه الوتيرة .

سادساً : قام أصحابكم بدعاية لا نظير لها واستحلوا في سبيلها الكذب حتى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كما نراه في كتب المناقب .

سابعاً : تمموا ذلك بالمغالطات التي ضرب فيها الكوثري المثل الأقصى في ( التأنيب ) كما شرحت أمثلة من ذلك في ( الطليعة ) وفي هذا الكتاب ، ومر بعضها في هذه الترجمة نفسها .

فأما النضج الذي يدعيه الأستاذ فيظهر نموذج منه في قسم الفقهات ، بل في المسألة الأولى منها !

وقد كان خيراً للأستاذ ولأصحابه ولنا وللمسلمين أن يطوي الثوب على غرة ويقر الطير علي مكناتها ويدع ما في ( تاريخ بغداد ) مدفوناً فيه ويذر النزاع الضئيل بين مسلمي الهند مقصوراً عليهم ويتمثل قول زهير : وما الحرب إلا ما علمتم وذتم و ... وما هو عنها بالحديث المرجم متى تبعوها تبعثوها ذميمة ... وتضر إذا أضريتموها فتضرم فتعرككم عرك الرحى بثفالها ... وتلقح كشافاً ثم تنتج فتبتسم فتنتج لكم غلمان اسأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتنفطم فتغلل لكم مالا تغل لأهلها قرى بالعراق من قفيز ودرهم وقد جرني الغضب للسنة وأئمتها إلى طرف مما أكره ، وأعوذ بالله من شر نفسي وسيء عملي ، ( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ "

فتأمل قول المعلمي (وهل جر إلى استفحال تلك المقالات إلا تلك المحنة ؟ وأي ضر نزل بالأمة أشد من هذه المقالات ؟)

ويعني بذلك مقالات أبي حنيفة فهو يراها مقدمة لتلك المحنة التي عصفت بالأمة وصدق فيما قال

وقال الدارمي في الرد على المريسي وهو يخاطب المريسي وابن الثلجي ص167 :" كَذَلِكَ رَوَى زَعِيمُكُمُ الْأَوْسَطُ يَعْقُوبُ أَبُو يُوسُفَ"

فإذا كان أبو يوسف زعيمهم الأوسط فمن زعيمهم الأعلى ؟

محو الصحيفة !

قال أبو عمرو الداني الأندلسي في أرجوزته المنبهة وامح الذي في الكتب والصحيفة ............... من قول ذي الرأي أبي حَنِيفَة وصحبه إذ خالفوا التنزيلا ............... وخالفوا في حكمه الرسولا

والداني توفي بعد الأربعمائة ، وهذه الدعوة منه لعله استفادها من كلام بعض السلف فإن الإمام أحمد كان يكره رواية الحديث عنهم فكيف الفقه ؟

وتقدم إنكارهم على ابن المبارك روايته عن أبي حنيفة

وقال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (1/228) :" وقال عباس الدوري سمعت أَحْمَد بن حنبل يقول عجب لأصحاب الحديث تنزل بهم المسألة فيها عَنِ الحسن وابن سيرين وعطاء وطاوس حتى عد عدة فيذهبون إلى أصحاب الرأي فيسألونهم ألا ينظرون إلى علمهم فيتفقهون به؟"

وقال أيضاً (1/ 263) :" مُحَمَّد بْن أَحْمَدَ بْنِ واصل أَبُو الْعَبَّاس المصري: سمع أباه ومحمد بْن صَالِحٍ الخياط ومحمد بن سعدان النحوي وخلف بن هشام البزار وإمامنا في آخرين روى عنه أبو مزاحم الخاقاني وأبو الحسن بن شنبوذ وغيرهم.
وذكره أَبُو بَكْرٍ الخلال فقال: عنده عَنْ أبي عبد اللَّه مسائل حَسَّان قَالَ: أَبُو بَكْرٍ الخلال سمعته يقول سمعت أبا عبد اللَّه سئل عَنْ الرأي فرفع صوته وقال لا تكتب شيئا من الرأي" وقال أيضاً (1/337) :" مُحَمَّد بْن يس بْن بشر بْن أبي طاهر البلدي أحد الأصحاب.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الخلال سمعته يقول سألت أبا عَبْد اللَّهِ عَنِ النظر فِي الرأي فقال: عليك بالسنة فقلت: له يا أبا عبد اللَّهِ صاحب حديث ينظر فِي الرأي إنما يريد أن يعرف رأي من خالفه فقال: عليك بالسنة" وقد جرى الترمذي طوال جامعه على عدم ذكر أبي حنيفة وإنما يذكر أهل الرأي أما أبو حنيفة فلا يسميه إلا في موطن واحد عند ذكر نقد وكيع له وأما اليوم فأمرهم استشرى فتدرس مذاهبهم لمناقشتها علمياً فبعض خلافهم من جنس اختلاف فقهاء أهل الحديث بينهم ، وبعضه مأخذهم فيه أصولهم الفاسدة ، ويبعد عندي أن ينفردوا بالصواب من دون أهل الحديث قاطبة فإن أهل الحديث هم الذين وصفوا بأنهم على الحق ظاهرين

أنت تنزه ...وأنا أنزه

يقول البعض ( أنا أنزه أبا حنيفة الذي اتبعه هذا العدد من المسلمين أن يقول بهذه المقالات )!

ويغفل أن عامة الحنفية مرجئة فهم اتبعوه على الضلالة أصلاً ، بل وعامتهم يتركون السنن الثابتة كالجهر بالتأمين ورفع اليدين قبل الركوع وبعده والعقيقة وصلاة الاستسقاء وغيرها من السنن متابعة لهذا الرجل وتقليداً له فهل مثل هؤلاء يصيرون حجة في الحكم على رجل بالهداية أو الضلالة

وأنا أنزه الإمام مالك عن أن يقول ( كاد الدين كاد الدين ) في رجل خلا من أسباب الجرح

وأنا أنزه سفيان والأوزاعي على أن يقولا في رجل ما ولد في الإسلام شر منه وهو خال من أسباب الجرح

وأنا أنزه الشافعي عن أن يقول ( جاهل بالكتاب جاهل بالسنة ) في رجل فقيه كبير مجتهد وأنا أنزه شعبة وحماد بن سلمة عن أن يلعنا رجلاً خلا من أسباب الجرح وأنا أنزه حرب الكرماني وابن أبي داود وابن عبد البر وابن حبان وابن الجوزي على أن يدعيا الإجماع على جرح رجل غير مجروح

تشويش لمحمد الغزالي

قال الغزالي في دستور الوحدة ص 68: (حديث الآحاد يعطي الظن العلمي أو العلم الظني، ومجاله الرحب في فروع الشريعة لا في أصولها ونحن نؤكد أن خبر الواحد قديماً وحديثاً ما كان يفيد إلا الظن، وأبو حنيفة له وجهة نظر معقولة عندما استبعد خبر الواحد في إيجاب واجب أو تحريم محرم واعتبر أن ذلك يحتاج إلى القطع، ويمكن الاحتجاج بخبر الواحد في نطاق المندوب والمكروه، ومع ذلك ففي عصرنا قوم يريدون بخبر الواحد إثبات العقائد التي يكفر منكرها وهذا ضرب من الغلو الممجوج، وقد ينتهي بالصد عن سبيل الله، والحق أن حديث الآحاد دليل محترم ما لم يكن هناك دليل أقوى منه وأولى بالقبول) ا. هـ.

الغزالي من أشهر المعروفين برد الحديث في هذا العصر وقد وجد في أصول أبي حنيفة في رد خبر الواحد فيما تعم به البلوى ورد خبره إذا خالف القياس ورد خبره في الحدود متكأ لمنهجه السوء فتأمل هذا

وقال الغزالي في كتابه سر تأخر العرب ص53 :" إن الفقي حلف بالله أن أبا حنيفة كافر"

ويقصد بالفقي محمد حامد الفقي رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية ، ولعل الفقي حلف بالله على ضلاله فإنه كان له عناية بكتب السلف ، وقد أخرج طبقات الحنابلة وفيها كلام كثير في ذم أبي حنيفة وكان يسكت عليه ولا يعلق وكذلك أخرج رد الدارمي على المريسي وما كان يعلق على المواطن المتعلقة بأبي حنيفة ، وله طبعة قديمة لكتاب السنة لعبد الله لم أقف عليها

والغزالي هنا يشوش على محمد حامد لينفر الناس من دعوته ، فأعيذ إخواننا من أن يسلكوا هذا المسلك ، على أن الفقي عليه مآخذ عديدة ليس هذا محل بسطها

ولا أستغرب أبداً من دفاع الغزالي عن أبي حنيفة فلو كنت مكانه لفعلت الأمر نفسه فإن رد الغزالي لبعض الأحاديث الصحيحة بقوله ( هذه مسرحية بايخة ) وقوله ( ضعه تحت قدمك ) يضاهي تماماً رد أبي حنيفة لبعض الأحاديث الصحيحة بقوله ( خرافة ) و ( رجز )

وحتى الصحابة لم يسلموا

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (2/518) :" قَالَ الحَافِظُ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا المَعْمَرِ المُبَارَكَ بنَ أَحْمَدَ، سَمِعْتُ أَبَاالقَاسِمِ يُوْسُفَ بنَ عَلِيٍّ الزَّنْجَانِيَّ الفَقِيْهَ، سَمِعْتُ الفَقِيْهَ أَبَا إِسْحَاقَ الفَيْرُوْزَابَادِيَّ، سَمِعْتُ القَاضِي أَبَا الطَّيِّبِ يَقُوْلُ: كُنَّا فِي مَجْلِسِ النَّظَرِ بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، فَجَاءَ شَابٌّ خُرَاسَانِيٌّ، فَسَأَلَ عَنْ مَسْأَلَةِ المُصَرَّاةِ ، فَطَالَبَ بِالدَّلِيْلِ، حَتَّى اسْتَدَلَّ بِحَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الوَارِدِ فِيْهَا، فَقَالَ - وَكَانَ حَنَفِيّاً -: أَبُو هُرَيْرَةَ غَيْرُ مَقْبُوْلِ الحَدِيْثِ . فَمَا اسْتَتَمَّ كَلاَمَهُ حَتَّى سَقَطَ عَلَيْهِ حَيَّةٌ عَظِيْمَةٌ مِنْ سَقْفِ الجَامِعِ، فَوَثَبَ النَّاسُ مِنْ أَجْلِهَا، وَهَرَبَ الشَّابُّ مِنْهَا وَهِيَ تَتْبَعُهُ.
فَقِيْلَ لَهُ: تُبْ تُبْ.
فَقَالَ: تُبْتُ.
فَغَابَتِ الحَيَّةُ، فَلَمْ يُرَ لَهَا أَثَرٌ.
إِسْنَادُهَا أَئِمَّةٌ"

وهذه الجسارة من أهل الرأي على أبي هريرة تفوه بها متقدموهم قال ابن القيم في مختصر الصواعق المرسلة ص607 :" وطائفة حادية عشر : ردوه _ يعني خبر الواحد _ إذا كان الراوي له من الصحابة غير فقيه بزعمهم وقبلوه إذا كان فقيهاً ، وبمثل هذا ردوا رواية أبي هريرة إذا خالفت آراءهم ، قالوا لم يكن فقيهاً ، وقد أفتى في زمن عمر بن الخطاب وأقره على الفتوى ، واستعمله نائباً على البحرين وغيرها ، ومن تلاميذه عبد الله بن عباس وغيره من الصحابة ، وسعيد بن المسيب وغيره من التابعين

قال البخاري : روى العلم عنه ثمان مائة ما بين صاحب وتابع ، وكان من أعلم الصحابة وأحفظهم له ، وكان قارئاً للقرآن ، وكان عربياً والعربية طبعه ، وكان الصحابة يرجعون إلى روايته ويعملون بها ، نعم كان فقهه نوعاً آخر غير الخواطر والآراء

قال الشافعي : ناظرت محمداً _ يعني الشيباني _ في مسألة المصراة فذكرت الحديث ، فقال هذا خبر رواه أبو هريرة ، وكان الذي جاء به شراً مما فر منه أو كما قال "

يريد الشافعي أن طعنه في أبي هريرة شر من مخالفته للسنة في تلك المسألة ، وقد غضب ابن حزم غضباً شديداً على أهل الرأي من أجل طعنهم في أبي هريرة

قال ابن حزم في المحلى (8/178) :" وروينا من طريق أبى عبيدأنه ناظر في هذه المسألة محمد بن الحسن فلم يجد عنده أكثر من ان قال: هذا من حديث أبى هريرة قال على: نعم هو والله من حديث أبى هريرة البر الصادق لامن حديث مثل محمد ابن الحسن الذى قيل لعبد الله بن المبارك: من أفقه أبو يوسف

أو محمد بن الحسن؟ فقال: قل: أيهما أكذب "

كذا ابن حزم في المحلى حيث قال (8/ 372) :" وأما احتجاج أبى حنيفة بحديث المصراة فطامة من طوام الدهر وهو أول مخالف له وزار عليه وطاعن فيه مخالف كل ما فيه، فمرة يجعله ذو التورع منهم منسوخا بتحريم الربا وكذبوا في ذلك ما للربا ههنا مدخل،ومرة يجعلونه كذبا ويعرضون بأبى هريرة والله تعالى يجزيهم بذلك في الدنيا والآخرة وهم أهل الكذب لا الفاضل البر أبو هريرة رضىالله عنه وعن جميع الصحابة وكب الطاعن على أحد منهم لوجهه ومنخريه ثم لا يستحيون من أن يحتجوا به فيما ليس فيه منه شيء"

وفي المجموع من أقوال الشيخ حماد الأنصاري لابنه عبد الأول 19- قال الوالد: "الأحناف غضاب على أبي هريرة رضي الله عنه؛ لأنّ أكثرَ ما رواه يردُّ عليهم ولله الحمد".
قلت: يعني: أنّ الأحاديث التي رواها تردُّ على أكثر آرائهم التي تخالف الأحاديث.

وفيه أيضاً قوله 274 : سمعته يقول: "إن الأحناف يقولون: إن أبا هريرة رضي الله عنه: ليس بفقيه وهذه المقالة سبب قولهم لها هو أن أبا هريرة رضي الله عنه صاحب حديث كثير والحديث الذي يرويه يقضى على كثير من آرائهم"

أول من قال بالبدعة الحسنة

قال ابن المنذر في الأوسط (4/6) :" وخالف النعمان كل ما ذكرناه ، فحكى يعقوب عنه في الجامع الصغير أنه قال : التثويب الذي يثوب الناس في صبح الفجر بين الأذان والإقامة : حي على الصلاة مرتين ، حي على الفلاح مرتين ، وكان كره التثويب في العشاء وفي سائر الصلوات . قال أبو بكر : فخالف ما قد ثبتت به الأخبار ، عن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلال ، وأبي محذورة ، ثم جاء عن ابن عمر ، وأنس بن مالك ، وما عليه أهل الحرمين من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ، يتوارثونه قرنا عن قرن يعملون به في كل زمان ظاهرا في أذان الفجر في كل يوم ، ثم لم يرض خلافه ما ذكرناه حتى استحسن بدعة محدثة لم ترو عن أحد من مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عمل به على عهد أحد من أصحابه . وفي كتاب ابن الحسن : كان التثويب الأول بعد الأذان : الصلاة خير من النوم ، فأحدث الناس هذا التثويب وهو حسن . قال أبو بكر : وقد ثبتت الأخبار عن مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن ذكرنا من أصحابه أن التثويب كان في نفس الأذان قبل الفراغ منه فكان ما قال : أن التثويب الأول كان بعد الأذان محالا لا معنى له ، ثم مع ذلك هو خلاف ما عليه أهل الحجاز ، والشام ، ومصر ، وخلاف قول سفيان الثوري ، ثم استحسن أقر أنه محدث ، وكل محدث بدعة " وليس هذا ببعيد عن بدعة الإرجاء

فأهل الرأي أول من ظهر فيهم القول بخلق القرآن وأول من قالوا بالبدعة الحسنة وأول من أظهر رد أحاديث أبي هريرة وأول من رد الأحاديث بالرأي وأول من قال بالحيل وهذه البدع لا زالت منتشرة في الأمة خصوصاً في أتباعهم من الأحناف فهل هذه سابقتهم في الإسلام التي يدعيها البعض ؟ فبعض هذه تكفي لئن يأخذ المرء المسلم المحب لدينه موقف السلف منهم فكيف وقد أضيف إليها غيرها ؟ وكيف إذا كانوا لم يرووا حديثاً واحداً في كتب الإسلام المشهورة بل الشيباني وأبو حنيفة متروكان ؟

عندما طرد المريسي أصوله...

قال عبد القادر القرشي في كتابه الجواهر المضية في طبقات الحنفية في ترجمة المريسي (1/165) :" وَله أَقْوَال فى الْمَذْهَب غَرِيبَة مِنْهَا جَوَاز أكل لحم الْحمار"

هذا الاختيار على قبحه وشذوذه يتناسب تماماً مع أصول أهل الرأي

فمن أصولهم أن الحكم إذا ذكر في القرآن ثم جاءت السنة وزادت على ما في القرآن لم يقبلوا زيادة السنة بدعوى أن الزيادة نسخ والسنة لا تنسخ القرآن

وبهذا التقرير الغريب ردوا الأحاديث الصحيحة في تغريب الزاني

والمريسي نظر في القرآن فوجد قوله تعالى (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

وقوله تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

فلم يجد الحمر الأهلية ولا يوجد النهي عن الحمر الأهلية إلا في السنة فصارت السنة زائدة على القرآن والزيادة نسخ والسنة لا تنسخ القرآن!

فلو كان المريسي أو من على مذهبه أحياء لحاججوا أهل الرأي بهذه الحجة

ومن أصول أهل الرأي عدم قبول أخبار الواحد فيما تعم به البلوى ، وعدم قبول خبر الواحد في الحدود وعدم قبوله إذا خالف القياس وكان راويه ليس فقيهاً

فللجهمي أن يقول لهم وكذلك الصفات أمرها أجل من كل ما ذكرتم فلا نقبل فيها إلا المتواتر

وقد سار على هذا المنهج الكوثري في رده لحديث الجارية حيث أن ادعى راويه ليس فقيهاً يتكلم في الصلاة !

وكذلك صار على هذا المنهج عبد الله الغماري الجهمي في كتابه ( الفوائد المقصودة في الزيادات الشاذة والمردودة ) فرد خبراً لأبي هريرة بحجة أنه غير فقيه ولا يقبل خبره فيما خالف القياس

اقتراح أطروحة علمية

أقترح أن تكتب أطروحة علمية في ( أصول مذهب أهل الرأي التي باينوا فيها أهل الحديث وما تفرع عنها من اختيارات فقهية )

وأن يقوم بمناقشة هذه الأصول والانتصار لمذهب أهل الحديث ، وأحسب أن بحثاً كهذا سيفتح باباً من الخير في وجه الدارسين للفقه وسيبين حقيقة الخلاف في العشرات من المسائل الفقهية ويبين حجم الخلاف بين أهل الحديث وأهل الرأي بشكل يفهمه جميع طبقات المتعلمين ولو عرض الباحث إلى تطور هذه الأصول إلى أصول اعتزالية جهمية فخذت للفتنة الكبرى لكان حسناً

هذا البحث فتنة !

يرى بعض الناس أن مجرد ذكر ما جرح به أبو حنيفة فتنة ، والواقع أن هذه الهالة من التشنج التي تحيط ببحث هذه المسألة هي التي حالت بين كثير من الباحثين والوصل إلى الحق ، فليس من المصلحة أن ينتشر مفهوم خاطيء في مسألة معينة ، ثم لا يصوب هذا المفهوم البتة ولو بطريقة علمية هادئة

والفتنة في فتح باب رد الجرح المفسر

والفتنة في تسلط أمثال الكوثري وحسن المالكي وأبي غدة على أئمة الإسلام يقدحون فيهم متذرعين بهذه المسألة

والفتنة في قول بعضهم ( الخروج بالسيف ) مسألة خلافية بين العلماء ويحتج بأبي حنيفة والفتنة في تضليل من يقرأ كتاب السنة لعبد الله بن أحمد كما حصل لي شخصياً والأحناف ليس لهم سلطان في بلادنا والحمد لله ، والفتنة إنما يؤجهها من يدعي أنه يريد إخماد الفتنة فلو ترك المسألة للبحث العلمي الجاد لم تحدث فتنة ، ولكنه يشغب ويشوش حتى يصير الأمر فتنة حقاً

وهذا الشيخ مقبل الوادعي صنف كتاباً خاصاً في هذه المسألة ودعوته من أنجح الدعوات المعاصرة ، بل ثلب أبي حنيفة موجود في الكثير من الكتب التي تطبع بشكل يومي والشمس لا تحجب بغربال والعجيب أن كل من أراد أن يدافع عن هذا الرجل ويكتب أبحاثاً يرد بها على جارحيه لا يكون بحثه فتنة ، وأما من انتصر لقول أئمة أهل الحديث فقوله فتنة ! ومشكلتك ليست معي بل مشكلتك مع من تكلم في هذا الرجل ، وكما حكمت على بحثي بالإعدام احكم على المصادر التي نقل منها هذا البحث ولا سبيل لك إلى ذلك لكثرة تلك المصادر قال الذهبي في تاريخ الإسلام (5/387) :" قال الحاكم: نا أبو أحمد بن أبي الحسن قال: أرسلني ابن خزيمة إلى أبي العباس السراج فقال: قل له أمسك عن ذكر أبي حنيفة وأصحابه، فإن أهل البلد قد شوشوا.
فأديت الرسالة فزبرني"

رحم الله سلفنا ما تركوا لنا شيئاً لنقوله

المسألة معكوسة !

يرى البعض أن ذكر جرح أبي حنيفة سيكون ذريعة إلى الطعن في بقية الفقهاء إذ أنه الفقيه الأقدم

والمسألة معكوسة فإن مالكاً والشافعي وأحمد ما قالوا بالسيف ولا الإرجاء ولا رد الأحاديث ولا التوسع بالرأي ولا التجهم

فقياس من رمي بهذه عليهم قياس فاسد

وطريقتهم في الفقه هي طريقة أهل الحديث وطريقته طريقة أهل الرأي وهناك تباين منهجي واضح بين الفريقين ونفرة بينة

بل لو عكسنا المسألة وقلنا أن تعديله سيؤدي إلى الطعن فيهم لكان قريباً لأنهم تكلموا فيه بكلام شديد فتكلم فيه سفيان ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بكلام كثير شديد

وتعديله يعني اتهامهم بالظلم أو الكذب أو قصور الاطلاع وهذه خيارات لا ترضي من يوقر هؤلاء الأئمة

ووصفه بالفقيه الأقدم غلط ، فإن فقهاء الصحابة والتابعين كثر وإنما هو طبقة بعدهم وفي طبقته كان سفيان ومالك والأوزاعي

قال المعلمي في التنكيل (1/427) :" ولعمري إن محاولة الأستاذ في دفاعه عن أبي حنيفة الطعن في أئمة الإسلام كسفيان الثوري وأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري وعبد الله بن الزبير الحميدي والإمام أحمد بن حنبل والإمام أبي عبد الله البخاري وغيرهم من الأئمة لضر على أبي حنيفة من كلام هؤلاء الأئمة فيه ، ولو قال قائل : لا يتأتى تثبيت أبي حنيفة إلا بإزالة الجبال الرواسي لكان أخف على أبي حنيفة ممن يقول لا يتأتى محاولة ذلك إلا بالطعن في هؤلاء الأئمة ، وإن صنيع الكوثري لأضر على أبي حنيفة من هذا كله ، لأن الناس يقولون الكوثري عالم مطلع ، كاتب بارع ، إن أمكن أحدا" الدفاع عن أبي حنيفة فهو ـ ولو أمكنه ذلك بدون الطعن في هؤلاء الأئمة ودون ارتكاب المغالطات الشنيعة لكان من ابعد الناس عن ذلك "

ومعلوم أن كل ما يكتب اليوم في الدفاع عن هذا الرجل هو رد مبطن على كتاب السنة لعبد الله بن أحمد ورد على الأئمة الذين جرحوه ، ولو فتحنا الباب لرد أحكام أئمة الجرح والتعديل واتهامهم بأنهم ظلمة وقساة يأتون إلى رجل من خيار عباد الله عز وجل ومن الأئمة في الخير فيصمونه بكل نقيصة ، هذا الاتهام سيفتح باب شر

فهذا جمال الدين القاسمي في كتاب ( قواعد في الجرح والتعديل ) يتهم أهل الحديث أنهم تواطؤوا على ظلم محمد بن الحسن الشيباني لأنه من أهل الرأي

وجاء عصريه ابن عقيل الحضرمي وادعى أن أهل الحديث ظلموا الرواة الشيعة وذلك في كتابه ( العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل )

وجاء القاسمي نفسه في كتابه ( تاريخ الجهمية والمعتزلة ) وادعى أن السلف ظلموا المعطلة

وجاء حسن بن فرحان المالكي وجمع ذلك كله ودونه في كتب ونشرها في المملكة ووافقه عدد من أهل الضلال ، وابتدأ الأمر بذكر أبي حنيفة فإذا استقر في نفوس الناس أن أهل الحديث ظلمة أكمل طريقه إلى الرافضة والجهمية ينافح عنهم

ولا شك أن هذا أثر خطير جداً والله المستعان

فالمسألة كبيرة جداً يا أخوة ولا تحتمل التشغيب

وصية أخوية لمن قرأ البحث لعلك لم تعجبك نتيجة البحث ، وأزمعت أن ترد عليه وهذا يسرني حقاً ! نعم يسرني لأن هذا سيدفعك إلى البحث وإذا بحثت ستصل إلى النتيجة عينها التي وصلت إليها وإذا أردت نقل شيء عني من هذه الرسالة فلا تنقله مجرداً عن حجته فلا تقل ( عبد الله يقول أبو حنيفة كذا وكذا ) ثم لا تنقل ما احتججت به ولا من سبقني من الأئمة فإن هذا ليس من الإنصاف وقد أمر الله عز وجل بالعدل مع أهل الكفر فكيف بأخيك السني وكذلك إذا أردت إخبار طالب علم أو عالم بمضمون الرسالة كلف نفسك تصويرها وتقديمها إليه فإنك إذا كنت تثق بعلمه فلن يضره قراءة هذا البحث ، والبحث حتى للمخالف لا يخلو من فائدة - إن شاء الله تعالى -

واعلم وفقك الله أن هذا الذي كتبته في هذه الأوراق التي ربما قرأتها أنت في جلسة واحدة ، قد أخذ مني فترة طويلة من الزمن وقراءات كثيرة ، فلا تنس الفضل بيني وبينك إذ جهدت بتلخيص هذه المادة لك

واعلم رحمك الله أن الباحث إذا وصل إلى نتيجة من خلال بحث علمي موسع فإنه لا يكفي لثنيه عن هذه النتيجة وضع فتيا لمعاصر ، أو إرهابه أو سبه أو شتمه بل لا بد المناقشة العلمية الخالية من المماحكة والجدل البارد حتى تثنيه عما توصل إليه

الخاتمة هذا ما أمكنني كتابته في هذه المسألة ، وعندي كثير لم يكتب غير أن المنصف يكفيه دليل ، والجاهل الظالم لا يكفيه ألف دليل ومن أراد مناقشة شيء من البحث فليتفضل بدون تشنج ، فإن إحاطة البحث بهالة من التشنج لرد الحجة العلمية سبيل الضعفاء

والحق الذين أتدين به بعد بحثي لهذه المسألة فترة ليست قصيرة من الزمن ، أن هذا الرجل قد اجتمع فيه من أسباب الجرح ما لم يجتمع في غيره ، وأنك لا تجد في كتب المجروحين رجلاً تكلم فيه هذا العدد الهائل من الأئمة على تباعد الأقطار إلا هذا الرجل ، ولو ثبت عنه سبب واحد منها فقط لكفى وإذا شئت أن تراهم متكلمين في عقيدته وجدتهم متكلمين بأشد الكلام . وإذا شئت أن تراهم متكلمين في فقهه وجدتهم متكلمين بأشد الكلام ، وإذا أن تراهم متكلمين في حديثه وجدتهم متكلمين بأغلظ الكلام وعامة الدفاعات عنه فيها تكلف ومجانبة للقواعد العلمية ، والمدافع تنزلق رجله من حيث لا يشعر إلى الحط على من تكلم به من الأئمة أو على الأقل فتح الباب لذلك والذي أعتقده أن أئمة الجرح والتعديل هم أعدل الناس وأعلم الناس فلو تتابعوا على جرح رجل ولم يفسروا الجرح لم أرَ بداً من متابعتهم فكيف وقد فسر لك الجرح بما فسر.

وقال المعلمي في التنكيل : [ 1 / 97 ] : إذا كان هؤلاء ساخطين على أبي حنيفة هذا السخط الذي يصوره الأستاذ فليت شعري من بقي غيرهم من أئمة الدين يسوغ أن يقال إنه راض عن أبي حنيفة ؟ وهل بقي إلا كسير وعوير ، وثالث ما فيه خير؟ !

هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

۞
جارٍ التحميل